Ibn 'UthayminAl‑Baqarah · 2:96–105

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:96–105

2:96–105Page 15

وَلَتَجِدَنَّهُمۡ أَحۡرَصَ ٱلنَّاسِ عَلَىٰ حَيَوٰةٖ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْۚ يَوَدُّ أَحَدُهُمۡ لَوۡ يُعَمَّرُ أَلۡفَ سَنَةٖ وَمَا هُوَ بِمُزَحۡزِحِهِۦ مِنَ ٱلۡعَذَابِ أَن يُعَمَّرَۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ٩٦

And you will surely find them the most greedy of people for life - [even] more than those who associate others with Allāh. One of them wishes that he could be granted life a thousand years, but it would not remove him in the least from the [coming] punishment that he should be granted life. And Allāh is Seeing of what they do.

قُلۡ مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّـجِبۡرِيلَ فَإِنَّهُۥ نَزَّلَهُۥ عَلَىٰ قَلۡبِكَ بِإِذۡنِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَهُدٗى وَبُشۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ٩٧

Say, "Whoever is an enemy to Gabriel - it is [none but] he who has brought it [i.e., the Qur’ān] down upon your heart, [O Muḥammad], by permission of Allāh, confirming that which was before it and as guidance and good tidings for the believers."

مَن كَانَ عَدُوّٗا لِّلَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَرُسُلِهِۦ وَجِبۡرِيلَ وَمِيكَىٰلَ فَإِنَّ ٱللَّهَ عَدُوّٞ لِّلۡكَٰفِرِينَ ٩٨

Whoever is an enemy to Allāh and His angels and His messengers and Gabriel and Michael - then indeed, Allāh is an enemy to the disbelievers.

وَلَقَدۡ أَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ وَمَا يَكۡفُرُ بِهَآ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقُونَ ٩٩

And We have certainly revealed to you verses [which are] clear proofs, and no one would deny them except the defiantly disobedient.

أَوَكُلَّمَا عَٰهَدُواْ عَهۡدٗا نَّبَذَهُۥ فَرِيقٞ مِّنۡهُمۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٠٠

Is it not [true] that every time they took a covenant a party of them threw it away? But, [in fact], most of them do not believe.

وَلَمَّا جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٞ لِّمَا مَعَهُمۡ نَبَذَ فَرِيقٞ مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ كِتَٰبَ ٱللَّهِ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ كَأَنَّهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ١٠١

And when a messenger from Allāh came to them confirming that which was with them, a party of those who had been given the Scripture threw the Scripture of Allāh [i.e., the Torah] behind their backs as if they did not know [what it contained].

وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتۡلُواْ ٱلشَّيَٰطِينُ عَلَىٰ مُلۡكِ سُلَيۡمَٰنَۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيۡمَٰنُ وَلَٰكِنَّ ٱلشَّيَٰطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحۡرَ وَمَآ أُنزِلَ عَلَى ٱلۡمَلَكَيۡنِ بِبَابِلَ هَٰرُوتَ وَمَٰرُوتَۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنۡ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَآ إِنَّمَا نَحۡنُ فِتۡنَةٞ فَلَا تَكۡفُرۡۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنۡهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِۦ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَزَوۡجِهِۦۚ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِۦ مِنۡ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذۡنِ ٱللَّهِۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمۡ وَلَا يَنفَعُهُمۡۚ وَلَقَدۡ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشۡتَرَىٰهُ مَا لَهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ مِنۡ خَلَٰقٖۚ وَلَبِئۡسَ مَا شَرَوۡاْ بِهِۦٓ أَنفُسَهُمۡۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٢

And they followed [instead] what the devils had recited during the reign of Solomon. It was not Solomon who disbelieved, but the devils disbelieved, teaching people magic and that which was revealed to the two angels at Babylon, Hārūt and Mārūt. But they [i.e., the two angels] do not teach anyone unless they say, "We are a trial, so do not disbelieve [by practicing magic]."1 And [yet] they learn from them that by which they cause separation between a man and his wife. But they do not harm anyone through it except by permission of Allāh. And they [i.e., people] learn what harms them and does not benefit them. But they [i.e., the Children of Israel] certainly knew that whoever purchased it [i.e., magic] would not have in the Hereafter any share. And wretched is that for which they sold themselves, if they only knew.

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَمَثُوبَةٞ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ خَيۡرٞۚ لَّوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ١٠٣

And if they had believed and feared Allāh, then the reward from Allāh would have been [far] better, if they only knew.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَٰعِنَا وَقُولُواْ ٱنظُرۡنَا وَٱسۡمَعُواْۗ وَلِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٠٤

O you who have believed, say not [to Allāh's Messenger], "Rāʿinā" but say, "Unẓurnā"1 and listen. And for the disbelievers is a painful punishment.

مَّا يَوَدُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَلَا ٱلۡمُشۡرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيۡكُم مِّنۡ خَيۡرٖ مِّن رَّبِّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ١٠٥

Neither those who disbelieve from the People of the Scripture [i.e., the Jews and Christians] nor the polytheists wish that any good should be sent down to you from your Lord. But Allāh selects for His mercy whom He wills, and Allāh is the possessor of great bounty.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ هذا (...).

* الطالب: حكم المباهلة؟

* الشيخ: حكم المباهلة جائز في الأمور الهامة التي يقصد بها إثبات الحق وإبطال الباطل، وقد« رُوي أن ابن عباس رضي الله عنه وعن أبيه أنكر العول في الفرائض وقال: من شاء باهلته على ذلك إن الذي أحصى عدد رمل عالج لا يمكن أن يجعل في المال. »[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٦/ ٢٥٣).]]، وذكر الفروض التي توجب العول.

فالأشياء الهامة لا بأس الإنسان يباهل عليها لإثبات الحق، ولكن بشرط أن يكون على علم من ذلك لئلا يقع الأمر بخلاف هذا ويصاب.

* الطالب: شيخ، هل الرسول ﷺ دعا (...)؟.

* الشيخ: إيه، دعاهم لكن ما أجابوا، في وفد نجران دعاهم، أما في قصة اليهود ما ورد أن رسول الله ﷺ دعاهم للمباهلة، لكن كان ابن كثير يرجح هذا ويقول: ما يستدل على هذا الأمر.

* الطالب: كيف المباهلة؟ المباهلة كيف؟

* الشيخ: المباهلة أصلها من الابتهال إلى الله بالدعاء؛ يعني مثلًا أنا أقول كذا وأنت تقول كذا، تقول: تعالَ، ونجتمع ونقول: لعنة الله على الكاذبين، أو الكاذب منا يصاب بكذا، أو ما أشبه ذلك.

قال الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ اللام هنا موطِّئة للقسم، والجملة مؤكدة باللام وبنون التوكيد الثقيلة في قوله: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ وفي القسم المقدَّر وهو: والله لتجدنهم، وهنا ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾ الدال مفتوحة وهو فعل مضارع، وليس فيه ناصب ينصبه، فلماذا فتحت الدال؟

لأنه متصل بنون التوكيد، والمضارع إذا اتصل بنون التوكيد يبنى على الفتح، وقوله: ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾ هذا فعل مر علينا قريبًا، وأنه ينصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، المفعول الأول الهاء في ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾، والمفعول الثاني ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾.

والخطاب هنا ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾ إما للرسول ﷺ؛ لأنه المخاطَب بالقرآن أولًا، والخطاب للرئيس أو للإمام خطاب لأتباعه، فكل خطاب في القرآن للرسول ﷺ فهو خطاب لأمته إلا ما دل الدليل على أنه خاص به مثل قوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ﴾ [الشرح ١، ٢] وما أشبه ذلك فهو على خصوصه. والخطاب للرسول، وإما لكل من يتأتى خطابه؛ أي لتجدنهم أيها المخاطَب بهذا القرآن الكريم، والقرآن الكريم مخاطَب به مَن؟

* الطلبة: جميع الناس.

* الشيخ: جميع الناس، مخاطب قال: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ ﴿أَحْرَصَ﴾ اسم تفضيل ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ﴾ اسم تفضيل، وما هو الحِرص؟ الحِرص هو: أن يكون الإنسان طامعًا في الشيء مشفقًا من فواته، الطمع في الشيء مع الإشفاق من فواته يسمى حرصًا، والحرص يستلزم بذل المجهود، ولهذا قال الرسول ﷺ: «احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزَنَّ»[[أخرجه مسلم (٢٦٦٤ / ٣٤) من حديث أبي هريرة بلفظ: «... وَلَا تَعْجِز».]]

* الطالب: شيخ، الواو؟

* الشيخ: وأيش؟

* الطالب: واو حيوة؟

* الشيخ: حيوة؟

* الطالب: مكتوب الواو أقول: الواو وأيش؟

* الشيخ: على (حيوة)، هذا -سلمك الله- الرسم القديم رسم المصحف القديم على هذا الوجه، فالعلماء رحمهم الله رأوا أن الأولى إبقاء الرسم القديم العثماني على ما كان عليه، وإلا فإنه على (حياة) بالألف.

* الطالب: تغلط بعض الناس اللي ما تقدر؟

* الشيخ: إيه اللي ما تتقرا ما نفهم، ولهذا اختلف العلماء في هذه المسألة وأظن حكينا أقوالهم لكم، وقلنا: إن العلماء اختلفوا في كتابة القرآن الكريم: هل يجب أن يبقى على الرسم العثماني، أو يجوز أن يُنقل إلى الاصطلاحي الرسم الاصطلاحي أو يُفصَّل بين العالم والجاهل؟

وذكرنا في هذا ثلاثة أقوال، وأن القول الصحيح أنه جائز؛ لأنه لو كان الوضع في وقت عثمان رضي الله عنه حين كتب المصحف على غير هذا الاصطلاح لكتب به، والقرآن نزل مقروءًا أو مكتوبًا؟

* الطلبة: مقروءًا.

* الشيخ: مقروءا، ولكن مع ذلك اللي ذُكِر (...) يُخشى منه يعني بعض اللي يتهجون القرآن تهجيًا ولم يتلقوه تلقيًا من أفواه المشايخ يقولون: الصلاة أيضًا (الصلوة)، والزكاة كذلك، والربا بالواو، وهلم جرًّا، ولهذا من أهم ما يكون أن يكون الإنسان يتلو كتاب الله على يد قارئ يلقنه حتى يعرفه تمامًا.

﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ ﴿لَتَجِدَنَّهُم﴾ يعني اليهود، ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاة﴾ هنا نكَّر ﴿حَيَاة﴾ ولم يقل: على الحياة؛ يعني معناه أنهم حريصون على الحياة وإن قل حتى لو ما يجيئهم إلا لحظة فهم أحرص الناس عليها، ما هي الحياة الكاملة الطويلة، لا، أي حياة هم حريصون عليها.

قال: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ اختلف المفسرون في قوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ هل هي مبتدأ كلام منقطع عما قبله، وأن التقدير: ومن الذين أشركوا من يود أحدهم لو يعمر، وهذا وإن كان محتملًا لفظًا لكنه في المعنى بعيد جدًّا، ولهذا الصواب الرأي الثاني أنه معطوف على قوله: ﴿النَّاسِ﴾ يعني ولتجدنهم أحرص الناس وأحرص من الذين أشركوا؛ يعني اليهود أحرص من المشركين على الرغم من أن اليهود أهل كتاب يؤمنون بالبعث بالجنة وبالنار، والمشركون ما يؤمنون بذلك واللي ما يؤمن بالبعث يصير أحرص الناس على حياة؛ لأنه يرى أنه إذا مات انتهى الأمر ما عاد يعود فتجده يحرص على ها الحياة اللي يرى أنها هي رأس ماله، ولا يرى هناك حياة أخرى، فهؤلاء اليهود أحرص الناس حتى من الذين أشركوا، وهذا الرأي هو الصواب ويكون من باب عطف الخاص على العام لأيش؟ لأن المشركين من أين؟

* الطلبة: من الناس.

* الشيخ: من الناس، المشركين من الناس، فإذن أحرص الناس ومن الذين أشركوا مع أن المشركين من الناس فيكون أحرص حتى من هذا الصنف من الناس الذين لا يؤمنون بالبعث.

وقوله: ﴿مِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ أي بالله، والشرك تفاصيله ما هو هذا محلها، محلها إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد، وأنه ينقسم إلى أقسام ثلاثة كل قسم من التوحيد يقابله قسم من الشرك، وهذه الأقسام الثلاثة هي كل منها يتنوع إلى أصغر وأكبر، ومنها أيضًا ما يتنوع إلى خفي وجلي.

* طالب: الوجه الأول.

* الشيخ: وأيش هو؟

* الطالب: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ الوجه الأول.

* الشيخ: الوجه الأول يقول: إن هذه منفصلة عما قبلها، وأن معنى الآية: ومن الذين أشركوا من يود أحدهم لو يعمر. وقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. ﴿يَوَدُّ﴾ أيش معنى المودة؟

* طالب: التمني.

* طالب آخر: الحب.

* الشيخ: الحب والتمني. وقوله: ﴿أَحَدُهُمْ﴾ الضمير يعود على من؟ اليهود ولَّا على المشركين؟

* الطالب: على اليهود إذا أخذنا بالقول الثاني يعود على اليهود.

* الشيخ: أما القول الأول واضح أنه يعود على المشركين لا غير، والقول الثاني يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على اليهود، ويصير انقطع الكلام عند قوله: ﴿أَشْرَكُوا﴾ ويحتمل أن يكون عائدًا إلى المشركين ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ أيهما أرجح في نظركم؟

* طالب: الثاني أبلغ.

* الشيخ: الثاني أبلغ؟ أنه يعود على المشركين؟ ما وجهه؟

* الطالب: يكون على اليهود، بما أن المشركين يود أحدهم لو يعمر ألف سنة، وأن اليهود يرغبون في الحياة فاليهود أعظم منهم.

* طالب آخر: شيخ، ممكن نقول: إن اليهود يدخلون في المشركين يعني عندهم شرك.

* الشيخ: لا، لا ما هو صحيح، هذا ما هو صواب، ليس صواب.

* الطالب: يعود على اليهود لأن الخطاب..

* الشيخ: يرجحه السياق يعني؟ ترجيح السياق؟ وفيه ترجيح المعنى إذا كان ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ﴾ أي المشركين، يعني محمود يرى أن الضمير يعود على المشركين أرجح، يرجح ما قال محمود أمران؛ أحدهما: أن الضمير في الأصل يعود إلى أقرب مذكور، والمشركون هنا أقرب، والثاني: أنه إذا كان المشرك يود أن يعمر ألف سنة وكان اليهودي أحرص منه على الحياة فيلزم أن يكون اليهودي يتمنى أن يُعمر أكثر من ألف سنة، ولَّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: إذا قلنا: إن الضمير يعود على اليهود فيرجِّحه أن السياق فيه، ولكنه يدل على أن الذي يتمنى ألف سنة من هم؟

* الطلبة: اليهود.

* الشيخ: اليهود، فتبين أن الأول أبلغ؛ لأنه إذا كانوا أحرص من المشرك الذي يتمنى أن يعمر ألف سنة وهو أعظم دليلًا على أنهم- أي اليهود- يحبون الحياة.

وقوله: ﴿أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَة﴾ ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ وأيش معنى التعمير؟ الزيادة في العمر، والعمر هو الحياة.

وقوله: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ (لو) هذه هل هي شرطية؟

* طالب: لا، ما هي شرطية.

* الشيخ: ما هي شرطية لكنها مصدرية، وكلما جاءت بعد (ود) فهي مصدرية؛ ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ﴾ فـ (لو) هنا مصدرية، ﴿يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ﴾ [الأحزاب ٢٠] يعني (لو) هذه مصدرية كلما جاءت (لو) بعد (ود) فهي مصدرية. وأيش معنى مصدرية؟ يعني بمعنى (أن) تؤول وما بعدها بمصدر، فيقال: يود أحدهم لو يعمر يود أحدهم تعميره. ﴿أَلْفَ سَنَة﴾ معروف الألف سنة، والسنة هي العام وما المراد بالسنة هنا؟ السنة الميلادية أو السنة القمرية؟

* طالب: الميلادية.

* الشيخ: الميلادية؟

* الطالب: لأنهم هم على الميلاد، حسابهم على الميلاد، هذا صريح (...).

* الشيخ: التاريخ الميلادي هذا حادث، واليهود لا يعترفون بالمسيح نبيًّا، والكلمات إذا أُطلقت تحمل على المعنى الشرعي، لقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التوبة ٣٦] فالميقات الذي وضعه الله للعباد إنما هو بالأشهر الهلالية ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ﴾ [البقرة ١٨٩] لمن؟ للعرب والحج. ﴿لِلنَّاسِ وَالْحَج﴾ كل الناس، ولذلك التاريخ هذا الأخير ليس مبنيًّا على أصل من الدين ما هو على دين، فإن التواريخ كلها إلى أن حدث هذا فيما نعلم كلها على التاريخ الهلالي، التاريخ الهلالي؛ لأنه علامة حسية ظاهرة، لكن هذه الأشهر الإفرنجية هي علامتها حسية ظاهرة؟

* طالب: لا.

* الشيخ: أبدًا، اصطلاحية محضة، ولذلك بعضها يصل إلى واحد وثلاثين، وبعضها يرجع إلى ثمان وعشرين بدون أي سبب وبدون أي علة، فهي ما هي مبنية على أصل، وقد حاول بعض الحسّابين أن يحول هذه الأشهر إلى عدد ثابت، ويجعل السنة ثلاثة عشر شهرًا بدلًا من اثني عشر شهرًا، وبعضهم حاول أن يجعلها إلى عدد ثابت بدون أن تزيد الأشهر، ولكن رجال الكنيسة قاموا على هذا.

(...) ﴿وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٩٧، ٩٨].

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا﴾ يشير إلى منْ؟

* الطالب: الذين يقولون إن جبريل هو روح شريرة نزلت للحروب.

* الشيخ: هو عدو لنا؟ من اللي قال؟

* الطالب: اليهود.

* الشيخ: اليهود. قوله: ﴿لِجِبْرِيلَ﴾ فيها قراءات؟

* الطالب: ﴿جَبْرِيل﴾ و ﴿جَبْرَئِل﴾ و﴿جَبْرَائِيل﴾ .

* الشيخ: أحسنت، جبرائيل ملك ولا نبي؟

* الطالب: ملَك.

* الشيخ: ملك مُوكّل؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: بأيش؟

* الطالب: موكل بإنزال القرآن على الرسول ﷺ.

* الشيخ: بالوحي، مُوكّل بالوحي.

وقوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ هل هذا جواب الشرط أو دال عليه؟

* الطالب: دال عليه.

* الشيخ: وين جواب الشرط؟

* الطالب: الجملة.

* الشيخ: وين الجملة؟

* الطالب: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾.

* الشيخ: إي نعم، يعني إذن هو جواب الشرط، تخالف مصطفى في قوله: إنه دال عليه تخالفه؟ تخالفه؟

* الطالب: أخالف.

* الشيخ: زين، والخلاف إلى الخير خير.

* الطالب: قيل: إن جواب الشرط ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ هذا جواب الشرط، وقيل: إنه ليس جواب الشرط، وإنما هذا علة لجواب الشرط، وجواب الشرط محذوف تقديره: فليمت غيظًا.

* الشيخ: ما تقولون في هذا الجواب؟

* الطلبة: صحيح.

* الشيخ: صحيح. وأيهم أقرب؟

* الطالب: الأقرب أنه محذوف.

* الشيخ: الأقرب أنه محذوف؟

* الطالب: الذي رجحته.

* الشيخ: الذي رجَّحْتُهُ ولَّا رجحتَهُ؟

* الطالب: رجحتُه.

* الشيخ: أنا، ما تقولون؟

* الطالب: لا، الأرجح أنها جواب شرط.

* الشيخ: أنها جواب شرط؟ لأن الأصل؟

* الطالب: لأن الأصل وجود جواب الشرط.

* الشيخ: عدم الحذف، الأصل عدم الحذف، ثم إن قوله: فليمت غيظًا بهذا الأسلوب يعني تقدير ما ينبغي، وإن كان يقول: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، لكنه في هذا المقام ما ينبغي، الصواب أن قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ هو جواب الشرط، لكن ما وجهه؟ ما وجه ارتباط قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ بقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾؟

* الطالب: (...)؟

* الشيخ: لا من الناحية المعنوية، وإلا النحو جواب للشرط، من الناحية المعنوية؟

* الطالب: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ﴾ فإنه أنزل القرآن على قلب بشر.

* الشيخ: لكن ما وجه ارتباط جواب الشرط بفعل الشرط من الناحية المعنوية؟

* الطالب: يعني الذين يقولون: إن جبريل عدو لهم فالعدو دائمًا يأتي بالأشياء الخبيثة، وجبريل عليه السلام يأتي بالأشياء المنزلة من الله عز وجل فهو يعني يأتي بأشياء الخير.

* الشيخ: كأنه جواب يكون عِلّة للحكم؛ يعني فالمعنى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيل﴾ فإنه ليس فيه من أوصاف ما يعادَى عليه إلا أنه نزله على قلبك، وهذا لا ينبغي أن يكون سببًا للعداوة. وفي البلاغة يقولون: تأكيد الذم بما يشبه المدح، وتأكيد المدح بما يشبه الذم، هذا شبيه به، ويقول الشاعر:

وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ ∗∗∗ بِهِنَّ فُلُولٌ مِــــــــــــــــنْ قِرَاعِالْكَتَـــــــــــــــــــــائِبِ ما بهم عيب إلا هذا، وهذا عيب ولّا مدح؟

* الطلبة: مدح.

* الشيخ: مدح، لكن تأكيد الذم بما يشبه المدح. إذن فالصواب أن هذا هو جواب الشرط.

وقوله: ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾ لماذا اختير القلب؟ ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ ما قال: عليك؟ لماذا خص القلب؟

* الطالب: لأنه موضع العلم موضع..

* الشيخ: الوعي، موضع الوعي والفهم. قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ المراد بإذن الله هنا؟

* الطالب: بأمر الله.

* الشيخ: بأمر الله؟ صح.

* الطالب: لا يصح بمشيئته؟

* الشيخ: يصح (...) الأمر المراد بالمشيئة.

الإذن ينقسم إلى قسمين: إذن كوني، وإذن شرعي، فما تعلق بالأحكام الشرعية فإنه إذن شرعي؛ إذن الله نوعان: شرعي وقدري، فما تعلق بالأحكام الشرعية فهو شرعي، وما تعلق بالأحكام الكونية كالخلق والرزق والتدبير وغير ذلك فهو إذن قدري، قال الله تعالى: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ﴾ [يونس ٥٩] أيش هو؟ شرعي ولّا قدري؟

* الطلبة: شرعي.

* الشيخ: شرعي؛ لأنه قدرًا قد أذن لهم؛ لأنهم فعلوا هذا، حرَّموا ما شاؤوا وأباحوا ما شاؤوا. ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى ٢١]

* طالب: شرعي.

* الشيخ: شرعي، وأيش الدليل على أنه شرعي؟

* الطالب: قوله: ﴿شَرَعُوا﴾.

* الشيخ: قوله: ﴿شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ وأيضًا هو قدرًا مأذون فيه، هذا الذي شرعوه من الدين قدرًا مأذون فيه ولو لم يُؤذن ما وقع، لو لم يأذن فيه قدرًا ما وقع، فهم شرعوا من الدين ما لم يأذن به الله شرعًا ولكنه أذن به قدرًا.

﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة ٢٥٥] ما قولكم في هذا الإذن شرعي ولّا كوني قدري؟

* الطلبة: كوني وشرعي.

* الشيخ: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ هذا كوني؛ لأنه يتعلق بالتدبير والفعل ﴿يَشْفَعُ﴾ فعل يتعلق بإذن الله وقضائه، فيكون المراد بالإذن هنا الإذن الكوني القدري.

الفرق بينهما من حيث المعنى ومن حيث الأثر، قلنا: من حيث المعنى ما تعلق بالأحكام الشرعية فهو إذن شرعي، وما يتعلق بالأمور الكونية فهو إذن كوني. الفرق بينهما من حيث الأثر: الإذن الشرعي يقع فيه المأذون وقد لا يقع، أما الإذن الكوني فلا بد أن يقع.

الفرق الثاني أيضًا من (...): الإذن الشرعي يكون مما رضيه الله وأحبه ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة ٣] والإذن الكوني قد يكون مما يرضاه الله، وقد يكون مما لا يرضاه الله، مفهوم يا جماعة؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: هنا اللي عندنا بالآية: ﴿نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي القسمين هذا؟

* الطلبة: القدري.

* الشيخ: القدري، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال، حال من أين؟ من الضمير في قوله: ﴿نَزَّلَهُ﴾ يعني: نزله حال كونه مصدقًا لما بين يديه، وقوله: ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لما سبقه؛ لأن ما بين يديه قد تقدمك، والمراد بما بين يديه التوراة والإنجيل وغيرهما من الكتب التي أخبرت عن نزول القرآن، وتصديق القرآن لها له وجهان:

الوجه الأول: أنه شهد لها بالصدق ولّا لا؟

والوجه الثاني: أنه جاء مطابقًا لما أخبرت به، فقد صدقها وقوعًا؛ لأنها هي أخبرت بهذا القرآن فجاء مصدقًا لها.

وقوله: ﴿وَهُدًى﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ ﴿هُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة أي دلالة، وقد يراد به التوفيق، والقرآن كذلك هداية بمعنى دلالة وبمعنى توفيق، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة ١٦] وهذه هداية التوفيق بلا ريب؛ لأن هداية الدلالة لمن اتبع رضوان الله ولمن لم يتبع، لكن هداية التوفيق لا تكون إلا لمن اتبع رضوان الله.

وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾ ﴿بُشْرَى﴾ أي بشارة، والبَشارة الإخبار بما يسُر، وقد تأتي في الإخبار بما يضر مثل قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١].

وقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ المراد بالإيمان هنا الإيمان الشرعي لا الإيمان اللغوي الذي هو مشهور بين الناس وهو مجرد التصديق على أن الإيمان في الحقيقة ما هو ليس مطابقًا للتصديق، ولذلك يختلف مع التصديق في المتعلق، فالإيمان يقال: آمن به، ولا يقال: صدَّق به، أو يقال؟

* طالب: لا.

* الشيخ: صدق به لكن ما هي مثل.. ليست على غرار آمن به، لها معنى آخر، ثم إن الإيمان يدل على أمن واستقرار، ولهذا قال بعض العلماء: إنه يكون في الأمور الغيبية دون الأمور المحسوسة، وهذا قد يكون فيه نظر؛ لأن قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما قال الله له: ﴿قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] فهنا ازداد قلبه بأمر محسوس، وأيضًا يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة ٣] فدل هذا على أن الإيمان قد يكون بما يشاهَد، وإلا لم يكن لقوله: ﴿بِالْغَيْبِ﴾ فائدة.

على كل حال الإيمان هنا هو في الحقيقة: التصديق المتضمن شنو؟

للقبول والإذعان، لا بد من أن يكون متضمنًا للقبول والإذعان؛ قبول في الأخبار وإذعان في الأحكام، أما إذا لم يكن قبول ولا إذعان فليس بإيمان حتى لو، وقد ذكرنا كثيرًا من شواهد هذا بأن مجرد التصديق ليس بإيمان.

هنا يقول الله عز وجل: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِين﴾ قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِين﴾ متعلق بـ﴿هُدًى وَبُشْرَى﴾، ولّا بالثاني فقط؟

* طالب: بالثاني.

* الشيخ: إن قلنا بالثاني فلا إشكال، وإن قلنا بالأولى ففيه إشكال؛ لأن القرآن هدى للناس كما قال الله عز وجل: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥] وحينئذٍ إذا قلنا: إن المتعلق بهدى وبشرى بهما جميعًا فإنه يحتاج إلى بيان وجه الجمع بينه وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، ووجه الجمع أن يقال: إن المراد بالهداية هنا هداية الانتفاع؛ يعني ما ينتفع به ويهتدي به إلا المؤمنون، والله تبارك وتعالى يقول في القرآن عن الإنسان: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾ [الإنسان ٣] يعني سواء كان شاكرًا أو كفورًا، فإن الله قد هداه السبيل يعني بينه له وأظهره وأوضحه، لكن من الناس من يكون شاكرًا ومنهم من يكون كفورًا.

* الطالب: غالبًا ما تأتي (...).

* الشيخ: إلا تأتي لكن مقيدة، ما تأتي إلا مقيدة.

* الطالب: ما الفرق بينهما؟

* الشيخ: بينهما فرق كما بين الحركة والسكون، إذا قلنا: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي أنه شاهد لها بالصدق، هل معنى إنه يقول: إن هذه الكتب صادقة، وأنها من عند الله، فيقتضي أن نؤمن بها، هذا إذا قلنا: مصدقًا لها يعني شاهدًا لها بالصدق، وإذا قلنا: إنه مطابق لما أخبرت به هو معناه أنها هي أخبرت بأنه سيكون القرآن ينزل فنزل، بينهما فرق.

* الطالب: في الأحكام يعني (...)؟

* الشيخ: هذا معروف أن إيماننا بالكتب السابقة ليس إيمان الشهداء، بل إيمان تصديق واتباع لما تقتضيه شريعتنا أن نتبعها فيه، وأما ما خالفتها شريعتنا فـ ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨].

* الطالب: شيخ، قوله في رمضان: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ ما نخص الناس بالمؤمنين؟

* الشيخ: لا.

* الطالب: وأيش معنى يهدي غيرهم؟

* الشيخ: هداية الدلالة مثل ما تلونا عليك الآية: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا﴾.

* الطالب: هذه ما فيها إشكال، لكن رمضان فيه إشكال؛ وأيش معنى يهدي غير المؤمنين؟

* الشيخ: نعم، يهديهم دلالة لهم ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ يعني دلالة لهم.

* الطالب: القرآن يعني يعود عليه؟

* الشيخ: القرآن دلالة نعم، دلالة في جميع القرآن.

* الطالب: يعني ما هو بيعود على الشهر؟

* الشيخ: لا، ما يعود على الشهر، القرآن. قال: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ (مَنْ): اسم شرط ولّا لا، أو شرطية؟

* الطالب: شرطية.

* الشيخ: شرطية، الدليل على ذلك جوابها ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِين﴾ فهي شرطية.

وقوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ﴾ بعد قوله: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ دليل على أن من كان عدوا لجبريل فهو عدو لله، وهذا يشهد له الحديث الصحيح: «مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]] «فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ» يعني معناه أعلنت الحرب عليه، فإذن وجه المناسبة لما قبلها أن من كان عدوًّا لجبريل فإنه عدو لله.

وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ يعني وعدوًّا لملائكته، والملائكة جمع (ملَك)، والملك قالوا: إنه مشتق من (الأَلُوكَة) وهي الرسالة؛ لأن الله يقول: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر ١] فمعنى إذن ملائكة أي رسلًا، أي رسل، وقوله: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ﴾ يشير إلى أن العداوة لجبريل عداوة لجميع الملائكة؛ لأن حقيقة الأمر أن مثل هذه العداوة هي عداوة لشخص متمثلًا في جنس، متمثل في جنس، فالعدو لواحد من هذا الجنس عدو للجميع.

وقوله: ﴿وَرُسُلِهِ﴾ ما في ذكر في الآية الكريمة للرسل، لكن من المعلوم أن من كان عدوًّا للملائكة فهو عدو للرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأن الملائكة ولا سيما جبريل ينزلون على الرسل بالوحي والنصر والتأييد ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال ١٢] فاللي يكون عدوًّا للملائكة يكون عدوًّا للرسل وعدوًّا لغير الرسل أيضًا من أتباعهم.

وقوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ جبريل معروف، وفيها القراءات السابقة، عندي ﴿جَبْرَئِل﴾ ﴿جَبْرَئِيل﴾ القراءات السابقة.

وقوله: ﴿مِيكَالَ﴾ فيها قراءتان أخريان، وهي ﴿مِيكَائِل﴾ و﴿مِيكَائِيل﴾ مثل جبريل، فاللي يكون عدوًّا لجبريل هو عدو لميكائيل أيضًا، وقد سبق أن اليهود يقولون: إن ولينا من الملائكة مَن؟ ميكائيل، وأما جبريل فهو عدونا، ولكن الله تعالى بيَّن في الآية الكريمة أن من كان عدوًّا لجبريل فهو عدو لميكائيل أيضًا؛ لأن ميكائيل وجبريل كلاهما رسول يفعلان ما أُمرا به، فكما أن ميكائيل موكل بالقطر والنبات فإن جَبرئيل موكل بأيش؟

* طالب: بالوحي.

* الشيخ: بالوحي، فكلاهما ممتثل مطيع، فكيف تكون عدوًّا لهذا دون هذا مع أنهما سواء في عبادة الله سبحانه وتعالى والسمع له والطاعة؟!

وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ هذا جواب الشرط، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ من كان عدوًّا لله فالله عدو له، هذا المعنى، من كان عدوًّا لجبريل فالله عدو له، من كان عدوًّا للملائكة فالله عدو له، من كان عدوًّا لميكائيل فالله عدو له، وهنا قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ وفيه نكتة بلاغية وهي؟

* طالب: الانتقال من الغيبة.

* الشيخ: الإظهار في مقام الإضمار، لم يقل: فإن الله عدو له لفائدتين، إحداهما لفظية، والثانية معنوية؛ أما اللفظية: فهي مناسبة رؤوس الآي، ولّا لا؟

* الطلبة: نعم.

* الشيخ: لأن كل.. لو قال: فإن الله عدو له ما تناسبت الآية مع ما قبلها وما بعدها، فلأجل تناسب رؤوس الآي جاءت: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.

فإذا قال قائل: ما دليلكم على أن الله تعالى يلاحظ أو يراعي مناسبة رؤوس الآي؟ قلنا: إنا عندنا دليل في سورة طه قالت السحرة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى﴾ [طه ٧٠] ونحن لا نعلم لهذا فائدة إلا مراعاة رؤوس الآي، وإلا فإن موسى في كل ما ذُكر يقدم على هارون وهو أحق بالتقديم منه؛ لأنه أفضل منه، لكن في هذه الآية قدم هارون على موسى فدل ذلك على أن القرآن من بلاغته أن تتناسب رؤوس الآيات حتى لا يحصل التنافر بينها، وأحيانًا قد لا تتناسب في بعض الأحيان لكن يكون لها علة تفهم من السياق.

الفائدة الثانية معنوية: وهي تتضمن أمرين:

أولًا: الحكم على أن من كان عدوًّا لله وما عُطف عليه سبحانه وتعالى فإنه يكون كافرًا؛ يعني الحكم على هؤلاء بالكفر.

ثانيًا: الأمر الثاني: أن كل كافر سواء كان سبب كفره معاداة الله أو لا، فهو عدو لله، كل كافر فهو عدو لله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [الممتحنة ١] والمراد بهم كفار قريش، ومع ذلك هم ما هم أعداء لجبريل ما نعلم أنهم أعداء لجبريل وميكائيل وإسرافيل.

إذن الفائدة، الفائدة في كونه قال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ له فائدتان: الفائدة الأولى؟

* الطالب: مراعاة رؤوس الآيات.

* الشيخ: نعم، وهذه فائدة لفظية. بس نشوف الثاني منها، الثانية؟

* الطالب: الثانية حكم من كان عدوًّا لله.

* الشيخ: تتعلق بالمعنى وتحته أمران.

* الطالب: حكم من كان عدوًّا لله الكفر (...)

* الشيخ: والثاني: أن العداوة لا تختص بمن عادى الله، عداوة الله للكافر ما تختص بمن عادى الله، ولكن كل كافر فهو عدو لله سبحانه وتعالى. إذن من عادى الله وأبغضه- والعياذ بالله- أو أبغض شريعته أو رأى أنه ظالم له بما يجري عليه من أقداره فهو كافر ولّا لا؟

فهو كافر؛ لأن الله يقول: ﴿عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ فكل من عادى الله عز وجل فإنه كافر به، لو صلى وصام وزكّى وحج ما دام أنه يشعر بأن الله عدو له- والعياذ بالله- فهو كافر.

إذن فهمنا من هذا أن اليهود بهذه العداوة لجبريل كانوا كفارًا، ومع ذلك فإن لهم أحكام اليهود من أخذ الجزية منهم، وإقرارهم على دينهم، وحل ذبائحهم، وجواز نكاح نسائهم، مع أن الله أثبت بأنه عدو لهم، ولكن سورة المائدة من آخر ما نزل، ولذلك قال أهل العلم: إن جميع الأحكام المذكورة في سورة المائدة مُحكمة ما فيها شيء منسوخ، كل ما فيها فهو غير منسوخ. ثم قال الله تعالى.

* الطالب: قوله: ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ هو من عطف الخاص على العام؟

* الشيخ: إي نعم، من عطف الخاص على العام.

* الطالب: إضافة الملائكة للرسل من أي أنواع الإضافة؟

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ﴾؟

* الشيخ: لأن مثل ما قلت: إن المعادِي لفرد من جنس يعتبر مُعاداة للجنس كله.

* الطالب: لا قصدي إضافة الله للملائكة لنفسه؟

* الشيخ: لأنهم رسله.

* الطالب: إضافة عبادة؟

* الشيخ: إضافة تشريف وتكريم كما قال الله تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٦، ٢٧]. وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾.

ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ ﴿لَقَدْ﴾ تتكرر علينا كثيرًا في القرآن الكريم وقد بينا أنها؟

* طالب: موطئة.

* الشيخ: أن اللام موطئة للقسم، وأن (قد) للتحقيق، وأنه بناء على ذلك تكون الجملة مؤكدة بثلاث مؤكدات.

﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ الإنزال إنما يكون من الأعلى إلى الأسفل؛ وذلك لأن القرآن كلام الله، والله تعالى فوق عباده، استوى على عرشه على الوجه اللائق به سبحانه وتعالى، والعلو من صفاته الذاتية اللازمة له أزلًا وأبدًا، وإنكار علوه بذاته كفر؛ لأنه من الصفات الذاتية اللازمة، وأما استواؤه على العرش فإنه من الصفات الفعلية؛ لأنه يتعلق بمشيئته، ولهذا العقل يدرك أن الله سبحانه وتعالى في العلو، ولكنه لا يدرك أنه استوى على العرش لولا ثبوت السمع به، وقد ذكرنا فيما سبق قصة أبي المعالي الجويني، كان رحمه الله له كرسي يوم الجمعة يجلس عليه ويقرر للناس، وكان أبو المعالي الجويني من الأشاعرة من المتكلمين، وكان ينكر العلو، فقال في جملة كلامه: كان الله ولا مكان، وهو الآن على ما كان عليه. وأيش قصده؟ إنكار أن يكون في العلو، فقال له مَنْ؟

* الطلبة: أبو العلاء الهمداني.

* الشيخ: أبو العلاء الهمداني. قال له: أيها الشيخ، دعنا من ذكر العلو لكن ما تقول فيما يجده كل إنسان يقول: يا رب يجد من نفسه ضرورة بطلب العُلو؟ فلطم على رأسه وقال: حيرني الهمداني، حيرني الهمداني؛ لأنه ما وجد عنها جوابًا، الأمور الفطرية ما يمكن الجواب عنها صح ولّا لا؟

* الطلبة: صح.

* الشيخ: أنت الآن تجد العجوز اللي ما قرأت ولا تفهم القرآن ولا شيء عندما تدعو وين تروح بيديها؟ تذهب بها إلى فوق مع أنها ما درست ولا تفهم القرآن، لكن هذا شيء ضروري فطري، فإذن علو الله عز وجل من لوازم ذاته من صفاته الذاتية التي لا ينفك عنها أزله أبدًا.

وقوله: ﴿إِلَيْكَ آيَاتٍ﴾ ﴿آيَاتٍ﴾ جمع (آية)، والآية في اللغة العلامة، لكنها في الحقيقة أدق من العلامة، العلامة تفسر بها الآية للإيضاح وإلا فإنها أدق؛ لأنها علامة بدليل يعني تتضمن العلامة والدليل، والفرق بين العلامة والدليل: إن العلامة مجرد علامة فقط، لكن الدليل مقنع للنفس موجب أن تنقاد، هذا الفرق بين العلامة المجردة وبين الدليل، في الحقيقة أن الآية علامة بدليل، وهذا العلماء رحمهم الله دائمًا يفسرون الشيء بما يقاربه وإن كان بينهما فرق مثل ما يقولون: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة ٢] وأيش معنى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾؟

* طالب: لا شك.

* الشيخ: لا شك، مع أن الريب غير الشك، بينهما معنى دقيق؛ إذ إن الريب شك بقلق، لكن الشك شك مطلق ما عند الإنسان شيء يوجب أن يقلق بهذا الشك، لكن المفسرون الأشياء بما قاربها تقريبًا. إذن الآيات معناها العلامات، لكنها علامات دلائل موجبة لتصديق النفس، موجبة للتصديق، وهذه الآيات التي أنزلها الله على رسوله ﷺ كونية ولّا شرعية؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском