Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:76–81, continued
* الشيخ: لا، هذه نعم، هذا أقرب، ما لها التمثيل والتشبيه، يعني شبههم برجل أصم ولى مدبرًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...).
* طالب: إي نعم (...).
* الشيخ: ﴿وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ على كل حال يصلح، لكن بس هنا، كونها تشبيهًا أقرب، ولّا هم يجوز أن نقول: إنهم صم، وإنه انتفى السماع عنهم لانتفاء فائدته. فيكون هنا نفي السمع عنهم لانتفاء فائدته، والشيء قد ينفَى لانتفاء فائدته: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ (٢٠) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال ٢٠، ٢١].
ثم قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾، ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾ بالكسر؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: نعم. هذه فيها إشكال من الناحية النحوية، قال: ﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾، ما هي ﴿بِهَادِ﴾ اسم فاعل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: واسم الفاعل يعمل عمل الفعل، وهنا ما نصب العمي.
* طالب: بالإضافة.
* الشيخ: بالإضافة، إذن هو مضاف إلى مفعوله معنى، وليس كقوله: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ﴾ [البقرة ٢٥١]؛ لأن ﴿دَفْعُ اللَّهِ﴾ مضافة إلى فاعلها، هنا مضافة إلى مفعولها.
الإشكال الثاني: قوله: ﴿الْعُمْيِ﴾ بالكسر، وإحنا قلنا: إن الاسم إذا كان منقوصًا فإنه لا يظهر عليه إلا الفتح، (...) الفتح؟ وهنا ظهرت الكسرة على الياء؟
* طالب: جمع.
* الشيخ: إي (...) الجمع؟ (...) جمع، لا فرق بين الجمع وبين غير الجمع، هذا مثل المنقوص؟
* طالب: (...) ﴿هَادِ الْعُمْيِ﴾ ساكنة.
* الشيخ: إي نعم، إذن ليس منقوصًا، هذا ليس منقوصًا؛ لأن المنقوص كل اسم معرب آخره ياء لازمة أيش بعد؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مكسور ما قبلها، وهذه ساكن ما قبلها، واضح؟ إذن ليس منقوصًا.
﴿بِهَادِ الْعُمْيِ﴾: جمع أعمى.
﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ قوله: ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾: هي متعلقة بالعمي ولّا ﴿بِهَادِ﴾؟ ﴿بِهَادِ﴾ بلا شك.
وقال بعضهم: متعلقة بالعمي، وتكون ﴿عَنْ﴾ هذه للمجاوزة؛ كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود ٥٣]، أي: أنهم عمي بسبب ضلالتهم، ولكنه ليس بصحيح.
بل ﴿عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ متعلق ﴿بِهَادِ﴾، ويصير (هاد) بمعنى صارف؛ لأن الهداية تتضمن أمرين، الصرف عن الضلال أيش بعد؟
* طالب: والدلالة (...).
* الشيخ: والدلالة على الحق، فيقول: ما أنت بصارف هؤلاء عن ضلالتهم إلى الحق، لماذا؟
(﴿إِنْ﴾ ما ﴿تُسْمِعُ﴾ سماع إفهام وقبول ﴿إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ القرآن ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ مخلصون لله تعالى بتوحيده).
قوله: ما ﴿تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ﴾، ﴿إِنْ﴾ أي بمعنى: ما.
وإحنا ذكرنا لكم قبل أن (إن) تأتي لعدة أمور. فتأتي؟
* طالب: للشرط.
* الشيخ: تأتي شرطية، أيش بعد؟
* طالب: (...) نافية.
* الشيخ: وتأتي نافية
* الطالب: بعد (إلا).
* الشيخ: إذا وقعت بعد (إلا) للتوكيد، وهي المخففة من الثقيلة، الرابع؟
* طالب: تكون زائدة.
* الشيخ: تكون زائدة، فتكون زائدة.
الزائدة كقوله:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
قوله: (ما إن أنتم) أي: ما أنتم.
نعم، ولهذا قال ابن مالك:
إِعْمَالُ لَيْسَ أُعْمِلَتْ (مَا) دُونَ (إِنْ) ∗∗∗ مَـــــــــــعَ بَقَــــــــا النَّــــــفْيِ،وَتَـــــــــــرْتِيبٍ زُكِـــــــــنْ
إعمال (ما) دون (إن): يَقِصد بـ(إن) الزائدة، يُمثَّل لها بهذا البيت:
بَنِي غُدَانَـــــــــةَ مَـــــــا إِنْأَنْتُـــــــمُ ذهَـــــــــــــبٌ ∗∗∗ وَلَا صَـــرِيــفٌ وَلَكِــــــنْ أَنْتُــــــــــمُالْخَــــــــــــــزَفُ
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذه تخفيف كأن، هذه كأن مخففة (...) إلا، نعم، طيب.
يقول: إن..
﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل ٨٢].
قبل أن نتكلم على هذا نستنبط من الفوائد ما شاء الله مما قبل من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦].
* أولًا: في هذه الآية من الفوائد: أن القرآن كلام؛ لقوله: ﴿يَقُصُّ﴾ والقصص قول، فالقرآن إذن قول، ومعلوم أن القرآن نزل من الله فيكون قولًا لله سبحانه وتعالى، كما يدل على ذلك سياق الآيات: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾ [النمل ٧٨]، في هذا القول الذي قص عليه.
* الفائدة الثانية: أنه يجوز أن يُخصَّ طائفة ممن يُخاطبون من أجل إقامة الحجة عليهم، فإن القرآن يقص على بني إسرائيل وغيرهم، لكن بني إسرائيل اعتنى بهم هنا؛ لأن الموضوع فيما يتعلق بهم.
* الفائدة الثالثة: أنه ينبغي أن يُعتنى بما هو أهم أو بما هو مهم، ويُترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ولم يقص عليهم جميع ما يختلفون فيه،وأن مما اختلفوا فيه ما لا فائدة من ذكره أو ما لا داعي لذكره، وهذه المسألة ينبغي للإنسان أن يعتني بها، بأن يقتصر على المهم أو الأهم، وأن يدع ما لا فائدة منه؛ لأنه إضاعة للوقت وتطويل للكلام بلا فائدة، ومن ذلك ما يوجد في كثير من التفاسير يذكرون الاختلاف في أمور هي في الحقيقة واحد، تجده مثلًا يذكر الخلاف عن مجاهد ومقاتل وعلقمة وابن مسعود وابن عباس، والاختلاف بينهم إنما هو في التعبير فقط، فمثلًا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء ٢٣]، يقول: قال بعض العلماء: قضى بمعنى (وصّى)، وبعضهم يقول: بمعنى (عهد)، وبعضهم يقول: بمعنى (أوجب)، وبعضهم يقول: بمعنى (ألزم)، هذه لا داعي لها؛ لأن كل هذه الكلمات الأربع مثلًا تدل على معنى واحد.
كذلك أيضًا يذكرون الخلاف بما لا طائل تحته، كما ذكروا الاختلاف في كلب أصحاب الكهف، هو أسود ولا أحمر ولا أبيض، وما أشبه ذلك.
وكذلك أيضًا اختلافهم في عدة أصحاب الكهف فإن الله تعالى ذكر الخلاف، وأبطل قولين، وأقر الثالث، المهم أن الله يقول بعد هذا بعد ما ذكر القولين وأبطل الثالث: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف ٢٢]؛ يعني: لا تتعمق إذا جاء أحد يجادلك في هذا الأمر؛ لأنه لا فائدة منه، فالشيء الذي لا فائدة منه أو فائدته قليلة ويضيع عليك ما هو أهم ينبغي لك تجنبه، وهذا ليتنا نسير عليه في حياتنا كلها، لكنا نستوعب الوقت فيما فيه الفائدة، لكن ما أكثر الأوقات التي تضيع علينا، وما أكثر الأقوال التي تقال ونضيّع الوقت فيها، المهم أنه يؤخذ من هذه الآية أنه ينبغي الاعتناء بما هو أهم وترك ما لا فائدة منه؛ لقوله: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
* الفائدة الرابعة: الإشارة إلى الخلاف بين بني إسرائيل: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والاختلاف رحمة ولا شر؟
* طلبة: شر.
* الشيخ: وأما «اخْتِلَافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌ»[[ينظر تخريج أحاديث إحياء علوم الدين (١/ ١٠٦)، وكنز العمال (١٠/ ١٣٦).]] فموضوع لا يصح؛ لأن الله يقول: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، لكن لو صح هذا الحديث مثلًا، أو قاله بعض أهل العلم من قوله فالمعنى: أن هذا الاختلاف داخل في رحمة الله وفي سعته بالنسبة للمختلفين؛ أي: أنهم لا يُعذّبون، وليس المعنى: أن إيقاع الخلاف بينهم من رحمة الله، بل هو من حكمة الله، ولكن رحمة الله وسعت فلا يقال مثلًا: إنهم معذّبون بهذا الخلاف، أو إن الواحد المصيب منهم له أجر والباقون محرومون أو ما أشبه ذلك.
* طالب: (...) الصحيح أنه لا يتكلم مرتاحون من هذا، فهم معذورون (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ يعني بعض الناس تقول هكذا، ويتخذ من هذا المعنى وسيلة إلى جواز الترخُّص، ويقول: اختلافهم رحمة؛ بمعنى أن لي أن آخذ بأحد الأقوال التي تناسبني، ولكن ليس هكذا، فإذا صدر من قول أهل العلم فإنه لا يصح إلا على الوجه الذي قلت: إن المعنى: أن هذا الاختلاف تحت رحمة الله، فلا يُعذّب أحد عليه.
* طالب: من الممكن أن يكون (...) ما ظاهره الاختلاف (...) العلماء إلى الآن، فظاهرة الاختلاف موجودة، هل من الممكن أن يكون وجودها على خلاف مصلحة أولى؟
* الشيخ: تمام، لكن الحكمة اقتضت لأن الصراع بين هذه الأقوال يتبين به الحق أكثر، ولذلك تجد الإنسان عندما يمر به قول لا خلاف فيه ما يتطلب الأدلة ولا يمرر نفسه عليه، فهذا الصراع بين المتخالفين فيه حكمة، وإلا لو كانوا على قول واحد لكانوا أصلح بلا شك، والآية صريحة في هذا، إذن يؤخذ من هذا أن الاختلاف ليس بمحمود.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: بيان مرتبة القرآن وفضله، وأنه هدى ورحمة، (...) في الدلالة ورحمة بالعمل به.
* الفائدة الثانية: أنه لا ينال هذا الهدى وتلك الرحمة إلا المؤمنون؛ لقوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الفائدة الثالثة: أنه لا معارضة بين هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ في وصف القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة ١٨٥].
والجمع بينهما؛ أن الإثبات هنا والإثبات هناك مختلف الجهة، فهناك: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بمعنى دليل لهم، فهو دليل لكل الناس، لكن هل من استدل به انتفع به؟ لا، قد يهتدي به وقد لا يهتدي، إنما هو نفسه صالح للهداية لجميع البشر.
* الفائدة الرابعة: فائدة الإيمان، لو لم يكن من فوائد الإيمان إلا هذا لكفى، وهو أيش؟ الاهتداء بالقرآن ونيل الرحمة به.
* الفائدة الخامسة: أنه كلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء بالقرآن، وهذا مأخوذ من قاعدة مرت علينا، وهو أن الحكم إذا عُلِّق بوصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف وضعف بضعف ذلك الوصف، واضح؟
فما دامت الهداية والرحمة معلّقة بوصف الإيمان، فكلما ازداد هذا الوصف ازداد الهدى وازدادت الرحمة، القاعدة: أن الحكم إذا عُلِّق بوصف فإنه يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
* طالب: الفائدة؟
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فائدة الإيمان؟
* الطالب: كلما كان الإنسان أقوى؟
* الشيخ: أقوى إيمانًا كان أقوى اهتداء.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: أن القضاء موكول إلى الله وحده؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
* ثانيًا: أن كل قضاء لا يستند إلى قضاء الله فهو باطل.
* الفائدة الثالثة: إثبات العدل لله سبحانه وتعالى، منين تؤخذ؟ من قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾ فإن إضافة الحكم إلى الله دليل على أنه مشتمل على العدل.
* الفائدة الرابعة: وهي مستفادة من التفسير أيضًا؛ أن الحكم هذا يتضمن الحكم الشرعي والحكم الجزائي، فيقضي بينهم بحكمه شرعًا في الدنيا، وبجزائه عدلًا في الآخرة.
ذكرنا في درس أمس للإضافة إلى حكم الله فائدتين من يعرفهما؟ الحكم إلى الله فيه فائدتين.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا غير هذا، قلنا: إضافته إلى الله سبحانه وتعالى يقتضي أمرين؛ أحدهما: العدل، والثاني: الإصلاح.
يعني ما دام حكمًا مضافًا إلى الله سبحانه وتعالى، وقد عُلم أنه سبحانه وتعالى حكيم، فإن هذا الحكم لا بد أن يكون مناسبًا وموافقًا لمحله، وكل حكم وافق محله فهو إصلاح، فإن هذا يتضمن العدل والإصلاح.
* الفائدة الخامسة: وصف الله تعالى بالعزّة والعلم؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾.
* الفائدة السادسة: قرن العزة مع العلم في هذا الموضع يستفاد منه فائدة مستقلة غير فائدة العزة على حدة والعلم على حدة؛ يعني: يستفاد من جمعهما فائدة مكونة منه، وهي: أن حكم الله سبحانه وتعالى لا بد أن ينفذ؛ لقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾، ولا بد أن يكون مطابقًا وصحيحًا من قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ لأننا قلنا فيما سبق: إن من تمام الحكم العلم والعزة، العلم ليحكم بالصواب، والعزة لينفذ ما حكم.
وأن خلل الحكم يأتي إما من الجهل وإما من الضعف، إما لجهل -أي: الحاكم- فيحكم بغير الصواب، وإما لضعفه فلا يستطيع أن ينفّذ، ولَّا لا؟
إذن يؤخذ من جمع هذين الوصفين لله سبحانه وتعالى عقب ذكر الحكم: تمام حكم الله؛ حيث كان مبنيًا على أي شيء؟ على العزة والعلم، فبالعزة يكون التنفيذ، وبالعلم يكون الصواب، فهمتم ولَّا لا؟
* الفائدة السابعة: تقديم الأخص من الأوصاف على الأعم، الأخص يعني معناه: الأنسب للقضية، فهنا قدم العزة على العلم مع أن العلم سابق عليها في الترتيب الحكمي، في الترتيب الحكمي، أيهما أسبق؟
* طالب: العلم الأسبق؛ لأن الإنسان يعلم، ثم يحكم.
* الشيخ: يعلم، ثم يحكم، ثم ينفذ، ففي الترتيب الحكمي العلم مقدم، لكن هنا قدم العزة على العلم بالذكر، لماذا؟ لأن المقصود الأهم في الحكم هو تنفيذه، فكان من المناسب تقديم أيش؟
العزة على العلم نظير هذا قوله تعالى عن الملائكة لما قالت امرأة إبراهيم حينما ﴿صَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ﴾ [الذاريات ٢٩] ﴿قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ﴾ [الذاريات ٣٠]، فقدموا الحكمة على العلم، مع أن العلم سابق؛ إذ لا حكمة إلا بعلم، لكنه لما كان هذا أمرًا خارجًا عن العادة ومستغربًا قدّموا الحكمة ليتبين لها أنه ما خرج ذلك عن العادة إلا لحكمة، هذه فوائد سبع من قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨].
قال الله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النمل ٧٩].
* يستفاد من هذه الآية؛ أولًا: وجوب التوكل على الله؛ لقوله: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، والأصل في الأمر الوجوب، ومعنى التوكل سبق تفصيله.
* الفائدة الثانية: أن بالتوكل على الله سبحانه وتعالى تتيسر الأمور؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام يكابد من عناد بني إسرائيل وغيرهم، فأمره الله بالتوكل عليه؛ لأن الله ذكر فائدة التوكل في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، فبالاعتماد على الله تتيسر الأمور، وباعتماد الإنسان على نفسه يحصل الخذلان ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [التوبة ٢٥] مع أن الرسول معهم عليه الصلاة والسلام، ومع أنهم خير القرون، وأفضل أهل الأرض لما قالوا: لن نغلب اليوم من قلة حصل هذا الأمر، فيتبين بهذا أن من اعتمد على نفسه في حصول مقصوده أو دفع مضروره فإنه يُخذل، واضح؟
ولهذا أمر الله رسوله بالتوكل على الله في هذا المقام مقام النزاع، وبيان الحق لبني إسرائيل وهو يكابد النبي عليه الصلاة والسلام من ذلك.
* والفائدة الثالثة: تسلية الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الرابعة: شهادة الله تعالى لما جاء به الرسول بأنه الحق؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
* ومن هذه الفائدة نستفيد فائدة أخرى وهي: الترغيب في سلوك طريق النبي ﷺ، ما دام حقًّا؛ لأن كل إنسان عاقل يختار الحق على الباطل.
* الفائدة الخامسة: فضيلة النبي ﷺ حيث كان مسلكه الحق المبين: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ فهذا فيه شهادة من الله وتسلية للرسول عليه الصلاة والسلام وهو يتضمن فضيلة الرسول ﷺ؛ لأن الشهادة من الله أنه على الحق المبين.
* الفائدة السادسة: أن كل ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل؛ لأننا لو قلنا: إنه حق للزم الجمع بين النقيضين، يكون ما كان عليه الرسول حق، وهذا حق، ما يمكن وهو يخالفه؛ إذ هذا جمع بين النقيضين، إذ لا يمكن أن يكون الشيئان المتناقضان كل منهما حق، لا بد أن أحدهما هو الحق، ولهذا يقول الله عز وجل: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ [يونس ٣٢]، ويقول: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ﴾ حدانا ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ ٢٤] واضح؟
وبهذا نعرف أن جميع ما خالف ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام فهو باطل، وهو في النار كما قال الرسول ﷺ: «كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً»[[أخرجه ابن ماجه (٣٩٩٣) من حديث أنس بن مالك.]].
فإن كانت المخالفة تامة فهو باطل كله، وإن كانت المخالفة جزئية كان فيه من الباطل بقدر ما خالف ما كان عليه الرسول ﷺ.
* الفائدة السابعة: ظهور أحقية ما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام، أنه حق ليس فيه خفاء؛ لقوله: ﴿الْمُبِينِ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن بيان الحق لا يلزم منه أن يكون بينًا لكل أحد، فإن الخفافيش تعمى بضياء النهار، فلا يلزم من كون الرسول عليه الصلاة والسلام على الحق المبين ألا يعرض عنه أحد، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [النمل ٨٠]؛ يعني: لا تظن أن هؤلاء الذين أعرضوا، أعرضوا لأنك على باطل، بل لعدم قابلية المحل.
وتعرفون أن الشيء وإن كان تامًّا إذا لم يجد محلًّا قابلًا لم يكن له تأثير، رجل معه سيف مُصْلَت وحادٌّ للغاية، وأمامه عمود من حديد صلب وهو ينتخي ويقول:
أَنَا ابْنُ جَلَا وَطَلَّاعُ الثَّنَايَا ∗∗∗ .....................
ويضرب هذا الصلب الحديد بالسيف، يريد أن يقطعه، هل ينقطع هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا، لعدم قابلية المحل، الآن السبب موجود سيف صارم، ورجل شجاع، ورجل يعزز نفسه، ويتشجع ويصيح بهذا العمود من الحديد، وطبعًا إذا صار بهذه الحالة بيضرب بقوة ولَّا لا؟ ولَّا لا يضرب؟
* طالب: بقوة.
* الشيخ: بقوة، ومع ذلك لم يؤثر؛ لأن المحل غير قابل، فما كان عليه الرسول عليه الصلاة والسلام من الحق المبين هو حق مبين بلا شك بيّن ظاهر، وعدم سماع هؤلاء له ليس لخلل فيه، السبب كان، لكن الخلل في المحل، غير قابل لهذا الحق، ولهذا ما أحسن هذه العبارة أو هذه الآية بعد الآية التي قبلها ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ فلا تظن أنك لست على حق، لكن هؤلاء موتى، هذه ثمان فوائد.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠) وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [النمل ٨٠، ٨١].
* في هذه من الفوائد؛ أولًا: أن الميت، والمراد بالميت هنا ميت القلب، أو الموتى موتى الأجسام على سبيل التمثيل لا يسمع، فإذا كان ميّت القلب فالأمر ظاهر أنه لا يسمع سماعا ينتفع به، وإلا فهو يسمع سماع إدراك، لكنه لا ينتفع به.
* الفائدة الثانية: استدل بالآية هذه من قال: إن الموتى في قبورهم لا يسمعون.
وهذه المسألة اختلف فيها أهل العلم: منهم من قال: إن الموتى يسمعون، ولكن لا يجيبون.
ومنهم من قال: إنهم لا يسمعون، ويقبل ما وردت به السنة من سماعهم، لكنه يقصره على ذلك، ويقول فيما عدا ذلك لا يسمع الميت، فالسنة وردت بأن «الْمَيِّت إِذَا دُفِنَ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٣٨)، ومسلم (٢٨٧٠ / ٧٠) من حديث أنس بن مالك.]]، السنة وردت فيما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه وقف على أصحاب قليب بدر من المشركين، وجعل يؤنّبهم: يا فلان ابن فلان، يا فلان ابن فلان، بأسمائهم وأسماء آبائهم «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؛ فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» فيقال للرسول عليه الصلاة والسلام: ما تكلم من قوم قد جيفوا؟ فيقول: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة الأنصاري.]].
فهذا الكلام الآن والمناداة؟ كانت عند الدفن أو عند إلقاء الميت أو تسليمه للآخرة، فلا يقتضي أن يسمع كل وقت، ومن العلماء من قال: إنه يسمع كل وقت كشيخ الإسلام ابن تيمية ويستدلون بالحديث الذي رواه ابن عبد البر، وصححه وهو: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرٍ يَعْرِفُهُ فِي الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ»[[الاستذكار (١ / ١٨٥) من حديث ابن عباس.]]، فيصححون هذا الحديث، وبعضهم يضعفه ويقول: إنه لا يصح.
ولكن هذا الحديث لا ينبغي أن يكون هو ركيزة من يقول: إن الموتى يسمعون، بل إننا نقول: الموتى يسمعون قد نستدل بحديث أصح من هذا، وهو ما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه يزور المقبرة ويقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الدِّيَارِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ»[[أخرجه مسلم (٩٧٥ / ١٠٤) من حديث بريدة الأسلمي.]].
وتوجيه السلام إليهم في الخطاب يدل على أنهم يسمعون، وإلا لكان يقول: السلام على أهل الديار من المؤمنين، ولا يقول: عليكم.
ولو قال قائل: إن هذا من باب قوة الاستحضار، قلنا: قوة الاستحضار لا تحتاج إلى الدنو، ولهذا نحن نقول: السلام عليك أيها النبي، وإن كنا بعيدين، ولا يسن أن نقول الآن هنا: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، حتى نحضر إليهم، فدل هذا على أنهم يسمعون.
يبقى عندنا: إذا كانوا يسمعون فما هو الجواب عن هذه الآية ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾؟
نقول: المراد السماع سماع القبول إذا كان المقصود بالموتى موتى القلوب، أو السماع الذي تحصل به الإجابة، وسماع الإدراك الدنيوي، هذا ما يمكن.
يعني: ليس سماع الميت لما يتكلم به الإنسان كإدراك الحي، بل هو سماع ما نعرف عاد كيفيته إنما هو سماع لا يمكن أن يجيب، إلا إذا أراد الله تبارك وتعالى إحياؤه وتكلم ونطق، فهذا يمكن مثل صاحب البقرة؛ فإن صاحب البقرة ضربوه ببعضها فأحياه الله وتكلم ومات، ولكنه لم يتكلم، ولم يجب إلا بعد أن حي حياة دنيوية، ثم أماته الله.
* طالب: حديث ابن عبد البر وجه الدلالة على السماع؟
* الشيخ: قوله: إلا رد الله عليه روحه فرد عليه السلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكنه كلما سلّم عليه رد عليه وعرفه، إذن هو يسمع.
* طالب: ما هو بأخص بالدعوة.
* الشيخ: لا، ما هو بأخص بالدعوة.
* طالب: قد لا يسلّم هو يتكلم بكلام آخر.
* الشيخ: طيب، ويش المانع؟ وهو على كل حال ما هم بيسمعون كل الكلام؛ يعني مثلًا: لو نمر أنا وإياك في قبر ونحن نتكلم، ما يلزم من هذا أنهم يسمعون، ما يسمعون إلا الخطاب الموجّه إليهم، وليس معنى ذلك أنهم يسمعون، وإن كان ظاهر كلام الفقهاء أنهم يسمعون حتى ما لا يخاطبون به.
* طالب: ما يكون مانع أنهم يسمعون الكلام إليهم فقط، وإن كلّمناهم مرة أخرى لا يسمعون؟
* الشيخ: لا، يسمعون مطلقًا؛ لأنه إذا كان السبب في هذا السماع ما هو الخطاب خطابنا لهم.
* الطالب: توقيفي يا شيخ يعني؟
* الشيخ: هو توقيفي، لكن ما دام الخطاب إذا سمعوه مرة يسمعوه مرة أخرى، ويش المانع؟
* طالب: ما يقال المفهوم بأنها تنزع الروح بعد السلام؛ لأنها إذا رُدّت لأجل السلام..
* الشيخ: نعم، هو الظاهر، هذا هو الظاهر، أنها إذا رُدَّت فإنها إذا انتهى السلام لم تسمع، نحن نقول: كلما خُوطبوا رد الله عليهم أرواحهم فسمعوا.
بقي أن يقال: هل يسمعون بدون مخاطبة؟
ظاهر كلام الفقهاء أيضًا أنهم يسمعون، ولهذا قالوا: إن الميت يتأذى بفعل المنكر عنده من قول أو فعل، وعلى هذا على رأي الفقهاء، ولا أدري ما مستنده، يكونون يسمعون حتى ما لم يخاطبوا به، وعليه أيضًا: يكون للإنسان إذا شرّف القبر بالأحجار التي تلقى عليه أو بالكتابات أو بغير ذلك، فإن الميت يتأذى به؛ لأن هذا من المنكر، تشريف القبر وتمييزه على غيره من القبور هذا منكر ولا يجوز.
فعلى كلام الفقهاء يكون الميت يتأذى بذلك، ويكون هذا الذي أراد تشريف ميّته هو في الحقيقة آذاه.
* طالب: (...) سماعهم يوم الجمعة أو صلاة الجمعة..
* الشيخ: هذا ما بصحيح على كل حال.
* الثالثة: أن من لم يقبل الحق فهو بمنزلة الأصم الذي لا يسمعه؛ لقوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
* الفائدة الرابعة: أن الجوارح والحواس التي لا يُنتفع بها كالمعدومة، وجه ذلك: أن هؤلاء لهم آذان ولهم سمع، لكن لما لم ينتفعوا به صاروا صُمًّا.
* الفائدة الخامسة: بيان شدة إعراض هؤلاء عن الحق؛ لأنهم صم مولون مدبرون، وهذا أبعد ما يكون عن السماع، فالأصم إذا كان مقبلًا إليك قد يفهم منك ما يفهمه من الإشارات والحركات، فينتفع بذلك ولو كان أصم، لكن إذا ولّى مع الإدبار ولّى ببدنه وأدبر بقلبه أو بالعكس، فإن ذلك يكون أشد استحالة في سماعه مما إذا كان أصم مع الإقبال.
وأيضًا في هذا دليل على أن الإنسان -والعياذ بالله- إذا ولى مدبرًا عن الشرع، فإنه قد يعاقب بالصمم عن سماع الحق؛ بحيث أنه ما ينفع له موعظة ولا نصيحة، وهذا هو الغالب، الغالب أن الإنسان إذا كان ما عنده إقبال على الحق أن يُحرم الحق، حتى لو تكلم الناس وفعلوا وأقاموا الأدلة ما انتفع بذلك.
ونضرب لكم مثلًا الآن: بالمرابين والمتحايلين على الربا، هم ما يسمعون المواعظ؟ يسمعونها لكنهم يولون، يرون أن ما هم عليه لا بد أن يفعلوه، ولذلك ما وفقوا للانتفاع بها، ما وفقوا بل بقوا على ضلالهم، والسبب في هذا أن ما عندهم أي إقبال من الإقبال الذي ينفعهم، فلهذا نقول: إن هذه الآية تدل على أن الإنسان إذا ولّى مدبرًا عن الحق فإنه لا يوفق لسماعه.
* الفائدة السابعة: أن المعرض عن الحق بمنزلة الأعمى، فهنا قال: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾.
* الفائدة الثامنة: أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يملك هداية الخلق؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلالَتِهِمْ﴾، ولا يعارض هذا قول الله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى ٥٢]؛ لأن الهداية المثبتة غير الهداية المنفية.
ما هي الهداية المثبتة؟
* طلبة: هداية الدلالة.
* الشيخ: هداية الدلالة والعلم والبيان؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام معلم مبيّن، ودال للخلق على الحق، وأما التوفيق لذلك فهو بيد الله، فالجمع بين الهداية المثبتة للرسول ﷺ والمنفية عنه أن نقول: ما أثبت للرسول فهو هداية العلم والبيان، وما نفي عنه فهو هداية التوفيق والعمل، ما يستطيع هذا أبدًا.
* ويستفاد من هذه الآية: أن هؤلاء الجماعة الذين أعرضوا عن الحق قد أُقفلت عليهم طرق الخير، فهم موتى القلوب؛ لم ينتفعوا بقلوبهم، صم الآذان؛ لم ينتفعوا بآذانهم، عمي العيون؛ لم ينتفعوا بعيونهم.
والآيات إما عقلية أو مسموعة أو مرئية: فالعقلية محلها القلب، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
والمشهودة بالعين، وقد انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ﴾.
والمسموعة بالآذان، انتفى عنهم الانتفاع بها في قوله: ﴿وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾، فجميع الطرق التي تحصل بها الهداية في هؤلاء كلها والعياذ بالله مسدودة مغلقة.
* الفائدة التاسعة أو العاشرة: أن الذي ينتفع بالآيات التي جاء بها الرسول هم المؤمنون بها ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾.
* والحادية عشرة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بآيات الله قوي انتفاعه بها؛ لأنه عُلِّق على وصف الإيمان به في هذه الآيات، فكلما قوي هذا الوصف قوي الانتفاع.
* الفائدة الثانية عشرة: أن الإيمان يستلزم الإسلام؛ لقوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وهل الإسلام يستلزم الإيمان؟
* طلبة: ما يستلزمه.
* الشيخ: ما يستلزمه قد يكون الإنسان مسلمًا وليس بمؤمن، ولهذا قيل: عند الرسول عليه الصلاة والسلام عن رجل إنه مؤمن فقال: «أَوْ مُسْلِمٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٧)، ومسلم (١٥٠ / ٢٣٦)، واللفظ له من حديث سعد بن أبي وقاص.]]، فدل ذلك على الفرق بين الإيمان وبين الإسلام.
كثير من الناس الآن، كثير من المسلمين مسلمون، ولكن ليسوا بمؤمنين، وكثير من المسلمين مستسلمون وليسوا بمسلمين، فالمسلمون اليوم إما مستسلم، أو مسلم، أو مؤمن، أقلهم المؤمن بلا شك.
والمسلم المستسلم كثير في البلاد التي غير بلادنا، أكثرهم مسلم بمعنى مستسلِم هوية فقط، ولهذا يجي ناس من البلاد الأخرى يقولون: ما نعرف نتوضأ، ولا نعرف نصلي، ولا نعرف أوقات الصلاة، ومع ذلك مكتوب في الهوية مسلم.
القسم الثالث: المسلم غير المؤمن، وهذا كثير في بلادنا، مسلمون لكن ليسوا بمؤمنين.
الدليل على هذا: أن الأعمال أو الأخلاق التي عُلِّقت بالإيمان تجدها مفقودة في كثير من هؤلاء لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه، موجود هذا بكثرة؟
* طالب: بندرة.
* الشيخ: بقلة، «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنّا»[[أخرجه مسلم (١٠٢ / ١٦٤)، والترمذي (١٣١٥) من حديث أبي هريرة، واللفظ للترمذي.]]، انتفاء الغش موجود بكثرة؟ بقلّة، «لَا يُؤْمِنُ مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ»[[أخرجه البخاري (٦٠١٦) من حديث أبي شريح.]]، بقلّة وامشِ على هذا، لا يدخل الجنة نمَّام، هذا موجود النميمة بكثرة، فالمهم أن الإيمان بالنسبة للمسلمين اليوم قليل، والإسلام كثير، والاستسلام أكثر.
* طالب: لا يدخل الجنة (...).
* الشيخ: إي نعم، يدخل الجنة؛ لأن المسلم شرعًا بس ما دخل الإيمان في قلبه، فمآله إلى الجنة لكنه ما يدخل.. له معاصٍ، إما عاد أن يعذب عليها، وإما أن يُعفى عنه.
* الطالب: ما الفرق (...)؟
* الشيخ: الفرق بينهما أن المسلم عنده إيمان، وأما المنافق فليس فيه إيمان إطلاقًا، المنافق قلبه خالي من الإيمان، والعياذ بالله.
* الطالب: هو أرفع درجة يا شيخ؟
* الشيخ: المستسلم أرفع من المنافق، إي نعم؛ لأن المستسلم عنده يعني تجاه الإسلام حقيقة، لكن ما عنده الشيء مثل ما عند المسلم الذي ينفّذ الشرائع، يكون غالبًا جاهلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، إي بمعنى أنه (...) أسلم، يحقق الإسلام.
* الفائدة الثالثة عشرة: قوله: ﴿بِآيَاتِنَا﴾ تفيد بأن الآيات كثيرة ليست واحدة، وهي تنقسم إلى أيش؟ قسمين: آيات كونية، وآيات شرعية، فما جاءت به الرسل، ونزلت به الكتب فهو آيات شرعية، وما دلت عليه الحوادث، أو ما كان من الحوادث فهو من الآيات الكونية قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧] هذه أيش هي؟
* طلبة: كونية.
* الشيخ: كونية، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ [الأحقاف ٧] هذه الآيات الشرعية.
ما وجه كون الآيات آيات: لأنها دالة على الله، ما نقول: على خالقها ونريد بها الشرعية، دالة على الله.
والآيات الكونية دالة على الخالق من حيث القدرة والحكمة والسلطان إلى غير ذلك من معاني الربوبية، والآيات الشرعية دالة على منزّلها من حيث العدل والإصلاح؛ لأن جميع الشرائع ما هو شريعة الإسلام فقط -الذي جاء بها محمد- كلها تحارب الفساد، وكلها تقرر الصلاح، لكن شريعتنا تمتاز على غيرها بأنها تراعي المصالح العامة (...).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences