Ibn 'UthayminAn‑Nur · 24:54–59

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

An-Nur 24:54–59, continued

* * *

يقول: (﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ للخدمة، ﴿بَعْضكُمْ﴾ طائف ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾.)

﴿طَوَّافُونَ﴾ خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: هم طوَّافون، والجملة هذه تعليل لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، لماذا ليس عليهم جناح؟ لأنهم طوافون عليهم، يعني: مترَدِّدون، الطوَّاف بمعنى المتردِّد، ومنه الطائف بالبيت؛ لأنه يتردد عليه، ومنه قول النبي ﷺ في الْهِرَّة: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي في المجتبى (٦٨، ٣٤٠)، وابن ماجه (٧٦٣) من حديث أبي قتادة الأنصاري.]]، أي: من المترددين عليكم، ومنه قول الناس للمساكين؟

* طالب: طوَّافون.

* الشيخ: طوَّافون؛ لأنهم يترددون على الناس يسألونهم، فعلى هذا تكون الجملة ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ تعليلًا لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، لماذا لم يكن علينا ولا عليهم جناح بعدهن؟ لأنهم طوَّافون متردِّدُون، فلو أُلْزِمُوا بأن يستأذنوا كلما دخلوا لكان في ذلك مشقة عليهم، وعلى أهل البيت أيضًا؛ لأن أهل البيت قد يكونون منشغلين، ولا يسمعون المستأْذِن، وقد يثقل عليهم الرد عليه؛ لأنهم منشغلون، فيكون في ذلك مشقة على مَن؟ على المستأذِن وصاحب البيت.

لو ألزمنا الصبي الذي له ست سنوات، أو عشر سنوات، كلما طلع من البيت ودخل: لا تدخل إلا مطارقًا ومستأذنًا، وكذلك المملوك، فيه مشقة ولَّا لا؟ فيه مشقة كبيرة عليه وعلى أهل البيت، لهذا انتفى الحرج؛ لوجود المشقة، وسيأتي إن شاء الله ذكر ذلك أيضًا في الفوائد.

وقوله ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾، قَدَّرَه المؤلف بقوله: (طائف على بعض)، وعلى هذا فالجملة الثانية ﴿بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ تأكيد للجملة الأولى التي هي ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾، فبعضكم يطوف على بعض ويتردد على بعض، فكوننا نُلْزِم بالاستئذان كلما دخل هذا الصبي، أو كلما دخل هذا المملوك، مع أنه دائمًا في خدمة أهل البيت؛ يأتي لهم بالحوائج وغير ذلك، يكون فيه مشقة.

قال: (والجملة مؤكِّدة لما قبلها -وهو قوله: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ﴾ - ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: كما بُيِّنَ ما ذُكِر، ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ ، أي: الأحكام، ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ﴾ بأمور خلقه، ﴿حَكِيمٌ﴾ بما دَبَّرَه لهم).

﴿كَذَلِكَ﴾، تقع هذه الجملة أو هذا التركيب في القرآن كثيرًا، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ﴾، ﴿كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ﴾ [الروم ٥٥]، وما أشبهها.

وإعرابها أن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي في محل نصب على المفعولية المطلَقة، أي: مثل ذلك التبيين يُبَيِّن الله لكم، كلما جاءك هذا التعبير نقول: الكاف اسم بمعنى (مثل) منصوب أيش عليه؟

* طالب: (...).

* الشيخ: على المفعولية المطلَقة، وإن شئت فقل: على أنه مفعول مُطْلَق، العامل فيه ما بعده، وتقدير الكلام هنا: ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك البيان ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.

وقوله: ﴿يُبَيِّنُ﴾ أي: يُوَضِّح ويُظْهِر.

وقوله: ﴿الْآيَاتِ﴾ يقول المؤلف: (أي: الأحكام)، ولو فُسِّرَت بما هو أعم لكان أولى؛ لأن الله يُبَيِّن الآيات الكونية والشرعية، لكن كأن المؤلف خَصَّها بالأحكام؛ لأن السياق في الأحكام هنا، ليس في الآيات الكونية، ولكن الأخذ بالعموم أولى.

وقوله: (الأحكام)، كيف كانت الأحكام آيات لله؟

* طالب: (...).

* الشيخ: ما يخالف، الآيات المهم إنهم ينتفعون بها، لكنها تدل على الله.

* طالب: الحكمة في هذا يدل على الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: إي نعم لأن هذه الأحكام إذا تأمَّلها الإنسان وجدها في غاية الإتقان، ووجدها في غاية المناسبة للخلق، في جلب المصالح لهم، ودفع المضارِّ عنهم.

لله المثل الأعلى، لو أن رجلًا كتب له نظامًا، المادة الأولى، المادة الثانية، إلى آخره، وتدبرنا هذا النظام، وإذا هو نظام مُحْكَم مُتْقَن موفٍّ للمصالح ومناسب، ماذا نقول عن هذا الكاتب؟ نقول: إنه حكيم، ونعجب بحكمته، ويدل ذلك على ذكائه وفطنته.

فكيف بأحكام الله سبحانه وتعالى التي لا يمكن أن تتغير، ولا أن تتناقض، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء ٨٢]، فمن تَدَبَّر أحكام الله سبحانه وتعالى في خلقه تَبَيَّن له أنها من لدن حكيم خبير، ولهذا قال: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.

وفي وصف الأحكام بالآيات إرشاد للخلق إلى تأمُّل هذه الأحكام؛ ليستدلوا بها على مُشَرِّعها، لا تظن إذا قال لك الأحكام الشرعية آيات من آيات الله المهم أنك تأتي وتقول: ما شاء الله، إنها آيات، وتؤمن بأنها آيات، لا، يجب أن تبحث وتتأمل، (...) يتبين لك كيف كانت آية من آيات الله عز وجل؛ لتستدل بها على مُشَرِّعها، على حكمته، وعلمه، ورحمته.

وهكذا أيضًا في الآيات الكونية ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ [فصلت ٣٧]، ما يكفي أن تقول: الليل من آيات الله، والنهار من آيات الله، والشمس من آيات الله، والقمر من آيات الله، ما يكفي هذا، إنما يقال لك: إنها من آيات الله، ويش السبب؟ ترغيبًا للبحث عن وجه كونها من آيات الله؛ لتستدل بها عن اقتناع على خالقها إن كانت كونية، وعلى مُشَرِّعِها إن كانت شرعية.

وقوله ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ إشارة إلى أن هذه الأحكام صادرة عن علم وعن حكمة، وإذا صَدَر الحكم عن علم وحكمة صار مطابِقًا للحق؛ لأن مخالفة الحق في الأحكام مرجعها أحد أمرين؛ إما الجهل، وإما السفه، الجهل منافٍ لأيش؟

* طالب: للعلم.

* الشيخ: منافٍ للعلم، أو السفه المنافي للحكمة، فقد يكون الْمُشَرِّع جاهلًا فلا يشرع أحكامًا مناسبة؛ لأنه جاهل، وقد يكون سفيهًا يعلم الأحكام ويعلم مصلحتها، ولكن لا يريدها، فيكون سفيهًا، فالله جل وعلا مُتَّصِفٌ بالعلم والحكمة اللَّتَيْن بهما أيش؟ تكون الأحكام مناسِبة للمصالح، وباختلاف واحد منهما يختل من الأحكام بحسبه، والله أعلم.

* طالب: (...).

* الشيخ: (...) نعم، يستأذنون دائمًا، لكن هذا فيما يبدو -والله أعلم- فيمن ليس من أهل البيت، أما صاحب البيت فلا يستأذن، هذا الظاهر، وسيأتي إن شاء الله؛ لأن المؤلف معلق كلام ..

* طالب: اللام.

* الشيخ: إي، لام الأمر للوجوب.

* * *

* طالب: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ آبَائِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَعْمَامِكُمْ أَوْ بُيُوتِ عَمَّاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ أَوْ بُيُوتِ خَالَاتِكُمْ أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [النور ٦١].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تقدم أن الله سبحانه وتعالى بَيَّن، بل أوجب أن يستأذن الصغار والمماليك في ثلاث ساعات؛ الأولى: من قبل صلاة الفجر، والثانية: حين تضعون ثيابكم من الظهيرة، والثالثة: من بعد صلاة العشاء.

وبَيَّنَ الله سبحانه وتعالى الحكمة في ذلك بأن هذه الأوقات الثلاثة..؟

* طالب: عورات.

* الشيخ: عورات للإنسان، فربما يدخل الشخص عليه بدون استئذان، فيجده على عورته، أي: على ما يُسْتَقْبح أن يُرَى ويُسْتَهْجَن، وأظن أننا ما تكلمنا على الفوائد.

* طالب: لا.

* الشيخ: وسبق أيضًا أنه ليس عليهم ولا على أوليائهم جُنَاح بعد هذه الثلاث في أن يدخلوا بدون استئذان، وبَيَّنَ الله الحكمة من ذلك أيضًا بأنهم..؟

* طالب: ﴿طَوَّافُونَ﴾.

* الشيخ: طوَّافون علينا، بعضنا على بعض طواف متردد، وإيجاب الاستئذان في كل ما ترددوا فيه حرج ومشقة.

* نبدأ الآن بالفوائد:

* أولًا: توجيه الخطاب للمؤمنين والحكم لغيرهم يدل على أنهم..؟

* طالب: مسؤولون.

* الشيخ: مسؤولون عنهم.

* ثانيًا: وجوب استئذان هذين الصنفين من الناس الصغار والمماليك في ثلاثة أوقات فقط وهي المذكورة، وأما مَن سواهم فيجب عليهم الاستئذان دائمًا.

* طالب: الصغير يدخل على بيت غير بيته.

* الشيخ: إي نعم، فظاهر الآية أنه لا يجب عليه استئذان؛ لأنه صغير ولا يهتم بالأمور.

* طالب: (...) طوَّافون عليكم.

* الشيخ: إي نعم، وفيه دليل على تعليل الأحكام، وأرجو أن لا أحد يسأل ما دمنا نستنبط؛ لأنه قد يكون في ذهني شيء، ثم هذا السؤال يحول بيني وبينكم؛ لأن محل السؤال والمناقشة بعد الدرس.

* الفائدة الثالثة: تعليل الأحكام، بمعنى أن أحكام الله سبحانه وتعالى كلها مبنية على الحِكَم، وجه ذلك في الآية أن الله عَلَّل الحكم الأول والحكم الثاني؛ الحكم الأول: وجوب الاستئذان في ثلاثة أوقات بأنها..؟

* طالب: عورات.

* الشيخ: عورات، والحكم الثاني: عدم الاستئذان فيما عداها بأنهم طَوَّافون عليكم.

* الفائدة الرابعة: تحريم النظر إلى العورات، ما وجهه؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: أنه إذا وجب الاستئذان في هذه الأوقات الثلاثة خوفًا من أن يفاجئهم على عورة، فمن تعمد النظر إلى عورة فهو أولى، إذن فيستفاد منه تحريم النظر إلى العورة، سواء كان الناظر صغيرًا أو كبيرًا، وأما تهاون بعض الناس في نظر الصغير إلى العورة فهذا خطأ، بعض الناس إذا صار الصغير تَوُّه ست سنين، سبع سنين، ما يهمه أن ينظر إلى عورته، وذلك لا يجوز؛ لأنه لا بد أن يرتسم في ذهنه هذا المنظر، ثم ربما يذكره في يوم من الأيام.

الحاصل أن هذا فيه دليل على تحريم النظر إلى العورة من الصغير والكبير، ولكن ترى المراد بالصغير الذي يميز؛ لأن قوله: ﴿لِيَسْتَأْذِنْكُمُ﴾ دليل على أنه مُمَيِّز، يُؤْمَر بالاستئذان فيستأذن، أما الصغير وغير الْمُمَيِّز فهذا ليس له.. ما يدري عن شيء.

* الفائدة الخامسة: رفع الحرج والمشقة على الناس، من أين نأحذه؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: إي نعم، من رفع الحرج في عدم الاستئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة بأنهم طوَّافون عليهم مترددون، والاستئذان فيه مشقة.

* الفائدة السادسة: أن الولي آثِمٌ لما ارتكبه مَوْلِيُّه من معصية أو مخالفة، إذا كان قد فرَّط في تربيته وتأديبه؛ لقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾.

* الفائدة السابعة: طهارة بدن الطفل، وإن غلب على الظن أنه نجس، من أين نأخذه؟

* طالب: ﴿طَوَّافُونَ﴾.

* الشيخ: كيف؟

* الطالب: عدم الاحتراز.

* الشيخ: إي، ما يخالف، عدم الاحتراز بالنسبة للاستئذان.

* طالب: قول النبي ﷺ لما سُئِلَ عن الهرة قال: «إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ»[[أخرجه أبو داود (٧٥)، والترمذي (٩٢)، والنسائي في المجتبى (٦٨، ٣٤٠)، وابن ماجه (٧٦٣) من حديث أبي قتادة الأنصاري.]].

* الشيخ: «إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ»، وعلَّل ذلك بأنها من الطوافين، وهؤلاء من الطوافين، فربما يؤخَذ من هذا طهارة بدن الطفل، وأنه طاهر ما لم يتيقن النجاسة، فإذا تيقن النجاسة هذا شيء ثانٍ.

* والفائدة الثامنة في هذه الآية: منة الله تعالى على العباد ببيان الآيات الكونية والشرعية، حتى لا يبقى للناس على الله حجة بعد هذا البيان، ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ﴾.

* الفائدة التاسعة: أنه لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل تشريع الله عز وجل ونظامه، من أين تؤخذ؟

* طالب: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.

* الشيخ: لا، غير هذا، من كونه جعل ذلك من الآيات، وآيات الله معناها أنها لا تصلح لغيره؛ إذ لو صلحت لغيره لم تكن آية له، فهذا يدل على أن شرع الله لا يمكن أن يأتي أحد بمثله، وإلا ما صح أن يكون آية، لكان غير آية.

* وفيه أيضًا: دليل على ثبوت ملك اليمين للآدميين، وأن الإسلام جاء بالرق؛ لقوله؟ ﴿الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾.

ولكن كما هو معروف أن الإسلام حمى حقوق هؤلاء المماليك، ورَغَّبَ في تحريرهم وعتقهم، وجعل للعتق أسبابًا متعدِّدة.

* الفائدة الحادية عشرة: جواز وضع الثوب عند النوم، ويلتحف الإنسان بلحاف؛ لقوله: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾، قَيَّدَ الظهيرة بقوله: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾، وفي الأول ما قيدها، قال: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ﴾، وكذلك فيما بعد: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾، ولم يقل: حين تضعون ثيابكم من الفجر أو من العشاء.

* طالب: لأنه ليس كل الناس يفعلون هذا، بخلاف النوم يعني من بعد العشاء، أو تضع الثياب من الحر.

* طالب آخر: يعني السهر، أولًا: فيه ناس أعمالهم تضطرهم، فلا يفعلون هذا الشيء، ينامون في أماكن أعمالهم.

* الشيخ: ما يضعون ثيابهم، يعني ينامون بدون وضع ثياب.

* طالب: لا، ما ينامون أصلًا.

* الشيخ: إي، هذه واحدة، والشيء الثاني؟

* طالب: يعني الوقت (...).

* الشيخ: وفي الليل، ما له ثياب إلا النوم؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: (...) لكن ما هم يضعون ثيابهم الناس عند النوم؟

* الطالب: في الأغلب.

* الشيخ: لا، هو الظاهر إنه ما كل الناس يكون ما عند الظهر عورة لهم، إنما يكون عورة لمن يضع ثوبه لينام عند الظهيرة.

وبعضهم قال: لأن نومة الظهر ليست طويلة، فبعض الناس ما يخلع ثيابه، ولهذا قيَّدها بقوله: ﴿حِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ مِنَ الظَّهِيرَةِ﴾، بخلاف نوم الليل؛ فإن الناس يخلعون ثيابهم؛ لأن مدته تطول.

* طالب: ما نحتاج لوضع الثوب بالنهار بعد الظهر فمن باب أولى.

* الشيخ: لا، ما نحن الآن نسأل عن شواذ وضع الثوب، نسأل: ما الحكمة في تقييد الظهر بقوله: ﴿وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُمْ﴾، ولم يقيِّده بالليل ولا ما بالليل، هذا ما هو بسؤالنا هل يجوز ولَّا ما يجوز، لا، الجواب: جائز.

* الفائدة الثانية عشرة: فيه دليل على عناية الله سبحانه وتعالى بالخلق، وأنهم وإن رَضُوا بما يُسْتَقْبَح فلن يرضى الله به.

فقد يقول قائل: أنا ما يهمني إذا دخل عليَّ طفلي في هذه الأوقات الثلاثة.

فنقول له: ولكن الله سبحانه وتعالى قد اعتنى بك، ومنع من الدخول عليك في هذه الأوقات الثلاثة.

* الثالثة عشرة: وهي جواز الدخول بدون استئذان في غير هذه الأوقات الثلاثة، ذكرناها؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: فيه بحث هل هذه الآية مُحْكَمَة أو منسوخة، أو تُرِكَ العمل بها لزوال الحاجة إليها، إيش قلنا أمس؟

* طالب: قلنا: قال بعض العلماء: إن هذه الآيات منسوخة، بدليل أنه تُرِكَ العمل بها، وثبت عن ابن عباس أنه قال: «هي مُحْكَمَة، ولكن في حال دون حال»[[أخرجه معمر في الجامع (١٠ / ٣٧٩) (١٩٤١٩)، وابن أبي حاتم في التفسير (٨ / ٢٦٣٢) (١٤٧٨٩).]].

وقال بعض العلماء: أنه في السابق كانت البيوت يعني ليس بها أستار ولا حجب، ثم وُجِدَت الأستار والحجب فبطل.

ولكن الصحيح أنه قال: إنه لما كانت البيوت فيها أستار وحجب، يقال: هذا (...) حجرة خاصة بالنوم. فيقال: هذا الحكم ما فيه (...) خاصة.

* الشيخ: إذن الآية مُحْكَمَة، ويجب أن نعرف أنه ما يجوز أن نقول عن آية أو حديث: إنه منسوخ، إلا بعد أيش؟

* طالب: بعد تعذر.

* الشيخ: أن يتعذر الجمع بينه وبين ما ادُّعِيَ أنه ناسخه، وأن يُعْلَم..

* الطالب: تأخر الناسخ.

* الشيخ: التاريخ بتأخر الناسخ، وإلا إذا كان إنك ما تستطيع أن تجمع فَكِلِ العلمَ إلى الله، أما أن تدعي النسخ! لأن معنى النسخ إبطال هذ النص، وإبطال النص صعب، ولذلك يجب على الإنسان أن يتورَّع عن إطلاق النسخ فيما لم يثبت نسخُه، ثم إن ترك العمل بها لا يدل على أنها منسوخة في الحقيقة؛ لأن كم من أشياء مُحْكَمَة وترك الناس العمل بها، فترْك الناس للعمل بها إما تهاونًا، وإما لزوال السبب الموجِب للاستئذان.

* الفائدة الخامسة عشرة: وفي الآية أيضًا إثبات العلم والحكمة لله من هذين الاسمين ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، والحكمة سبق لنا أنها وضع الأشياء في مواضعها، بل سبق لنا أن الحكيم ليس معناها ذو الحكمة، فقط، بل معناه ذو الحُكم والحكمة.

* طالب: (...) يا شيخ القاعدة أن المشقة تجلب التيسير.

* الشيخ: إي نعم، فيها أن المشقة تجلب التيسير، نشوف كلام المؤلف؛ لأن له تعليقًا في هذه الآية.

* * *

قال: (وآية الاستئذان قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تهاوَنَ الناس في ترك الاستئذان).

هذان القولان اللذان أشرنا إليهما، والصحيح: أن الآية مُحْكَمَة وباقية، وأن ترْك الاستئذان إما للتهاون، وإما لزوال السبب الموجِب للاستئذان، وأما أن نقول: إن الأحكام الشرعية تُنْسَخ بترك الناس العملَ بها، فهذا لا وجه له.

* طالب: شيخ، يقول بعض الناس: في ترك ..

* الشيخ: في ترك الاستئذان.

* طالب: ما قال: تهاون في الاستئذان.

* الشيخ: لا، في تركه، (تهاون الناس في تركه)، يعني: فتركوه، أنت قصدك أن الذي ينبغي أن يقول في فعله: تهاونوا به، هذا لا يقال: بفعله، بتركه، ويصلح أيضًا تهاون الناس، بماذا تهاونوا، أو ما سبب تهاونهم؟ يكون: ترك الاستئذان.

* طالب: (...).

* الشيخ: إي نعم، من المعصية، هذه مخالفة، إذا قصَّر، قَيَّدْنَاها، إذا قَصَّر في تربيته وتأديبه، أما إذا لم يُقَصِّر فلا.

* الطالب: إذا كان بالغًا؟

* الشيخ: لا، إذا كان بالغًا فقد استقلَّ بنفسه، لكن يبقى إذا بلغ يصير مثل غيره، إذا قدر على تغيير المنكر الذي ارتكبه وجب عليه.

كنا أيضًا بحثنا أمس في مسألة قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾، وقلنا: للآية منطوق ومفهوم؛ منطوقها لا إشكال فيه، وهو نفي الْجُناح؛ لأنه (...) الجناح.

لكن مفهومها أنه عليهم جُناح في هذه الأوقات الثلاثة؛ على الأولياء وعلى الصغار، وهذا فيه إشكال؛ لأن الصغار ليسوا مُكَلَّفِين حتى يكون عليهم جُناح بالمعصية.

* طالب: قلنا: إن المفهوم (...)، وأن المنطوق يصدق بأحد الأفراد.

* الشيخ: إي نعم، نقول: المفهوم ليس له عموم، فيصدق بوجود صورة من العموم، ولو صورة واحدة.

* * *

ثم قال: (﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ أيها الأحرار ﴿الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: الأحرار الكبار).

إذا بلغوا الحلم يقول المؤلف: (﴿مِنْكُمُ﴾ أيها الأحرار)، وذلك لأن المماليك -كما سبق- لا يستأذنون إلا في الأوقات الثلاثة، سواء كانوا كبارًا أو صغارًا، ولهذا قَيَّدَها المؤلف بالأحرار لمفهوم الآية الأولى.

وقوله: (بلغوا الحلُم) هو كناية عن البلوغ بالإنزال، والحلُم بمعنى: الاحتلام، أو بمعنى: العقل؛ وذلك لكمال عقولهم، لكن الأول أولى؛ لأنه ما يشترط في هذا كمال العقل، وكمال العقل يحصل بكمال أربعين سنة.

وقوله إذا بلغوا الحلم: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾، لم يذكر الله سبحانه وتعالى سوى بلوغ الحلم.

والمعروف أن هناك شيئين آخَرين يحصل بهما البلوغ، هما: تمام خمس عشرة سنة، وإنبات شعر العانة. لكن هذان أمران فيهما خلاف بين العلماء.

فمنهم من يرى أنه لا بلوغ إلا بالإنزال، وأن تمام خمس عشرة سنة ليس علامة على البلوغ، بل علامة على قُدرة الإنسان على الجهاد؛ لأن الذين أخذوا بها إنما أخذوا بحديث ابن عمر -رضي الله عنه- «حينما عُرِضَ على النبي ﷺ عام أُحُد فلم يُجِزْه، وعُرِضَ عليه عام الخندق فأجازه»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨ / ٩١) من حديث ابن عمر.]]، وكان له عام الخندق خمس عشرة سنة، لكن في رواية للحاكم أنه قال: «فلم يُجِزْنِي، ولم يَرَنِي بَلَغْت»[[أخرجه ابن حبان (٤٧٢٨)، والدارقطني (٤٢٠٢) من حديث ابن عمر، ولم نقف عليه بهذا اللفظ عند الحاكم، وهو متفق عليه بغير ذكر البلوغ.]]، والثانية: «فأجازني ورآني بَلَغْت»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨ / ٩١) بلفظ: فَأَجَازَنِي، دون ذكر البلوغ.]].

لكن كلمة: بَلَغْت، هل معناها: بَلَغْت سن التكليف، أو بَلَغْت الحالة التي يمكنني فيها أن أُجَاهِد؟

فيه احتمال، لكن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي الله «كتب إلى عُمَّالِه أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة، ورآهم قد بلغوا، وقال: إذا كان هذا السن حَدًّا لصلاحهم للقتال فهو حَدٌّ لبلوغهم»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨ / ٩١) من حديث ابن عمر.]].

ويرى بعض العلماء -كأبي حنيفة- أن حد البلوغ ثماني عشرة سنة، لا خمس عشرة سنة، وهذا هو الذي مشى عليه نظام العمل والعُمَّال هنا؛ لأن الذي واضعه فيما يظهر إنسان أجنبي، ما يعرف إلا المذهب المعروف في الشارع عند عامة المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة الذي يُقَيِّدُه بثماني عشرة سنة، إنما مذاهب الأئمة الثلاثة أن البلوغ يحصل بخمس عشرة سنة.

أما إنبات العانة فنفس الشيء أيضًا؛ فيه الخلاف، والذين قالوا: إنه ليس علامة على البلوغ، قالوا: إن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يكشف عن مؤتزَر بني قريظة؛ فمن أَنْبَت قَتَلَه، ليس ذلك دليلًا على أنه مُكَلَّف، بل هو دليل على أنه من أهل القتال، فيقتله النبي عليه الصلاة والسلام.

لكن المشهور من المذهب ما هو معروف لديكم من أن البلوغ يحصل بواحد من ثلاثة أشياء.

قال: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾، وَجَّهَ الخطاب لهم؛ لأنهم إذا بلغوا الحلم صاروا أهلًا للتكليف، وتوجيه الخطاب إليهم.

وقوله: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، أي: من عامة الناس الذين يستأذنون بجميع الأوقات.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، ﴿كَذَلِكَ﴾، أي: مثل ذلك البيان يُبَيِّن، وقد قلنا: إن الكاف اسم بمعنى (مثل)، وهي مفعول مطلَق لـ(يُبَيِّن).

وهنا الآية الكريمة مثل الآية التي قبلها إلا الفرق بقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ بدل ﴿الْآيَاتِ﴾، ولعل هذا -والله أعلم- من باب التنويع في الخطاب أو في الأسلوب، وإلا فمعناهما سواء.

ثم قال تعالى: (﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾: قعدن عن الحيض والولد لِكِبَرِهِنّ ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ لذلك، ﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ من الجلباب والرداء والقناع والخمار، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ﴾: مظهرات ﴿بِزِينَةٍ﴾ خفية؛ كالقلادة والسوار والخلخال، ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ﴾ ) إلى آخره.

﴿الْقَوَاعِدُ﴾ جمع (قاعدة).

وقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ بيان للقواعد.

لأن (أل) في القواعد اسم موصول؛ لأنه إذا دخلت (أل) على اسم مُشْتَق، سواء كان اسم مفعول أو اسم فاعل فهي اسم موصول، فالقواعد بمعنى: اللاتي قَعَدْن.

وقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ بيان لقواعد، لكن قَعَدْنَ عن أي شيء؟

يقول المؤلف: (عن الحيض والولد)، فيصير معنى القواعد، معناه: اللاتي لا يلدن ولا يَحِضْنَ؛ لكبرهن.

وقيل: القواعد الملازمات للبيوت لكبرهن؛ لأنهن لا يخرجن من العجز والضعف، فهن قواعد.

وقيل: إن القواعد اسم للعجائز مطلَقًا، مثلما نقول: عجوز، مشتقة من العجز، نقول أيضًا: قاعدة، بمعنى: عاجزة عن القيام والذهاب والإياب.

وقوله: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾، ﴿اللَّاتِي﴾ صفة لأيش؟

* طالب: للقواعد.

* الشيخ: للقواعد ولَّا للنساء؟

* طالب: للقواعد.

* الشيخ: صفة للقواعد؛ لأنك إذا قلت: من النساء اللاتي لا يرجون نكاحًا، صار فيه قواعد من النساء اللاتي يرجون نكاحًا، وليس الأمر كذلك، فقوله: ﴿اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾ صفة للقواعد.

وقوله ﴿لَا يَرْجُونَ﴾، كيف ﴿لَا يَرْجُونَ﴾ وهن مؤنث، و﴿يَرْجُونَ﴾ فعل مذكر؟

* طالب: النون نون النسوة.

* الشيخ: والواو؟

* الطالب: الواو اسم فعل.

* الشيخ: إي نعم، الواو واو الفعل، والنون نون النسوة.

ومعنى ﴿لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا﴾، أي: لا يَطْمَعْنَ فيه، وذلك لكبرهن؛ لأنه ما يبغيهن أحد يتزوجهن من العجائز.

﴿فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾، لا شك أن المراد بقوله: ﴿يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ﴾ ليس جميع الثياب، بمعنى يَبْقَيْنَ عُرَاة، هذا لا يمكن القول به، إذن فما المراد بالثياب؟ الثياب الظاهرة التي جَرَت العادة بلبسها، مثل: (الجلباب -يقول المؤلف– والرداء، والقناع، والخمار)، هذه الأشياء الظاهرة.

فيجوز للمرأة العجوز أن تلبس مقطعًا، وتُبْدِي يديها ورأسها ووجهها ورجليها وساقيها، لكن بشرط أن لا تتبرج بزينة؛ ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾، فإن كانت تبغي علشان تبقى الزينة من بعد العجز لا هن براجيات النكاح، يحب أنهن يُرَيْنَ بمنزلة الشواب، تجدها مثلًا تلبس سوارًا، وتلبس خلخالًا، وتقعد تبجَّح عند الناس.

لكن هذا بشرط أن لا تكون بهذا الحال، إن كانت بهذا الحال فلا يجوز، لكن إذا كانت المسألة طبيعية فيجوز لها أن تضع ثيابها.

* طالب: ولو كانت عند أجنبي؟

* الشيخ: إي نعم. ولو كانت عند أجنبي؛ لأنها ما ترجو نكاحًا، عادت باغية، وسيأتي إن شاء الله في ذكر الفوائد أشياء أكثر من هذا.

* طالب: بزينة، ﴿غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ﴾.

* الشيخ: إي، يعني بمعنى تبرج إلا بالزينة، ما فيه تبرج إلا بالزينة، أقول: هذا بيان للواقع.

* طالب: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ﴾، هل يجوز أن تُصْطَحَب للخدمة أو شيء من هذا القبيل؟

* الشيخ: إي، إذا كانت عجوزًا ما يخاف، يعني لو أن إنسانًا جاب امرأة عجوزًا خادمًا في البيت يجوز تكشف، ما فيه مانع.

* طالب: والْمَحْرَم؟

* الشيخ: لا، المحرَم الأحاديث عامة، ما يجوز تسافر إلا بمحرَم.

* طالب: ما هي موجودة في البيت؟

* الشيخ: لا، ما هو بشرط؛ لأن البيت إذا صار ما فيه خلوة ما يخالف.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، بلوغها تمامًا، تمام الخامسة عشرة.

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم.

معناه ذو الحكم، والحكمة ويش تقول؟

* طالب: (...) يا شيخ، القاعدة أن..

* الشيخ: المشقة.

* الطالب: المشقة تجلب التيسير.

* الشيخ: إي نعم، فيها أن المشقة تجلب التيسير، نشوف كلام المؤلف؛ لأن له تعليق في هذه الآية.

قال: (وآية الاستئذان قيل: منسوخة، وقيل: لا، ولكن تَهاوَنَ الناسُ في ترك الاستئذان) القولان اللذان أشرنا إليهما، والصحيح أن الآية محكمة وباقية وأن ترك الاستئذان إما للتهاون وإما لزوال السبب الموجب للاستئذان، وأما أن نقول: إن الأحكام الشرعية تُنْسَخ بترك الناس العمل بها فهذا لا وجه له.

* طالب: الشيخ يقول: (في ترك)، (تهاون الناس في ترك)؟

* الشيخ: في ترك الاستئذان.

* الطالب: ما قال: إنه تهاون الناس في فعله.

* الشيخ: لا، في تركه، تهاون الناس في تركه، يعني: فتركوه، أنت قصدك إن الذي ينبغي أن يقول في فعله تهاونوا به، هذا لو قال: بتركه، ويصلح أيضًا: تهاون الناس، بماذا تهاونوا أو ما سبب تهاونهم؟ يكون تركه، ترك الاستئذان، إي نعم.

* طالب: (...).

* الشيخ: إي نعم، من المعصية أو المخالفة، إذا قَصَّر، قيدناها، ويش قيدناها؟ إذا قصَّر في تربيته وتأديبه أما إذا لم يقصر فلا.

* طالب: ولو كان بالغًا.

* الشيخ: وين؟

* الطالب: ذكرنا (...).

* الشيخ: لا، إذا كان بالغًا فقد استقل بنفسه؛ لكن يبقي إذا بلغ يصير مثل غيره إذا قدر على تغيير المنكر الذي ارتكبه وجب عليه.

إحنا أيضًا بحثنا أمس في مسألة قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ﴾ [النور ٥٨]، وقلنا: للآية منطوق ومفهوم؛ منطوقها لا إشكال فيه، وهو نفي الجناح؛ لأنه منتفي الجناح، لكن مفهومها أنه عليهم جناح في هذه الأوقات الثلاثة.

على الأولياء وعلى الصغار، وهذا فيه إشكال؛ لأن الصغار ليسوا مكلفين حتى يكون عليهم جناح في معصيتهم.

* الطالب: المنطوق له أفراد متعددة، وأنه يَصْدُق بأحد الأفراد.

* الشيخ: بأحد الأفراد، إي نعم، نقول: المفهوم ليس له عموم، فَيَصْدُق بوجود صورة من العموم، ولو صورة واحدة.

24:59Page 358

وَإِذَا بَلَغَ ٱلۡأَطۡفَٰلُ مِنكُمُ ٱلۡحُلُمَ فَلۡيَسۡتَـٔۡذِنُواْ كَمَا ٱسۡتَـٔۡذَنَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦۗ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٥٩

And when the children among you reach puberty, let them ask permission [at all times] as those before them have done. Thus does Allāh make clear to you His verses; and Allāh is Knowing and Wise.

ثم قال: (﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ﴾ [النور ٥٩] أيها الأحرار ﴿الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ في جميع الأوقات ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: الأحرار الكبار).

إذا بلغوا الحلم يقول المؤلف: (﴿مِنْكُمُ﴾ أيها الأحرار)؛ وذلك لأن المماليك كما سبق لا يستأذنون إلا في الأوقات الثلاثة سواء كانوا كبارًا أو صغارًا؛ ولهذا قيدها المؤلف بالأحرار لمفهوم الآية الأولى.

وقوله: بلغوا ﴿الْحُلُمَ﴾ (الحلم) هو كناية عن البلوغ بالإنزال، و(الحلم) بمعنى الاحتلام أو بمعنى العقل؛ وذلك لكمال عقولهم لكن الأول أولى؛ لأنه ما يشترط في هذا كمال العقل؛ وكمال العقل يحصل بكمال أربعين سنة.

وقوله: إذا بلغ الحُلُم ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ لم يذكر الله سبحانه وتعالى سوى بلوغ الحُلُم، والمعروف أن هناك شيئين آخرين يحصل بهما البلوغ هما تمام خمس عشرة سنة وإنبات شعر العانة؛ لكن هذان الأمران فيهما خلاف بين العلماء؛ فمنهم من يرى أنه لا بلوغ إلا بالإنزال وأن تمام خمس عشرة سنة ليس علامة على البلوغ، بل علامة على قدرة الإنسان على الجهاد؛ لأن الذين أخذوا بها إنما أخذوا بحديث ابن عمر رضي الله عنه حينما عرض على النبي ﷺ عام أحد فلم يجزه، وعرض عليه عام الخندق فأجازه، وكان له عام الخندق خمس عشرة سنة[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨ / ٩١).]].

لكن في رواية للحاكم أنه قال: «فلم يجزني ولم يرني بلغت »[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٦٥٠١) من حديث البراء بن عازب.]]، والثانية: «فأجازني ورآني بلغت»[[سبق تخريجه.]]، لكن كلمة: (بلغت) هل معناه بلغت سن التكليف أو بلغت الحالة التي يمكنني فيها أن أجاهد؟ فيه احتمال، لكن عمر بن عبد العزيز رحمه الله ورضي عنه كتب إلى عماله أن يفرضوا لمن بلغ خمس عشرة سنة ورآهم قد بلغوا[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨ / ٩١).]]. وقال: إذا كان هذا السن حدًّا لصلاحهم للقتال فهو حد لبلوغهم.

ويرى بعض العلماء كأبي حنيفة أن حد البلوغ ثماني عشرة سنة لا خمس عشرة سنة، وهذا هو الذي مشى عليه نظام العمل والعمال هنا؛ لأن الذي وضعه فيما يظهر إنسان أجنبي ما يعرف إلا المذهب المعروف الشائع عند عامة المسلمين، وهو مذهب أبي حنيفة الذي يقيِّدُه بثماني عشرة سنة، إنما مذاهب الأئمة الثلاثة أن البلوغ يحصل بخمس عشرة سنة.

أما إنبات العانة فنفس الشيء أيضًا فيه الخلاف، والذين قالوا: إنه ليس علامة على البلوغ، قالوا: إن كون الرسول عليه الصلاة والسلام يكشف عن مُؤْتَزَر بني قريظة فمن أنبت قتله ليس ذلك دليلًا على أنه مكلَّف، بل هو دليل على أنه من أهل القتال فيقتلُه النبي عليه الصلاة والسلام، لكن المشهور من المذهب ما هو معروف لديكم من أن البلوغ يحصل بواحد من ثلاثة أشياء.

قال: ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ شوف ﴿فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾، وجَّه الخطاب لهم؛ لأنهم إذا بلغوا الحلم صاروا أهلًا للتكليف وتوجيه الخطاب إليهم.

وقوله: ﴿كَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من عامة الناس الذين يستأذنون في جميع الأوقات.

﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ﴿كَذَلِكَ﴾ أي: مثل ذلك البيان يبيِّن، وقد قلنا: إن الكاف اسم بمعنى: مثل، وهي مفعول مطلق لـ ﴿يُبَيِّنُ﴾، وهنا الآية الكريمة مثل الآية التي قبلها إلا الفرق في قوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ بدل: ﴿الْآيَاتِ﴾، ولعل هذا والله أعلم من باب التنويع في الخطاب أو في الأسلوب وإلا فمعناهما سواء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском