Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Nur 24:54–58, continued
* الشيخ: باعتبار الفاعل اللي هو المخاطب، لا باعتبار المتكلم؛ فإن المتكلم -وهو الله عز وجل- لا يعسره شيء حتى يترجاه، ويجوز أن نجعل (لعل) للتعليل وتكون باعتبار من؟ باعتبار المتكلم؛ يعني: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول؛ لأن ذلك سبب لرحمتكم، وهذا أقرب؛ فإن (لعل) في كلام الله، بل في كلام كل مخَاطِب تُحمل على ما يريد المتكلم لا على ما يريده المخَاطَب.
وعلى هذا فنقول: (لعل) للتعليل.
* ويكون فيه دليل على أن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول سبب لرحمة الله.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ من قِبَل من؟
* طلبة: من قِبَل الله.
* الشيخ: من قِبَل الله عز وجل.
* فوائد هذه الآية: وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول، من أين نأخذ الوجوب؟
* طلبة: من الأمر.
* الشيخ: من الأمر؛ لأن الأصل في الأمر الوجوب.
فضيلة الزكاة؛ حيث قرنت بالصلاة، وهي مقرونة بالصلاة في مواضع كثيرة من القرآن، وسبب ذلك -والله أعلم- أن الزكاة عبادة مالية محضة، والصلاة عبادة بدنية محضة، وكلاهما من جنس؛ ولذلك حثَّ الله عليهما جميعًا.
* وفيه: أن ما ثبت في السنة كما ثبت في القرآن؛ لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾، وهذا شامل لما قاله النبي عليه الصلاة والسلام ابتداء، ولما قاله تفسيرًا للقرآن.
* فيكون فيه دليل على وجوب العمل بالسنة كما يجب العمل بالقرآن.
والأدلة لذلك كثيرة جدًّا، ولكن ينبغي التركيز عليها؛ لأنه ظهر في وقت من الزنادقة من يقولون: إنه لا يجب العمل بما في السنة (...) صادروا كتب السنة، كصحيح البخاري ومسلم، صادروها وحجبوها عن الأسواق؛ لأنهم يرون أن السنة لا يجب العمل بها، بل على مقتضى عملهم هذا أن السنة ضلال؛ لأنه لا (...) للكتب وتحجب عن الناس، إلا إذا كانت سببًا لفسادهم وضلالهم.
* ويستفاد أيضًا من هذه الآية: إثبات الأسباب، وأن الأسباب موجبة بذاتها، من أين تؤخذ؟
* طلبة: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾؛ حيث جعل هذه الأشياء الثلاثة؛ إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول سببًا للرحمة، والصحيح كما أشرنا إليه سابقًا: أن السبب موجبٌ بذاته، لكن مستقل عن الله ولَّا بإذن الله؟
* الطلبة: بإذن الله.
* الشيخ: بإذن الله، وأما من قال: إن السبب غير موجب، وإنما هو أمارة وعلامة فقط، فقوله يرده العقل والواقع.
* وفيه: فضيلة هذه الأمور الثلاثة؛ حيث كانت سببًا لرحمة الله اللي هي إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وطاعة الرسول.
* وفيه دليل على أن الصلاة أفضل من الزكاة؛ وذلك لتقديمها عليها في كل موضع، اللهم إلا أن يكون هناك سبب خاص لتقديم الإنفاق، فقد يقدم الإنفاق على الصلاة، لكن عندما تذكر الصلاة والزكاة فإنها تقدم.
* * *
ثم قال الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
يقول: (﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ بالفوقانية والتحتانية، والفاعل الرسول ﷺ)، أما قوله: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ فهو خطاب على كلام المؤلف للرسول، ولكن فيه احتمال ثانٍ؛ أن يكون الخطاب لمن؟ لكل من يصح خطابه بمثل ذلك، فيكون هذا أعم، ﴿لَا تَحْسَبَنَّ﴾ أيها المخاطب النبي عليه الصلاة والسلام وغيره.
وأما على قراءة الياء: ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ، فيقول المؤلف أيضًا: إن الضمير يعود على الرسول؛ يعني: لا يحسبن الرسولُ الذين كفروا معجزين في الأرض.
ولكن عندي فيه احتمال أقرب؛ بأن نجعل ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ فاعله (الذين)، ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾ ، ويكون المفعول الأول لـ﴿يَحْسَبَنَّ﴾ محذوفًا، والتقدير: لا يحسبن الذين كفروا أنفسَهم معجزين في الأرض، ويكون في هذا تهديد لهم.
أما على ما ذهب إليه المؤلف فيكون المراد بذلك ليس تهديد هؤلاء الكفار، ولكن المقصود بذلك تثبيت الرسول عليه الصلاة والسلام وتطمينه بأن هؤلاء الكافرين لن يعجزوا الله سبحانه وتعالى، ولكنه يملي لهم وقد يؤخر عقابهم.
وقوله: ﴿مُعْجِزِينَ﴾ يقول: (لنا)، المعجِز هو: الذي يفعل ما يعجز غيره ولا يستطيعه، فهل الذين كفروا معجزين لله؛ أي: فاعلين ما يعجز الله عنه؟
الجواب: لا، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤].
(بأن يفوتونا) هذا تفسير للإعجاز؛ يعني: نعجز عنهم فلا ندركهم، بل يفوتوننا.
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أو ﴿لَا يَحْسَبَنَّ﴾ هذا النهي قلنا: إنه إذا كان الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام أو لكل من يصح خطابه فهو للتثبيت والتطمين والتسلية، وما أشبه ذلك، إذا كان الضمير ﴿لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على ما أشرنا إليه؛ أن الفاعل (الذين)، يكون المراد بالنهي؟
* طالب: التهديد.
* الشيخ: التهديد.
قال الله تعالى: (﴿وَمَأْوَاهُمُ﴾ مرجعهم، ﴿النَّارُ وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ المرجع هي) ﴿مَأْوَاهُمُ﴾ أي: مرجعهم الذي يؤون إليه؛ النار.
وإنما قال: ﴿مَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾؛ لأن هذا هو الواقع؛ إذ إن هذه الحياة الدنيا سوف تنقضي، والمرجع الذي ليس بعده شيء آخر هو ما يؤول إليه المؤمن والكافر يوم القيامة؛ إما إلى نار، وإما إلى جنة، هؤلاء مأواهم النار -والعياذ بالله- مرجعهم.
وقوله: ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ اللام واقعة في جواب القسم موطئة للقسم؛ يعني: والله لبئس المصير، و(بئس) -كما هو معروف- فعل ذم، أو فعل جامد لإنشاء الذم، و(المصير) فاعله، أين المخصوص؛ لأن (بئس) و(نِعْم) تحتاج إلى فاعل ومخصوص، (...) ويش قلنا؟
* طالب: تحتاج إلى فاعل مخصوص.
* الشيخ: ما قلنا هكذا، وأنت أيضًا لا تقوله؛ فإن (ليس) من الجوامد لا تحتاج إلى (...) قلنا يا جماعة؟
* طلبة: (نِعْم) و(بئس).
* الشيخ: (نِعْم) و(بئس) تحتاجان إلى فاعل ومخصوص، الفاعل في هذه الآية: ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ هو (المصير)، أين المخصوص؟ محذوف أو مستتر؛ ولبئس هي المصير، لكن ما يصح تقول: مستتر، بل هو ضمير مستتر، فهو الفاعل، فالمفعول محذوف؛ إما أن يقال: ولبئس المصير النار، أو: لبئس المصير هي.
* يستفاد من هذه الآية: تمام قدرة الله عز وجل، وأن الكافرين مهما بلغوا من قدرة فليسوا بمعجزين لله، وكون الله تعالى يملي لهم لا يدل على عجزه عنهم، بل يدل على حكمته في تأخير العذاب عنهم، هذه واحدة.
* ثانيًا: دليل على أن أهل النار مخلدون فيها؛ لقوله: ﴿وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾، ولو لم يخلدوا لكان مأواهم ما بعد النار؛ لأن المأوى معناها المرجع الأخير، وهذا دليل على أن النار دائمة لهم، وأنهم مخلدون فيها.
وقد ثبت في القرآن الكريم تأبيد تخليد أهل النار في ثلاث آيات من القرآن (...) ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٩]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الأحزاب ٦٥]، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* طالب: ما أذكرها (...).
* طالب آخر: المواضع أذكرها؟
* الشيخ: إي.
* طالب: في سورة النساء.
* الشيخ: إي.
* طالب: وفي سورة التوبة.
* الشيخ: لا.
* طالب: في سورة الأحزاب.
* الشيخ: في سورة الأحزاب، إي نعم، أما في سورة النساء فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذا في سورة النساء، وفي سورة الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٤، ٦٥]، وفي سورة الجن: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣]، فهذه ثلاث آيات صريحة ونصٌّ على تأبيد خلودهم.
وبهذا يعرف ضعف قول من قال من أهل العلم: إنه لا تأبيد لأهل النار، واشتبه عليه قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود ١٠٧]، ولم يشتبه عليه قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لأهل الجنة ﴿مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ لم يشتبه عليه؛ لأنه قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾ [هود ١٠٨]، وهنا قال في أهل النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾.
لكن ليس معنى ذلك ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ أنه سيرفع عنهم هذا العذاب، بل لما كان هذا انتقامًا منهم وعملًا ليس من الأمر الذي يختاره الإنسان حتى تذكر نعمة الله عليه باستمراره، قال في أهل الجنة: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، وقال في هؤلاء: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾، فلا يمنعه شيء أن يفعل ما يريد.
* طالب: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ [النبأ ٢٣] ما يستدل بها على عدم التأبيد؟
* الشيخ: إي، ما هو بصحيحة (...)؛ لأن أولًا: أن ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا﴾ متعلقة بما بعدها؛ يعني: أحقابًا لا يذوقون، وأحقابًا أخرى، أو يقال: أحقابًا؛ أي: مددًا طويلة، وهذا لا ينافي التأبيد (...)؛ لأن التأبيد هل هو (...) عن الأحقاب ما (...)؟
* طالب: فترات (...).
* الشيخ: لا، أبدًا، ما يمكن فترات؛ لأن المراد بهذا؛ يعني: لو تقول: هذا الرجل (...) النار كلها (...) أحقابًا، كل التأبيد هي أحقاب طويلة.
على كل حال، هذا ما يعارض التأبيد بلا شك؛ إما أن نقول بأنه متعلق بما بعده، وهذا ضعيف عندي، وإما أن يقال: أحقابًا، كونها أحقابًا كثيرة طويلة لا ينافي التأبيد؛ لأن التأبيد أحقابًا طويلة.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: أبدًا، هذا ما له نهاية، أما أهل الجنة ما لهم نهاية.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، (الأحقاب) جمع (حقب)، وهي المدة من السنين؛ ولذلك قال: ﴿أَحْقَابًا﴾ أحقابًا متوالية، إلى ما لا نهاية له، فإذا قلنا: الحقب -مثلًا- ثمانون سنة، وقلنا: أحقابًا؛ يعني: مددًا طويلة، كل حقب ثمانون، إلى ما لا نهاية له (…)، لو أنه قال: أحقابًا عددها كذا، كان يجوز، لكن حتى المدة المؤبدة هي أحقابًا في الحقيقة.
فعلى كل حال، مهما كان الأمر؛ يعني: مهما فهمنا من كلمة أحقاب من التأبيد فإنها لا تعارض الصريح بالتأبيد، ما تعارضه إطلاقًا.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح (...).
قلنا: إن ﴿مَأْوَاهُمْ النَّار﴾ تدل على التأبيد؛ لأنه لو كانت غير مؤبدة لكان مأواهم آخر (...).
* وفيه أيضًا دليل على شؤم النار ومرجعها؛ لأن الله تعالى ذمها بقوله: ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
واعلم أن ما ذمه الله عز وجل أو ما مدحه فإنه أمر عظيم؛ لأن العظيم لا يمدح إلا ما هو عظيم جدًّا؛ يعني: العظيم لا يرى الشيء العظيم إلا وهو صحيح عظيم، لكن غير العظيم قد يرى ما ليس عظيمًا عظيمًا، أما العظيم فإنه لا يُعظِّم إلا ما يستحق التعظيم، ولا يذم إلا ما هو مذموم وذمه كثير.
* طالب: فقد يتصور الإنسان أن هذا الوصف (...)؟
* الشيخ: هو على كل حال عظيم بالنسبة لأخلاق البشر، لكن هذا العظم عظم إلى حد الذي يصل إليه البشر، لكن ربما أنا أقول: هذا الرجل على خلق عظيم؛ لأني جلست معه مدة قليلة ووجدت منه أخلاقًا فاضلة، وليس كما هو الحال، لكن أما إذا قاله إنسان عظيم يعرف الأمور ويقدر الأمور عرفنا عِظَمَه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، أعظم؛ لأن في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فما ذكر الله عن الجنة والنار ليس مما نتصوره فهو أعظم وأعظم؛ لأن فيها شيئًا ما ندركه في الدنيا؛ ولهذا هي من الأمور التي لا يعلمها إلا الله، حقائق ما في الجنة وما في النار من الأمور التي لا يعلمها إلا الله.
ولهذا حسب مفهومنا أن الإنسان إذا عذب في النار ويش يسوي؟ يحترق ويموت، لكن في نار الآخرة لا، يذوق العذاب ويتألم، وقول من قال: إنهم -والعياذ بالله-لا يدركون حرَّها، ويقولون: يتأقلمون معها، هذا قول باطل بلا شك؛ ولهذا يقول الله: ﴿بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء ٥٦] دل ذلك على أنهم يحسون ويتألمون.
* طالب: هم يحترقون يا شيخ؟
* الشيخ: إي نعم.
* فيه هذا دليل على عظم قبح النار وشؤمها، من كون الله تعالى وصفها بهذا الوصف ﴿وَلَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور ٥٨] تقدم فائدة تصدير الحكم بالنداء، وهو التنبيه وبيان أهميته.
وقلنا: توجيهه إلى المؤمنين فيه أيضا ثلاث فوائد: الإغراء والحث؛ يعني: لإيمانك يوجه إليك هذا الخطاب، الشيء الثاني: أن تنفيذه من مقتضيات الإيمان، الشيء الثالث: أن الإخلال بهذا الشيء نقص في الإيمان.
وقوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ اللام؟
* طالب: للأمر.
* الشيخ: اللام للأمر.
(﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ من العبيد والإماء، ﴿وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم مِنْكُمْ﴾ من الأحرار وعرفوا أمر النساء، ﴿ثَلَاث مَرَّات﴾ في ثلاثة أوقات) يعني: هذا تفسير للمرات، المراد بالمرات الأوقات.
قوله: ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ هو كما قال المؤلف: (من العبيد والإماء)؛ لأن (الذين) اسم موصول يشمل الذكور والإناث.
وقوله: ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: ملكتم، وعبَّر باليمين عن النفس؛ لأنها غالبًا أداة الأخذ والإعطاء.
وقوله: ﴿وَاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم مِنْكُمْ﴾ يعني: لم يبلغوا زمنًا يحتلمون فيه غالبًا، أو ﴿لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُم﴾ يعني: العقول؛ أي: لم يبلغوا أن يكونوا في حد العقلاء، وعلى كل حال فالمراد بهم من دون البلوغ.
الشيخ: .. عليك في هذه الأوقات فلا يهمهم.
ولكن في هذا القيد نظر؛ لأنه ليس الغرض من ذلك دخولهم على النساء حتى نقول: إذا عرفوا أمر النساء، بل الغرض من هذه التوجيهات خوفًا من أن يدخلوا على الإنسان في حال لا يحب أن يطلع عليه فيها، يعني هذه الأحوال الثلاث عورات أي إنسان يدخل عليك ولو كان مما لا يعرف أمر النساء لا شك أنك تشمئز منه، وتنفر من هذا الدخول.
فالصحيح أن هذا القيد الذي ذكره المؤلف ليس بمراد، بل نقول: الذين لم يبلغوا الحلم؛ لأنهم إذا بلغوا الحلم فسيأتي إن شاء الله الحكم فيهم.
﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور ٥٨] أي: في ثلاثة أوقات، فَسَّرَها بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ [النور ٥٨]؛ لأن الإنسان قبل صلاة الفجر يكون غير متهيئ لأن يراه أحد ويدخل عليه أحد، قد يكون في ثياب النوم التي يكره أن يكون أحد يراه وهي عليه، وقد يكون ثياب أبلغ من ذلك، كثيابه مع أهله، وما أشبه هذا.
والثاني قال: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾ [النور ٥٨] أي: وقت الظهر، حين تضعون (...).
* * *
* طالب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور ٦٠].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم أن الله سجانه وتعالى أمر بطاعة الله ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وبَيَّنَ أن ذلك سبب لرحمة الله تبارك وتعالى.
نبدأ الآن في * الفوائد: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [النور ٥٥].
* أولًا: في هذه الآية حَثٌّ وترغيب على الإيمان والعمل الصالح.
* وثانيًا: أن فيها وعدًا لمن اتصفوا بهذين الوصفين أن يستخلفهم الله تعالى في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، يعني يجعلهم خلفاء لأهلها في إرثها من بعدهم.
* وفيها أيضًا: دليل على حسن التعليل؛ حيث إن الله سبحانه وتعالى ذكر الشواهد على وعده بالأمور الواقعة: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، فإن الله سبحانه وتعالى أراد بهذا المثال ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ تطمينَ هؤلاء الموعودين بذكر الأمر واقعًا فيمن قبلهم، فيكون في ذلك زيادة تشجيع لهم.
* وفي قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ دليل أيضًا على أن الأرض لله يُورِثُها مَن يشاء من عباده، فهو الذي يستخلف فيها الناس بدل غيرهم، وليس للناس في هذه الأرض ملك، الملك في الأرض لله يؤتيه من يشاء.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الإيمان والعمل الصالح سبب لتمكين الدين في الأرض، وأن المخالفة سبب لنزع الدين من الأرض؛ لقوله: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾، فيُفْهَم منه أنهم لو فَسَقُوا ولم يؤمنوا ولم يعملوا صالحًا ما مُكِّنَ لهم الدين الذي هو لهم، والذي ارتضاه الله تعالى لهم.
ففيه تحذير بالغ -هذه الفائدة الثانية ترجع على ما قبلها- من أيش؟ من المخالفة والقصور، وأن ذلك سبب لنزع الدين منهم، وهذا هو المضطَرِد في سنن الله سبحانه وتعالى، فإن النعم إذا لم تُشْكَر زالت، وأكبر نعمة يُنْعِم الله بها على عباده هي نعمة الدين، فإذا لم تُشْكَر فإنها تزول كغيرها من النعم.
* وفي هذا: دليل على كمال الدين الإسلامي، حيث قال: ﴿الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾، فهو الدين الذي ارتضاه لعباده، فهو أكمل الأديان على الإطلاق، ولذلك خُتِمَت به الرسالات.
* وفيه أيضًا: على أن الإيمان والعمل الصالح سبب لاستمرار الأمن، ولزوال الخوف؛ استمرار الأمن إذا كان هناك أمن سابق فهو يستمر، ولزوال الخوف إذا كان هناك خوف فإنه يزول؛ لقوله: ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الأمور الهامة ينبغي تأكيدها بأنواع المؤكِّدات، فإن هذا الوعد من الأمور الهامة؛ لما يترتب عليه من المصالح والمنافع في الدنيا والآخرة، ولهذا أَكَّدَه الله تعالى بالقسم واللام والنون: ﴿لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ﴾، ﴿وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾.
وأكَّده أيضا بمؤكِّد معنوي، ليس بأداة لفظية، وهو قوله: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، فإن المراد بأداة التشبيه -كما أسلفنا- أيش المراد به؟ تأكيد هذا الوعد بذكر شواهده، فيكون ذلك أيضًا تأكيد معنوي على تأكيد لفظي، فالأول اللي كان مؤكَّدًا باللام والنون والقسم هذه مؤكِّدات لفظية، لكن ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ فيها مؤكِّد معنوي، بذكر ما يُقَوِّي القلب ويثبته.
* وفيه أيضًا: دليل على أن الإيمان والعمل الصالح هو عبادة الله؛ لقوله: ﴿يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾، وعليه يكون تحقيق التوحيد من أسباب هذا الوعد الذي وعد الله به.
* وفيه: التهديد للكافرين؛ لقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، فإن هذا تهديد لمن كفر بعد هذا الوعد، أو بعد هذا الواقع، مَن كفر سواء كان وقع له ما ذُكِر من الاستخلاف في الأرض والأمن، أو لم يقع له ولكنه وُعِدَ به، فإن كفره بعد ذلك يجعله فاسقًا.
* وفيه أيضًا: دليل على عِظَم هذا الفسق الذي يحصل بعد هذا الوعد، أو بعد هذا الواقع، ووجه عِظَمِه أيش؟
* طالب: حَصْرُه.
* الشيخ: نعم، حصر الفسق في هذا، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، مع أنه يوجد أناس فاسقون غيرهم، لكن لعِظَم فسقهم حُصِرَ الفسق فيهم، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾.
أما الآية الثانية: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [النور ٥٦] فقد تكلمنا على فوائدها.
ثم إن الله قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى آخره، تقدم لنا فائدة تفسير الحكم بالنداء، وأنه دليل على العناية به؛ لأن النداء يقتضي التنبه والاستيقاظ، وتوجيهه إلى المؤمنين يدل على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان، وأن مخالفته من منافيات الإيمان.
وفيه أيضًا: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وَجَّهَ الخطاب لهم، ثم قال: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾، والحكم لغيرهم، إشارة إلى أنهم مسؤولون عن تنفيذ هذا الحكم لأولادهم الصغار ومماليكهم، وأن هذا الصغير والمملوك إذا خالف فإنما إثمه على مَن لم يقم بواجب التربية والتأديب.
﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾، فَصَّلَها بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾ إلى آخره، أظن تكلَّمنا على ده ولَّا لا؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ﴾ بالرفع خبر مبتدأ مقدَّر بعده مضاف، يعني هذا المبتدأ مضاف، وقام المضاف إليه مقامه، أي: هي أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ لكم، ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾.
مر علينا فيما سبق أن قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ يعني: ثلاثة أوقات، يستئذنكم في ثلاثة أوقات.
قال: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، تقدير الكلام: هي -أي هذه الثلاث- ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾.
يقول المؤلف: (إنها على حذف مضاف)، أي: هي أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ لكم؛ لأن هذه الأوقات ما هي العورات، اللهم إلا على سبيل التَّجَوُّز، بأن نقول: المراد بالعورة زمنها، ولهذا المؤلِّف قدَّرَ قَبْلَها مضافًا: هي أوقاتُ ثلاثِ عوراتٍ؛ لأن الوقت نفسه ليس بعورة، وعلى هذا فلا تكون هذه الأوقات هي العورات، وإنما تكون أوقات عورات، وليست عورات، ولهذا قال: هي أوقاتُ ثَلَاثِ عَوْرَاتٍ لَكُمْ.
والعورة في الأصل ما يُسْتَقْبَح شرعًا أو عرفًا، كل ما يُسْتَقْبَح ويُسْتَحْيَى منه شرعًا أو عُرْفًا فهي عورة، هذه الأوقات الثلاثة أوقات عورات، كيف كانت أوقات عورات؟
* طالب: الأوقات الثلاثة.
* الشيخ: إي، إنها أوقات عورات، كيف ذلك؟ ليش كونها أوقات عورات؟ أولًا: من قبل صلاة الفجر، كيف هذا يصير عورة؟
* الطالب: لكون الناس تخلع ثيابها.
* الشيخ: ويكون عليه ثياب أو لباس النوم التي قد يكره الإنسان أن يَطَّلِع عليها أحد، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة كذلك، فالإنسان في وقت القائلة يضع ثوبه وينام عريانًا، أو ينام على صفة لا يحب أن يطَّلِع عليه أحد، ومن بعد صلاة العشاء يكون متهيِّئًا للنوم، ولابس ثياب النوم، ولا يحب أن يطَّلِع عليه أحد، ولهذا قال: إنها ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، يعني: أوقاتُ ثَلَاثِ عورات لكم.
* طالب: هذا تقدير المؤلف؟
* الشيخ: إي نعم؛ لأنه مفهوم من المعنى، يقول: (وبالنصب ثلاثَ عورات، بتقدير أوقاتٍ منصوبًا بدلًا من محل ما قبله قام المضاف إليه مقامه، وهي لإلقاء الثياب فيها تبدو العورات).
يقول المؤلف: (فيها قراءتان: بالنصب؛ ثلاثَ عورات لكم) ويقال فيها ما سبق بأنها على تقدير مضاف، أي: أوقاتَ ثلاث عورات لكم، وهي منصوبة بدلًا مما قبلها، أين اللي قبلها؟ قوله: ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾؛ لأن (مرات) بمعنى (أوقات)، أوقاتَ ثلاثِ عورات لكم، ﴿ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ الأولى بمعنى ثلاثة أوقات، يصير: أوقاتَ ثلاثِ عورات بدلًا منها، وبدل المنصوب يكون منصوبًا.
والخلاصة: أن في قوله: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾ قراءتين؛ بالرفع على أنها خبر مبتدأ محذوف، وبالنصب على أنها بدل من قوله: ثلاث عورات لكم، ومع ذلك فهي نفسها ليست هي الأصل، لا في كونها خبر، ولا في كونها بدلًا، بل هي قائمة مقام مضاف، ويش تقدير هذا المضاف؟ تقدير هذا المضاف: أوقاتَ ثلاث عورات، أوقاتَ بالنصب، أو أوقاتُ بالرفع.
يقول المؤلف مجيبًا على سؤال مُقَدَّر: كيف كانت هذه الأوقاتُ أوقاتَ عورات؟ قال: (وهي لإلقاء الثياب فيها تبدو العورات).
يعني أنها سُمِّيَت هذه الأوقات أوقات عورة؛ لأنها إذا أُلْقِيَت الثياب فيها للنوم؛ إما للتهيؤ له، أو لكونه أثر النوم، كما قبل صلاة الفجر، فإنه تبدو فيها العورة، وكأن عادة الناس في ذلك الوقت أن الإنسان إذا نام يخلع ثيابه ويلتحف بلحاف وينام، وعلى هذا فالعورة في ذلك تبدو؛ لأن الإنسان ما عليه إلا لحاف وهو مُتَهَيِّئ للنوم.
أما عادة الناس اليوم فهل هي كذلك؟ يمكن يوجد بعض الناس، ما ندري، لكن الظاهر أن غالب الناس أنهم يلبسون ثوبًا، قميصًا، ثوبًا ساترًا، وكذلك أيضًا كانوا في الزمن السابق البيوت ما فيها حجاب ولا أستار، فإذا فاجأ العبدُ أو الصغيرُ صاحبَ المنزل في هذه الأوقات اطَّلَع على عورته.
أما الآن فالبيوت مُحَجَّبَة، والستور مُكَثَّفة، ولهذا لو دخل البيت ولم يستأذن فإن الحكم قد زال؛ لأن الحكم يدور مع علته، حيث قال الله تعالى: ﴿ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَكُمْ﴾، ولأجل ذلك اختلف أهل العلم في هذه الآية؛ فزعم بعضهم أنها منسوخة (...)، وذلك لأن الناس تركوا العمل بها من قديم.
وقال آخرون: بل هي مُحْكَمَة وباقية، ورُوِيَ عن ابن عباس رضي الله عنهما بسند صحيح «أن هذه الآية مُحْكَمَة، لكن في حال دون حال»[[أخرجه معمر في الجامع (١٠ / ٣٧٩) (١٩٤١٩)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨ / ٢٦٣٢) (١٤٧٨٩).]]، وأنه لما كانت البيوت فيما سبق غير مُحَجَّبَة، والستور غير موجودة، والناس في حاجة في الحقيقة، الإنسان ما عنده إلا ثوب، ما يلبسه في النوم، يخلعه ويلتحف باللحاف، لأجل أن يوفر على نفسه غسله بعد الاتساخ.
يقول: فأما الآن وقد كانت البيوت مُحَجَّبَة والستور كثيرة، فإن الحكم قد زال، وعلى هذا فالحكم يدور مع عِلَّتِه.
وعندنا أن الحكم باقٍ حتى وإن كانت البيوت مُحَجَّبَة؛ لأننا نقول: الإنسان عادة إذا أراد أن ينام فإنما ينام في مكان خاص، فإذا أراد أحد من هؤلاء المماليك والصغار أن يستأذن عليه في محل النوم الخاص فإن الحكم باق، وماذا تغني الأبواب إذا بغى إنسان يفتح عليه غرفة النوم يفتح الباب على طول، فهذا أشد، فالحكم باقٍ في الحقيقة.
نعم الاستئذان لدخول البيت عمومًا صحيح أنه قد زال؛ لأن الناس ما كانوا في الزمن السابق، كان في الزمن السابق الحجرة هي حجرة النوم وحجرة الأكل وحجرة الجلوس، وكل شيء.
لكن بعد أن وَسَّعَ الله على المسلمين تَوَسَّعت المباني، فصار النوم له غرفة خاصة، والجلوس له غرفة خاصة، وما أشبه ذلك، فنقول: الحكم باقٍ، لكنه بالنسبة لأي شيء؟ للغرف الْمُعَدَّة للنوم، فإن هؤلاء لا يدخلون حتى يستأذنوا في هذه الأوقات الثلاثة.
أما لو دخل الإنسان الغرفة التي ينام فيها في غير هذه الأوقات الثلاثة، فالأصل أنه ما دخل للنوم، فالاستئذان عليه ليس بلازم، إلا إذا عُلِمَ أن هذه الغرفة أيضًا محل لخلع الثياب ولبسها، فإنه إذا دخل غرفته فلا بد أن يستأذن؛ لأنه يُخْشَى أن يكون قد خلع ثوبه ليلبس الثوب الآخر، فتدخل عليه على وجه تبدو فيه العورة، أظن الأمر واضحًا.
صار هذه الآية تخصيصها بهذه الثلاث بَيَّنَ الله الحكمة من ذلك، ويش هي؟ الحكمة في الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة؛ لأنها أوقات عورة، تُلْقَى فيها الثياب غالبًا للنوم، إما للتهيؤ له، أو بعده، أو من أجل حر، كما في قوله: ﴿مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾.
ثم نقول: هل الآية هذه مُحْكَمَة وباقٍ حكمها أو منسوخة؟
الجواب: اختلف فيها المفسِّرون؛ منهم من قال: إنها منسوخة، وليس له دليل سوى الواقع؛ وهو تَغَيُّر الناس، وعدم استئذانهم، فظَنُّوا أنها نُسِخَت.
وقال آخرون: بل هي مُحْكَمَة وباقية.
وقال آخرون: إنها مُحْكَمَة، ولكن ترك الناس العمل بها من أجل تغير الحال. وهذا هو الذي صَحَّ عن ابن عباس[[أخرجه معمر في الجامع (١٠ / ٣٧٩) (١٩٤١٩)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨ / ٢٦٣٢) (١٤٧٨٩).]] رضي الله عنهما.
كيف من أجل تغير الحال؟ لأن في الزمن السابق كانت البيوت غير مُحَجَّبة، وليس للإنسان غرفة خاصة للنوم، فكان هؤلاء الأطفال، وهؤلاء المماليك، إذا دَهَمُوا الناس وفتحوا الباب بدون استئذان، قد يدخلون وهم على عورة، قد يكون الإنسان مع امرأته، فأُمِرُوا بالاستئذان.
أما بعد أن وَسَّع الله الأمر وصارت البيوت مُحَجَّبة، وصار النوم له غرف خاصة، فإننا نقول: لا بأس من دخول المنزل عامة في هذه الأوقات بدون أيش؟
* طلبة: استئذان.
* الشيخ: بدون استئذان، ليش؟ لأن العلة التي أمر الله بالاستئذان من أجلها زالت، لكن حُكْمُ دخول غرفة النوم في هذه الأوقات الثلاثة باقٍ ولَّا لا؟
* طلبة: باق.
* الشيخ: باق، فلا يجوز دخوله لهؤلاء الأطفال والمماليك إلا بعد استئذان؛ لئلا يدخلوا والإنسان على حال لا يحب أن يطلع عليه فيها أحد.
* طالب: كشف العورة في هذه الأوقات، هل فيه (...) عورته في الحجرة؟
* الشيخ: إي نعم، هذا لا بأس به، يعني لا بأس أن تبدو عورته عند خلع الثوب، أو عند إرادة النوم والتلحُّف بلحاف، ما فيه بأس.
* الطالب: موقف الاستمرار.
* الشيخ: ما له حاجة في الاستمرار، حتى لو كان الحر ويخلع الإنسان ثيابه فلا بد أن يلتحف، هذا خير له.
* طالب: يا شيخ، تعليل العلماء تحريم البقاء في الحمام لأن تنكشف عورته، الموقف ما هو؟
* الشيخ: لا، الصحيح ما هذه العلة، الصحيح أن العلة أنه مكان خبيث ومأوى الشياطين، فلا ينبغي للإنسان أن يمكث فيه إلا بقدر الحاجة، ثم إن هناك أسبابًا أيضًا ثانية طبية، وهو الضرر؛ لأن هذا من أكبر ما يُحْدِث البواسير، البقاء على الحاجة بدون حاجة يُحْدِث البواسير، كما هو معروف عند الأطباء وعند الفقهاء أيضًا، الآن فهمنا حكم هذه المسألة.
* * *
قال الله تعالى: (﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ [النور ٥٨]، أي: المماليك والصبيان ﴿جُنَاحٌ﴾ في الدخول بغير استئذان، ﴿بَعْدَهُنَّ﴾، أي: بعد الأوقات الثلاثة).
يقول الله عز وجل: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، يعني: في الدخول عليكم بدون استئذان.
الْجُنَاح بمعنى الإثم، وقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ﴾ ﴿جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، واضح في نفي الْجُنَاح عن الذين آمنوا؛ لأنهم مُكَلَّفُون، فهم ممن يُوصَفُون بالإثم وعدمه.
وقوله: ﴿وَلَا عَلَيْهِمْ﴾ بالنسبة للماليك ظاهر أنهم يأثمون بما يخالفون به الشرع، أو لا؟
المرة الثانية: (...) ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، منطوق الآية أن الدخول بدون استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة ليس فيه إثم؛ لا على الأولياء، ولا على الصغار والمماليك، ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ﴾، مفهوم الآية الكريمة أن دخولهم في هذه الأوقات بدون استئذان..
* طالب: فيه جُنَاح.
* الشيخ: فيه جُنَاح عليكم وعليهم، كذا؟ منطوق الآية ما هو؟ نفي الجناح على الأولياء وعلى المماليك والصغار في الدخول بغير استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة، وهذا واضح ما هو إشكال، ومفهومها ثبوت الْجُنَاح في الدخول بغير استئذان في هذه الأوقات الثلاثة، الْجُنَاح على مَن؟
* طلبة: على الأولياء.
* الشيخ: على الأولياء، والصغار، والمماليك، إذا دخلوا بغير استئذان في هذه الأوقات الثلاثة، أما ثبوت الْجُنَاح على الأولياء إذا دخل هؤلاء بغير استئذان، فالأمر فيه ظاهر، أيش وجهه؟ أنهم ما دخلوا بغير استئذان إلا لأن هؤلاء قَصَّرُوا في واجب التربية والتأديب، ومَن قَصَّر في واجب ترَتَّب عليه ما يترتب على تركه، هذا بالنسبة للأولياء.
بالنسبة للماليك عليهم إثم، عليهم جُنَاح؛ لأنهم تركوا الواجب وهم مُكَلَّفُون بالِغُون عاقلون.
بالنسبة للصغار هذا هو الْمُشْكِل، على وين مُشْكِل؟ فإن الصغار لا إثم عليهم، فكيف يصح أن ينفي الإثم مع أنه لا إثم عليهم؟
* طالب: من الأصل ما عليهم.
* الشيخ: إي، دا الفارق، من الأصل ما عليهم إثم، لكن الآية قلنا مفهومة.
* طالب: بالنفي.
* الشيخ: بالنسبة للمفهوم، خَلِّي النفي، قد نقول: الأصل ما عليهم إثم، لكن بالنسبة للمفهوم الذي يقتضي إثبات الْجُناح فيما إذا دخلوا في هذه الأوقات الثلاث بدون استئذان، أو لا؟ إن هذا هو الإشكال، كونهم لا إثم عليهم إذا دخلوا في غير هذه الأوقات الثلاث بغير استئذان هذا واضح، نقول: الأصل النفي، وهذا نفي، لكن الآن الإشكال يا جماعة في دلالة المفهوم ولَّا في دلالة المنطوق؟
* طلبة: في دلالة المفهوم.
* الشيخ: في دلالة المفهوم؛ فإن دلالة المفهوم تدل على أنه يثبت الْجُناح لهؤلاء الصغار إذا دخلوا في هذه الأوقات بغير استئذان، وهذا وجه الإشكال، ويش وجه الإشكال؟ كيف يثبت الإثم على مَن لم يُكَلَّفُوا؟
فالجواب على هذا أن يقال: دلالة المفهوم لا يُشْتَرَط فيها العموم، وإنما تصح وتصدق بالدلالة على فرد من أفراده، ولهذا يقولون: المفهوم لا عموم له، فصار الجواب الآن أن نقول عليكم الدور.
* طالب: نقول: إن المفهوم لا عموم له.
* الشيخ: إي، دلالة المفهوم لا يُشْتَرَط لها العموم، فتصدق بصورة واحدة، أو بفرد واحد، وهنا كم صدقت بكم صورة؟
* طلبة: بصورتين
* الشيخ: بصورتين من ثلاث، فنقول: دلالة المفهوم لا يُشْتَرَط فيها العموم، وإنما تصدق بصورة واحدة من مئة صورة أو من ألف، فكيف وقد صدقت الآن بصورتين من ثلاث، والصورة الثالثة لولا الأدلة على خروجها ما خرجت أيضًا، الأدلة على خروجها عمومات الأدلة على أن الصغير غير مُكَلَّف، وأنه لا إثم عليه.
* طالب: شيخ، لكن الأصل فيها كغيرها؛ العموم ما لم يرد تخصيص.
* الشيخ: نعم، لكنه ما يُشْتَرَط، يعني نقول: إن المفهوم لا عموم له، بمعنى أنه يصدق بصورة واحدة، فيكون المفهوم على حسب الأدلة.
* طالب: قاعدة مضطردة؟
* الشيخ: قاعدة مضطردة عندهم، نعم، المفهوم يكون على حسب الأدلة، إن كان أدلة على العموم، وإلَّا يصدق بصورة واحدة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences