Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:54–58
24:54–58Page 357
قُلۡ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَۖ فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَإِنَّمَا عَلَيۡهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيۡكُم مَّا حُمِّلۡتُمۡۖ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهۡتَدُواْۚ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٥٤
Say, "Obey Allāh and obey the Messenger; but if you turn away - then upon him is only that [duty] with which he has been charged, and upon you is that with which you have been charged. And if you obey him, you will be [rightly] guided. And there is not upon the Messenger except the [responsibility for] clear notification."
وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمۡ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَيَسۡتَخۡلِفَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ كَمَا ٱسۡتَخۡلَفَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمۡ دِينَهُمُ ٱلَّذِي ٱرۡتَضَىٰ لَهُمۡ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّنۢ بَعۡدِ خَوۡفِهِمۡ أَمۡنٗاۚ يَعۡبُدُونَنِي لَا يُشۡرِكُونَ بِي شَيۡـٔٗاۚ وَمَن كَفَرَ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ٥٥
Allāh has promised those who have believed among you and done righteous deeds that He will surely grant them succession [to authority] upon the earth just as He granted it to those before them and that He will surely establish for them [therein] their religion which He has preferred for them and that He will surely substitute for them, after their fear, security, [for] they worship Me, not associating anything with Me. But whoever disbelieves1 after that - then those are the defiantly disobedient.
وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ٥٦
And establish prayer and give zakāh and obey the Messenger - that you may receive mercy.
لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَلَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ٥٧
Never think that the disbelievers are causing failure [to Allāh] upon the earth. Their refuge will be the Fire - and how wretched the destination.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِيَسۡتَـٔۡذِنكُمُ ٱلَّذِينَ مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُمۡ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَبۡلُغُواْ ٱلۡحُلُمَ مِنكُمۡ ثَلَٰثَ مَرَّٰتٖۚ مِّن قَبۡلِ صَلَوٰةِ ٱلۡفَجۡرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ ٱلظَّهِيرَةِ وَمِنۢ بَعۡدِ صَلَوٰةِ ٱلۡعِشَآءِۚ ثَلَٰثُ عَوۡرَٰتٖ لَّكُمۡۚ لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ وَلَا عَلَيۡهِمۡ جُنَاحُۢ بَعۡدَهُنَّۚ طَوَّٰفُونَ عَلَيۡكُم بَعۡضُكُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٨
O you who have believed, let those whom your right hands possess and those who have not [yet] reached puberty among you ask permission of you [before entering] at three times: before the dawn prayer and when you put aside your clothing [for rest] at noon and after the night prayer. [These are] three times of privacy1 for you. There is no blame upon you nor upon them beyond these [periods], for they continually circulate among you - some of you, among others. Thus does Allāh make clear to you the verses [i.e., His ordinances]; and Allāh is Knowing and Wise.
(﴿فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ﴾ من التبليغ، ﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ من طاعته، ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُول إلَّا الْبَلَاغ الْمُبِين﴾ أي: التبليغ البين).
يقول الله تعالى للنبي عليه الصلاة والسلام آمرًا له أن يقول للناس: ﴿أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾، وقد سبق أن الطاعة: موافقة الأمر بفعل الأوامر واجتناب النواهي، هذه الطاعة.
وقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ إعادة العامل يدل على أن طاعة الرسول ﷺ طاعة مستقلة، وأن ما جاء به فكما جاء به عن الله؛ ولهذا قال العلماء: إن ما وجب بسنة رسول الله ﷺ كالذي وجب بالقرآن من أمر أو نهي، وهذا واضح؛ لأنه جعل طاعة النبي ﷺ طاعة مستقلة؛ حيث قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّه وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾.
وقوله: ﴿الرَّسُول﴾ (أل) للعهد، وهو عهد ذهني؛ يعني: الرسول المعهود بينكم، وهو محمد ﷺ، وهذه ليست كقوله تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٦]؛ لأن قوله: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ عهد ذكري، ﴿أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل ١٥، ١٦]، أما هذه فهي للعهد الذهني؛ أي: الرسول المعهود بينكم الذي تعرفونه.
(﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن طاعته، بحذف إحدى التاءين خطاب لهم) ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يقول المؤلف: معنى ﴿تَوَلَّوْا﴾ تعرضوا، هذا معنى التولي: الإعراض، لكن من حيث اللفظ أصلها: تَتَولوا، فإن (تتولوا) خطاب للناس؛ وإن تتولوا أيها الناس فإنما عليه ما حمل، إلى آخره، لكن حذفت منها إحدى التاءين.
وقد اختلف النحويون هل المحذوف تاء المضارعة أو المحذوف تاء الفعل؟
منهم من قال: تاء الفعل؛ لأن تاء المضارعة جيء بها لمعنى، فلا ينبغي حذفها، ومنهم من قال: تاء المضارعة؛ لأن تاء الفعل أصلية، وأما تاء المضارعة فهي زائدة، فهي أولى بالحذف من الحرف الأصلي.
وعلى كل حال، فالخلاف في هذا لفظي لا يترتب عليه أمر معنوي، لكن المراد: تتولوا.
نظير ذلك في حذف إحدى التاءين قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل ١٤] (تلظى) بمعنى (تتلظى)، وليست (تلظى) فعلًا ماضيًا، وإلا لقال: تلظت، لكنها فعل مضارع حذفت منه إحدى التاءين.
﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ﴿عَلَيْهِ﴾ أي: على الرسول ﷺ، ﴿مَا حُمِّلَ﴾ من التبليغ والبيان والدعوة، فإنه عليه الصلاة والسلام بلَّغ بلاغًا مبينًا، ودعا الناس أيضًا ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف ١٠٨].
فالواجب على النبي ﷺ أمران، والمؤلف اقتصر على أحد منهم، الواجب عليه التبليغ والدعوة، وقد بلغ ودعا عليه الصلاة والسلام؛ بلَّغ الناس ودعاهم إلى الله، وقام بما يجب عليه.
﴿وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾ ويش اللي حملنا؟ حملنا طاعته واتباعه، وعلى هذا فإن أخلَّ هو بما عليه صار مستحقًّا لما يترتب على ذلك، وإن أخللتم أنتم بما يجب عليكم صرتم مستحقين لجزاء ذلك.
والنبي عليه الصلاة والسلام بلَّغ البلاغ المبين، فقام بما حُمِّل، لكن الذين أعرضوا لم يقوموا بما حُمِّلوا، وفي هذا دليل على أن الرسول ﷺ ليس ملزمًا بهدايتهم.
وهذا كثير في القرآن؛ ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ [الغاشية ٢٢]، ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس ٩٩]، ﴿إِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد ٤٠]، فهو ليس ملزمًا، بل إن الله نهاه أن يكون في صدره حرج وضيق وحزن ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ [النحل ١٢٧]، وقال: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٣] يعني: مُهْلِك نفسَك لعدم إيمانهم.
وهكذا أيضًا من ورث النبي ﷺ -وهم العلماء- إنما عليهم البلاغ والدعوة، أما هداية الخلق فهي إلى خالقهم تبارك وتعالى، وليس عليك هداهم.
قال الله تعالى مرغبًا في طاعته: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ تطيعوا الرسول ﷺ تهتدوا، وفي هذا إشارة إلى ما سبق من أن ما جاءت به السنة فهو حكم مستقل يجب أن يُطاع ويُتَّبع، كما جاء في القرآن؛ ولهذا قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾، والهداية مطلوبة، فإذا أمر النبي ﷺ بأمر فلا يجوز لنا أن نقول هذا: لهذا أصل في القرآن أو لا؟ إن كان له أصل قبلناه، وإن لم يكن له أصل لم نقبله؛ لأن هذا حرام، وهو كفر بالقرآن نفسه؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، ثم قال ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ فدلَّ هذا على أن كل ما جاء به فهو حق وهداية، وليس فيه باطل وضلالة.
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ هذا الحصر حقيقي ولَّا إضافي؛ الحصر هنا ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾؟
* طالب: حقيقي.
* الشيخ: حقيقي، كيف حقيقي وهو يجب عليه أن يصلي وأن يزكي وأن يصوم؟
* الطالب: حصر إضافي.
* الشيخ: الحصر إضافي، كذا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: حقيقي، إذا قيل: حصر حقيقي، معناه: أن ما سواه منتفٍ، فهل يمكن أن نقول هنا: إن الرسول ﷺ ما عليه إلا أن يبلغ الناس، وأما أن يفعل الطاعات هو بنفسه فليس عليه منها شيء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يمكن، إذا ما فيه قيد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، يعتبر أن هذا الحصر إضافي؛ يعني: بالنسبة لما يجب عليه نحوكم، ولو قال: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ و﴿إِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ﴾، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ بالنسبة إليكم ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾، أما أن يهديكم ويلزمكم على الحق فهذا ليس عليه، كما قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة ٢٧٢]، فيفيد هذا الحصر بالنسبة لما يجب عليه نحو أمته، فإنه لا يجب عليه إلا البلاغ المبين.
* طالب: حصر حقيقي بالنسبة (...).
* الشيخ: إي، بالنسبة لما يجب عليه لا بالنسبة للعموم، لكن الحصر الحقيقي هو الذي يكون بالنسبة للعموم، لا (...) سوى هذا، ومعنى قوله: إضافي، أنه بالإضافة إلى سبب كذا، لو قلت مثلًا: لا جواد إلا فلان، هذا حصر أنه لا يوجد جواد سواه، مع أن الأجواد سواه كثيرون، لكن لا جواد إلا فلان؛ يعني: بالنسبة إلى قبيلته مثلًا، أو بالإضافة إلى بلده، أو ما أشبه ذلك.
فإذن الحصر يكون إضافيًّا، ما هو حقيقي من حيث المعنى، لكنه بالإضافة إلى كذا، فإذا كان الحصر بمعنى بالإضافة إلى كذا فهو إضافي، وإذا صار الحصر بالإضافة إلى الكل فهو؟
* طلبة: حقيقي.
* الشيخ: حقيقي.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم، حقيقي وإضافي.
يقول: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ البلاغ بمعنى: التبليغ، وأصل البلاغ: الوصول إلى غاية، يقال: بلغ كذا؛ بمعنى: وصل، فالمبلِّغ موصل إلى غاية، وهي الهداية التي أراد الله سبحانه وتعالى من عباده أن يكونوا عليها.
وقول المؤلف: (المبين بمعنى البين) فيه نظر؛ لأنه سبق أن المبين تصح بمعنى: البيِّن، وتصح بمعنى: المبين لغيره؛ يعني: الموضِّح لغيره، وهذا على حسب السياق، فهنا البلاغ بمعنى البيِّن، أو بمعنى المبين لِمَا بلغ، بمعنى المبين؛ يعني: الذي أظهر وأوضح ما دعا إليه وبلَّغه، فهنا (المبين) بمعنى: المظهِر، وليست بمعنى البيِّن كما قال، وأيهما أبلغ؛ المبين بمعنى المظهِر ولَّا المبين بمعنى البيِّن؟
* طالب: بمعنى المظهِر.
* الشيخ: بمعنى المظهِر؛ لأن المبين بمعنى: المظهِر؛ بيِّنٌ بنفسه، مبينٌ لغيره، والبيِّن فقط: بيِّنٌ بنفسه، قد يُبِين غيره وقد لا يُبِين، ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾.
(﴿وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْض﴾ بدلًا عن الكفار، ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ بالبناء للفاعل والمفعول، ﴿الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ﴾ من بني إسرائيل بدلًا عن الجبابرة، ﴿وَلَيُمَكِّنَن لَهُمْ دِينهمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ وهو الإسلام؛ بأن يظهره على جميع الأديان ويوسع لهم في البلاد فيملكوها، ﴿وَلَيُبَدِّلَنهُمْ﴾ بالتخفيف والتشديد، ﴿مِنْ بَعْد خَوْفهمْ﴾ من الكفار، ﴿أَمْنًا﴾ وقد أنجز الله ما وعدهم).
﴿وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات﴾ الوعد معناه: أن يُنَوِّل شخصًا بما يسره، وأما الوعيد فأن يحذِّره مما يكره، ففرق بين الوعد والوعيد؛ الوعد لما يرجى من المحبوب، والوعيد لما يخشى من المرهوب، وقد قال الشاعر:
وَإِنِّي وَإِنْ أَوْعَدْتُـــــــــــــــــــهُ أَوْوَعَدْتُــــــــــــــهُ ∗∗∗ لَمُخْلِفُ إِيعَادِي وَمُنْجِزُ مَوْعِدِي
﴿وَعَدَ اللَّه﴾ أي: أنه سبحانه وتعالى التزم لهم بما يحبون، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا﴾ أي: جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح، فالإيمان محله القلب، والعمل الصالح محله الجوارح، والإيمان وحده لا يكفي، والعمل وحده لا يكفي، ولا يكون صالحًا إلا بالإيمان، ولو كان ظاهره صورة الصلاح إذا لم يكن مبنيًّا على إيمان فإنه ليس بصالح، فإنه يدور بين الأمرين؛ الإيمان والعمل الصالح لهما هذا الوعد.
﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ هذا وعد، ومعنى ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾ أي: يجعلهم خلفاء لغيرهم؛ يخلفون غيرهم في الأرض، وكلمة ﴿فِي الْأَرْضِ﴾ المراد بها الجنس، ما هي أرض واحدة معينة، بل أرض عامة، حقيقةً كل الأرض، في الأرض كلها؛ وذلك لأن الأرض أرض الله ﴿يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف ١٢٨].
وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ معروف الذي يشاء أن يورثهم، ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥]، وعلى هذا فمثلًا أرض العرب ليست للعرب، وأرض الفرس ليست للفرس، وأرض الروم ليست للروم، الأرض لمن؟
* الطلبة: لله.
* الشيخ: للهِ يورثها من يشاء، وهم العباد الصالحون الذين آمنوا وعملوا الصالحات، فمن كفر بالله وعتا عن طاعته فلا حق له في الأرض، الحق لغيره، يورثها الله تعالى من يشاء من العباد الصالحين.
وعلى هذا، فإذا قال بنو إسرائيل: أرض الشام لنا؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام قال: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة ٢١]، فالله كاتبه هنا، إذا قال بنو إسرائيل هكذا نقول: نعم، إن موسى قال هكذا؛ لأنكم في ذلك الوقت أنتم أهل الصلاح وأنتم عباد الله الصالحون، والأرض لله يورثها من يشاء من عباده الصالحين، فهي لكم في ذلك الوقت لا شك، لكن لما جاء الإسلام وكفرتم به صرتم لستم أهلًا لها، وصار أهلها من؟
* طلبة: الصالحون.
* الشيخ: الصالحون، وهم المؤمنون بمحمد ﷺ المتبِعون له.
فإذن المسلمون لما أخرجوا قبل ذلك أيضًا احتلها من بعد اليهود من؟ النصارى الروم؛ لأنهم كانوا هم الصالحين بعد اليهود، ثم احتلها من بعد الروم من؟ احتلها المسلمون؛ لأنهم هم عباد الله الصالحون، فكانت الأرض؛ أرض الشام كانت كتبت لمن؟ للصالحين؛ ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾، ورثها بنو إسرائيل من الجبارين؛ لأنهم هم على الحق -يعني: اليهود أعني- ثم ورثها النصارى من اليهود؛ لأنهم أهل الحق، ثم ورثها المسلمون من النصارى؛ لأنهم أهل الحق.
وعلى هذا، فاليهود الآن لا حقَّ لهم في فلسطين ولا غيرها من أرض الله، ما لهم حق في الأرض أبدًا، لا هم ولا أي كافر؛ لأن الأرض إنما يستحقها من؟ عباد الله الصالحون.
لكن إن صلح المسلمون ورجعوا إلى دينهم الحقيقي الذي يورثهم الله بها أرضه، فإننا نجزم جزمًا بأنهم سوف يسترجعون الأرض، ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور ٥٥]، فنحن نجزم بأن المسلمين الآن لو رجعوا حقيقةً إلى دين الله بالإيمان والعمل الصالح، فسوف يطردون اليهود من الأرض، لا بل سوف يطردون الأمريكان من أماكنهم، والروس من أماكنهم، نجزم بهذا جزمًا ولَّا لا؟
أما ما داموا على هذا الوضع -المسلمون- فإنه حسب القواعد الشرعية والنصوص لا يستحقون النصر؛ لأنهم ما قاموا بجهاد أنفسهم، فضلًا عن أن يقوموا بجهاد غيرهم؛ ليدخلوه في الإسلام، نقول: الآن أقيموا الإسلام فيما بينكم، أقيموا دين الله فيما بينكم، ثم بعد ذلك سوف ينصر الله دينه إذا قمتم به؛ لأنه ما ينصر فلانًا؛ لأنه فلان، أو ينصر هؤلاء الطائفة؛ لأنهم عرب، أو ينصر هؤلاء الطائفة؛ لأنهم (...)، ينصر من قام بهذا الدين، صلاح الدين الأيوبي أصله عربي ولَّا غير عربي؟
* الطلبة: غير عربي.
* الشيخ: غير عربي، ومع ذلك نصره الله على النصارى؛ لأنه قام بدين الله، فالدين نفسه هو اللي بينصر، هو الذي (...) عن نفسه (...) فهو سلاح وإن لم يحمل، ما تقول: الإسلام سلاح يستطيع أن يحكم بالنصر بما في يده من سلاح أبدًا، يبقى إذا (...) سلاح في الإسلام بيد الإنسان، يبقى لنا السلاح المادي؛ أي: بما أقوى مادة.
ومعلوم أن المسلمين أضعف الأمم مادة في الوقت الحاضر؛ لأنهم أمم متفرقة ومتناثرة، والعداوات بينهم كثيرة، والبغضاء بينهم كثير؛ هذا يدعو إلى كذا، وهذا يدعو إلى كذا، وهذا له مذهب خاص، كلهم متفرقون، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام ١٥٩]، وهذا الأمر منطبق تمامًا على المسلمين في الوقت الحاضر، فلا اجتماع على الإسلام، ولا دينَ قيم مقام في المسلمين، قد يوجد فيه شرذمة قليلة إلا أنها لا تمثل المسلمين، يوجد فيها شيء من الصلاح من الإيمان والعمل الصالح، لكن على ضعف أيضًا.
فالحاصل: أن هذا الوعد الذي وعده الله حق، لكن لمن؟ للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهؤلاء هم عباد الله الصالحون الذين قال الله فيهم: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥].
فإذا قال الذين يجاهدون اليهود الآن: نحن سنطرد اليهود، ونقيم على هذه البلاد المقدسة التي احتلوها (...)، نقيم عليها دولة إسلامية تقود الناس بدين الله؛ بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ، ثم مثلوا ذلك بأنفسهم قبل أن يفتحوا هذه البلاد، حينئذٍ نتيقن لهم بالنصر، وفيما عدا ذلك فالنصر غير مضمون، بل قد يكون بالعكس؛ الهزيمة هي المضمونة؛ لأن من قام بشيء وجاهد به وهو على خلافه فإن ذلك نوع من خداع الله عز وجل، ومن يخادع الله يخدعه.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ قيل: الأرض المراد بها؟
* طلبة: الجنس.
* الشيخ: الجنس؛ يعني: ما هي أرض معينة، كأرض مثلًا مكة يتخذ الله فيها المهاجرين بدلًا عن المشركين، كل الأرض.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قوله: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ﴾ هذا في الحقيقة مثل قوله: ﴿بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] يعني: ذُكِر من باب التوكيد وطمأنينة الموعود بما وُعِدَ به؛ يعني: كأنه قال: انظروا إلى هذا الوعد الذي وعدكم الله فقد تحقق فيمن قبلكم.
﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ مثل من؟ (...) من بني إسرائيل بدلًا عن الجبابرة، صحيح، ومن بني إسرائيل أيضًا بدلًا عن الفراعنة، فإن الله تعالى يقول: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء ٥٩]، يقول أيضًا: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ﴾ وهم بنو إسرائيل في ذلك الوقت، ﴿مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ [الأعراف ١٣٧]، وقال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾ يعني: فرعون، ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾ [الدخان ٢٥، ٢٦]، هذا الجنات والعيون والزروع والمقام الكريم الذي هو في الدنيا تركوه لمن؟ لبني إسرائيل، أورثهم الله تعالى.
كذلك المسلمون، قال الله تعالى في اليهود الذين قضي عليهم بالقضاء على بني قريظة، وبالتالي (...) فتح خيبر، قال الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] يعني: ما عمركم وطأتم عليها، أبدًا، أورثكم الله إياها، وهذا وعد حق.
وقد علمتم أنتم في التاريخ أن المسلمين حينما كانوا يمثلون الإسلام حقيقةً ملكوا مشارق الأرض ومغاربها، ودانت لهم الأمم إدانة تامة، وفي الحقيقة أنهم فتحوا تلك البلدان قبل كل شيء بالدين والأخلاق، فإن من سَبَرَ أحوال المسلمين دخلوا في الإسلام بدون أي قتال، ولكن مع ذلك استعانوا بالسلاح؛ لئلا يقف أحد في وجه دعوتهم، فالسلاح بالحقيقة.. استعمال السلاح في الإسلام ما هو إلا مدافعة عن الإسلام فقط، لا إرغامًا للناس أن يدخلوا بالسيف؛ لأن الله يقول: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦]، ويقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال ٣٩] يعني: صد عن سبيل الله وقيام ضد الدعوة الإسلامية، ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾، فدين الله ظاهر، وهو الغالب.
فعلى كل حال نقول: إن من سَبَرَ أحوال التاريخ فيما قبل هذه الأمة وفي هذه الأمة عرف تحقيق هذا الوعد، وأنه وعد تحقق (...)، وأنه إنما يتخلف بما يتخلف بسبب النقص؛ إما في الإيمان (...).
فتخلف النصر في أحد لأي شيء؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم، لترك العمل الصالح وهو الامتثال؛ حيث قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَبْرَحُوا عَنْ مَكَانِكُمْ، سَوَاءٌ ظَهَرْنَا عَلَيْهِمْ أَمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]]، ولكنهم برحوا وتخلف النصر في غزوة حنين؛ لنقص الإيمان، وهو الاعتماد على الله عز وجل، بل اعتمدوا على قوتهم وكثرتهم، وقالوا: «لن نغلب اليوم من قلة»[[أخرجه أبو داود (٢٦١١)، والترمذي (١٥٥٥)، وابن ماجه (٢٨٢٧) من حديث أنس بن مالك.]]، فغلبوا من قلة.
هذا دليل على أنه متى تخلف أحد الوصفين؛ الإيمان أو العمل الصالح فإنه يتخلف من هذا الوعد بقدر ما تخلف من ذين الوصفين.
قال: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، والأمر الثاني: مما وعد الله به المؤمنين ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾، وهذا هو قرة أعينهم؛ قرة أعين المؤمنين أن الله يمكن لهم دينهم الذي ارتضى لهم، ويكون الإسلام هو المتمكن، وهو الظاهر، وهو الغالب، هذه قرة عين المؤمنين، وهي إن لم تكن مثل الأولى فهي أولى منها بالنسبة للمؤمن حقًّا الذي يريد الإيمان والإسلام.
لو سئل: ماذا تتمنى؟ ما قال: أتمنى أن يكون لي سيارة فخمة وقصر مشيد، وما أشبه ذلك، قال: أتمنى أن أجد الإسلام هو العالي وهو المتمكن في الأرض، هذه أمنيته، فهذه أمنية عُلْيَا لكل مؤمن.
وفي قوله: ﴿دِينَهُمُ﴾ بالإضافة إليهم فيها نوع من التخصيص ونوع من الفخر والإعجاب، الدين الذي اختاروه لأنفسهم وصار خاصًّا بهم.
ثم في قوله: ﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾ نقول: فيها أيضًا ميزة أخرى بأن هذا الدين الذي اختاروه هو الدين الذي ارتضاه الله لهم أيضًا، فصار هذا الدين فيه ميزة وغبطة للمؤمنين من ناحيتين:
أولًا: أنه هو الذي سلكوه واختاروه لأنفسهم.
والشيء الثاني: أن الله ارتضاه لهم أيضًا ليدينوا لله به، فيكون فيه مزيتان؛ مزية من جهة السالك، ومزية من جهة الشارع؛ السالك هم ﴿دِينَهُمُ﴾، والشارع ﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾، فهم رضوا هذا الدين وربُّهم رضيه لهم، فكان هذا الدين الذي ارتضوه لأنفسهم ورضيه الله لهم أعز شيء عليهم أن يُمكِّن الله لهم هذا الدين.
وهذا نتيجة ثانية للإيمان والعمل الصالح؛ الأول: الاستخلاف في الأرض، والثاني: أن يُمكِّن الله لهم الدين ويثبتهم ويقويهم ويجعله الأعلى على غيره.
الفائدة الثالثة: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ نقول: فيها قراءتان؛ التخفيف ﴿لَيُبْدِلَنَّهُمْ﴾ ، والتشديد ﴿يُبَدِّلَنَّهُمْ﴾، وهما بمعنى واحد، أو مع اختلاف يسير.
﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ﴾ يعني: الإتيان بقوله: ﴿مِنْ بَعْدِ﴾ ما قال: بخوفهم أمنًا؛ لتحقق الخوف الأول، ثم يأتي من بعده الأمن وظهور نعمة الأمن، وفائدته بعد الخوف أبلغ من ظهور أمنٍ على أمنٍ، أو لَّا؟ لأنه ما تعرف قيمة الأشياء إلا بضدها، فإذا قُدِّر أن هذا الإنسان في خوف، ثم أُبدل بعد الخوف أمنًا ظهر لهذا الأمن؛ يعني: ظهر له من الأثر في نفسه ما هو أبلغ مما لو كان أمنًا على أمن.
ولذلك الآن هؤلاء الشباب (...) من بنينا الذين عاشوا في هذا الظل الوارف والنعيم الوافر من الإطعام من الجوع والأمن من الخوف، هل يقدِّرون نعمة هذا الأمن؟ أبدًا، ما يُقدِّرونه، ما كأنه إلا أمر عادي لا يمكن أن يتبدل، وكذلك لا يقدِّرون نعمة الشبع، ما كأنه إلا أمر عادي خلقوا عليه ولم يتبدل، لكن من ذاق ألم الجوع ورهبة الخوف ممن سبقوه، ثم أدركوا هذا النعيم، يعرفون قدر هذا النعيم الذين كانوا يبيتون ليالي لا يشبعون إلا من ورق الشجر إن تيسر لهم، ولا يأكلون اللحم إلا من خفاف الإبل المشوية إن تيسرت، هؤلاء هم الذين عرفوا قدر هذه النعمة التي أصبحت اللحوم تلقى على المزابل من عدم الآكلين لها.
فعلى كل حال، قصدي أن الأمن بعد الخوف أشد ظهورًا منه من الأمن على الأمن، هذا لا يظهر في الحقيقة استمرار الأمن بين قوم لم يذوقوا رهبة الخوف، هذا قد لا يشعر به، لكن الحقيقة في الأمر أن ظهور نعمة الأمن إنما يكون إذا جاء من بعد الخوف.
ولا شك أن الذين خوطبوا بهذه الآية أولًا أنهم قد ذاقوا رهبة الخوف ولَّا لا؟ نعم؛ لأنهم كانوا خائفين من أعدائهم الكفار؛ لما ذاقوه من الأذى الشديد القولي والفعلي، حتى النبي عليه الصلاة والسلام ما خرج من مكة إلا خائفًا مختفيًا عليه الصلاة والسلام، حتى أظهره الله عز وجل ودخل فاتحًا منصورًا مؤزرًا، فإذا تصور الإنسان إبدال الخوف بالأمن يجد أن للخوف أثرًا كبيرًا في نفسه، ﴿مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.
ثم قال: (وقد أنجز الله وعده) حيث إن النبي عليه الصلاة والسلام قال وهو على باب الكعبة عام الفتح معلنًا للتوحيد الذي كان يحارب في مثل ذلك المكان، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٧٩٧)، ومسلم (١٣٤٤ / ٤٢٨) من حديث ابن عمر.]]، وقد تحقق، وللهِ الحمد، فكانت الأصنام في جوف الكعبة وحول الكعبة، وهذا ينافي تمامًا شهادة أن لا إله إلا الله، وقد كان المسلمون منهم من لا يمكن من الطواف بالبيت أو الصلاة حوله، وإذا صلى حوله سخر به وأوذي، حتى إمامهم محمدًا ﷺ «كان ساجدًا، وكان حوله أبو جهل ومن معه من شرار قريش، فقالوا: ألا رجل ينتدب، فيأتي بسلا جزور بني فلان، فيلقيه على محمد ﷺ وهو ساجد، فانبعث أشقى القوم فجاء به، ووضعه على النبي ﷺ وهو ساجد، فجعلوا يضحكون ويهزؤون به، حتى إن بعضهم يسقط من الضحك والسخرية، إلى أن جاءت فاطمة ابنته، وكانت صغيرة لا يجرؤون على أن يمنعوها، فأخذت هذا من على ظهره ﷺ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث ابن مسعود.]].
فأقول: هذا البيت الذي كان حال المسلمين فيه على هذا الوصف بعد مدة وجيزة -ولله الحمد- وقف النبي عليه الصلاة والسلام على عتبة الباب حكمًا في قريش الذين هم فعلوا به ما فعلوا، وقال لهم: «مَاذَا تَرَوْنَ أَنِّي فَاعِلٌ بِكُمْ؟» قالوا: أخٌ كريم، وابن أخٍ كريم»، وفي هذا المقام الذي يستطيع أن ينتقم كما يريد عليه الصلاة والسلام قال لهم: «أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ﴾، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ، اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ»[[شرح معاني الآثار (٥٣٣١)، والسنن الكبرى للبيهقي (١٨٢٧٥) من حديث أبي هريرة.]]، فأي تمكين أقوى من هذا التمكين، وعز أعلى من هذا العز؟!
وصدق الله وعده تبارك وتعالى في مدة وجيزة، وللهِ الحمد، وإلا فمن يصدِّق أنه في خلال ثماني سنوات، وخروج النبي عليه الصلاة والسلام على الوصف الذي تعرفون، ثم يرجع فاتحًا منصورًا مؤزرًا.
يقول: (وقد أنجز الله وعده لهم بما ذكر، وأثنى عليهم بقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ) فالمؤلف يرى أن هذه الجملة استئنافية للثناء عليهم؛ ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، ويحتمل أن تكون هذه الجملة استئنافية ليس الغرض منها الثناء، بل الغرض منها استمرار الصفة من الإيمان والعمل الصالح؛ يعني: أن هذا التمكين وهذا الاستخلاف وهذا التبديل بالأمن بعد الخوف هذا، متى يكون؟ إذا استمروا على عبادة الله سبحانه وتعالى من غير إشراك به، فتكون الجملة هذه حالية أوسع بيانًا؛ أن هذا الوصف الحاصل أو هذا الوعد الذي وعد الله به حاصل متى؟ ما استمروا على عبادة الله وعدم الإشراك به.
خذ هذه الصفة -وهي إخلاص التوحيد لله والبقاء عليه الذي هو شرط للتمكين- مع قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج ٤٠، ٤١]، هذه أربع صفات مع هذه الصفة -وهي العبادة بدون إشراك- تكون أسباب النصر الذي وعد الله به، كم؟ تكون خمسة؛ عبادة الله بدون إشراك الذي أعلاه التوحيد، ثم إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهذه هي أسباب النصر الحقيقية التي بها ينصر الله عباده، ما عدا ذلك فليس بسبب من أسباب النصر.
ولاحظوا أن إعداد القوة داخل في ضمن هذه الأشياء ولَّا لا؟ نعم، داخل في ضمن هذه الأشياء؛ لأنه من جملة عبادة الله؛ حيث أمر الله به، وكل ما أمر الله به فهو من العبادات.
أما رجل يقول: أنا أتمنى النصر، لكن لا يقيم الصلاة، من أين يأتيه النصر؟! يتمنى النصر، ولكنه لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر، فمن أين يأتيه النصر؟! لا بد من أمر بمعروف ونهي عن منكر، وثقوا أنه ما يمكن يقوم للمسلمين قائمة إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لأنهم إذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر لزم -ولا بد- التفرقُ بينهم ولَّا لا؟
أنا أقول لكم الآن: إذا لم يأمر الناس بالمعروف وينهوا عن المنكر فإنه يلزم لزومًا حتميًّا مؤكدًا أن يتفرقوا؛ لأنه هل مشرب الناس واحد وهدفهم واحد؟ لا، هذا أمر بالضرورة، فإذا لم يقم هذا الذي شذَّ عن الإسلام صار مفارقًا لنا، يسلك غير ما نسلك؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٤، ١٠٥]، فكل هذا بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يكون التفرق، وهو أمر واقع طبيعي.
يقول: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ وقوله: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ (شيئًا) نكرة في سياق النفي، فتعم أي شيء مما يشرك به، وليس الشرك خاصًّا بعبادة الوثن؛ بأن يركع الإنسان ويسجد لشجرة أو حجر أو قبر أو شمس أو قمر، لا، الشرك أعم من ذلك كله، حتى إنه إذا أطيع الإنسان في معصية الله يكون ذلك شركًا، ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣١]، «قال عدي بن حاتم: يا رسول الله، إنا لسنا نعبدهم، قال: «أَلَيْسَ يُحِلُّونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَتُحِلُّونَهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فَتُحَرِّمُونَهُ؟» قال: نعم، قال: «فَتِلْكَ عِبَادَتُهُمْ»[[الترمذي (٣٠٩٥)، والمعجم الكبير (٢١٨) واللفظ له من حديث عدي بن حاتم.]].
الرجل يفضِّل الدنيا ويقدمها على الآخرة، هل هو مشرك ولَّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: مشرك؛ لقول النبي ﷺ: «تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ، تَعِسَ عَبْدُ الدِّرْهَمِ»[[أخرجه البخاري (٢٨٨٦) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن أصل العبادة مأخوذة من الذل، ومنه قولهم: طريق معبد؛ يعني: مذلل لسالكيه، يمشون عليه، فكون الإنسان يذل للدرهم والدينار حتى يقدمه على طاعة الله عز وجل هذا نوع من الشرك؛ ولهذا سماه النبي عليه الصلاة والسلام عابدًا له.
كلمة ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ ليست بالكلمة الهينة إذا كنا نتصور معناها كما جاء بالكتاب والسنة، أما إذا ضيقنا معناها وقلنا: ﴿لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ أي: لا يعبدون شجرًا ولا حجرًا، صارت ضيقة ولا معنى للعموم فيها، فإذن عبادة الله حقًّا لا تكون إلا بانتفاء الشرك مطلقًا بحيث لا يشرك بالله أحدًا، ليس في نفس العبادة فقط، بل في نفس العبادة والإرادة، وغير ذلك، فإذا حقق هذا الأمر فقد تحقق الإخلاص.
وقد ذكرت لكم أن بعض السلف كان يقول: ما جاهدت نفسي على شيء مجاهدتها على الإخلاص، وهذا حقيقة؛ فالإخلاص ألَّا يشرك الإنسان بالله شيئًا، لا في العبادة التي لله وحده، ولا في الإرادة، هذا أمر يصعب جدًّا على الإنسان أن يحققه، ولكن بعون الله سبحانه وتعالى والاستعانة به يحصل المطلوب.
ثم قال تعالى: (﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ هو مستأنف في حكم التعليل) غريب المؤلف! جعله بالأول ثناء عليهم، ثم جعله تعليلًا، وفي الحقيقة لا شك أنه تعليل كما قررناه، لكنه متضمن للثناء؛ لأنهم عبدوا الله ولم (...).
* * *
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاة وَآتُوا الزَّكَاة وَأَطِيعُوا الرَّسُول لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاة﴾ أي: افعلوها قيمة على الوجه الذي شرع الله سبحانه وتعالى ورسوله، هذا معنى إقامة الصلاة، وإقامة الشيء؛ يعني: تعديله وجعله قويمًا، وضد ذلك: تعويجه بالإفساد والنقص، فمعنى إذن أقيموا الصلاة: افعلوها كاملة.
والصلاة يعم الفرض والنفل؛ ولذلك إذا دخل الإنسان في نفلٍ وجب عليه أن يأتي بها كما شرع، فلو أراد الإنسان أن يتنفل بنافلة؛ صلاة نفل، ويترك مثلًا التسبيح أو يترك التكبير أو يترك التشهد، ويقول مثلًا: إن الأمر نفل، فأنا كله واحد، نقول له: هو نفل قبل أن تدخل فيه، فإذا دخلت صار الإتيان به على الوجه المشروع أمرًا مفروضًا.
لو قال: أبغي أصلي نفل وبأسجد قبل أركع (...)، أو أبغي أصلي وبأسجد مرة واحدة، أليس ذلك نفلًا؟ نقول له: هذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان نفلًا فإن إقامته على الوجه المشروع واجبة.
وقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: أعطوها لمن يستحقها، وقد بيَّن الله سبحانه وتعالى المستحقين للزكاة بينهم بقوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [التوبة ٦٠] (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاة وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ الطاعة سبق لنا أنها: موافقة الأمر، فعلًا للمأمور، وتركًا للمحظور.
وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ هذا من باب عطف العام على الخاص؛ فإن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من طاعة الرسول، لكن هذا من باب التنبيه بفضل إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
وقوله: ﴿الرَّسُول﴾ (أل) للعهد الذهني؛ يعني: الرسول الذي هو معروف لديكم، وهو محمد ﷺ.
﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: (أي: رجاء الرحمة)، وهذا يدل على أن المؤلف جعل (لعل) للرجاء، لكن باعتبار الفاعل لا باعتبار المتكلم؛ يعني: أنتم تفعلون ذلك لأجل أن ترحموا؛ راجين بذلك الرحمة، فيكون هنا (لعل) للترجي، لكن باعتبار من؟
* طالب: الفاعل.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences