Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:231–232

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:231–232, continued

ويُستفاد من الآية الكريمة: تحريم منع الولي مَوْلِيَّتَهُ أن تنكِح من رضيته؛ لقوله: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.

ويُستفاد منها أيضا: أن النكاح لا بُدَّ فيه من ولي، وأن المرأة لا تُزوِّج نفسَها؛ وجهه؟

* الطلبة: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾.

* الشيخ: وجهه من هذه الجملة أنه لو كانت تملِك العقد لنفسها ما كان لِعضل وليها تأثير، ما كان له تأثير، عَضَل أو لم يعضُل تبغي تزوج نفسها؛ فلولا أن عضله مُؤثر ما قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾.

هكذا استدل كثير من أهل العلم بهذه الآية؛ وربما يُنازِع مُنازِع في دلالتها على ذلك؛ لأنه قد يقول: إن الله نهى عن منعهن، والإنسان قد يمنع بحسب العادة والعُرف ابنته أو مَوْلِيَّتَهُ من أن تنكح زوجًا آخر، وإن كان ذلك يمكنها أن تتزوج هي بنفسها؛ لأنها لا تريد أن تخالفه مخافة الْمَعَرَّة، واللوم من الناس؛ يقال: منعها أبوها وراحت تزوج نفسها؛ يعني بمعنى أن الآية ليست واضحة صريحة في أنه لا يمكن النكاح إلا بولي؛ لأنه من الممكن أن يكونَ لها حق تزويج نفسها لكن يأتي أبوها ويقول: إن زوجتِ نفسك قتلتك؛ ممكن، يكون عَضَلَها مع أنه يُمكن أن تَزَوَّج؛ كما لو قال لها: إن بعتِ بيتَكِ قتلتُكِ مثلًا؛ صار مَنَعَها أن تبيع البيت أو لا؟ لكن لو باعته صح البيع ولها ذلك.

* طالب: والجواب على ذلك، يا شيخ؟

* الشيخ: الجواب أنه إذا وُجد الاحتمال سقط الاستدلال، ولكن هناك آيات أخرى تدل على اشتراط الولي مثل قوله: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ [البقرة ٢٢١]

وفيها أيضًا من فوائد الآية: إطلاق الشيء على ما مضى أو ما يُستقبل مع أنه في الحال لا يَتَّصف به؛ قوله: ﴿أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ [البقرة ٢٣٢]؛ لأنه إن كان المراد من طُلِّقت ثم أراد زوجها أن يعود عليها فهم أزواجهن باعتبار ما مَضَى؛ وإن كان المراد الخطّاب فهم أزواجهن باعتبار المستقبل.

وقد جاء التعبير عن الماضي والمستقبل في القرآن: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء ٢] مع أنهم حين إتيان المال قد بلغوا وزال عنهم وصف اليتم.

﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦] وهو لا يعْصر الخمر، لكنه يعصر عنبًا يكون خمرًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: اعتبار الرِّضا في العقد في النكاح سواء كان من الزوج أو من الزوجة؛ لقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.

والرِّضا شرط لصحة النكاح سواء كانت الزوجة صغيرة أو كبيرة، وسواء كان المزوِّج أباها أم غيرَه على القول الراجح؛ وأنه ليس للأب ولا لغيره أن يُجبر المرأة على النكاح لعُموم قول النبي ﷺ: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ». قالوا: كيف إذنها يا رسول الله؟ قال: «أَنْ تَسْكُتَ» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥١٣٦)، ومسلم (١٤١٩ / ٦٤) من حديث أبي هريرة.]] وورد في صحيح مسلم: «البِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا» »[[(١٤٢١ / ٦٨).]] وهذا صريح في أنه لا يحل لأحد أن يُزوِّج ابنته وهي كارهة، بل لا بُدَّ من رضاها؛ والمعنى يقتضيه أيضًا؛ لأنه إذا كان الأب لا يملك أن يبيع حبَّة من مالها إلا برضاها، فكيف يملِك أن يبيع نفسها بدون رضاها؟!

لو أن الرجل أكره ابنته على أن تشتري هذا البيت ويش حكم العقد؟

غير صحيح؛ مع أنه بإمكانها إذا اشترت البيت وهي كارِهة أن تبيعه، أن تبيعه بعد يوم أو يومين؛ فكيف يملك أن يُكرهها على أن تتزوج برجل لا تريده؟!

الشريعة ما يمكن أن تأتي بإباحة هذه وتحريم البيع، هذا بعيد؛ لأنا نعلم أن الشريعة جاءت من لدن حكيم خبير جل وعلا؛ فالصواب بلا شك أنه لا يحل لإنسان أن يُجبر ابنته البالغة على نكاح لا تريده مهما كان، لكن إذا أرادت إنسانًا ليس مرضِيًّا في دينه وخلقه فللولي أن يمنع، وفي هذه الحال لو بقيت لم تتزوج طول عمرها فليس عليه شيء؛ لأنه مأمور بذلك، وما ترتب على المأمور فغير محظور، فإن قلت: يرد على ما قلت تزويج أبي بكر عائشة بالنبي ﷺ ولها ست سنين؟ ويش تقول لهذا؟

نقول: هات زوجة مثل عائشة وزوجًا مثل النبي عليه الصلاة والسلام ونحن نقول: زوجها ولها سنتان، لكن أين هذا؟!

هل يُعقل أن عائشة تُعارِض لو بلغت عشرين سنة تعارض بزواجها من الرسول الله ﷺ؟

* الطلبة: لا يمكن.

* الشيخ: أبدًا؛ بل لما خيَّرها بأمر الله، أول من خير من نسائه ويش قالت؟

قالت: أختار الله ورسوله، لما قال: «شَاوِرِي أَبَوَيْكِ»، خاف عليه الصلاة والسلام أن تستعجل فتقول: اخترت نفسي، «قالت: يا رسول الله، أَفِي هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٧٨٥)، ومسلم (١٤٧٥ / ٢٢) من حديث عائشة.]]، القصة معروفة.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٨] أعطيكُنَّ متاعًا، وأسرِّحْكُن سراحًا جميلًا بقول لين لطيف، وفي أمان الله ﴿وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [الأحزاب ٢٩] فهذا إحسان عظيم ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أول من بدأ عليه الصلاة والسلام، شوف امتثاله لأمر ربه ﷺ؛ ما راح يبدأ إلا بأغلى النساء عنده، وأحب النساء إليه.

وهي أيضًا أشبّ نسائه، بمعنى أنها قد تختار الحياة الدنيا وزينتها، فاجتمع في حقها السبب المقتضي لاختيار الدنيا، وشدة الأمر على رسول الله ﷺ لو أنها اختارت الدنيا، مع أن المصلحة لها لمّا خيّرها قال: «لَا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ»، يعني تستشيري أبويك، خاف أن تتعجل وتتسرع، لكنها رضي الله عنها قالت: يا رسول الله أفي هذا أسْتَأمِرُ أبَوَيّ؟ إني أريدُ اللهَ ورسولَهُ والدارَ الآخرَةَ »[[ متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٧٨٦)، ومسلم (١٤٧٥ / ٢٢) من حديث عائشة. ]]، فانظر إلى ما حصل من أن المرأة حتى بعد بقاء العقد يمكن أن تُخَيَّر، فالمهم أنه لا يمكن أن تُجبر امرأة على نكاح من لا تريد، والاستدلال بحديث عائشة استدلال في غير محله؛ لأن عائشة -كما تشاهدون- خُيِّرت واختارت أيش؟

* الطلبة: الله ورسوله.

* الشيخ: اختارت الله ورسوله، فمن اختارت الله ورسوله بعد أن خُيِّرت هل يمكن أن تعارض في أن يتزوجها الرسول ﷺ؟ أبدًا، مع أن الغيرة في النساء إذا خُيِّرت وقال لها زوجها: تبغين تقعدين عندي على التقشف وعلى ما أنا عليه من العيش، أو تبغين الدنيا تروحين لفلان وفلان، الغالب على المرأة أنها تأخذها الغيرة وتزعل، تقول: اللي ما يبغينا ما نبغيه، ومن باعنا بالرخص بعناه ببلاش، لكن على كل حال الصحيح بلا شك أنه لا بد من رضا الزوجة، وأدلتها من القرآن والسنة واضحة.

ويُستفاد من الآية الكريمة: أن المرأة لو رضيت الزوج على وجه غير معروف، بل على وجه منكر لا يقره الشرع فإنها لا تُمَكَّن من ذلك؛ لقوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾، فلو أن المرأة رضيت هذا الخاطب لفسقه وانسلاخه من الدين، لكن ما وصل إلى حد الكفر، فهل لوليها أن يمنع؟ نعم له أن يمنع؛ لقوله: ﴿إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾. ولو قالت: رضيت به بلا مهر، أنا أبغيه بلا مهر لا تأخذ منه شيء، له أن يمنعها؟ له أن يمنعها؛ لأنه من شرط صحة النكاح المهر، ولهذا إذا شُرِط نفي المهر فالصحيح أن النكاح باطل، أما إذا سُكِت عنه فالنكاح صحيح ولها مهر المثل، ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً﴾، فهنا فرق بين أن يُسكت عن المهر وبين أن يُشرط عدم المهر.

ويستفاد من الآية الكريمة: أن الحِكَم أو أن الأحكام كلها مواعظ؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ﴾، ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه -كما تقدمنا في التفسير- كل ما سبق من ذكر الأحكام يوعظ به من كان يؤمن بالله واليوم الآخر.

ومن فوائدها أيضًا: أن مواعظ القرآن لا تنفع غير المؤمنين؛ لقوله: ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، فإذا وجدت نفسي لا أتعظ بمواعظ القرآن فيجب أن أتهمها، يجب أن أتهمها، كيف؟ تقول: لِمَ ويش الدليل؟ لأن الله بيّن أن المؤمن بالله واليوم الآخر لا بد أن يتعظ بأحكام القرآن، فإذا وجدت من نفسك أنك لا تتعظ فاتهمها، فتِّش، قد يكون في القلب شيء أخل به، ولا تعتمد على الرسوم الظاهرة، لا تعتمد على إصلاح الصلاة ظاهرًا بالحركات والأقوال، ولا على كثرة الذكر باللسان؛ لأن هذا أحيانًا لا يصل إلى القلب، فلا ينتفع به، قد نصلي وقلوبنا غير حاضرة، حينئذ ما ننتفع بالصلاة، يكون يحول بين هذا السقي وبين عروق الشجرة حجر أصم لا ينفذ الماء من ورائه، ونحن نحس بذلك عندما نقرأ قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، بالله عليكم هل أنت إذا سلّمت من الصلاة تشعر بأنك تكره الفحشاء والمنكر أكثر مما تكرهها قبل أن تصلي؟ الجواب؟

* طالب: لا.

* الشيخ: الجواب لا، لنكن صريحين، الجواب لا، إلا أن يشاء الله، أحيانًا يجعل الله عز وجل في القلب نورًا يحضر جدًّا في الصلاة حتى كأنك تخاطب الله سبحانه وتعالى، وأنت تخاطبه لا شك، لكن يحضر القلب فيجد الإنسان من هذه الصلاة لذة لا ينساها، ويجد بعد انصرافه كراهة للفحشاء والمنكر وحبًّا للخير، ويود أنه يبقى مع الله دائمًا في هذه الحال، فلهذا أنا أقول: إننا يجب أن نحاسب أنفسنا بمثل هذه الموازين، هل مواعظ القرآن هل ننتفع بها؟ ننظر، كلما كنا أشد انتفاعًا بمواعظ القرآن فنحن أكمل إيمانًا، وكلما نقصنا فالإيمان ناقص.

وفي الآية دليل على إثبات اليوم الآخر وهو يوم القيامة، ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، ويشمل الإيمانُ باليوم الآخر يشمل الإيمانَ بكل ما ذُكر في ذلك اليوم من البعث والحساب والصراط والحوض ودنو الشمس والعرق وغير ذلك مما ذُكر في الكتاب والسنة مجملًا أحيانًا ومفصلًا أحيانًا؛ بل قال شيخ الإسلام رحمه الله: إنه يدخل في الإيمان باليوم الآخر كل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت حتى فتنة القبر وعذاب القبر ونعيم القبر، وسمي ذلك اليوم اليوم الآخر، مر علينا نعم، ﴿مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ﴾ تزكية تنمي النفس، تنمي الإيمان، تنمي الأخلاق، تنمي الآداب، فهنا قال: ﴿أَزْكَى لَكُمْ﴾ ولم يقيِّد محل الزكاء؛ ليكون ذلك عامًّا في كل شيء، وكل إنسان يطلب الزكاء، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس ٩، ١٠] إذن فيستفاد من ذلك: أنه كلما كان الإنسان أشد تطبيقًا لأحكام الله كان ذلك أزكى له.

ويستفاد من ذلك أيضًا: أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان، أطهر لقلبه ولّا لبدنه؟

* الطلبة: لقلبه.

* الشيخ: لقلبه؛ لأن بعض الأحكام ما لها تعلق بتطهير البدن، الوضوء والغسل فيه تعلق لتطهير البدن لكن بعضها ليس فيه، لكن أطهر للقلب، ولكن ثِق بأنه كلما طهر القلب طهر البدن، ولذلك تجد عند الإنسان المؤمن حقًّا عنده من الحيوية والنشاط والسرور والفرح ما ليس عند غيره، يُعرف ذلك في وجهه، الإنسان - والعياذ بالله - صاحب المعاصي مظلم الوجه، كاسف البال، لو فرح بما فرح من زهرة الدنيا أحيانًا فهو فرح خادع، لكن المؤمن الذي شرح الله صدره للإسلام وامتلأ قلبه بنور الله وهدايته ليس كذلك، فقد نقول أيضًا: إن طهارة القلب؛ بل نقولها، ما هو قد، نقول: إن طهارة القلب لا شك أنها تطهر البدن، وأسعد الناس بالدنيا أطهرهم قلبًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى نقص الإنسان في علمه؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ووجه النقصان، أو وجه إثبات نقصانه بطريقين: إثبات العلم لله، ونفيه عن الإنسان؛ لأن النفي فقط ما يدل على شدة النقص، لكن نفي مع إثبات أشد، فمثلًا أنا إذا قلت لك: أنا أعلم وأنت ما تعلم، أشد وقعًا في قولي: أنت لا تعلم، ولهذا من أدب إبراهيم عليه الصلاة والسلام مع أبيه أنه قال: ﴿يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ [مريم ٤٣]، ما قال: إني أعلم منك، أو إنك ما عندك علم، فالمراتب ثلاثة، تارة يقول الإنسان: أنا عندي من العلم ما ليس عندك، وهذا ألطف ما يكون؛ لأن هنا يُشعِر بأن لدى المقابل علمًا، لكن أنا عندي ما ليس عندك، ولا يلزم من قول الإنسان لغيره: أنا عندي من العلم ما ليس عندك، أن يكون أعلم منه؛ لأنه قد يكون عندي علم مثلًا بالنجارة وأنت ما عندك علم بالنجارة، لكن عندك علوم أخرى أكثر من النجارة، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: ثانيًا: أن يقول: أنت لا تعلم هذا الشيء، وهذه أشد من الأولى؛ لأنه نفى عنه العلم، وتارة يقول: أنا أعلم وأنت ما تعلم، هذه أشد؛ لأن فيها إثبات فضل المتكلم على المخاطَب، وفيها انتقاص أيش؟ المخاطَب، وهنا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، فإذا كان الله يعلم ونحن لا نعلم فإن مقتضى ذلك أن نستسلم غاية الاستسلام لأحكامه سبحانه وتعالى، وأن لا نعارضها بعقولنا مهما كانت العقول إذا خالفت الشرع فليست بعقول حقيقة، ولهذا ينعى الله عز وجل على الكفار والمشركين ينعاهم بعدم العقل، فكل ما خالف الشرع فليس بعقل، نسميه ذكاء وعقل إدراك، ولكنه ليس عقل تصرف ورشد، وما أحسن عبارة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال في أهل الكلام: إنهم أُوتُوا فهومًا ولم يُؤْتَوا علومًا، عندهم فهم لكن ما عندهم علم، وأُوتُوا ذكاء ولم يؤتوا زكاء، أوتوا ذكاء؛ عندهم ذكاء عندهم فهم لكنهم حُرِمُوا من العلم ومن الزكاء الذي هو ثمرة العلم، ترى ولم يؤتوا زكاء، من أين؟ من التزكية الزكاء، المهم أن الله بيَّن لنا في هذه الآية كماله جل وعلا ونقصه، وما أحسن مثل هذا الجمع أن يبيّن نقص الإنسان وكمال الخالق، أن يبين نقص المخلوق وكمال الخالق، اقرأ ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾ [الرحمن ٢٦، ٢٧]، ولهذا ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ وإن كانت آية مستقلة لكن مرتبطة بما قبلها ارتباطًا وثيقًا حتى يتبين كمال هذا ونقص هذا، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ والله عز وجل لا يريد من هذه الآية أن يبين أن الناس فانون، أو أن الناس يفنون، إنما يريد بيان نقص البشر أو نقص الخلق وكمال الخالق، ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَام﴾، هنا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، والنفي هنا قد يقول قائل: هل هو سلب مطلق أو سلب إضافي؟

* طالب: إضافي.

* الشيخ: إي نعم إضافي نسبي، وليس سلبًا مطلقًا؛ لأن لدينا علمًا لكن ناقص كما قال تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥]، فنحن عندنا علوم ولكنها قليلة ولا تُنسب إلى علم الله سبحانه وتعالى، ثم قال الله سبحانه تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ﴾..

* طالب: (...) الأولى؟

* الشيخ: أو المعروف؟ المعروف واجب والإحسان سنة، ذكرنا هذا.

* طالب: الفاء في قوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ على ماذا تدل؟

* الشيخ: على ماذا عُطفت؟

* الطالب: على ماذا تدل؟

* الشيخ: على أنه من حين ما تبلغ أجلها فهو إما إمساك أو تسريح.

* * *

(...) حتى نعرف ويش نقول.

المفوضة الذين يقولون: إننا نقرأ آيات الصفات وأحاديثها ولا نقول فيها شيئًا، لا نثبت معنى خلاف الظاهر ولا معنى يوافق الظاهر، بل نفوض أمرها إلى الله، ونقول: ما علينا إلا التلاوة فقط، وأنها بمنزلة ألف باء تاء ثاء جيم حاء خاء إلى آخره، كأنها حروف هجائية ما لها معنى، على أن بعضهم -بعض المفوضة- يتناقض ويقولون: نحن لا ندري ماذا أراد الله بها، لكننا نعلم أنه لم يُرِد ظاهرها، طيب كيف بالأول تفوضون ثم تتناقضون؟ تقولون: لم يرد ظاهرها، وقد بيّن شيخ الإسلام رحمه الله تناقض هذه الطائفة منهم، المفوضة هل نقول: إن هذه الآية ترد عليهم ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؟ لأننا إذا لم نعلم أن الله سبحانه وتعالى له علم يدرك به ما نفعل فلا فائدة من قوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ﴾، نعم يمكن فيها رد، ولا شك أن مذهب المفوضة يا إخواني أخبث من مذهب أهل التحريف، أخبث، وهو شرّ أقوال أهل البدع والإلحاد كما قال شيخ الإسلام رحمه الله في كتابه الرد على المنطقيين، يقول: هذا القول من شرّ أقوال أهل البدع والإلحاد، يقول: وبه استطال الفلاسفة المنكرون للصفات، بل المنكرون لليوم الآخر، بل المنكرون للخالق، ويش قالوا دول أهل التخييل؟ قالوا: روحوا أنتم (...)، أنتم جُهّال مثل الصبيان، ما تدرون ويش الله أراد، لكن نحن الفحول الذين عرفنا ماذا أراد الله، ويش أراد الله؟ قالوا: أراد الله التخييل ما له حقيقة، ما فيه رب ولا جنة ولا نار ولا حساب ولا شيء، وما هو إلا تخييل، وقالوا: نحن أولى منكم أيها المفوضة، ويش لون أولى منا؟ لأننا عرفنا المراد وأنتم ما عرفتم المراد، وإن كان قولهم هذا بالمراد خطأ بلا شك كما سنبين قريبًا إن شاء الله، لكن الكلام على أن مذهب أهل التفويض يجعل الناس أميين، بل يجعلهم صبيانًا، كيف الله يُنزل علينا آيات في الوضوء والطهارة والصلاة وما أشبه ذلك ونعرف معناها، وما يتعلق بأسمائه وصفاته ما نعرفه، هذا معقول؟ غير معقول، ولا يمكن أن نعبد ربًّا حق العبادة إلا ونحن نعرف من أسمائه وصفاته ما تقوم به العبادة، أما الرد على أهل التخييل فلا يمكن إفحامهم وإقحامهم إلا بطريق مَن؟ السلف، اللي يقولون: نحن نعلم ماذا أراد ربنا بكلامه، وأنه حق على حقيقته، لكن الكيفية والحقيقة التي عليها هذه الصفات ما ندركها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском