Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:47–55, continued
* الشيخ: لا، نقول: مؤمن ناقص الإيمان، ما نطلق عليه الإيمان المطلق، حتى لو كان فيه مثلًا عشرة في المائة، لا بد أن يكون ناقص الإيمان، من لم يؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، مثلًا: لو اغتاب الإنسان رجلًا من الناس هذه كبيرة من الكبائر تنقص الإيمان، وهو يصلي ويصوم ويزكي ويحج ويتطوع بسائر التطوعات، ما نعطي هذا وصف الإيمان المطلق، بل نقول: مؤمن بإيمانه فاسقٌ بكبيرته، أو مؤمن ناقص الإيمان.
* طالب: شيخ، قوله: ﴿يُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُونَ﴾ (...) مثل قول الصحابي فأمرنا بالسكوت (...) الكلام، بمعنى أنه يتحقق الوصف بواحد منهم والثاني ..
* الشيخ: لا، وبارك الله فيك؛ لأن السكوت والكلام متناقضان، أما الصلاح والفساد فمتضادان، يمكن أن يجتمعا فيكون في الشيء مصلحة ومفسدة: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ٢١٩] أما هذا فهو السكوت ولا كلام متناقض، يعني ما يمكن يوجد أحدهما إلا بفقد الآخر.
* الفائدة الثالثة: أن المعاصي من أسباب الفساد في الأرض؛ لقوله: ﴿يُفْسِدُونَ﴾، وهؤلاء الجماعة ليسوا يهدمون البيوت، ولا يغرقون الزروع، ولا يحرقون المتاجر، لكنهم يفعلون ما يكون سببًا للفساد، الفساد المعنوي: وهو فساد الأخلاق والسلوك، والفساد الحسّي؛ لأن الفساد الحسي يتبع الفساد المعنوي.
﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [النمل ٤٩].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة أولًا: أنه من الحزم -والحزم قد يكون في الخير وفي الشر- أن تتعاقد الطائفة وتتعاهد على منهاجها الذي تسير عليه؛ لئلا تتفرق وتختلف، منين تؤخذ؟ ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ﴾ ما ذهب كل واحد مذهبًا، اجتمعوا أولًا على تدبير الخطة ثم على تنفيذها.
فيؤخذ منه: أن من الحزم أن تجتمع الطائفة وتتفق على عهد يربط بعضها ببعض؛ ليكون التنفيذ واحدًا.
وهذا المسلك لا زال يُسلك حتى الآن، وتعرفون أن الصحيفة التي اجتمعت قريش فيها على مقاطعة بني هاشم، هل نقضت برجلٍ واحد؟ لا، بل ذهب هذا الرجل الذي أراد نقضها إلى فلان وفلان، وصار يجمّع الناس حوله حتى اجتمعوا على نقضها وغلبوا في تنفيذ فكرتهم.
فالحاصل أن ها المسائل دي ينبغي للإنسان إذا أراد أن يهم بأمر ويمشي على منهاج أنه يجعل معه أقوامًا يساعدونه ويتعاقد معهم ويتعاهد، عاد إن كان في خيرًا فخير وإن كان في شر فالله يتولاهم.
هنا: ﴿تَقَاسَمُوا﴾ على خير ولّا على شر؟
* طلبة: على شر.
* الشيخ: إي نعم، على شر من أعظم الشرور.
* وفيه دليل على مبدأ الاغتيالات؛ لقوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ لأن التبييت اغتيال؛ إذ إن الاغتيال معناه هو القتل على غرّة، ولهذا كان الصحيح من أقوال أهل العلم أن الغيلة ليس فيها خيار لأولياء الدم وأنه يجب قتل المغتال بكل حال حتى لو عفوا، وهذا مذهب مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية؛ لأنه لا يمكن التحرز منه، وهو فسادٌ في الأرض، ولا يعارض هذا قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٣٤)، ومسلم ( ١٣٥٥/ ٤٤٧) من حديث أبي هريرة.]]؛ لأن قوله: «مَنْ قُتِلَ لَهُ» هذا من الحقوق الخاصة، وأما مسألة الاغتيال فإنها من الحقوق العامة، يجيء للإنسان في مأمن ويقتله.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، فعل القاتل أنه إذا بغى يقتل (...) لكن المهم من ذاك يمكن أن يتحرز منه، أن المقتول يمكن أن يتحرز بالفرار، أو يتحرز بالمدافعة، أو ما أشبه ذلك (...). أما يجيه وهو نائم مثلًا أو يأتيه في بيته وهو غافل، فهذا ما يمكن التحرز منه، فساد؛ لأنه لو جاه وهو يعلم به يمكنه يتحرز بالفرار، يتحرز بالمدافعة، يتحرز بالصياح لمن حوله وما أشبه ذلك.
وليس قولنا: إنه على (...)؛ لأنه مثلما قلت: الغالب أنه ما يقتل (...)، لكن الكلام على غرّة من المقتول، هذا هو قتل الغيلة، فهؤلاء الجماعة تقاسموا على هذه الفعلة القبيحة المشينة، ولكنهم لم ينفذوا ما أرادوا، وهم لم ينفذوه، لم يحصل لهم تنفيذ ما أرادوا؛ لأنهم مكروا ومكر الله والله خير الماكرين.
* طالب: (...) يدل على (...) مبدأ الاغتيالات (...) الله سبحانه وتعالى ذكر (...) وهو على حرمة الاغتيال.
* الشيخ: لا، بمعنى أن الاغتيال موجود حتى في الزمن السابق، هذا قصدي، وليس معنى هذا أنه المبدأ المباح (...) إن هذا موجود ولا يزال موجودًا، يعني في غالب الأمور تجد أصلها موجودًا، غالب الأمور من خير أو شر تجد له أصلًا في الأمم السابقين.
* طالب: المسلمون لا يجوز لهم أن يسلكوه مع الأعداء.
* الشيخ: إن كانوا يسلكونه بنا سلكناه بهم، ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل ١٢٦].
* وفيه دليل في قوله: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ دليل على الإنكار، إنكار المدّعي، وهذا الشيء واضح، أن الفاعل للسيئة لا يهمه أن ينكر فعله، يعني: من قتل يهون عليه أن ينكر القتل، ولّا لا؟ من قتل هان عليه أن ينكر القتل؛ لأن القتل أعظم من إنكاره، فلهذا قالوا: ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾.
* وفيها فائدة رابعة: أن البيّنة على المدّعي واليمين على من أنكر، لماذا؟ لأنه لولا أن هذا القول يبرئهم ما صح أن يتفقوا على اتخاذه حجة، أما فهمتم؟ يقتلونه ويقولون: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾. اتفقوا على هذا.
دل هذا على أن الإنكار يدرأ به المدعى عليه، وجهه: أنه لولا أن ذلك يبرئهم لم ينفعهم الاتفاق عليه؛ لأنه لو قالوا: ما شهدنا مهلكه لقال: أنتم القاتلون، فهذا أيضًا دليل على أن البينة على المدّعي واليمين على من أنكر.
فإذا ادعى شخص أن هذا الرجل قتل والده، نقول له: هات بيّنة، فإذا لم يأت ببينة فإنه لا يثبت له الحق، ما يثبت له الحق؛ لأن البيّنة على المدَّعي واليمين على من أنكر. ولكن هل هذا على إطلاقه؟
المشهور من المذهب أنه على إطلاقه، وأنه لو كان المدعَى عليه القتل من أفجر الناس والمقتول من أطيب الناس وكذلك المدّعي، فإنه لا يؤخذ بقوله؛ لعموم قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْبَيِّنَةُ عَلَى الْمُدَّعِي، وَالْيَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ»[[أخرجه الدارقطني (٣١٩١) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، والشطر الثاني من الحديث متفق عليه؛ البخاري (٢٥١٤)، ومسلم (١٧١١) من حديث ابن عباس ولفظه: أن النبي ﷺ قضى أن اليمين على المدعى عليه.]].
واختار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا يؤخذ بقوله، ولكن تجرى فيه القسامة إذا كان هذا الرجل معروفًا بالفسوق، والمقتول معروفًا بالصدق والاستقامة. وكذلك أولياؤه، قال: فإن هذا قرينة تغلّب على الظن صدق المدعي، وعلى هذا فتجرى فيه القسامة. وما قاله الشيخ فليس ببعيد.
كذلك الأمر الثاني بالعكس، لو أن شخصًا قتل إنسانًا وقال: نعم أنا قتلت، ولكن الرجل صال عليَّ ولم يندفع إلا بالقتل، فماذا أصنع؟
المذهب لا يُقبل قوله ويُقتل، أما فهمتم؟ إنسان ادُّعي عليه أنه قاتل، قال: نعم أنا القاتل، لكنني قتلته دفاعًا عن نفسي؛ لأن الرجل يبغى أن يقتلني، نقول له: هات بيّنة أنه صال عليك وإلا قتلناك. قال: ما يمكن يكون بيّنة؛ لأنه ما بيصال علي أمام الناس، لو يدري أن حوله أحدًا ما صال.
نقول: إذن نقتلك ويوم القيامة تختصمون عند الله، هذا هو المذهب، واختار الشيخ هنا أنه يُقبل قول المعروف بالصدق، فإذا كان هذا الرجل مستقيمًا -هذا القاتل اللي يقول: أنا قتلته دفاعًا- مستقيمًا، والمقتول معروفًا بالفجور والاعتداء على الخلق، فإنه يُقبل قوله، ولكن يحلف تأكيدًا لقوله.
وما قاله الشيخ هو الصحيح، ولا يمكن العمل إلا به، ولا يمكن العمل بخلافه، أما كون يقول: نقتلك وتلقى حسابك عند الله، هذا فيه نظر.
طيب، حتى لو وجد قرينة تدل على صدق الرجل غير مسألة الحال هذا والحال هذا، يعني مثلًا لو وجد في بيته، لو وجد المقتول في بيته، أي في بيت القاتل، زلمة دخل علي البيت بيقتلني، أو بينتهك حرمة أهلي، فوجدت ألا يندفع إلا بالقتل، يقول: نعم ولو كان؛ لأنه يمكن أنه عزمه لأجل يقتله.
* طالب: فيه شبهة تدرأ (...)
* الشيخ: ويش هي؟
* الطالب: أنه في بيته.
* الشيخ: إي نعم، هم يقولون نعم في بيته.
* الطالب: ادرءوا الحدود بالشبهات.
* الشيخ: لكن هو يقول: أنا الآن قتلت عمدًا، ما فيه شبهة (...) أنه صائل، يقول: إن كونه في بيته ما يدل على ما قال؛ لأنه يجوز أنه (...) يقول: تفضل عندنا، تفضل عندنا نوريك ويدخل على أن (...)، مشكلة هذه ما يستقيم الحال إلا على ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية.
طيب، الكلام على قوله: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ يدل على أن المنكِر مقبول القول ما لم يأت المدعي ببيّنة.
* وفي هذه الآية: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ﴾ [النمل ٥٠] دليل على عظمة الله سبحانه وتعالى، وأنه أعظم مكرًا ممن يمكرون به وبرسله.
فهؤلاء أرادوا المكر برسوله ولكن الله تعالى مكر بهم بما هو أعظم.
* وفيه دليلٌ على وصف الله تعالى بالمكر، لكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل على سبيل التقييد، فيقال مثلًا: هو ماكرٌ بأعدائه أو بمن يستحق المكر، أو ما أشبه ذلك مما يجعل المكر صفة كمال؛ لأن المكر ليس بصفة كمال على الإطلاق، ولا بصفة نقصٍ على الإطلاق.
* وفي هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى قد يمكر بالعبد فلا يشعر بمكره.
ومن ذلك -من مكر الله بالعبد وهو لا يشعر- استدراجه إيّاه بالنعم؛ حيث يسدي إليه النعم وهو يبارز الله تعالى بالعصيان.
ومن مكره به تلبيسه عليه بالحكم، يلبس عليه الحكم حتى يظن الباطل حقًّا، فيتمادى فيه، ولهذا من الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقًّا وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه[[ذكره ابن كثير في التفسير (١ / ٥٧١).]]. فالإنسان قد يكون لديه شبهة أو شهوة، شبهة ما يعرف الحق، أو شهوة لا يريد الحق، يريد غيره.
وفي قوله: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [النمل ٥١].
* في الآية فوائد: أولًا: الحث على الاعتبار؛ لقوله: ﴿فَانظُرْ﴾ والنظر يكون بالقلب، ويسمى نظر البصيرة، ويكون بالعين ويسمى نظر البصر، وكلاهما أمرٌ مطلوب إذا أدى إلى مطلوب، وأما إذا لم يؤد إلى مطلوب، بل أدى إلى العكس، مثل أن يعتبر ويتبصّر ثم يتخذ من هذا النظر يتخذه وسيلة إلى الطعن في حكمة الله سبحانه وتعالى، أو إلى وصف الله تعالى بالظلم أو ما أشبه ذلك مما يقع من بعض الملحدين، فإن هذا ضرره كبير والعياذ بالله، لكن من نظر ليعتبر، من نظر بعين العقل والعدل، بل لا بد من الأمرين: عقلٌ وعدل، فبانتفاء العقل ما يعرف الإنسان، وبانتفاء العدل يظلم.
فعلى كل حال، في هذه الآية دليل على أنه ينبغي للإنسان أن ينظر ويتأمل في الأمور، لا سيما في أمور المكذبين.
* وفيه دليل على أنه ينبغي في مقام التحذير استعمال أغلظ الألفاظ وأشدها تأثيرًا؛ لقوله: ﴿دَمَّرْنَاهُمْ﴾ ولم يقل: أهلكناهم، فإن التدمير أعظم وقعًا في النفس، والنفس تنفر منه أكثر، ولهذا قال: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾.
* في الآية دليل أيضًا على أن العقوبات إنما تأتي بأسباب المرء؛ حيث جعل هذا التدمير عاقبة مكرهم، وهذا يدل عليه أيضًا قول الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦].
وقال تعالى في خصوص أهل الكتاب: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ [المائدة ٦٥، ٦٦] ﴿مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ من الثمار الطويلة، ﴿وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ من الزروع التي تحت الأرض.
في قوله أيضًا: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
* في هذا دليل على أن العقوبة تعم، ولكن كما قال رسول الله ﷺ: «يُبْعَثُ النَّاسُ عَلَى أَعْمَالِهِمْ»[[أخرجه ابن ماجه (٤٢٢٩) من حديث أبي هريرة بلفظ: «إنما يُبعث الناس على نياتهم».]] العقوبة قد تعم، ولكن يُبعث الناس على أعمالهم، وهذا مشاهَد، سواء كانت العقوبة من الله، يعني: من فعل الله، أو من فعل العباد، يسلّط الله تعالى بعض عباده على بعض، فيدمر هذا المتسلط على الصالح والطالح، ولكن يُبعث الناس يوم القيامة على أعمالهم ونياتهم، أو ينزل الله تعالى كارثة من عنده؛ كالفيضانات والرياح وغيرها، فتدمر الصالح والطالح، ويوم القيامة يُبعثون على نياتهم.
وإنما كان كذلك -والحكمة عند الله سبحانه وتعالى- لأجل أن يستقيم الناس على أمر الله؛ لأني أنا إذا علمت أن المصيبة ستعم سأسعى في إزالة السيئة الموجبة للعقوبة ولّا لا؟ لكن لو أننا نعلم أن العقوبة تخص العامل ما استقام الأمر بالمعروف ولا النهي عن المنكر. أليس هكذا؟
ولذلك يجب أن يكون خوف الإنسان من معاصي غيره كخوفه من معاصي نفسه؛ لأن العقوبة واحدة، إذا نزلت عمّت، بل إن المعاصي سبحان الله كالدخان، يصرع من شمّه وإن لم يكن في بيته. ولذلك معاصي الناس اليوم أثّرت حتى على أهل الخير البعيدين منهم. يعني أهل الخير لو سألتهم وقلت: هل تجدون في قلوبكم ما كنتم تجدونه قبل سنوات من الإنابة إلى الله، والخشوع، والخضوع، ومحبة الخير؟ لوسألتهم لأجابوا: لا.
دعنا من الناس اللي ماتوا قبل ثلاثين سنة أو أكثر، هذا معلوم أنهم سلموا من هذه الفتنة، لكن حتى الموجود الآن قلوبهم قبل نحو ثلاثين سنة أصلح بكثير من اليوم، مع أن حالهم هي هي، تجد الإنسان مثلًا في مسجده إمام ولم يلتفت للدنيا ولم يشتغل بها، تجد إنسانًا مثلًا في أهله ما يلتفت إلى أحدٍ غيرهم، ومع ذلك تأثرت القلوب؛ لأن المعاصي مفاسد مهما كانت.
ولكن مع هذا قد يأتي الله تعالى ببركانٍ عظيم يبدد هذه الأشياء، يقيض الله تعالى للأمة الإسلامية طائفة منصورة ظاهرة فتبدل كل هذا الأمر، ولهذا لا بد من عمل، الركود ما ينفع، الركود ما فيه سلامة أبدًا، لا بد من العمل ولكن على هدى مستقيم وبحكمة بالغة؛ لأن اللي يضر الدعاة إلى الله الآن واحد من أمرين: إما جهلٌ أو سفه، يعني: إما أنه ما عندهم علم بيّن راسخ، فتجدهم يحرمون ما أحل الله، ويوجبون ما لم يوجبه الله، واضح؟ مثلما يوجد من بعض الإخوان الذين يتشددون في أمور، يحرمون ما أحل الله، أو يوجبون ما لم يوجبه الله، وهذه مفسدة عظيمة، أو يكون عندهم سفه، يعني: ما عندهم حكمة في الدعوة إلى الله، فيكون عندهم تسرع وعنف، أو تباطؤٌ في غير موضعه؛ ففي الأول يحصل رد فعلٍ عنيف من المدعوين، وفي الثاني يحصل تمادٍ من المدعوين يفوّت الفرصة على الداعين، فلا بد من العلم والحكمة ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥].
27:51–55Page 381
فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ مَكۡرِهِمۡ أَنَّا دَمَّرۡنَٰهُمۡ وَقَوۡمَهُمۡ أَجۡمَعِينَ ٥١
Then look how was the outcome of their plan - that We destroyed them and their people, all.
فَتِلۡكَ بُيُوتُهُمۡ خَاوِيَةَۢ بِمَا ظَلَمُوٓاْۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡلَمُونَ ٥٢
So those are their houses, desolate because of the wrong they had done. Indeed in that is a sign for people who know.
وَأَنجَيۡنَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٣
And We saved those who believed and used to fear Allāh.
وَلُوطًا إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِۦٓ أَتَأۡتُونَ ٱلۡفَٰحِشَةَ وَأَنتُمۡ تُبۡصِرُونَ ٥٤
And [mention] Lot, when he said to his people, "Do you commit immorality1 while you are seeing?2
أَئِنَّكُمۡ لَتَأۡتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهۡوَةٗ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِۚ بَلۡ أَنتُمۡ قَوۡمٞ تَجۡهَلُونَ ٥٥
Do you indeed approach men with desire instead of women? Rather, you are a people behaving ignorantly."
يقول: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل ٥١، ٥٢]
﴿تِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾، لما قال: ﴿فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ﴾ هذا عام مبهم، نص على شيء معيّن (...)
* طالب: هو أن بيوتهم.
* الشيخ: أن بيوتهم خاوية الآن، ويش معنى خاوية؟
* طالب: فيها قولان: إما خالية، وإما متهدمة.
* الشيخ: مدمّرة، ﴿خَاوِيَةً﴾ وهذا قد نقول: إن فيه فائدة، وهي: التبيين بعد الإجمال؛ لأن التبيين بعد الإجمال أوقع في النفس، فالشيء إذا جاء مجملًا تتشوف النفس إلى بيانه ومعرفته، فإذا جاء إليها مبيَّنًا بعد الإبهام صادف أرضًا يابسة تشرب الماء، لكن إذا بُيِّن من الأول مر مر الكرام، وهذا دائمًا تجدونه في القرآن: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ ويش هو ذلك الأمر؟ ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ [الحجر ٦٦].
عندما تقف: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الأَمْر﴾ تجد نفسك هذا الأمر بـ(أل)، أيش الأمر هذا؟ وأن تجيء: ﴿أَنَّ دَابِرَ هَؤُلاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ﴾ يتبين لك وقع هذا البيان بعد الإبهام.
* وفي هذا دليل على أن التدمير والإتلاف من أسباب الظلم؛ لقوله: ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾؛ لأن الباء هنا للسببية.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: يصلح هذا وهذا؛ لأن (من) للسببية.
* وفيه دليل على أن الجزاء من جنس العمل.
* وفيه دليل على أن الله سبحانه وتعالى ليس بظالم، ما دام لا يعاقب إلا بسبب فعل العبد، فمعنى ذلك أنه منتفٍ عنه الظلم سبحانه وتعالى.
* وفيه دليلٌ على التحذير من الظلم؛ لأننا إذا تبينا أن التدمير من أسباب الظلم معناه أننا ننفر منه ونهرب منه، وفيه التحذير من ممارسة الظلم سواء كان متعديًا أو لازمًا، أو سواء كنت تظلم نفسك وحدها بالتقصير بواجب الله أو بالظلم لغيرك أيضًا.
* وفيه دليل على أن هذه الحوادث التي يحدثها الله عز وجل آيات من آياته، تدل على كمال قدرته وسلطانه وعلى كمال عدله أيضًا، ولهذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾؛ أي: علامة على قدرة الله وسلطانه، وعلى حكمته، وأنه سبحانه وتعالى لا يفعل إلا بمقتضٍ للفعل.
* وفيه رد على من ينكرون الحكمة، مثل من؟ الجهمية؛ فإن الجهمية يقولون: إنه لا حكمة لله سبحانه وتعالى في أفعاله، وخالفتهم المعتزلة تمامًا وقالت: أفعاله مقرونة بالحكمة، والحكمة موجبة، ولهذا قالوا: يجب عليه فعل الصلاح، وبعضهم قالوا: يجب عليه فعل الأصلح.
وأما الجهمية فبالعكس، وهذا من المواضع التي اختلفت فيه الجهمية والمعتزلة، وإن كانوا يشتركون في كثير من الأشياء، لكنهم يختلفون أيضًا في أشياء أخرى منها هذه المسألة: هل فعل الله لحكمة أو لمجرد مشيئة؟
الجهمية يقولون: لمجرد مشيئة، والمعتزلة يقولون: لحكمة، لكن غلوا في إثبات الحكمة؛ حيث أوجبوا على الله سبحانه وتعالى فعل الأصلح.
وقد مر علينا هذا في العقيدة وبيّنّا أن الصواب أنه يجب على الله فعل الأصلح، لكن لا بإيجابنا نحن، ولكن بمقتضى حكمته؛ لأن الحكمة تقتضي هكذا.
* طالب: والأشاعرة (...)؟
* الشيخ: الأشاعرة مثل الجهمية.
* وفي هذا دليل على أنه لا ينتفع بالآيات إلا أولو العلم؛ لقوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، أما من ليس من ذوي العلم فإنه يفوتهم شيء كثير لا يعتبرون به ولا يتعظون به، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت ٤٣]، والأمثال تشمل الأمثال المعقولة والأمثال المحسوسة المشاهدة، فالله تعالى يضرب الأمثال المعقولة ويضرب الأمثال المحسوسة: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾ [يس ١٣] إلى آخره، هذا ما يسمى المشهود المحسوس.
مثلًا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ هذا من الأمثال المعقولة.
والحاصل: أن أهل العلم هم الذين يعقلون هذه الآيات ويعتبرون بها، وينتفعون بها.
* وفيه دليل على فضيلة العلم.
* وفيه دليل أيضًا على الحث على العلم؛ لأنه إذا ثبت فضله فمعنى ذلك أن الله ذكره لنا لنتعلم.
ولا شك أن العلم من أفضل ما أنعم الله به على العبد، يعني: ما بعد الإسلام نعمة مثل العلم، هي أفضل من نعمة المال، وأفضل من نعمة قوة البدن، وأفضل من نعمة البنين، ما يعادلها إلا نعمة الإسلام فقط.
ولذلك تجد أن العلماء، ولكن الذين مثّلوا العلم، بأن كانوا دعاة إلى الله، وكانوا علماء ملة، لا علماء دولة؛ لأن العلماء منهم علماء ملّة يدعون إلى الملة والشريعة ويهدون بأمر الله، ومنهم علماء دولة يدعون إلى ما تريده الدولة. وتعرفون أول ما ظهرت بدعة الاشتراكية أو أول ما ظهر فسق الاشتراكية؛ لأنها من زمان، صار أناس من أهل العلم -في البلاد التي ظهرت فيها هذه البدعة- صاروا يدعون إليها ويزعمون أن القرآن والسنة دلّا عليه، ويجيبون آيات تدل على هذا، مثل: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الروم ٢٨].
* طالب: هذا (...) الإنكار يؤخذ منه.
* الشيخ: إي ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ خلاص، أنتم سواءٌ في الرزق، و«النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ»[[ أخرجه أبو داود (3477) من حديث رجل من المهاجرين ، وابن ماجه (2472) من حديث عبد الله بن عباس.]]، وهكذا، وبدؤوا يحرفون الكتاب والسنة، لماذا؟ لأنهم علماء دولة لا علماء ملة، وهذا كثير أيضًا.
وفيه أيضًا محدِّثون دولة، مر علينا الذي قال للمهدي -ابراهيم بن غياث أو غياث بن إبراهيم- قال: «لَا سَبَقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ»[[أخرجه ابن الجوزي في الموضوعات (١ / ٤٢)، والحديث أخرجه أبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٣٥٨٥) من حديث أبي هريرة بدون لفظة: أو جناح. ]].
الحاصل أن هذه دلالة في القصد، لكن المراد بالعلم الممدوح هو العلم المؤثر للعمل والدعوة.
والحقيقة أن مقام طلبة العلم ما هو مقام علم فقط ويكون العلم قابعًا في صدورهم، إذا لم يكن هناك دعوة، أنت الآن وارث للأنبياء ولّا لا؟ «الْعُلَمَاءُ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ»[[أخرجه أبو داود (٣٦٤١)، والترمذي (٢٦٨٢)من حديث أبي الدرداء.]]، ادع إلى الله، ادع مثلما دعا الأنبياء إلى الله سبحانه وتعالى، اعلم ثم ادع، ما نقول: ادع بجهل؛ الدعاء بجهل ضرر عليك وعلى الإسلام أيضًا، لكن اعلم وادع ولا تبالِ.
واعلم أنك ما قلت كلمة تبتغي بها وجه الله إلا كان لها تأثير لا بد، ونحن نضرب دائمًا لكم مثلًا بقول موسى أمام السحرة وأمام فرعون وجنوده وعامة أتباعه، قال للسحرة: ﴿وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى﴾ [طه ٦١] كلمة أيش عملتْ؟
* طالب: ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ﴾ [طه ٦٢].
* الشيخ: ولا قنبلة ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ راحت معنويتهم واجتماعهم، وأخيرًا آمنوا بالله، أعلنوا إعلان كامل بتصميم وعزم، سبحان الذي أعطاهم إياه بها اللحظة: ﴿آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢] فوعدهم: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ﴾ [الأعراف ١٢٤]، ويش قالوا؟ ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه ٧٢] (...) ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢] الله أكبر.
* * *
قال الله تبارك وتعالي: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [النمل ٥٢، ٥٣].
* في هذا دليل على أن الإيمان والتقوى من أسباب النجاة؛ لأن قوله: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ حكمٌ معلّقٌ بوصف، والحكم إذا عُلِّق بوصف دل ذلك على علِّيَّة هذا الوصف وتأثيره في الحكم، فيكون فيه دليلٌ على أن الإيمان والتقوى -وهي متضمنة للعمل الصالح- من أسباب النجاة.
* الفائدة الثانية: الحث على الإيمان والتقوى؛ لأن كل إنسان عاقل ينبغي له أن يسلك أسباب النجاة، فيكون في الإخبار عن نجاتهم الحث على السبب الذي به نجوا.
* الفائدة الثالثة: بيان عدل الله سبحانه وتعالى حيث أهلك من يستحق الإهلاك، وأنجى من يستحق الإنجاء: ﴿وَأَنجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن صالحًا ومن معه كانوا مؤمنين متصفين بهذا الوصف بالإيمان والتقوى؛ لأنهم هم الذين أُنجوا من هذه العقوبة.
* * *
﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ﴾ [النمل ٥٤، ٥٥].
* في هذا من الفوائد على أنه ينبغي إدراك الغرض الذي من أجله أُرسل الرسول؛ لأن الرسل كلهم كافة أُرسلوا لتوحيد الله، لكن بعضهم يبيّن مع الأمر بعبادة الله أنه أُرسل لهذا الغرض، ولوط هنا بيّن الله تعالى أنه أرسله لغرض انتشال قومه من هذه الفاحشة العظيمة: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾، مع أنه لا بد أنه قال لهم: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره، لكن لما كانت هذه الفاحشة ظاهرةً فيهم بيّنها الله تبارك وتعالى.
* طالب: لماذا يعني الرسل سواء لوط أو غيره لماذا لم (...) حتى يؤمنوا، بحيث لا يطالبونه بهذا الشيء حتى (...)؟
* الشيخ: هم مؤمنون، طالبوهم أولًا بالإيمان ثم بهذا، الكلام هنا فيما قصّ الله.
* الطالب: لكن في الآيات كثيرًا يقرنونها سواء قرن ..
* الشيخ: قرن بالواو ما تقتضي أنها الفورية ولكن التعقيب.
* الطالب: لأن النبي ﷺ خالف كثيرًا من هذا الشيء؟
* الشيخ: لا، حتى (...) ما تدل على المخالفة، وهو إما أن يكونوا مثلًا أخطؤوا في هذه العملية مع تحقيق العبادة، ويكون الأمر بعبادة الله من باب الأمر بالاستمرار عليها، أو أنهم يأمرونهم ثم بعد ذلك إذا استقر الإيمان في نفوسهم نهوهم عما هم عليه.
* الفائدة الثانية: أن الرسل يرسَلون إلى قومهم؛ لقوله: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ ولم يُبعث أحدٌ إلى عموم الناس إلا رسول الله ﷺ.
* الفائدة الثالثة: بيان عظم اللواط وقبحه، وأنه في قمم الفواحش؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾.
* رابعًا: بيان وجوب الإنكار على من أتى هذه الفاحشة؛ لقوله: ﴿أَتَأْتُونَ﴾؛ لأن الهمزة هنا للاستفهام والتوبيخ.
ولا شك أنه يُنكر عليه، لكن بماذا يُعاقب؟ في شريعتنا يُعاقب بالقتل مطلقًا، سواء كان محصنًا أم غير محصن، وهذا هو ما دل عليه الحديث الذي في السنن[[أخرجه أبو داود (٤٤٦٢)، والترمذي (١٤٥٦) من حديث عبد الله بن عباس .]] وصححه الحاكم[[المستدرك (٨٢٤٥).]] وغيره من قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «مَنْ َوَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ».
وهو الذي أجمع عليه الصحابة كما حكاه عنهم شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.
لكنهم اختلفوا كيف يُقتل: هل يُقتل بالرجم، أو بإلقائه من شاهق وإتباعه بالحجارة، أو يُقتل بالسيف، أو يُقتل بالإحراق بالنار؟ اختلفوا في هذا، المهم أنهم اتفقوا على قتله، وتكون الكيفية هنا راجعة إلى الإمام، إذا رأى أقوى كيفية تردع عن هذا العمل الخبيث فإنه يسلكه.
* وفيه دليل على أن الفواحش تقبُح بحسب ما يقترن بها؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ فإن هذه الفاحشة منكرة، ولكنها إذا كانت علنًا وجهرًا يبصر الناس بعضهم بعضًا فيها صارت أقبح وأعظم، ولهذا أتى بالجملة الحالية في قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾.
* طالب: إجمالا (...)؟
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: على هذه الفعلة.
* الشيخ: لا، يجب قتله، ما لها حد في كيفية قتله.
* الطالب: الكيفية، يعني ما يُحد، وإنما بحسب الردع.
* الشيخ: بحسب ما يكون رادع، نعم.
* الطالب: الإحراق (...)؟
* الشيخ: فعله أبو بكر رضي الله عنه، وفعله أيضًا هشام بن عبد الملك، وفعله عبد الله بن الزبير (...).
* طالب: ولا أنكر عليهم الصحابة ذلك؟
* الشيخ: ما أنكروا عليهم. فهذه خمس فوائد.
* * *
ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل ٥٥].
* في هذه الآية من الفوائد: أولًا: قبح فعل هؤلاء، وهذا مع الوجه الأول ﴿وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ يكون قبُح من وجهٍ آخر: وهو أنهم يأتون الرجال الذين ليس لهم حق في إتيانهم، ويدعون النساء اللاتي خلقهن الله لذلك: ﴿لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾.
* الفائدة الثانية: أن هذه الشهوة إنما تصدر عن جهل، لا بمقتضى الطبيعة، وإنما هي عن سفهٍ في الإنسان؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. كأنه قال: إتيانكم إياهم شهوة ليس له محل، ولكن الذي أوجد ذلك لكم أنكم قوم ذووا جهل، أي: سفه ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾.
* الفائدة الثالثة: بيان ما عليه هؤلاء القوم من المظهر الاجتماعي الفاسد؛ لأنهم إذا كانوا يأتون الرجال ما بقي منهم رجل في الحقيقة، صاروا كلهم بمنزلة النساء، إلا أنه إذا كبر الإنسان ارتفع عن أن يُفعل به وصار فاعلًا.
فهم في حال الشباب مفعولٌ بهم، وفي حال الكبر فاعلون، ولهذا يُعتبر هذا الانحطاط الاجتماعي في البشر من أحط الانحطاطات.
* ورابعًا: أن هذه الفعلة من السفه العظيم؛ لقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. فأتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار.
* طالب: إذا قلنا (...) عن شهوة (...).
* الشيخ: عن شهوة بمقتضى الطبيعة.
* الطالب: ما يشكل على هذا ما روي من تحاذر بعض الأئمة (...) مقاربة بعض الصبيان خوفًا من هذا الفعل أو خوفًا من أن يقع (...).
* الشيخ: إي، كما أن الزنا قبيح بالفعل، ومع ذلك قد تدعو النفس إليه، فلا يمنع أن النفس الأمّارة بالسوء تدعو إلى ما يخالف مقتضى الطبيعة، ولهذا قال بعض العلماء: إنه ليس فيه حد ولا عقوبة؛ لأن النفس تنفر عنه بمقتضى الطبيعة، فهو كشرب البول، وأكل الغائط، ولكن هذا ليس بصحيح، صحيح أن بعض النفوس السافلة قد تدعو إليه.
* طالب: يعني الزنا في مقتضى الطبيعة مرغوب يعني.
* الشيخ: إي نعم. يعني الزنا محرّم بوصف الشريعة لا بمقتضى الطبيعة لأنه زنا، ولهذا لو تزوجها حلّ له ذلك، أما هذا فهو محرم بمقتضى الشريعة والطبيعة، حتى النفس تنفر منه إلا نفسًا مقلوبًا على أمرها. ولهذا قال لهم: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾. ليس هذا شهوة طبيعية تمليها الطبيعة، وهو حقيقة، كيف الإنسان يروح مثلًا يستعمل هذا المحل اللي هو محل الخبث والأنتان والأقذار، وربما يعلق به شيء من ذلك، ويدع المحل الطاهر الذي أباحه الله له؟!
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences