Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:231–232

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:231–232, continued

* الشيخ: مراعاة الفواصل لا شك في هذا، مراعاة الفواصل مقصودة في القرآن الكريم؛ لأن الفواصل إذا كانت على وتيرة واحدة لا شك أنها أصغى للسمع.

ثم نقول: الظاهر -والله أعلم- أن الاختصاص هنا من باب أن الذي اختص بهذا العِلم العام هو الله؛ ولَّا كلمة ﴿بِكُلِّ شَيْء﴾ ما فيها حصر إطلاقًا؛ لكن لا عالِم بكل شيء إلا الله سبحانه وتعالى، أما المخلوق فعلمه محدود، محدود من كل ناحية من أوَّله وآخره وشموله، فمن أوله؛ لأن علم الإنسان مسبوق بالجهل ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾ [النحل ٧٨]. أو لا؟ وعلمك الذي تعلمه اليوم قبل أمس معناه أنك كنت أمس جاهلًا به، كذلك هو محفوف بالنسيان، فهو مسبوق بجهل وملحوق بالنسيان.

ثم هو أيضًا ليس بشامل، ليس بشامل محصور ضيق جدًّا؛ حتى نفسه ما يعرف ماذا يكسب غدًا؛ ولكن الله عز وجل بكل شيء عليم.

ثم قال: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢].

في هذه الآية إشكال من جهة الضمائر، نشوف:

﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ الخطاب لمن؟

* الطلبة: للأزواج.

* الشيخ: للأزواج ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الخطاب للأولياء، هذا هو المشهور؛ ولا مانع من تشتُّت الضمائر إذا كان ذلك معلومًا، لا مانع، كما أنه لا مانع من أن يكون الضمير عائدًا على السابق دون الذي يليه إذا كان ذلك معلومًا، مثل قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج ٧٨]

﴿هُوَ﴾ يعود على مَنْ؟ على الله لا على إبراهيم.

فالحاصل أن تشتيت الضمائر إذا فُهِم المقصود لا بأس به، وقد يكون في تشتيتها فائدة؛ ما هي؟

انتباه الذهن؛ لأن المعروف أن الكلام إذا كان على وتيرة واحدة فإن الإنسان ينساب ذهنه معه، وربما ينسى ولا يتأمل، فإذا اختلفت الضمائر مثلًا أو اختلفت الصيغة كالالتفات فإنه ينتبه، يُفكِّر، يؤمِّل على من يرجع الضمير؛ إذا رجع على ما سبق اختلف المعنى؛ فالآية فيها أقوال:

القول الأول: ما أشرتم إليه أن قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ خِطاب للأزواج، وقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطاب للأولياء؛ ولا مانع من تشتت الضمائر لوضوح المعنى.

والقول الثاني: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ خِطاب للأزواج. ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ خطاب للأزواج ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.

وبِناء على هذا الرأي يكون قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ باعتبار ما مضى ولَّا ما يستقبل؟

* طالب: ما يستقبل.

* الشيخ: باعتبار ما يستقبل، وعلى الأول ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ باعتبار ما مضى، واضح؟

* الطالب: نعم، بالنسبة للضمائر.

* الشيخ: ما هو للضمائر، الأزواج أيضًا عندنا فيها معنيان؛ كلمة ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ هل للماضي أو للمستقبل؟ إذا قلنا ﴿فلا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ إنه خطاب للأزواج، فالمراد بالأزواج المستقبل، وإذا قلنا: الخطاب للأولياء فالمراد بالأزواج من مضى.

كيف يكون الزوج المطلِّق عاضلًا للزوجة المطلَّقة أن تنكح غيره؟

نقول: نعم، هذا موجود في الجاهلية يكون الرجل شريفًا وذا جاه، فإذا طلَّق المرأة ما حد يتعدى فيتزوجها من بعده، فإن فَعَلَ فيا ويله، وحينئذٍ تكون الآية نهى الله فيها عن أيش؟ عن حال كانوا يرتكبونها في الجاهلية؛ أن الزوج إذا طلق الزوجة ما يمكن يخليها تتزوج بعده، وهذا لا شك أنه ظُلم، لكن هذا واقع؛ وأظنكم قد مر عليكم حديث سعد بن عُبادة فيما لو وجد على امرأته رجلًا قال: لأضربنه بالسيف غير مُصْفَحٍ، فقال الرسول ﷺ: «أَلَا تَعْجَبُونَ مِنْ غَيْرَةِ سَعْدٍ؟ وَاللَّهِ إِنِّي لَأَغْيَرُ مِنْ سَعْدٍ، وَاللَّهُ أَغْيَرُ مِنِّي» »[[سبق تخريخه.]]

فأخبره أصحابُه بأنه كان ذا غَيْرة -سعد بن عبادة- حتى إنه إذا طلَّق المرأة لا يتزوجها أحد من بعده، لكنه رضي الله عنه مو بيمنع الناس.

على كل حال إن هذا أمر موجود في الجاهلية فنهى الله عنه، وعلى هذا الرأي تكون الضمائر متشتتة ولَّا على نسق واحد؟ على نسق واحد.

فيه وجه ثالث في الآية: أن الخطاب لعموم الناس إذا طلقتم أيها الناس؛ وليس الخطاب للأزواج، فلا تعضلوهن أيها الناس، وعلى هذا فيُوجَّه المعنى لمن يصِح أن يُوجَّه إليه؛ وهذا القول من حيث إن الأُمَّة شيء واحد فالخطاب لها كأنه خطاب لكل فرد، هذا المعنى له قوة عظيمة، أن الله يخاطِب جميع العباد يقول: إذا طلقتم النساء فلا تعضلوهن. فهو يخاطب الناس باعتبار المجموع، لا باعتبار الجميع الذي يُقصد به كل فرد؛ أي أن الآية مُوجَّهة لكل الناس بقطع النظر عن زيد وعمرو فيكون المعنى: إذا طلقتم فلا تعضلوا؛ ويُنزَّل الطلاق على الزوج، والعَضل على مَنْ يتوجَّه منه العضل من الأولياء أو مِن الأزواج، وهذا المعنى له قوته.

وعلى كل حال فنرجع إلى الآية ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ما هو الطلاق؟

في اللغة: حلُّ القَيْد؛ أطلقتُ الناقة، وطلَّقتُها فَكَكْتُ قَيْدَها.

وفي الشرع: حَلُّ قَيْد النكاح أو بعضه، حل بعضه في الرجعية.

﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ الأجل هنا تمام العِدَّة بالاتفاق بخلاف الأجل في الآية التي قبلها؛ الأجل في الآية التي قبلها بمعنى: المقارَبة على رأي كثير من أهل العلم أو بمعنى بلوغ الأجل قبل الاغتسال، لكن هنا: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ أي: أتممن عِدَّتهن بالاتفاق.

﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ الفاء هنا رابطة للجواب؛ لأيش رابطة للجواب؟

* طالب: طلبية؟

* الشيخ: لا؛ طلبية؟ الفاء طلبية، ويش هي؟

* طالب: لا ناهية.

* الشيخ: لا، ناهية ولَّا نافية؟ نافية بالفاء، ولا ناهية بالهاء؟

* الطلبة: بالهاء؟

* الشيخ: بالهاء، الدليل أنها ناهية؟

* طالب: جزم الفعل.

* الشيخ: جزم الفعل؛ لأنه محذوف النون، ما قال: فلا تعضلونهن؛ إذن هي طلبية ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ والعَضْل معناه المنع، أي: فلا تمنعوهن.

وقوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ﴾ هذه (أن) مصدرية وهي وما بعدها مؤوَّلة بمصدر منصوب بنزع الخافض، والتقدير: من أن ينكحنَ؛ أي من نكاح أزواجهن، والنصب هنا بنزع الخافض مضطرد ولا سماعي؟

* طالب: مضطرد.

* الشيخ: ويش الدليل من كلام ابن مالك؟

* طالب:

وَعَــــــدِّ لاَزِمـــــًا بِحَـــــرْفِجَـــــــــــــــرِّ ∗∗∗ وَإِنْ حُذِفْ فَالنَّصْــبُ لِلْمُنْجَـــــرِّ؎نَقْـــــــلًا وَفِـــــــي أَنَّ وَأَنْيَطَّـــــــــــرِدُ ∗∗∗ مَعْ أَمْنِ لَبْسٍ كَعَجِبْتُ أَنْ يَدُوا

* الشيخ: ﴿يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ هنا أضاف النكاح إلى النساء؛ لأن المراد به العَقْد، والعقد حاصل من الطرفين فيقال: نَكَحَتِ المرأةُ الرجل ونَكَحَ الرجلُ المرأة؛ وأما الوطء فإنهم يقولون.. يقال: نَكَحَ الرجلُ زوجتَه؛ ويقال: نكح بنت فلان؛ أي عقد عليها؛ فإذا صار المراد بالنكاح العقد صحَّ أن يُطلق على الرجل وعلى المرأة.

وقوله: ﴿أَزْوَاجَهُنَّ﴾ جمع زَوْج، وسُمِّي الزوج زوجًا؛ لأنه يَجعل الفرد اثنين بالعَقْد، فالزوج يشفع زوجته وهي كذلك.

وقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ هنا قال: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا﴾ ولم يقل: إذا تراضين تغليبًا لجانب الذكور، وإلا فإن الغالب أن الزوج راضٍ بذلك؛ لأنه خاطِبٌ سواء كان المطلِّق أو رجلًا جديدًا، لكن لما كان الرضا في عقد النكاح مشترط بين الرجل والمرأة غُلِّبَ جانب الرجال فقال: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

وقوله: ﴿تَرَاضَوْا﴾ تفاعلوا؛ أي حصل الرضا من الطرفين.

وقوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين الأزواج والزوجات.

﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ الباء هنا للتعدية أو للمصاحبة؛ يعني إذا تراضوا رضًا معروفًا غير منكر شرعًا ولا عُرفًا؛ فإذا تراضى الزوج والزوجة سواء كان مُطلِّقًا أم خاطبًا بالمعروف الشرعي والعرفي فإنه لا يجوز أن يُعضل النساء من النكاح.

﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿ذَلِكَ﴾ الخطاب لِمَنْ؟

لكل من يصح خِطابُه، وقد يقول قائل: لماذا لم يقُل: ذلكم؛ لأنه يخاطب جماعة في قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾؟

فيقال: إن اسم الإشارة إذا خُوطب به جماعة جاز أن يُذكر مفردًا ولو كانوا جماعة، وجاز أن يُراعى في ذلك المخاطَب؛ الكاف التي تتصل باسم الإشارة يجوز فيها لغةً ثلاثة أوجه:

الوجه الأول: مُراعاة المخاطَب إن كان مُذكرًا ذُكِّرت، وإن كان مُؤنَّثًا أُنِّثت، إذا كان مُفردًا أُفردت، وإذا كان جمعًا جُمعت، وإذا كان مُثنى ثُنِّيت.

والوجه الثاني: أن تُفتح دائمًا، تكون بالإفراد والتذكير ﴿ذَلِكَ﴾ أيًّا كان المخاطب، فكأن المشير يقول: أُشير مخاطِبًا هذا الذي أمامي إلى كذا وكذا.

والوجه الثالث: أن تُذكر الكافُ مُفردة مكسورةً في خطاب المؤنث، مفتوحة في خِطاب المذكر؛ مثال هذا: عندك مثلًا جماعة من النساء تريد أن تُشير إلى شيء مذكر، مخاطِبًا إياهن فتقول؟

* الطلبة: ذلكن.

* الشيخ: ذَلِكُنَّ، كما قالت امرأة العزيز: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ﴾ [يوسف ٣٢]؛ لأنها تشير إلى واحد مُذكِّر وهو يوسف، وتخاطب جماعة نسوة، فجعلت الضمير ضمير جماعة النسوة ﴿ذَلِكُنَّ﴾.

ويجوز أن أقول في خطابهن (ذَلِكِ) بالكسر والإفراد؛ لأنني أخاطِب نساء؛ ويجوز أن أقول: (ذَلِكَ) بالفتح والإفراد؛ وكل هذا جاءت به اللغة، والأفصح مراعاة المخاطب، هذا هو الأفصح؛ ولهذا إذا جاءت على خلاف مُراعاة المخاطب لا بُدَّ فيها من تأويل.

هنا قال: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾ المذكور واضح، المشار إليه مُفرد مذكر؛ لكن المخاطَب ﴿إِذَا طَلَّقْتُم﴾ جماعة ذُكور فيقتضي أن يقول أيش؟

* الطلبة: ذلكم.

* الشيخ: ذلكم، كما جاء كذلك في سورة الطلاق في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق ٢].

وهنا جاءت بالإفراد؛ لأن كِلا الوجهين صحيح.

وقوله: ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ﴾ الموعِظة تقدم لنا أنها ذِكر الأحكام مقرونة بترغيب في الأوامر، وترهيب في النواهي، هذه الموعظة؛ لأن الإنسان يتعظ بها.

وقد تُطلق الموعظة على مجرَّد ذِكر الأحكام لما في الالتزام بها من الاتعاظ والذِّكرى، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء ٥٨].

على أن هذه الآية ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء ٥٨] تشير إلى أيش؟ ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي: الأمر بأداء الأمانة؛ فالحاصل أن هذا معنى الموعظة، ولا شيء أعظم موعظة من القرآن لمن كان له قلْب أو ألقى السمع وهو شهيد، وأما من أعرض عنه ولم يرفع به رأسًا فإنه لا ينتفع به بل يكون عليه مرضًا، ولهذا هنا قيد ﴿يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وإنما خصه بمن كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ لأنه هو الذي يتعظ وينتفع ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٥٧] فالمؤمنون هم الذين ينتفعون.

وقوله: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ (...) لا بد من هذا كله، أما الإيمان باليوم الآخر فإن المراد به الإيمان بأن هذا اليوم كائن لا محالة؛ وقد ذكر شيخ الإسلام في العقيدة الواسطية أنه يَدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أَخْبَر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، وعلى هذا ففتنة القبر، ونعيم القبر أو عذابه تدخل في الإيمان باليوم الآخر.

ويَقْرِن الله عز وجل دائمًا بين الإيمان بالله واليوم الآخر؛ لأن الإيمان باليوم الآخر أكبر ما يحث الإنسان على العمل؛ إذ مَنْ آمن بهذا اليوم الذي سيلاقي فيه ربه وسيحاسبه على عمله ويجازيه عليه فإنه سوف يعمل لهذا اليوم، وأما من أنكره هل يعمل؟ من أنكر هذا اليوم وقال: ما فيه بعث ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾ [الجاثية ٢٤] فهذا ليس بعامل.

فالإيمان باليوم الآخر هو أشد حادٍ للإنسان وحامل له على العمل، فِعلًا للمأمور وتركًا للمحظور.

وسماه الله اليوم الآخر؛ لأنه لا يومَ بعدَه؛ وهذا اليوم الذي يكون هو يوم لا ليلَ فيه؛ لأن الشمس والقمر تُكوَّران وتُلقيان في النار، فليس فيه إلا يوم فقط؛ ولهذا سماه الله اليوم الآخِر فلا يوم بعده.

الإيمان باليوم الآخر قلت: إن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إن الإيمان به يتضمن كل ما أَخْبَرَ به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت فيتضمن فِتنة القبر، وعذابه، ونعِيمه، وقيام الناس حُفاة عُراة غُرلًا، ويتضمن وضع الموازين، ووزن الأعمال، وأخْذ الصحف، والصِّراط، ودُنوَّ الشمس من الناس، والعَرَق، والحوض، والشفاعة، كل ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام من ذلك فإنه داخل في الإيمان باليوم الآخر.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ [البقرة ٢٣٢] ﴿ذَلِكُمْ﴾ شوف الآن أتى بالخطاب مُراعًى فيه المخاطب ﴿ذَلِكُمْ﴾.

﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ اسم تفضيل من الزكاء؛ والزكاء في الأصل التنمية ومنه الزكاة؛ لأنها تُنمِّي المال بإحلال البركة فيه وتُنمِّي الأخلاق بخروج الإنسان من طائفة البُخلاء إلى طائفة الكرماء؛ فالزكاة في اللغة: النماء.

﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ من أي ناحية؟ أزكى لكم في أعمالكم، ونُموِّها وكثرتها؛ لأنكم إذا اتعظتم بذلك أطعتم الله ورسوله، فزادت الأعمال، وزاد الإيمان أيضًا؛ لأن الإيمان حتى الإيمان اللي في القلب يزداد بامتثال الأمر واجتناب النهي لله عز وجل.

وقوله: ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه أيش؟ هل هي الموعظة، أو ما ذُكِر من الأحكام، أو لازم الموعظة وهو الاتعاظ؟

يعني عندنا الآن أحكام: إذا طلقتم النساء فلا تعضلوهن، وعندنا موعظة، وعندنا حُكْم، وعندنا اتعاظ، فعلى أي شيء تعود هذه الإشارة؟ هل المعنى ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي عدم عضلكم أزْكى لكم؟ أو المعنى ﴿ذَلِكُمْ﴾ أي اتعاظكم بهذه الموعظة أزكى لكم؟

* الطلبة: تشمل الجميع.

* الشيخ: تشمل الجميع؛ يعني ذلكم المذكور من الأحكام والموعظة، والاتعاظ أزْكَى لكم؛ كما قلت: اسم تفضيل من الزَّكاء وهو النماء.

﴿وَأَطْهَر﴾ أطهر من أين؟ أطهر من الفحشاء؛ لأنك ربما إذا عضلتَها من زوْجها الذي عاد فخطبها، وقد كان بينهما شيء من العلاقة من قَبْل ربما يُوسْوس لهما الشيطان فيحصُل منهما ما يحصل من الفاحشة؛ لأنه ما خَطَبَها ولا رَضِيَت به إلا وبينهما مودَّة ومحبة؛ فإذا عضلتموهن فربما يحصل ما يحصل من الفحشاء؛ ولهذا قال: ﴿أَطْهَر﴾.

وتأمل أن الله عز وجل يذكر فيما يتعلق بالفواحش من التنزُّه عنها يذكر أن ذلك أزْكَى لما فيه من العِفَّة وطهارة القلْب التي بها يزكو العمل والإيمان وينمو.

﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ﴾ أطهر من أين؟

* طالب: من المعاصي.

* الشيخ: من المعاصي، أو التهم، أو ما أشبه ذلك.

﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ الجملة هنا اسمية في إسناد الله العلمَ إلى نفسه، وفي نفي العِلم عن عباده.

قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ﴾ هذه جملة اسمية مُبتدِئة باسم.

وقوله: ﴿يَعْلَمُ﴾ حذف المفعول لإفادة العموم؛ لأنه إذا حُذف المفعول من الفعل المتعدي صار شاملًا لكل ما يحتمله، وهو يعلم الحاضِر والمستقبل والماضي، وما يُصلحكم وما لا يصلحكم، وماذا تمتثلون، ومن يمتثل مِنكم ومن لا يمتثل؛ المهم أنه عام.

وقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ هذا هو الأصل في الإنسان كما قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ [النحل ٧٨].

فالأصل في الإنسان الجهل؛ ولهذا قال: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ثم يُحصِّل العلم شيئًا فشيئًا ممن حوله ومما سمعه وشاهده حتى ينمو علمه؛ وعلى هذا فنفي العِلم هنا باعتبار أيش؟ باعتبار أصل الإنسان أنه ليس بعالم، وإلَّا فإن الإنسان يعلم كما قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢]

فالإنسان لا شكَّ أنه يعلم؛ لكن الأصل فيه عَدَم العِلم لولا أن الله سبحانه وتعالى يُعلِّمه؛ ولا فرق في ذلك بين ما طريقه الوحي، وما طريقه الحِسّ، وما طريقه الفِطْرة؛ لأن طُرُق العِلْم مُتعددة؛ فالوحي من طرق العلم ولَّا لا؟ والحس من طرق العلم، وهو الذي يشاهده الإنسان بعينه، أو يسمعه بأذنه، أو يحسه بيده، أو بشمه، أو بذوقه؛ هذه من طُرق العلم؛ ومن طرق العلم أيضًا الفطرة فإن الإنسان مفطور على توحيد الله سبحانه وتعالى والإنابة إليه.

* * *

قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة ٢٣١].

* من فوائد الآية الكريمة: أن لكل طلاق أَجَلًا؛ لقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾، وما هذا الأجل؟

الأجل هنا مُجمل، لكنه مُبيَّن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، وغيرها من الآيات الدالة على العِدَّة.

ويتفرع على هذه الفائدة: أن القرآن يأتي مُجملًا أحيانًا ومُفصَّلًا أحيانًا، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود ١].

وفائدة الإتيان بالإجمال ثم التفصيل فائدته: أنه إذا ورد النص مجملًا فإن النفس تتطلع إلى معرفة ذلك الإجمال، وبيان ذلك المُبهم فيكون ذلك أشدَّ لها طلبًا للعِلْم ولَّا لا؟

لكن لو جاءها الشيء بارزًا مُفصَّلًا من الأول ما يكون هناك معها شغف للوصول إلى العلم؛ فإذا ذُكر مُجملًا صارت النفس تتطلب الوصول إلى بيان هذا المجمل فيكون هذا طريقًا من طُرُق تثبيت العلم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المراجعة بعد تمام العِدَّة؛ لقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ﴾، وجه الدلالة: أن قوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ جواب للشرط في قوله: ﴿إِذَا طَلَّقْتُم﴾، ﴿فَبَلَغْنَ﴾؛ وهذا يقتضي أن يكون الإمساك أو التسريح بعد بلوغ الأجل.

ضرورة أن المشروط يقع بعد الشَّرْط، المشروط اللي هو جواب يقع بعد الشرط؛ وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم؛ فذهب الإمام أحمد رحمه الله إلى أن للزوج أن يُمسك حتى تغتسل من الحيضة الثالثة، فلو طهُرت في الصباح بعد الفجر بعد أن طلعت الشمس ثم لم تغتسل إلا لصلاة الظهر؛ وراجعها زوجها فيما بين طهارتها واغتسالها فهو عند الإمام أحمد جائز وله أن يراجع؛ ولكن كثيرًا من أهل العِلم يرون أنه ينتهي وقت المراجعة بالطهارة من الحيضة الثالثة، وعلى هذا الرأي يحتاجون إلى تأويل قوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى أن المعنى: قاربن البلوغ حتى يتمكن الزوج من المراجعة.

ولكن ما ذهب إليه الإمام أحمد هو الصحيح؛ لأنه هو الوارد عن الصحابة رضي الله عنهم، ويكون هذا من باب التوسيع على الزوج؛ لأنه قد يندم فيرجع؛ وهو نظير ثبوت الخيار بين المتبايعين ما داما في المجلس وإلا فإن العقد قد تم بالإيجاب والقبول، لكن لهما الخيار ما داما في المجلس توسعة عليهما، وهذا شيء معلوم في غريزة الإنسان وطبيعته أنه إذا مُنِع من الشيء صار في شوق إليه، فإذا حصَّله قد يزهَد فيه، فهذه السلعة عند فلان مثلًا أنا تجدني في شوق وشفقة إلى الحصول عليها، فإذا دخلت في مُلكي ما يكون في قلبي لها من الشوق مثل ما كان قبل ذلك. وعلى هذا فيكون الصحيح ما قاله الإمام أحمد رحمه الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب المعاشرة بالمعروف حتى بعد الطلاق؛ لقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ لئلا يؤذي الإنسان زوجته بالقول، أو بالفعل، أو بمنع الحقوق، أو ما أشبه ذلك.

ومنه نعرف أن ما يجري بين الأزواج أحيانًا من المشاحَّة وادِّعاء الزوج ما يكون لزوجته من الأمتعة التي أعطاها إياها في المهر، أو فيما بعد ذلك؛ تجده مثلًا عند الطلاق يشاحنها يقول لها: أعطني كل شيء حتى إن بعضهم يطالبها بالحُلي الذي أعطاها، نسأل الله العافية، فهذا خلاف المعروف الذي أمر الله به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عِناية الله عز وجل بعباده في أن يتعاملوا بينهم بماذا؟

بالمعروف سواء في حال الاتفاق، أو في حال الاختلاف؛ لأن ذلك هو الذي يُقيم وَحْدة الأمة؛ فإن الأُمَّة إذا لم تتعامل بالمعروف بل بالمنكر تفرَّقت واختلفت، ولم تكن مُمثِّلة للأمة الإسلامية حقيقة؛ الأمة الإسلامية أُمَّة واحدة كما قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران ١٠٣].

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم إمساك الْمُطلَّقة للمضارَّة؛ لقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾.

فهل يُستفاد منه أن كل من عامل أخاه ضِرارًا فهو واقِع في الإثم؟ نعم، قياسًا على هذه المسألة؛ يُستفاد من هذا بالقياس: أنه لا يحل لأحد أن يعامل أخاه المسلم على وجه المضارة، وقد جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام: «مَنْ ضَارَّ ضَارَّ اللَّهُ بِهِ، وَمَنْ شَاقَّ شَاقَّ اللَّهُ عَلَيْهِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٣٥)، والترمذي (١٩٤٠) من حديث أبي صرمة.]] وجاء في الحديث الآخر: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» »[[أخرجه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد (٢٨٦٥) من حديث ابن عباس.]] فالمضارة بين المسلمين مُحرَّمة؛ ولهذا قال الله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المضارَّة عدوان؛ لقوله: ﴿لِتَعْتَدُوا﴾ سواء كانت اللام للعاقبة، أو كانت اللام للتعليل؛ يعني سواء كان الإنسان قصد في المضارة الاعتداء أو لم يقصدها، لكن هي نفسها عدوان.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن النفسَ أمانة عند الإنسان يجب أن يرعاها حق رعايتها؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.

ومنها: تحريم ظُلم الإنسان نفسَه؛ لأن الله نهى ثم قال: من فعل ذلك فقد ظلم نفسه.

* ومن فوائدها: أن فِعل المعاصي ظُلم للنفس، لا يقول الإنسان: أنا حُرّ، بأفعل، ويش عليكم أنا صابر على العذاب؛ نقول له: خطأ؛ فأنت لا يحل لك أن تظلم نفسك؛ إذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ» »[[أخرجه مسلم (٩٩٧ / ٤١) وبقيته: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَتَصَدَّقْ عَلَيْهَا».]] في حصول المطلوب، فكذلك في النجاة من المرْهوب، ابدأ بنفسك، كما أنك تعلم أن ظلم الغير عدوان وحرام؛ فظلم نفسك أيضًا عدوان وحرام. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: التحذير البالغ من العدوان على الغير؛ حيث قال: ﴿فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ﴾؛ لأن الظالم لغيره قد يَتصور في مَخيلته أنه ظالم لهذا الْمُعتدَى عليه، وهو في الحقيقة ظالم لنفسه.

هل يمكن أن نأخذ منها أنه يجب على الإنسان أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: كيف ذلك؟

لأنه جَعَلَ ظُلم الغير ظُلمًا للنفس، وعلى هذا فكما أنك لا تُحب أن تظلم نفسك فيجب أن لا تظلم غيرك؛ كما أنك إذا تبيَّن لك أنك في ظُلم غيرك معتدٍ، فأنت في ظُلم نفسك كذلك معتدٍ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم اتخاذ آيات الله هُزُوًا؛ لقوله: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.

ومنها: أن المخالفة نوع من الهُزْء؛ وهذه مسألة خطيرة جدًّا؛ مخالفة أمر الله والوقوع في ما نهى عنه نوع من الهزء؛ كيف ذلك؟

لأنك إذا آمنت بأن الله عز وجل هو الرب العظيم الذي له الحكم وإليه الحكم ثم عصيته كأنك تستهزئ بهذه العَظمة وتستهتر بها، لو أن ملكًا من الملوك -ولله المثل الأعلى- نهاك عن شيء، ثم إنك أمامه وفي عينيه تُخالف هذا الأمر ألا يمكن أن يقول لك: أنت تستهزئ بي؟ أنا أمرتك تخالف أمامي؟ أو أنهاك تفعل ما نهيتك عنه أمامي؟

فالمعصية نوْع من الاستهزاء بالله عز وجل، وإن كانت ليست النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام؛ لأن النوع الذي يخرج به الإنسان من الإسلام في الاستهزاء أن يستهزئ حقيقة سُخريًّا، مثل أن يسخر بالأذان، يقول: لأيش الأذان؟

الأذان من قبل اليوم، الناس ما عندهم ساعات، أما الآن ما حاجة إلى الأذان؛ هذا يعتبر تحصيل حاصل ولا حاجةَ إليه، أو يسخر بالمؤذن كيف يقوم ويرفع صوته بهذا النداء؛ أو يسخر بالمصلين، هذا مُخرِج عن الملة؛ فالاستهزاء بحُكم من أحكام الله غير مخالفة الحكم؛ مخالفة الحكم نوْع من الاستهزاء كما أنها نوْع من الشرك، لكنها غير الشرك الذي يُصطلح عليه؛ وليس بالاستهزاء الذي يخرج من الملة؛ إنما المخالفة لا شك أنها نوع من الاستهزاء كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب ذكر نعمة الله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.

وهل المراد ذِكرها في نفسك بأن تتذكرها وتُفكِّر فيها وتؤمِّل فيها، أو ذكرها أمام الناس بالقول، أو ذكرها أمام الناس بالفعل؟

يشمل الجميع، لكن ذكرها أمام الناس سواء كان بالقول أو بالفعل يجب أن لا يكون على سبيل الافتخار عليهم؛ فإن كان على سبيل الافتخار عليهم فإن الله لا يُحب كل مختال فخور، يجب أن يكون من باب إظهار فضل ذي الفضل، وأن الله عز وجل أنعم عليه بهذه النِّعمة، كما لو كان الإنسان قويًّا فأظهر نِعمة الله عليه بالقوة، بالشجاعة، والمدافعة، وإعانة الرجل في دابته، وما أشبه ذلك، أو تَحدَّث بنِعمة الله، قال: الحمد لله، أنا في قوة وفي صحة، وأعطاني الله تعالى مالًا، أعطاني ولدًا، وما أشبه ذلك على سبيل إظهار نِعمة الله عز وجل، لا للافتخار على الخلق؛ فهذا داخل في الآية: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾.

وأما ذِكرها في القلب فظاهر يكون الإنسان دائمًا محتقرًا لنفسه أمام نعم الله، عالمًا بأنها محض مِنَّة من الله عز وجل؛ لا يكون كالذي قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨] بل يقولها بقلبه، وكذلك يتحدث بها بلسانه بأن هذا محض فضل من الله سبحانه وتعالى؛ لأن الله تعالى لو شاء لسلبك هذه النعمة، كما أنه سلبها أناسًا كثيرين تعرفهم أو لا تعرفهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن مِنَّة الله علينا بإنزال الكتاب والحكمة أعظم من كل نِعمة؛ من أين تؤخذ؟

من تخصيصها بعد التعميم؛ لأن التخصيص بعد التعميم يدل على فضْل المختص؛ وعلى هذا فما أنزل الله علينا من الكتاب والحكمة أعظم مِنَّة مَنَّ الله بها علينا وأعظم نعمة؛ وذكر نعمة الله بما أنزل علينا سبق لنا أن المراد أن تُثني على الله بذلك، وأن تقوم بتنفيذ ما أمرك به وما نهاك عنه.

قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾.

قلنا: إنه يستفاد من الآية الكريمة: أن ما أنزل علينا من الكتاب والحكمة أعظم من كل نِعمة؛ ووجه ذلك: التخصيص بعد التعميم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن القرآن كلام الله؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ لأن ما أنزله الله إما أن يكون عينًا قائمة بنفسها، أو صفة قائمة في عين ففي هذه الحال يكون مخلوقًا، وأما إذا أُطلِق الإنزال، وليس عينًا قائمة بنفسها، ولا وصفًا في عين قائمة بنفسها فهو من صفات الله عز وجل.

مثال العين: قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة ٢٢] ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ [الحديد ٢٥].

مثال الوصف في عين قائمة: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح ٤].

فأنزل السكينة، السَّكِينة هذه صفة في قلْب المؤمن، والمؤمن عيْن قائمة بنفسها فتكون هنا مخلوقة، السكينة مخلوقة وكذلك الحديد والماء النازل من السماء مخلوق، أما هنا الكتاب، فالكتاب كلام الله عز وجل، والكلام صِفة في المتكلِّم، فإذا قال الله إنه أنزل علينا الكتاب عُلم أن هذا الكتاب من صفات الله عز وجل؛ فيكون من كلامه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن شريعة الله عز وجل كلها حِكمة؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ﴾.

ويتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى وهي: أنه لا حاجةَ إلى أن نسأل عن الحكمة في تشريع بعض المشروعات التي نجهل حكمتها؛ لأن من الأشياء المشروعة ما لا نعلم حكمته، لو قال قائل: ما الحكمة في كون صلاة الظهر أربعًا لا ثمانيًا ولا سِتًّا؟ ويش الرد؟

* الطالب: ما نعلم الحكمة.

* الشيخ: ما نعلم الحِكمة؛ طب وهل لها حكمة؟

نعم لها حِكمة، لكننا لا نعلمها؛ ولهذا كان الواجب على المسلم من أحوال أحكام الشرعية أن يكون مُستسلمًا لها مُطلقًا؛ سواء علِم الحكمة أم لم يعلم، فأما من لم يستسلم ولم يطمئِنَّ للحُكم إلا بعد معرفة حكمته ففي الحقيقة أنه ما تعبَّد لله بشرعه وإنما تعبد بماذا؟ بهواه؛ سألت مُعاذةُ عائشة رضي الله عنها قالت: «ما بالُ الحائض تقضي الصومَ ولا تقضي الصلاةَ؟ » ما قالت: الحكمة كذا وكذا، قالت: «كان يُصيبُنا ذلك فنُؤمر بقضاء الصوم ولا نُؤْمر بقضاء الصلاة. »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢١)، ومسلم (٣٣٥ / ٦٩) واللفظ له، من حديث مُعاذة العدوية.]] هذه الحكمة.

فإذن أحكام الله عز وجل ليس من حقنا أن نسأل عن حكمتها بِناءً على أنه لا يتم استسلامنا لها إلا بمعرفة الحكمة؛ أما السؤال عن الحِكمة من باب الاسترشاد، فإن هذا لا بأس به؛ ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم يسألون الرسول عليه الصلاة والسلام عن حِكمة بعض الأشياء ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة ١٨٩].

فالسؤال عن الحِكمة استرشادًا هذا لا بأس به، بل هو من طلَب العلم؛ والسؤال عن الحكمة بحيث لا يَستسلم الإنسان للحُكم ولا ينقاد إلا بمعرفتها فهذا خطأ.

ويُستفاد من الآية الكريمة: أن ما جاء في كتاب الله فإنه موعظة يتعظ بها العبد، والاتِّعاظ معناه أن الإنسان يجتنب ما فيه مضرَّة إلى ما فيه منفعة؛ وَعَظْتُه فاتَّعظ؛ يعني انتفع وتَرَكَ ما فيه المضرة إلى ما فيه المصلحة، وهذا مأخوذ من قوله: ﴿يَعِظُكُمْ بِهِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رحمة الله عز وجل؛ وأن الله تعالى ذو رحمة واسعة؛ من أين تؤخذ؟

مِن إنزال الكتاب والحكمة؛ لماذا؟

لمصلحتنا لِنتعظ به؛ فرحمة الله تُعرف بآثارها.

ويستفاد من الآية الكريمة: وجوب التقوى؛ لقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. وقد سبق تعريفها أنها امتثال أمْر الله واجتناب نهيه.

* ومن فوائدها: عُموم عِلْم الله لكل شيء؛ لقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.

ومن فوائدها أيضًا: التحذير؛ تحذير المرء من المخالفة، ما وجهه؟

* طالب: أن الله بكل شيء عليم.

* الشيخ: أنه إذا علِم بأن الله بكل شيء عليم حذِر من مخالفته؛ ولهذا أعقبها بعد الأمر بالتقوى، فقال: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا﴾ وصدَّر ذلك بقوله: ﴿وَاعْلَمُوا﴾ للتنبيه؛ لأنه إذا قيل: اعْلم كذا فهو زيادة تنبيه. وهذا كقوله في آخر السورة: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة ٢٨٢] فيُعْقب الأمر بالتقوى لبيان إحاطة علمه بكل شيء حتى نحذر ولا نتهاون.

وفي الآية ردٌّ على غُلاة القدريَّة الذين يقولون: إن الله لا يعلم أفعال العِباد حتى تقع منهم؛ لكن هذا كان الغلاة يقولونه قديمًا، قال شيخ الإسلام: ومنكروه اليوم قليل؛ إنكار العلم قليل، لكنهم -كما تعرفون، أي القدرية- يقولون: إن للعبد مشيئة وقُدرة مستقلة عن الله عز وجل.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ إلى آخره.يستفاد من هذه الآية ومما قبلها: شدة عناية الله سبحانه وتعالى بأمر النكاح والطلاق؛ لأنه من أهم العُقود وأخطرها؛ ولهذا جاء فيه من التفاصيل ما لم يأتِ في غيره.

ويُستفاد من الآية الكريمة: أنه لا نِكاح قبْل انقضاء العِدَّة؛ لقوله: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ وهو كذلك فإن النكاح في العِدَّة باطِل إلا ممن كانت العِدَّة له، يمكن؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: يمكن، كيف ذلك؟

* الطالب: طلقة رجعية.

* الشيخ: لا، هذا ما هو نكاح، لو طلقها على عِوض، خُلع؛ ففي هذه الحال تَبِينُ منه ولا يمكن يُراجعها بمجرد: راجعت زوجتي، بل لا بد من عَقْد، والعقد هنا جائز ولَّا لا؟

نعم جائز؛ لأنه ممن له العِدة.

أما من غيره فإنه لا يحل العقد. وهل تحل به المرأة؟

الجواب: تحِل بعقد بعد انقضاء العدة؛ وقال بعض العلماء: إنها لا تحِل، ولو بعد انقضاء العدة لمن تزوجها وهي في العدة، والصحيح أن ذلك يرجع إلى رأي القاضي، وأنه إذا رأى حِرمان هذا الذي تزوجها في عدتها حرمانه منها مُطلقًا فله ذلك كما يُذكر عن عمر رضي الله عنه[[أخرجه ابن أبي شيبة (١٩٠٠٦).]]؛ لأن القاعدة المعروفة الشرعية: مَن تعجَّل شيئًا قبل أوانه على وجه مُحرَّم عوقب بحرمانه.

فللقاضي أن يمنعه من النكاح بها مطلقًا، يقول: ما يمكن يتزوجها؛ لكن جمهور أهل العلم على حِلِّها لهذا الذي عَقَدَ عليها بعد انقضاء العدة.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском