Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:268–271

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:268–271, continued

﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ النذر بمعنى الإلزام، والمراد به ما نذره الإنسان على نفسه من طاعة فإن الله يعلمه، والنذر قسمه العلماء إلى خمسة أقسام، وأصل عقده مكروه؛ لأن النبي ﷺ نهى عنه[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٦٠٨)، ومسلم (١٦٣٩ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]] سواء عقده الإنسان ابتداء أو بشرط فإنه يكره، ولهذا تجد كثيرًا من الناس الناذرين تجدهم يتندمون، وأحيانًا يذهبون إلى أهل العلم؛ لعلهم يجدون رخصة أو فكاكًا من هذا النذر، وما دام الإنسان في عافية فإنه لا ينبغي له أن يلزم نفسه بما لم يلزمه الله به، ووظيفتكم أنتم أن تبينوا للناس أن عقد النذر مكروه حتى لا يلزموا أنفسهم به، ثم إن التخلف عن الوفاء به خطير جدًّا، فإن الله يقول: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [التوبة ٧٥، ٧٦] فما العقوبة؟ ﴿أَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٧] لكن إذا نذر فإن كان نذر طاعة وجب عليه الوفاء به سواء كان ابتدائيًّا أو معلقًا بشرط لقول النبي ﷺ: «مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٦٩٦) من حديث عائشة.]].

﴿أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ﴾ هل يدخل في النذر الدخول في العبادات الواجبة؟

الظاهر أنه يدخل فيه؛ لأن الإنسان إذا شرع في عبادة واجبة لزمه إتمامها، حتى وإن كانت قضاء، فلو أن رجلًا صام يومًا من قضاء رمضان، فهل له أن يفطر؟ لا؛ لأنه شرع في واجب، والشروع في واجب دخول في هذا الواجب على أنه لازم له وواجب عليه، ولهذا قال العلماء: كل من شرع في فرض سواء كان موسعًا أو مضيقًا لزمه إتمامه.

طيب، يدخل في ذلك أيضًا الشروط (...) فقد فرضه على نفسه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج ٢٩]

ثم قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة ٢٧٠] يعلمه؛ أي يعلم ما أنفقتموه أو ما نذرتموه سواء كان ذلك الشيء ظاهرًا علنًا أو خفيًّا مستورًا؛ لماذا قلنا: سواء كان هكذا أو هكذا؟

لعموم قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ ولم يقل يعلم الظاهر منه، بل يعلم الظاهر والخفي، وعموم يعلمه

يشمل علمه على وجه الإجمال وعلى وجه التفصيل، والفائدة من ذكر علم الله به، الفائدة من ذلك الإشارة إلى ما يترتب على ذلك العلم من المجازاة، وإلا مجرد أن نعلم أن الله يعلمه بدون أن نشعر بما يستلزم ذلك العلم لا فائدة منه.

ثم قال عز وجل: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ يعني ليس للظالمين أحد ينصرهم، لا من قبل الله عز وجل ولا من قبل المخلوق، هذا ظاهر الآية، ولكن قد يورد علينا مورد أن الظالمين قد يجدون من ينصرهم من الظلمة، أليس كذلك؟ فنقول: نعم، يوجد من ينصرهم من الظَّلَمة، لكن مآلهم جميعًا إلى الخذلان؛ لقول الله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنعام ٢١] فالظالم لا يفلح أبدًا مهما علت به الدنيا فسوف ينزل، ومهما كثر أنصاره فسوف يخذل، لا يمكن أن يقدر له الفلاح، لكن الله عز وجل قد يمكنه أحيانًا من أجل أن يمحقه، كما ذكر الله تعالى ذلك في فوائد الهزيمة يوم أحد، فإن الله ذكر من جملة فوائدها أن يمحق الكافرين؛ لأن الكافر إذا شعر بالنصر استعلى وزاد طغيانه، إذا زاد طغيانه فقد قرب هلاكه وإتلافه، فإذن نرد على هذا الإشكال أو على هذا الإيراد بأن الظالمين وأنصارهم مآلهم الخذلان، وإن تناصروا فإنهم لن يفلحوا.

هذه الآية اشتملت على فوائد كثيرة، الفائدة الأولى: أن الإنفاق قليله وكثيره يثاب عليه المرء، من أين يؤخذ؟

* طالب: (...).

* الشيخ: في سياق النفي؟

* طالب: أو الشرط.

* الشيخ: الشرط.

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: أحسن من قولك: أو الشرط أن تقول: بل الشرط. زين، يشمل القليل والكثير.

اشتراط الإخلاص في النفقة، هل يمكن أن يؤخذ من الآية؟ لأن النفقة بدون إخلاص لا تنفع، كيف يؤخذ؟

* طالب: من قول الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.

* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ فإن هذا يستلزم الجزاء عليه ولا جزاء على شيء لا إخلاص فيه.

من فوائد الآية: أنه ينبغي للإنسان إذا أنفق نفقة أن يحتسب الأجر على الله، من أين يؤخذ؟ أن الإنسان إذا نفق نفقة ينبغي له أن يحتسب الأجر على الله عز وجل؟

* طالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.

* الشيخ: من قوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾؛ لأنك إذا أنفقت وأنت تشعر أن الله يعلم هذا الإنفاق فسوف تحتسب الأجر على الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز النذر؟

* طالب: ما فيها جواز.

* الشيخ: ما فيها، كيف؟

* الطالب: لأن قال الله تعالى: ﴿أَوْ نَذَرْتُمْ﴾ هذا قيد قيد بالشرط إذا نذرتم..

* الشيخ: يعني ما يعطي بيان حكم النذر؟

* الطالب: ما يعطي.

* الشيخ: ولكن يعطي بأن الله يعلمه، ثم قد يعاقب عليه الإنسان وقد لا يعاقب، وأيش تقولون؟ صحيح الآية لا تدل على الجواز، كما لو قال قائل مثلًا: إذا سرقت فإن الله يعلم سرقتك، هل هذا يعطي أن السرقة جائزة؟ لا؛ ولهذا لا نقول: إن الآية تعارض الحديث وهو نهي النبي ﷺ عن النذر؛ لأنها لا تدل على جوازه، لكن إذا نذر وجب عليه الوفاء إذا كان نذره طاعة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عموم علم الله عز وجل، من أين تؤخذ؟

* طالب: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾.

* الشيخ: وجه العموم؟

* الطالب: كل نفقة أو نذر فإن الله يعلم.

* الشيخ: أن ﴿مَا أَنْفَقْتُمْ﴾ هذه عامة؛ لأن أدوات الشرط تفيد العموم.

* ومن فوائد الآية: الرد على غلاة القدرية؟

* طالب: أنهم يقولون إن الله سبحانه وتعالى لا يعلم الشيء (...)

* الشيخ: إن الله لا يعلم الشيء، وبعضهم يقول ما يعلم بالأشياء أيضًا، أن الإنسان مستقل بعمله، وليس لله فيه تدخل إطلاقًا، لكن الآية ترد عليهم، أما من يقول منهم إن الله يعلم الشيء بعد وقوعه فلا ترد عليه؛ لأن الآية صريحة في أن الله يعلمه بعد وقوعه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى لا ينصر الظالم.

* طالب: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾.

* الشيخ: طيب، ولكن يَرِد على هذا ما وقع في أحد أن الله سبحانه وتعالى نصر الكافرين.

* طالب: نقول: إن نصرهم لحكمة من الله سبحانه وتعالى هو أن يؤدب المؤمنين لمعصية الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أذن في المعركة ألا يُلاحقوا النبي ﷺ، وهذا ما (...)

* الشيخ: نقول في هذا بأن نصر الله لهؤلاء الكافرين ليس من أجل أن ينتصروا على المسلمين، ولكن من أجل العقوبة لما حصل ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، ثم هذا النصر أيضًا هل هو نصر مؤبد؟ لا؛ لأن الله ذكر أن هذا لإغراء الكافرين على كفرهم وطغيانهم حتى يمحقهم نهائيًّا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من دعا على أخيه وهو ظالم له فإن الله لا يجيب دعاءه.

* طالب: أقول: إن هذا طالب، وقد دعا على أخيه وهو ظالم له لا يسر الله على أخيه من دونه.

* الشيخ: نعم؛ لأنه لو أجيب لكان نصرًا له، وعلى هذا فإذا شهدت على شخص بحق، ودعا عليك، وقال: الله لا يربح فلانًا اللي علم علي، هل يقبل دعاؤه أو لا؟ لا؛ لأنه ظالم، والله عز وجل لا ينصر الظالمين أبدًا ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾، والله سبحانه وتعالى أحكم وأعدل من أن ينصر الظالم، كثير من الناس الآن يخشون من دعوة الإنسان حتى وإن كان ظالمًا، ولكن نقول: كن مطمئنَّا فإن الظالم لن ينصره الله عز وجل وليجيب دعاءه، لكن فكر في نفسك أنت، هل أنت ظالم أم لا؟ لأنه ربما يكون منك ظلم فتجاب دعوته لأيش؟ لظلمك، وأنت لا تشعر، وأما إذا كان ظالمًا ظلمًا محضًا فإنه لن يجاب.

فيه أيضًا الثواب على القليل والكثير؟

* طالب: يقول سبحانه: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ﴾ النفقة تشمل القليل والكثير.

* الشيخ: طيب، هل في القرآن ما يشهد لذلك؟

* طالب: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ [التوبة ١٢١]

* الشيخ: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ [الكهف ٤٩]

* طالب: لا، في النفقة.

* الشيخ: ﴿وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ طيب، فيه أيضًا غيرها؟

* طالب: الآية التي في سورة الكهف، قول الله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف ٤٩]

* الشيخ: طيب، وفي آخر سورة الزلزلة ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧، ٨].

2:271Page 46

إِن تُبۡدُواْ ٱلصَّدَقَٰتِ فَنِعِمَّا هِيَۖ وَإِن تُخۡفُوهَا وَتُؤۡتُوهَا ٱلۡفُقَرَآءَ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۚ وَيُكَفِّرُ عَنكُم مِّن سَيِّـَٔاتِكُمۡۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٞ ٢٧١

If you disclose your charitable expenditures, they are good; but if you conceal them and give them to the poor, it is better for you, and He will remove from you some of your misdeeds [thereby]. And Allāh, of what you do, is [fully] Aware.

ثم قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢٧١]

الإعراب: فيها جملة شرطية، ممكن أوجه السؤال لكم،فيها جملة شرطية؟

* طالب: إن حرف شرط.

* الشيخ: بس أرني الجملة الشرطية، ما أريد إعرابها؟

* طالب: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾.

* الشيخ: الدليل على أنها شرطية؟

* طالب: جواب الشرط ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾.

* الشيخ: طيب، تمام.

ثانيًا: فيها ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾ لماذا اقترنت نعم بالفاء؟

* طالب: جملة اسمية.

* الشيخ: لا.

* طالب: فنعما هي فعل جامد.

* الشيخ: لأنها فعل جامد.

اسْــمِــيَّـــةٌ طَـــلَـــبِـــيَّــةٌوَبِــجَــامِــدٍ ∗∗∗ ..........................

فيها أيضًا جملة شرطية أخرى، اقترن الجواب فيها بالفاء فما هو السبب؟

* طالب: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

* الشيخ: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ اقترنت بالفعل لأنها جملة؟

* الطلبة: اسمية.

* الشيخ: اسمية.

فيها: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ فيها إشكال لماذا صارت بالرفع، وهي معطوفة على جملة الجواب ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ ولم يقل: ويكفرْ؟

* طالب: لأنها معطوفة على المحل.

* الشيخ: المحل؟

* طالب: الاسمية محلها الرفع.

* الشيخ: لا هي محلها الجزم، هذه الجملة الاسمية ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ محلها الجزم.

* طالب: نقول يا شيخ: الواو استئنافية.

* الشيخ: صح، نقول: الواو استئنافية، هذا على قراءة الرفع، فيها قراءة أخرى ثانية وثالثة ﴿وَنُكَفِّرْ﴾ ﴿ونُكَفِّرُ﴾ ، ﴿نُكَفِّرْ﴾ على أنها مجزومة على محل جواب الشرط، وهو الجزم. ﴿وَنُكَفِّرُ﴾ على أنها استئنافية، فالقراءة فيها إذن ثلاث قراءات: و﴿يُكَفِّرُ﴾ ﴿وَنُكَفِّرْ﴾ ﴿ونُكَفِّرُ﴾ .

﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ هل نقول إن من هنا زائدة؟ لأن مثل هذا التركيب يأتي دائمًا بدون من كما في قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف ١١، ١٢]

* طالب: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾.

* الشيخ: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩] ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا﴾ [آل عمران ١٩٣]، فهل نقول إن من هنا زائدة؟ أو نقول إن من ليست بزائدة؟

* طالب: الثاني الضبط الثاني.

* الشيخ: الثاني هو المتعين لأن من لا تزاد في الإثبات؛ كما قال ابن مالك:

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ

وزيد يعني من

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ ∗∗∗ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ

إذن فتكون من للتبعيض، ويكفر عنكم بعض سيئاتكم.

سيئات ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ ما فيها إشكال إلى آخرها ما في ها إشكال أيضًا، بقية الآية ما فيها إشكال من جهة الإعراب.

يقول الله عز وجل: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ﴾ أي: تظهروها، والإظهار ينقسم إلى قسمين: إظهار عام وإظهار خاص، فالإظهار العام بأن يقوم الإنسان في محفل كبير ويتصدق، أو يقول: إني تصدقت، والإظهار الخاص أن يتصدق على فقير في مجمع صغير أو يخبر بعد ذلك أنه تصدق؛ لأن الإبداء يشمل إبداء الصدقة حين دفعها وإبداء الصدقة بعد ذلك بأن يخبر عنها، والصدقات هنا نشمل الزكاة والتطوع، كيف الزكاة والتطوع هل الزكاة صدقة؟ نعم؛ لأن الله قال في سورة التوبة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠]، وإنما سميت صدقة قالوا: لأنها تدل على صدق الإيمان، كيف تدل على صدق الإيمان؟

من أحب ما يكون للإنسان المال، قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر ٢٠] فإذا أظهر الإنسان هذا المحبوب لأمر موعود لا موجود، يعني: أظهر موجودًا لأمر موعود يدل ذلك على صدق إيمانه ولا لا؟ نعم، يدل على صدق الإيمان، إنسان الآن المال بيده، والمال حبيب له، والعامة يقولون جملة: إن المال أيش؟

* طالب: عديل الروح.

* الشيخ: عديل الروح؟ طيب يقول: هذا المال اللي هو من أحب الأشياء عنده يخرجه؛ لأنه وعد أن يثاب عليه، فالذي يخرج الموجود المحبوب لأمر موعود لا شك أنه مؤمن، فلهذا سميت صدقة.

﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ هذه جملة إنشائية للثناء عليها، يعني: فهي خير، ونِعْم صدقة تبدى؛ لأنها نافعة، ولكن هناك حال أفضل منها، وهي قوله: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

* طالب: شيخ، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾

* الشيخ: وقد يكون في الآخرة، وقد يكون فيهما إلا السيئات فإنه إذا جوزي عليها في الدنيا لا يجازى عليها في الآخرة.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ﴾ نأخذ فوائدها.

* طالب: الآية الثانية.

* الشيخ: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾. أكملنا تفسيرها؟

* طالب: (...)

* الشيخ: طيب، يقول: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾ أي فنعم شيئًا هي، لأن الصدقة يعني وجه الثناء عليها مطلقًا؛ لأن الصدقة نفع متعد للغير، وإحسان إلى الناس، والله يحب المحسنين، فلهذا أثنى الله على الصدقات سواء أبديت أم أخفيت، لكن يقول: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.

قال: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا﴾ أي: لا تعلنوها، بل تكون سرًّا.

﴿وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ أي على سبيل المثال؛ لأن الفقراء هم أهل الصدقات، ولو أعطاها غيرهم ممن يستحق الصدقات فهي كذلك.

وقوله: ﴿تُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ﴾ يستفاد منه أنه لا بد أن تصل إليهم، أما لو نوى أن يتصدق بهذا المال، ولكن لم يصل إلى الفقراء فإنه لا يكتب له أجر الصدقة؛ ولهذا كان الإنسان مخيرًا فيه بين أن يمضي الصدقة أو يردها.

وقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ أي: من إبدائها وإظهارها.

ثم قال عز وجل: ﴿وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿وَيُكَفِّرُ﴾ ثلاث قراءات سبعية: ﴿يُكَفِّرُ﴾ بالياء وضم الراء، ﴿نُكَفِّرْ﴾ بالنون وسكون الراء، ﴿نُكَفِّرُ﴾ أيضا بالنون وضم الراء، أما على قراءة الجزم ﴿نُكَفِّرْ عَنْكُمْ﴾ فهي معطوفة على محل قوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ لأن محلها الجزم حيث إنها جواب الشرط، وأما على قراءة الرفع فعلى الاستئناف.

وقوله: ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ يحتمل أن تكون تبعيضية، وأن يقال: إن الصدقة لا تكفر جميع السيئات، ولكنها تكفر بعضها، ويحتمل أن تكون بيانية، لكن الأول أقرب، والسيئات هي ما يسوء الإنسان.

وهل السيئة تسوء الإنسان في الدنيا والآخرة؟ أم في الآخرة فقط؟

الجواب: أما في الآخرة فلا شك أنها تسوء المرء؛ لأنه يجد ثوابها عقابًا، وأما في الدنيا فإنها قد تسوؤه أيضًا؛ لأن فرح النفس بالمعصية يعقبه حزن وغم، فإن العصاة وإن فرحوا ظاهرًا لممارسة هذه المعاصي التي تلائم النفس الأمارة بالسوء، فإن وراء النفس الأمارة بالسوء نفس لوامة تلوم على فعل المعصية، ثم يعقب ذلك الفرح حزن، هذا فيمن في قلبه حياة، أما من قلبه ميت فإنه لا يحزن، ولو فعل ما فعل من المعصية.

مَنْ يَهُنْ يَسْهُلِ الْهَوَانُ عَلَيْهِ ∗∗∗ مَــا لِــجُــرْحٍ بِــمَــيِّــتٍإِيـــلَامُ

هؤلاء طبع الله على قلوبهم فلا يحزنون بفعل المعاصي أبدًا، لكن المؤمن لا بد أن يحزن، حتى إن بعض الناس يجد أحيانًا من نفسه غمًّا وانقباضًا ولا يعلم له سببًا محسوسًا بينًا، لكن عندما يتذكر يجد أنه فعل معصية أو غفل عن ذكر أو ما أشبه ذلك.

وبعض الناس أيضًا يفعل بعض المحرمات، فإذا فعله بمجرد ما ينتهي منه يجد الغم والحزن، وهذا من نعمة الله سبحانه وتعالى على عبده أن يحصل له مثل هذا الانفعال النفسي إذا فرط في واجب أو انتهك محرمًا، وأظن أنه مر عليكم حين سلم الرسول ﷺ من ركعتين من إحدى صلاته العشي فقام إلى خشبة معروضة في المسجد فاتكأ عليها كأنه غضبان؛ لأن نفسه منقبضة حيث لم يتم صلاته، وحدثني من أثق به أن رجلًا كان مشهورًا بالورع - في عصرنا ليس بعيدًا - كان مشهورًا بالورع، لا يأكل إلا ما كسب بيده، وكان جمالًا يحمل على بعيره، فخرج ذات يوم ليحمل على بعيره أثلًا مقطوعا، تعرفون الأثل؟

كانوا يقطعونه ويدخلونه بالبيوت ليكون حطبًا، فأناخ البعير حولها كالمجموعة من الخشب، أناخ البعير وحمل الخشب عليه وربطه فأثار البعير فأبت أن تقوم، كلما أثارها، ضربها أبت أن تقوم، وهذا ليس من عادتها، فسكت عنها، ثم عاد ثم سكت ثم عاد، أبت، ففكر أو فتح الله عليه لينظر، فالتفت يمينًا وشمالًا، وإذا الخشب الذي له لم يحمله وإذا هو قد حمل خشب جاره، أي: نعم، هذا مسموع مؤكد، فنزل الخشب في مكانه وأثار البعير فقامت بكل سهولة، ثم أناخها هناك وحمل عليها، وهذا من لطف الله سبحانه وتعالى بالإنسان أنه أحيانًا يمنعه الله سبحانه وتعالى شيئًا لو علم به ما فعله، فيحول الله بينه وبين هذا الشيء الذي لا يرضاه هو لو كان عالمًا به، المهم أن السيئة تسوء المؤمن في الدنيا والآخرة إلا أن يعفو الله عنها، أما الكافر فإنه تسوؤه في الآخرة، أما في الدنيا فلا تسوؤه، ولكن مع هذا قد يعاقب عليها.

قال: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾، قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مُتعلق بـ﴿خَبِيرٌ﴾، والخبير اسم من أسماء الله، ومعناه: ذو الخبرة، والخبرة هي العلم ببواطن الأمور، وأصلها من الخبار وهو الزرع؛ لأن الإنسان يضع الحب في الأرض مختفيًا، ومنه الحديث: نهى عن المخابرة[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٢٣٨١)، ومسلم (١٥٣٦ / ٨٢) من حديث جابر بن عبد الله.]]، فالخبير معناه العليم ببواطن الأمور، وكلنا يعلم أن العليم ببواطن الأمور يكون عليمًا بظواهرها من باب أولى، وهنا إشكال في قوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ حيث قدم هنا ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ وأحيانًا يقدم ﴿خَبِيرٌ﴾ على ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ مثل: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣]، فيقال: تقديمها هنا للحصر، لكنه حصر إضافي؛ لأن الله خبير بما نعمل، وخبير بما لا نعمل، وخبير بما نعمل نحن بني آدم، وبما يعمل الحيوان الآخر، وخبير بكل شيء، لكن قدمه للاهتمام به، والتهديد عن المخالفة كأنه يقول: لو لم يكن خبيرًا بشيء فهو خبير بما تعملون فاحذروا.

* طالب: الفواصل.

* الشيخ: الفواصل، لا، قد يقول الإنسان يفصل بالنون.

خير سواء أخفاها أو أظهرها؛ لقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١].

ومنها: أن الإسرار بالصدقة أفضل؛ لقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وللحديث الصحيح: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ» وذكر منهم: «رَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا؛ حَتَى لَا تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنْفِقُ يَمِينُهُ»[[أخرجه البخاري (١٤٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، ولكن قد يكون في الإظهار خير يرجح على الإسرار، كما لو كان هذا الفقير طلب منا أن نعينه ونساعده، فأظهرتَ الصدقة عليه من أجل أن يقتدي بك الناس، فهذا يكون خيرًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تفاضُل الأعمال، أن بعض الأعمال أفضل من بعض؛ لقوله: ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾، وتفاضل الأعمال يستلزم تفاضل العامل، أليس كذلك؟ نعم؛ لأن الإنسان يشرف بعمله ويفضل بعمله، وتفاضل الأعمال يستلزم زيادة الإيمان؛ لأن الإيمان قول وعمل، فإذا تفاضلت الأعمال تفاضل الإيمان، وهذا كله دليل على مذهب أهل السنة والجماعة وهو تفاضل الأعمال والعمال، وقد ذكرنا فيما سبق أن لأسباب فضل العمل أن له أسبابًا ستة أو سبعة، مرت علينا سابقًا فراجعوها، فهنا فيه تفاضل الأعمال الذي يستلزم تفاضل الإيمان، وأهل السنة الجماعة يؤمنون بأن الإيمان يزيد وينقص كما سيأتي إن شاء الله تعالى في العقيدة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصدقة سبب لتكفير السيئات؛ لقوله: ﴿وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [البقرة ٢٧١] قراءة، ﴿نُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾، ويشهد لهذا أيضًا، بل يؤيده قول النبي ﷺ: «الصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ تَلَا ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ »[[أخرجه الترمذي (٢٦١٦) وابن ماجه (٣٩٧٣) من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ومعنى الاختيارية التي يفعلها بمشيئته وإرادته، وليس المعنى أن الله تعالى قد يكره على العمل، لا؛ لقوله: ﴿وَنُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ .

* ومن فوائد الآية: بيان آثار الذنوب، وأنها تسوء العبد؛ لقوله: ﴿مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾.

ومنها: إثبات الاسم لله عز وجل الخبير، وإثبات ما دل عليه من صفة.

ومنها: تحذير العبد من المخالفة؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [البقرة ٢٧١] فإن إخباره إيانا بذلك يستلزم أن نخشى من خبرته عز وجل، فلا يَفْقِدُنا حيث أَمَرنا ولا يرانا حيث نهانا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском