Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:96–105, continued
قال تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ وهذا شر أنواع التعلم، ﴿يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾؛ لأن العلوم التي يتعلمها الإنسان تنقسم إلى ثلاثة أقسام: ضار، ونافع، وضار من وجه ونافع من وجه؛ ضار ونافع على سبيل الإطلاق، وضار من وجه، ونافع من وجه، ويمكن نأتي بقسم رابع إنه لا ضار ولا نافع، وهذا في الحقيقة ضار؛ لأن فيه من الضرر إضاعة الوقت والاشتغال عما هو أهم، فالمهم أن الله يقول هنا: ﴿مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ إذن هو علم لا خير فيه، ولا يمكن أن يتعلم الإنسان علمًا ليس فيه نفع بل فيه الضرر إلا وهو أحمق جاهل.
قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ اللام موطئة للقسم، و(قد) للتحقيق، وعلى هذا فالجملة مؤكدة بثلاثة مؤكدات: القسم المقدر، واللام، و(قد)، فالضمير في قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا﴾ يعود إلى اليهود الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان وما أنزل على الملكين من تعلّم السحر، علم هؤلاء ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ اللام هذه لام الابتداء، وهي معلِّقة عن العمل، عمل (علم)، ومن أين علموا ذلك؟ علموا من قول الملَكين: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ والكافر ما له خلاق في الآخرة، وهؤلاء علموا بذلك لكنهم والعياذ بالله أصروا على أن يمارسوا هذا العمل، وقوله: ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ اللام أقول: إنها للابتداء معلِّقة (علم) عن العمل، و(مَن) مبتدأ اسم موصول، وجملة: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ﴾ هذه خبر (من)، وهو أيضًا جملة: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ هي جملة مكونة من مبتدأ وخبر، وهي في محل رفع خبر عن الجملة عن اسم الموصول ﴿لَمَنِ اشْتَرَاهُ﴾ ومعنى (اشتراه): تعلّمه؛ لأن هؤلاء كأنهم في تعلّمهم له بمنزلة المشتري للشيء، والمشتري آخذ للشيء عن رغبة؛ إذ إن المشتري لا يبذل المال إلا فيما هو أحب إليه منه، فشبّه الله هذا التعلم بالاشتراء؛ لشدة تعلقهم به، وقوله: ﴿مَا لَهُ﴾ أي: ما لمن اشتراه، ﴿فِي الْآخِرَةِ﴾ والآخرة هي ما بعد الدنيا، وهي الدار التي هي دار استقرار؛ لأن دار الدنيا دار ممر، لكن الآخرة هي دار الاستقرار، وقوله: ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي: من نصيب، وإنما علموا أن من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق؛ لأن كل كافر ليس له نصيب في الآخرة، كل كافر ما له نصيب في الآخرة؛ لأن نصيبهم من الآخرة أيش؟ النار، والنار ما هي نصيب، النار يتمنون أن يتخلصوا منها، يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، ويقولون: ﴿يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ [الزخرف ٧٧]، فهل الذي يتمنى الخلاص مما هو فيه له نصيب منه؟ أبدًا، إلا العذاب -والعياذ بالله- ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ﴿وَلَبِئْسَ﴾ اللام ما نقول في إعرابها؟ إن قلنا: للابتداء ما يصلح؛ لأنها دخلت على جملة فعلية، ولكن نقول: موطئة للقسم، واللهِ لبئس ما شروا به أنفسهم، و(بئس) فعل ماض لإنشاء الذم، وهو جامد، لو نحن بالقيظ؟
* طالب: هو جامد، لا يتصرف.
* الشيخ: ما يتصرف، جامد حتى في أيام القيظ، ومثله أيضًا (نِعْم)، و(عسى)، و(ليس)، وأفعال كثيرة يسمونها الأفعال الجامدة؛ لأنها ما تتغير عن مكانها، ما تذوب حتى تكون مضارعًا أو أمرًا، وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (ما) اسم موصول هي فاعل (بئس)، والمخصوص بالذم محذوف، وقوله: ﴿مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ (شروا) بمعنى باعوا؛ لأن الشراء بيع، والاشتراء هو الأخذ، أخذ السلعة، فالمشتري طالب والشاري جالب، ولّا لا؟ في اللغة العامية عندنا نقول: فلان شرى من فلان كذا وكذا، يعني اشترى، لكن في اللغة العربية لا، (شرى) بمعنى (باع)، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٠٧] يعني: من يبيعها، هنا ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: باعوا به أنفسهم، كيف باعوا به أنفسهم؟ نعم؛ لأنهم في الحقيقة لما اشتروا السحر ما هو الثمن الذي بذلوه في هذا السحر؟ أنفسهم؛ لأنهم في الحقيقة خسروا أنفسهم، صارت الدنيا الآن ما لهم فيها ربح إطلاقًا، والآخرة ما لهم فيها ربح أيضًا، فلهذا قال: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ هنا (لو) ينبغي أن تبتدئ بها، وأن تقف على قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ لأنك لو وصلت لكان محل الذم في حال علمهم، أما إذا لم يعلموا فليس مذمومًا، يعني لو أنك قلت: ﴿لَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ لكان محل الذم متى؟ إذا كانوا يعلمون، يعني: وإذا كانوا لا يعلمون فليس بذم، ولكن الأمر بالعكس، يعني بمعنى أقول: إنه لبئس ما شروا به أنفسهم علموا أو لم يعلموا، فتكون (لو) محل ابتداء كلام، فالأحسن الوقف على قوله: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ ثم تبتدئ فتقول: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: لو كانوا من ذوي العلم المنتفعين بعلمهم ما شروا أنفسهم بهذا السحر ولتجنبوه، لكن عملهم يدل على أنهم من ذوي الجهل، عملهم هذا يدل على أنهم من ذوي الجهل، وليس المراد بالجهل الذي هو عدم العلم، ولكن الجهل الذي هو السفه؛ لأنه مر علينا أن الجهل قد يراد به السفه، وقد يراد به عدم العلم، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾.
* طالب: (لو) هنا شرطية؟
* الشيخ: إي نعم، ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ شرطية، يعني: لو كانوا يعلمون ما شروا أنفسهم، كما قدرناه.
﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ آمنوا بقلوبهم واتقوا بجوارحهم، فالإيمان بالقلب، والتقوى بالجوارح، هذا إذا جُمِع بينهما، وإن لم يُجمع بينهما صار الإيمان شاملًا للتقوى والتقوى شاملة للإيمان؛ لقول النبي ﷺ: «التَّقْوَى هَهُنَا»، وأشار إلى قلبه »[[أخرجه الترمذي في السنن (١٩٢٧) وأحمد في المسند (٧٧٢٧) من حديث أبي هريرة.]]، وقوله: ﴿لَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ الإيمان يتكرر في القرآن كثيرًا، والتقوى تتكرر كثيرًا، ونحن ذكرنا أن الإيمان عند أهل السنة والجماعة هو التصديق مع القبول والإذعان، وإلا فليس بإيمان، والتقوى اتخاذ وقاية من عذاب الله، وذلك بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه؛ لأنها من الوقاية، وأصل التقوى: (وَقْوَى)، لكن صار فيها إعلال صرفي، فصارت (تقوى)، فالتقوى هذه اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وهذا أجمع ما قيل في معناها وإلا فبعضهم قال: إن التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخشى عقاب الله، وبعضهم قال:
خَلِّ الذُّنُـــــــــــــوبَ صَغِيرَهَــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَا ذَاكَ التُّقــــــــــــــى ؎وَاعْمَلْ كَمَاشٍ فَوْقَ أَرْ ∗∗∗ ضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَــــرَى ؎لَا تَــــــــــــــــــــــــحْقِرَنَّصَغِيـــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَالَ مِنَ الْحَصَى لكن ما قلناه هو الأجمع بمعنى كله.
وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ﴾ المثوبة والثواب بمعنى الجزاء، وسمي بذلك؛ لأنه من: ثاب يثوب، إذا رجع؛ لأن الجزاء كأنه عمل الإنسان رجع إليه وعاد إليه منفعته وثمرته، وقوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
يقينًا ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [الرعد ٣١].
والفائدة الثانية في إضافتها إلى الله: أنها تكون أعظم مما يتصوره العبد؛ لأن العطاء من العظيم عظيم، ولَّا لا؟ فالعطية على حسب المعطي، عطية البخيل قليلة، وعطية الكريم كثيرة، البخيل إذا أعطى الإنسان واحدًا قرشًا قال: والله، إني اليوم خسرت، أعطيت واحدًا قرش، لكن الكريم لو يعطيه ألف ريال ما يهمه، ولا يفتخر بها؛ لأنه كريم، فالله تعالى أضاف المثوبة إليه ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ للأمرين جميعًا، هما: اطمئنان العبد على حصولها، والثاني: بيان عظمة هذه المثوبة؛ لأن مثوبة العظيم لا بد أن تكون عظيمة.
وقوله: ﴿خَيْرٌ﴾ خير من أيش؟ الأَوْلى أن نقول: إنها خيرية مطلقة، خير من كل شيء، ما هو من الفائدة التي حصلوا عليها بالسحر، خير من كل شيء، قال رسول الله ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٢٨٩٢) من حديث سهل بن سعد رضي الله عنه.]]، بل قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه مسلم (٧٢٥ / ٩٦) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] يعني: سنة الفجر ركعتين خير من الدنيا وما فيها، فإذن ﴿خَيْرٌ﴾ الأَوْلى أن نجعله مطلقًا، خيرية مطلقة يعني: خير من كل شيء، لا من النفع الذي حصلوه بتعلم السحر ولَّا من غيره.
إعراب الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ (أن) هنا مفتوحة الهمزة، فمعنى ذلك أنها تؤول بمصدر وما بعدها؛ لأن (أن) المفتوحة الهمزة من حروف المصادر، (أنَّ) و(أنْ) كلها حروف مصدرية فتؤول وما بعدها بمصدر، هذا المصدر الذي تؤول به اختلف النحويون في إعرابه: فمنهم من قال: إنه فاعل لفعل محذوف، والتقدير: ولو ثبت إيمانهم واتقاؤهم، ومنهم من قال: بل هو مبتدأ، وخبره محذوف، ولو إيمانهم وتقواهم ثابتة.
قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ اللام واقعة في جواب (لو)، و﴿مَثُوبَةٌ﴾ مبتدأ، وهي نكرة، وساغ الابتداء بها وهي نكرة لأنها وصفت بقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وخبر المبتدأ قوله: ﴿خَيْرٌ﴾، والجملة جواب (لو) وليست خبر المبتدأ؛ لأن خبر المبتدأ محذوف.
﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ هذه مثل التي قبلها، يوقف على قوله: ﴿لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾.
وقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: لو كانوا يعلمون لآمنوا واتقوا، فـ(لو) هذه الشرطية وجوابها محذوف تقديره: لآمنوا واتقوا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ تصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به؛ لأن النداء يوجب انتباه المنادى، فأنا لو أقول لك: افعل كذا، أو أقول: يا فلان افعل كذا، أيهم أبلغ في الانتباه؟ يا فلان أبلغ، فتصدير الحكم بالنداء دليل على الاهتمام به، ثم النداء بوصف الإيمان دليل على أن هذا الحكم تنفيذه من مقتضيات الإيمان، وعلى أن فواته نقص في الإيمان؛ لأنه ما يمكن تخاطب أحدًا تقول: يا مؤمن، افعل كذا وكذا إلا لأن إيمانه يقتضي أن يفعل كذا وكذا، ولا يمكن تقول: يا مؤمن افعل كذا إلا لأنه إذا لم يفعل نقص إيمانه، وعلى هذا فنقول: تصدير الحكم بالنداء بوصف الإيمان يدل على أن التزامه من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته أو فواته من نقص الإيمان.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول: » ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعها سمعك». يعني استمع لها؛ لأنها نداء من الله لك، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ نداء من الله لك أرعها سمعك، يعني استمع إليها، «فإنها إما خيرٌ فتؤمر به، وإما شرٌّ فتنهى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]]، الذي معنا من النهى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ يعني: لا تقولوا عند مناداة النبي عليه الصلاة والسلام: راعنا، راعنا من المراعاة، وهي العناية بالشيء والمحافظة عليه، وكان الصحابة يقولون: راعنا إذا أرادوا يكلمون الرسول ﷺ، يا رسول الله راعنا، وكان اليهود يقولون: يا محمد راعنا، لكن اليهود يريدون بها معنى سيئًا، يريدون راعنًا اسم فاعل من الرعونة يعني: راعنًا، فمعنى الرعونة أن الإنسان يكون ليس بذي مروءة، فاليهود يريدون بهذا اللفظ معنى سيئًا، المسلمون لا يريدون معنى سيئًا بلا شك يريدون من المراعاة، لكن لما كان اللفظ واحدًا، وهو محتمل لهذا وهذا نهوا - أي: المؤمنون - أن يقولوه تأدبًّا وابتعادًا عن سوء الظن؛ ولأن من الناس من يتظاهر بالإيمان مثل المنافقين، فربما يقول: راعنا، وهو يريد ما أرادت اليهود، فلهذا نُهِي المؤمنون عن ذلك ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾.
* طالب: معنى ﴿رَاعِنَا﴾؟
* الشيخ: قلنا لك: من المراعاة، راعنا فعل طلب.
* طالب: المقصود؟
* الشيخ: المقصود اسمعوا.
﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ يعني: مثلًا إذا أردتم من الرسول أنه ينتظركم لا تقولوا: راعنا، ولكن قولوا: انظُرْنا، من النظر بمعنى الانتظار، يعني ما تقولون: راعنا؛ لأن اللفظة هذه تقولها اليهود، وتريد بها معنى سيئًا.
﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ فعل أمر من أين؟ من النظر بمعنى الانتظار، والنظر يأتي بمعنى الانتظار، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة ٢١٠] فأنتم إذا أردتم من النبي عليه الصلاة والسلام أن ينتظركم في وقوف أو قعود، أو أي حال من الأحوال لا تقولوا: راعنا، قولوا: انظرنا، ولما نهى عن الشيء ذكر بدله حتى لا يقع الإنسان في حَيْرة إذا نهي عن شيء ماذا يقول إذن؟ فبين الله البدل الذي ما فيه احتمال.
﴿وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ اسمع ﴿اسْمَعُوا﴾ سمع إدراك ولَّا قَبُول؟ إدراك وقبول، لكن الإدراك، قد يكون أمرًا معلومًا ﴿اسْمَعُوا﴾ يعني: سماع تفهم وقبول ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢١]، يعني: اسمعوا ما تؤمرون به، وما تنهون عنه، فما تؤمرون به فافعلوه، وما تنهون عنه فاتركوه.
ثم توعد فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ ﴿أَلِيمٌ﴾ بمعنى مؤلم، والعذاب بمعنى العقوبة، والمراد بالكافرين هنا: اليهود، وكذلك من خالف الأمر من المسلمين، فله عذاب أليم، فإن مخالفة أمر الله إذا كانت على سبيل الإطلاق فهي ردة والعياذ بالله، وصاحبها مستحق للعذاب الأليم، ﴿وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، وأما المؤمنون فلهم نعيم مقيم.
* طالب: مثل قرية راعنا (...) فيها شيء؟
* الشيخ: لا، ما فيها شيء، بعد الرسول ما فيها شيء، هذا خاص بمخاطبة الرسول ﷺ.
* الطالب: سمعت في ناس ينهون، يقولون: ما يجوز..؟
* الشيخ: لا لا.
* الطالب: (...) قولوا: انظرنا؟
* الشيخ: دولا ما يدرون، ما يدرون، (...) تقول راعن (...) الدكان ما فيها بأس.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ما فيها بأس.
* طالب: شيخ، اليهود ما هي لغتهم اللغة العبرانية؟
* الشيخ: إي، لكن اللغة العبرية قريبة جدًّا من اللغة العربية قريبة، من أقرب اللغات إلى العربية هي، وأيضًا اليهود في المدينة تعلموا من العرب، تعلموا لغة العرب فصاروا يقرؤون يتخاطبون باللغة العربية.
قال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ (ما) شرطية؟
* طالب: لا، نافية.
* الشيخ: نافية؟ نعم، ﴿يَوَدُّ﴾ بمعنى: يحب، والود أعلى أنواع الحب، يعني: هو الذي يلي الخلة، الخلة أعلى الأنواع، والود هو الذي يقرب منها، ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أي: ما يحبون، ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾، قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ (من) للتبعيض ولَّا للبيان؟
* طالب: للبيان.
* الشيخ: ويش الفرق بين هذا وهذا؟
* الطالب: إذا قلنا
* الشيخ: يصير المعنى: أن أهل الكتاب كلهم كفار، ويصير المعنى: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين، وتصير أيضًا ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، يعني: ما يود الذين كفروا من هؤلاء ولا هؤلاء، ولهذا قال: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾، ولم يقل: ولا المشركون؛ لأنه لو كانت معطوفة على ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لكانت بلفظ: ولا المشركون، فعلى هذا تكون (من) لبيان الجنس أي: الذين كفروا من هذا الصنف اللي هم أهل الكتاب، وكذلك من المشركين، وتقدير الآية: ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا من المشركين، ويش ما يودون؟ ما يودون أي شيء؟ ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ﴾ هذه مفعول ﴿يَوَدُّ﴾، يعني: ما يودون تنزيل خير.
﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة إعرابًا، و﴿خَيْرٍ﴾ نائب الفاعل يعني أن ينزل عليكم خير، والخير هنا يشمل خير الدنيا والآخرة، لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود والنصارى والمشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا؛ لأنهم ما يودون ينزل علينا أي خير، لو تمكنوا من أن يمنعوا العلم النافع عنا لفعلوا، وهذا خاص في أهل الكتاب في عهد الرسول ﷺ؟
* طالب: عام.
* الشيخ: عام، ولهذا جاء بصيغة المضارع ﴿مَا يَوَدُّ﴾ وهو دال على الاستمرار، فهم ما يودون أن ينزل علينا من خير من ربنا، وقال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾.
قوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: لا يحبون.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ بيان لـ(الذين)، وقوله: ﴿وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ معطوف على قوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾، فيكون ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ شاملًا لأهل الكتاب وللمشركين، هؤلاء ما يودون أن ينزل عليكم، وفي قراءة: ﴿أَنْ يُنْزَلَ عَلَيْكُمْ﴾ قراءة سبعية، وقوله: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ﴾ و﴿أَنْ يُنْزَلَ﴾ الفرق بينهما أن التنزيل هو إنزاله شيئًا فشيئًا، وأما الإنزال فهو إنزاله جملة واحدة، فهم لا يودون لا هذا ولا هذا، لا يودون أن ينزل الخير جملة واحدة، ولا أن يُنزَّل شيئًا فشيئًا.
* طالب: بالتشديد شيئًا فشيئًا؟
* الشيخ: إي نعم، بالتشديد شيئًا فشيئًا.
وقد ذكر أهل العلم أنه إذا جاءت قراءتان، وفي إحداهما زيادة حرف فالأولى القراءة بها، قالوا: من أجل زيادة الثواب، لأن كل حرف فيه عشر حسنات، ولكن الصحيح في هذه المسألة أن الأولى أن يقرأ الإنسان بهذا تارة وبهذا تارة، كما نقول في السنة العملية: إذا اختلفت أنواعها فإن الأولى أن يفعل هذا مرة وهذا مرة، ولكن هذا بالنسبة لقارئ القرآن الذي يقرؤه لنفسه أو يقرؤه لطلبة العلم، وأما الذي يقرؤه لغيره من العامة فلا ينبغي أن يخرج عن القراءة المألوفة، وذلك لأن العامة إذا قرئ عليهم القرآن بغير القراءة المألوفة تنكره قلوبهم، ثم يستطيلون على القرآن ويستهونون به، فلهذا ينبغي للإنسان أن يراعي هذا الأمر، بعض الناس يقرأ بالقراءات المتعددة أمام العامة، الله أعلم بنيته هل يريد أن يعلم أو يريد أن يقال: إنه عالم في القراءات، الله أعلم بنيته، نحن ما شققنا عن قلبه، ولكنَّ هذا ليس من باب التربية الحكيمة، فإن العامة لهم شأن غير شأن طلبة العلم.
وقوله: ﴿أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ يصلح أن نقول: إن (من) زائدة، وإن المعنى: أن ينزل عليكم خير من ربكم، أو نجعل أن (من) داخلة في ضمن النفي فتكون للعموم، يعني: أي خير يكون قليلًا كان أو كثيرًا، وهذا أولى.
وقوله: ﴿مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ما المراد بالخير هنا؟ هل هو خير الآخرة يعني الوحي؟ أو خير الدنيا والآخرة فيشمل هذا وما ينزل من المطر أو غيره؟ الثاني هو الأولى أن يكون شاملًا، فإن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين ما يودون أن ينزل للمسلمين خير أبدًا، لا خير ديني ولا خير دنيوي، ولكن الله تعالى رد هذا عليهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ (يختص) تستعمل لازمة ومتعدية، فإن كانت لازمة فإن ﴿مَنْ﴾ فاعل ﴿يَخْتَصُّ﴾، ومعنى يختص: أي ينفرد برحمته من يشاء، كما تقول: خصصته بهذا الشيء أي: أفردته به، وعلى هذا فتكون من؟ فاعلًا، وتستعمل (يختص) متعدية بمعنى (يخص)، يخص برحمته من يشاء، وعلى هذا فتكون ﴿مَنْ﴾ مفعولًا به لـ﴿يَخْتَصُّ﴾، والمعنى على كلا الوجهين، المعنى واحد، أي: أن الله تعالى يخص برحمته من يشاء فيختص بهذه الرحمة من خصه الله.
وقوله: ﴿بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعم الرحمة التي تعود برحمة الدين والدنيا، والتي تعود برحمة الدين أو الدنيا؛ لأن الله تعالى يختص بهذا من يشاء، وقوله: ﴿بِرَحْمَتِهِ﴾ لأن هذا الوحي الذي نزل على الرسول الله ﷺ هو من رحمة الله عليه وعليهم.
وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذا كما أسلفنا مرارًا مقرون بأي شيء؟ بالحكمة، يعني اختصاصه لمن يشاء بالرحمة مبني على حكمته تبارك وتعالى، فمن اقتضت حكمته أن يرحمه رحمه، ومن اقتضت رحمته أن لا يختصه بالرحمة لم يرحمه.
﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ مبتدأ و﴿ذُو﴾ خبره، وذو بمعنى صاحب، و﴿الْفَضْلِ﴾ العطاء، العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة، وقوله: ﴿الْعَظِيمِ﴾ يعني: الواسع الكثير الكبير، فالعِظَم هنا يعود إلى الكمية وإلى الكيفية، ومن فضله تبارك وتعالى أنه خص هذه الأمة بخصائص عظيمة ما جعلها لأحد سواها، منها مثلًا ما في حديث جابر في الصحيحين: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي، نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. ]] إلى آخر الحديث، فهذا مما اختص الله به من يشاء.
ثم قال تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ أولًا الإعراب والقراءات:
﴿مَا نَنْسَخْ﴾ (ما) شرطية، اسم شرط جازم تجزم فعلين، الأول فعل الشرط، والثاني: جوابه وجزاؤه.
* طالب: يا شيخ، ما أخذنا فوائد الآية السابقة؟
* الشيخ: إي ما أخذناها نمشي.
* طالب: (...).
* الشيخ: يعني ممكن نقف على هذا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذن إن شاء الله نقف على هذا، نأخذ الفوائد.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾
* يستفاد من هذه الآية: أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين؛ لقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾، ويدلك على هذا: أن أحدهم سحر النبي ﷺ وهو «لَبِيدُ بن الأَعْصَم سحر النبي عليه الصلاة والسلام »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٦٨)، ومسلم (٢١٨٩ / ٤٣) من حديث عائشة رضي الله عنها. ]] كما هو معروف.
* ومنها: أن السحر من أعمال الشياطين؛ لقوله: ﴿مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ أي: ما تَتْبَعُه على ملك سليمان.
* ومنها: أن الشياطين كانوا يأتون السحر حتى في عهد سليمان مع قوة سلطانه عليهم؛ لقوله: ﴿عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن سليمان لا يقر ذلك؛ لقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ لا يقرهم على هذا الأمر، ولهذا نفى عنه الكفر؛ إذ لو أقرهم على ذلك لكان -وحاشاه من أن يقرهم- لكان مقرًّا على كفر.
* ومنها: أن الله تعالى قد يقدر أسباب المعصية فتنة للناس، من إنزال الملكين يعلمان الناس السحر، فإن هذا من التيسير تيسير هذا الأمر ابتلاء وامتحانًا، وله شواهد أيضًا وهو الامتحان بتيسير أسباب المعصية منها؟
* طالب: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف ١٦٣].
* الشيخ: منها قصة أصحاب السبت الذين يُسِّرَت لهم الحيتان متى؟ في يوم السبت اليوم الذي يحرم عليهم صيد السمك فيه.
* ومنها: ما ابتلى الله به بهذه الأمة من الصيد ﴿لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة ٩٤].
* ومنها: ما أشار إليه النبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* ومنها أيضًا: قصة يوسف حينما غَلَّقت الأبواب امرأة العزيز وانفردت به ﴿وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ﴾ [يوسف ٢٣]، فإن هذا ابتلاء من الله عز وجل في هذا الأمر العظيم، فالمهم أن الله تعالى يبتلي المرء بتيسُّر أسباب المعصية له، فإياك إياك إذا تيسرت لك أسباب العصية لا تفعل، احذر ترى هذا مثل العصفور الذي يُقدم له السم في الطعم، فلتكن على حذر.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس، وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه، قالوا: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، فإذا كان عندك سلعة ما هي طيبة، وأراد أحد يشري منك تسكت وتخليه يشري يمشي؟
* طالب: لا.
* الشيخ: يجب عليك تحذره، تقول: ترى ما هي بطيبة، إن شرى فهو شأنه وإلا بكيفه، وكان أحد الناس المعروفين عندنا بالصدق إذا كان عنده السلعة، وسُئل عنها أخبر بالصدق حتى إنه كان من جملة ما يخبر به يقول: الناس يمدحونها وأنا ما (...) إلى هذا الحد، لكن أين هذا في وقتنا الحاضر؟ فالمهم أن هذا فيه دليل على أن من النصح أن يخبر الإنسان بالأمر على وجهه وإن أدى ذلك إلى نفور الناس عنه.
* ومنها: أن تعلم السحر كفر؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾.
* ومنها: أن تعليم السحر كفر أيضًا ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فإن جملة ﴿يُعَلِّمُونَ﴾ تعليل للكفر، إذن فتعلُّم السحر وتعليم السحر كفر.
وهل تقبل توبة الساحر؟ فيه خلاف، فقال بعض أهل العلم: إنها لا تقبل توبته، وقال آخرون: إنها تقبل توبته، وهذا هو الصحيح؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣] أما إذا قلنا: بأن السحر ليس بكفر وأن قتل الساحر حد، فإنه إن تاب قبل القدرة عليه سقط عنه الحد، وإن تاب بعد القدرة عليه لم يسقط؛ لأن الحدود ما تسقط إذا تاب الإنسان بعد القدرة عليه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ما لهم دليل إلا أنهم يقولون: إن هذا لعظم كفره؛ لأنه كفر عظيم فلا تقبل توبته، فيقال: ما هو بأعظم من سب الله تعالى.
* طالب: الصواب أنه يقتل حدًّا أو كفرًا؟
* الشيخ: الصحيح أنه يقتل كفرًا، الآية تدل على هذا؛ لأنه يكفر.
* طالب: حكمه حكم الكافر على القتل؟
* الشيخ: حكمه حكم الكافر على القتل، إلا إذا تاب فإنه تقبل توبته ويُرفع عنه القتل.
* طالب: التوبة تسقط الحدود؟
* الشيخ: تسقط الحدود إذا كانت قبل القدرة، قبل القدرة عليه، لأن الله قال في قطاع الطريق: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [المائدة ٣٤].
* طالب: حق الناس؟
* الشيخ: لا، حق الناس ما يسقط بالتوبة، الناس مثلًا لو كان هذا الساحر قد أتلف أموالًا، فإنه لا تسقط بالتوبة، يُضمَّن هذه الأموال أو مثلًا أصاب الإنسان بشلل، سحره فأصابه بشلل أو ما أشبه بذلك فيؤخذ منه.
* طالب: (...) ما يحبون اللحية (...).
* الشيخ: يسحرون الواحد؟
* الطالب: لحية (...) ما يحبون اللحية.
* الشيخ: إي ما يحبونها.
* الطالب: (...) اللحية كيف (...)؟
* الشيخ: إحنا نبحث في السحر.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إذن هذا من باب القياس، إذا قالوا هكذا فاقرأ قول الله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت ٢]، واقرأ قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت ١٠] قل ما أنا بحالق، لا تحلق اللحية، إن يمسكوك وغصبوك وحلقوها هم فالإثم عليهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي هي.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* ومن فوائد الآية: أن من أعظم السحر أن يكون أثره التفريق بين المرء وزوجه، أن هذا من أعظم أنواع السحر؛ لقوله: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾؛ لأن من أعظم الأمور المحبوبة إلى الشياطين أن يفرق بين المرء وزوجه، وقد ثبت في الحديث الصحيح: «أن الشيطان يضع كرسيه أو عرشه على الماء، ويبث جنوده في الأرض للإفساد، فيأتي أحدهم ويقول: فعلت كذا، والثاني: فعلت كذا، والثالث: فعلت كذا، ثم يأتي أحدهم فيقول: ما زلت به حتى فرقت بينه وبين زوجته »، وحينئذ ماذا يصنع به؟ «يلتزمه ويقول: أنت أنت »[[أخرجه مسلم (٢٨١٣ / ٦٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه. ]] فهذا دليل على أن من أعظم ما يكون، وأهم ما يكون في السحر التفريق بين المرء وزوجه، وفيه سحر مقابل لهذا، وهو الربط بين المرء وزوجه حتى إنه -والعياذ بالله- يبتلى بالهيام، ما يستطيع أن يعيش ولا لحظة إلا وزوجته أمامه، ولهذا بعضهم يقضي عليه هذا الأمر نسأل الله العافية.
* ومنها أيضًا: أن الأسباب لا تأثير لها إلا بإذن الله، ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.
* ومنها: أن قدرة الله عز وجل فوق الأسباب، وأنه مهما وجدت الأسباب، والله لم يأذن فإن ذلك لا ينفع، هل هذا الحكم اللي استنبطناه من الآية يوجب لنا أن لا نفعل الأسباب؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: لأيش؟ إذا قلنا: إن السبب ما يفعل إلا بإذن الله (...) ما نسوي شيء.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي، نقول: الأصل أن الأسباب مؤثرة بإذن الله فأنت افعل السبب، تزوج ليولد لك، اعمل صالحًا لتدخل الجنة، وهكذا نقول في بقية الأسباب، واضح؟ تداو لتشفى، ابتعد عن المجذوم لتسلم منه، وما أشبه ذلك، فالحاصل أن هذه الأسباب ما هو معناها مؤثرة بنفسها، لا يمكن أن تمنع من تأثيرها، بل هي مؤثرة بإذن الله.
* ومنها: الإشارة إلى أنه ينبغي اللجوء إلى الله دائمًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فأنت إذا علمت أن كل شيء بإذن الله فإذن تلجأ إلى من؟ إليه سبحانه وتعالى في جلب المنافع وفي دفع المضار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تعلم السحر ضرر محض ولا خير فيه؛ لقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ ﴿مَا يَضُرُّهُمْ﴾ فأثبت ضرره، ﴿وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ نفى نفعه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كفر الساحر كفر مخرج عن الملة من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ ﴿مِنْ خَلَاقٍ﴾ يعني: من نصيب، ولا هنا أحد ما له نصيب في الآخرة إلا الكافر، أما المؤمن مهما عذب فإن له نصيبًا من الآخرة.
* طالب: هل هناك تفصيل في كفر الساحر؟
* الشيخ: لا، ما في تفصيل، الصحيح، ما فيه تفصيل.
* ومن فوائد الآية أيضًا: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: أن هؤلاء اليهود ارتكبوا تعلم السحر عن علم؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وبذلك استحقوا وصف الغضب، فصاروا مغضوبًا عليهم، لأن كل من علم الحق وخالفه فهو مغضوب عليه؛ ولهذا قال سفيان بن عيينة قال: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا ففيه شبه من النصارى، لأن العلماء يرتكبون عن علم فهم كاليهود، والعباد يرتكبون عن ضلال فهم كالنصارى.
ومنها أيضًا: ذم هؤلاء اليهود لما اختاروه لأنفسهم ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾.
* ومن فوائد الآية: أن ذا العلم الذي ينتفع بعلمه هو الذي يحذر مثل هذه الأمور؛ لقوله: ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ يعني: لو كانوا ذوي علم نافع ما شروا هذا الأمر الذي يضرهم ولا ينفعهم، والذي علموا أن من اشتراه ما له في الآخرة من خلاق.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُ﴾
في هذا دليل على سعة حلم الله؛ حيث يعرض عليهم الإيمان والتقوى ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ يعني: فيما مضى وفيما يستقبل، وهذه من عادته سبحانه وتعالى أن يعرض التوبة على المذنبين، وانظروا إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ [البروج ١٠] شوف يحرقون أولياءه، ثم يعرض عليهم التوبة ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ﴾ مفهومه إن تابوا ما عليهم شيء، ما لهم عذاب جهنم.
* ومن فوائد الآية: أن الإيمان والتقوى ينال به ثواب الله ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: أن ثواب الله خير لمن آمن واتقى من كل الدنيا؛ لقوله: ﴿خَيْرٌ﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ من أين؟ من كل شيء، كل شيء يناله في الدنيا فالمثوبة اللي عند الله على الإيمان والتقوى خير.
ونأخذ منها ومن قول قوم قارون له، ومن قول الناصحين من بني إسرائيل، قالوا للذين تمنوا أن يكونوا لهم مثل ما لقارون: ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص ٨٠] هنا قابل ﴿آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ يتبين لك أن التقوى هي العمل الصالح، وقد سبق لنا أن التقوى هي اتخاذ الوقاية من عذاب الله بفعل ما أمر به واجتناب ما نهى عنه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences