Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
An-Naml 27:76–81
27:76–81Page 383
إِنَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانَ يَقُصُّ عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَكۡثَرَ ٱلَّذِي هُمۡ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٧٦
Indeed, this Qur’ān relates to the Children of Israel most of that over which they disagree.
وَإِنَّهُۥ لَهُدٗى وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ ٧٧
And indeed, it is guidance and mercy for the believers.
إِنَّ رَبَّكَ يَقۡضِي بَيۡنَهُم بِحُكۡمِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡعَلِيمُ ٧٨
Indeed, your Lord will judge between them by His [wise] judgement. And He is the Exalted in Might, the Knowing.
فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۖ إِنَّكَ عَلَى ٱلۡحَقِّ ٱلۡمُبِينِ ٧٩
So rely upon Allāh; indeed, you are upon the clear truth.
إِنَّكَ لَا تُسۡمِعُ ٱلۡمَوۡتَىٰ وَلَا تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا وَلَّوۡاْ مُدۡبِرِينَ ٨٠
Indeed, you will not make the dead hear, nor will you make the deaf hear the call when they have turned their backs retreating.
وَمَآ أَنتَ بِهَٰدِي ٱلۡعُمۡيِ عَن ضَلَٰلَتِهِمۡۖ إِن تُسۡمِعُ إِلَّا مَن يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا فَهُم مُّسۡلِمُونَ ٨١
And you cannot guide the blind away from their error. You will only make hear those who believe in Our verses so they are Muslims [i.e., submitting to Allāh].
ثم قال الله تعالى: (﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في زمن نبينا ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [النمل ٧٦] أي: ببيان ما ذكر على وجهه الرافع للاختلاف بينهم لو أخذوا به وأسلموا).
﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ﴾: ﴿هَذَا الْقُرْآنَ﴾ يعني المنزّل على النبي ﷺ.
و(قرآن) إما مصدر بمعنى اسم المفعول وإما اسم فاعل.
المعنى الأول: قرآن: مصدر بمعنى المفعول؛ فلأنه مقروء، أي يقرأ، وهو أيضًا: مقروء من القرء بمعنى: الجمع. فهو مجموع وهو متلو؛ بمعنى الجمع والتلاوة.
وأما على أنه مصدر: فإن فُعلان تأتي مصدرًا، مثل: الغُفران والشُّكران، فهو في الحقيقة مصدر بمعنى اسم المفعول، وإما مصدر مطلق، كالغفران والشكران.
ما (...) اسم فاعل بمعنى أنه جامع لأحكام الكتب السابقة (...)، هذا وجه أيضًا ثالث: أن يكون قرآن بمعنى جامع، وقد ذكر الله تعالى أن القرآن مهيمن على الكتب السابقة.
وقوله: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ القص بمعنى: التحدث بالشيء، التحدث بالشيء هو القص، فهذا القرآن ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الموجودين في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام، أيش يقص عليهم؟ ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لهذا.
قال: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ﴿بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾: الذكور منهم ولّا والإناث؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: نعم. لأن الابن إذا كان المراد به القبيلة فهو شامل للذكر والأنثى، وإذا لم يرد به القبيلة فهو خاص بالذكور، فإذا قال قائل مثلًا: هذا وقف على بني محمد، محمد شخص، هذا وقف على بني محمد، من يختص به؟
* طلبة: الذكور.
* الشيخ: الذكور، فإذا كان القبيلة كلها تسمى بني محمد فهو للذكور والإناث، بنو تميم: إذا كان الإنسان موقفًا على بني تميم حين وجود تميم قبل أن يكونوا قبيلة، حين وجود الجد، اللي هو تميم؟ فهو خاص بالذكور، وبعد أن كانوا قبيلة يكون عامًّا للذكور وللإناث. إذن بنو إسرائيل هنا المراد بهم القبيلة ولّا لا؟ نعم القبيلة، فيعم الذكر والأنثى.
وإسرائيل هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، فهم أبناء عم للعرب؛ لأن العرب أبوهم إسماعيل بن إبراهيم، وهؤلاء أبوهم يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، يعني جدهم إسحاق اللي هو أخو إسماعيل، هؤلاء القوم ينسبون إلى أبيهم، و وإسرائيل بمعنى عبد الله.
بعض الناس اليوم يقولون: كيف نسمي الدولة اليهودية إسرائيل؟ كيف يكون باسم إسرائيل؟ ويش الجواب؟
الجواب أن هذا نسبة إلى أبيهم، ألسنا نسمي العرب قريشًا؟ نسبة إلى من؟ إلى جدهم قريش، ما نقول: بنو قريش، نقول: قريش. فهنا تسمى القبيلة باسم أبيها، وإن كان بلا شك أن الأنسب أن تسمى بما سماها الله به، وهم بنو إسرائيل، على أننا أيضًا نشك بأن هؤلاء اليهود الموجودين من بني إسرائيل، ما ندري، لعلهم من أوربا ومن غيرها من البلاد التي ليست من بني إسرائيل.
لكن على كل حال، مثل ما أن العرب الآن يعتبرون العروبة بالعربية، ويقولون: من نطق بالعربية فهو عربي، وإن كان أصله أعجميًّا، أولئك أيضًا يقولون: من نطق بالعبرية فهو إسرائيلي، وإن لم يكن من بني إسرائيل، ولهذا نحن الآن نجزم أن الطائفة الآن التي تسمى اليهود ليست كلها من بني إسرائيل، بل إنما ينتمون إلى هؤلاء القوم باعتبار أن الجامع بينهم اللغة.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي﴾: ما قال: كل الذي، قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فما الذي يخرج من الأكثر؟ يخرج بالأكثر؟
* طالب: الأقل.
* الشيخ: يخرج الأقل؛ وذلك أن القرآن إنما قص عليهم ما فيه مصلحة، أما ما لا مصلحة فيه فإنه لا يقصه؛ لأن القرآن كما تعلمون هدى، وكل ما فيه فإنه له معنى ومقصود. فالشيء الذي لا فائدة منه ما يقصه عليهم الذي اختلفوا فيه. مثلًا: اختلفوا في لون الكلب لأصحاب الكهف، هل فيه زيادة فائدة؟ ما فيه فائدة. كذلك اختلفوا في أشياء كثيرة من هذا النوع ما قصها القرآن، البقرة التي أمروا بذبحها اختلفوا من هي له، فقيل: إنها لإنسان بار بابنه، وقيل: إنها لشيخ كبير، وقيل أشياء كثيرة، لكن هذا هل منه فائدة؟ لا، لا فائدة منه، فـ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ مما في ذكره فائدة يقصه هذا القرآن ليحكم بينهم.
﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ لأي شيء يقص ذلك؟
لأجل أن يصدقوا بالقرآن؛ لأنه إذا جاء هذا القرآن قاصًّا عليهم ما سبق مما فعلوه، والنبي ﷺ قد عُلم بأنه ما درس التوراة، ولا درس على اليهود، عُلم أن ما جاء به فهو حق، وهذه هي الحكمة من كونه يقول: ﴿يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، مع أن هذا القصص لبني إسرائيل ولغيرهم، لكن بني إسرائيل عندهم من علم الكتاب ما ليس عند العرب، فلهذا بُين لهم لإقامة الحجة عليهم.
* طالب: (...).
* الشيخ: هو إقامة الحجة عليهم؛ لأنهم يعلمون ما لا يعلم العرب.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي؛ لأن عندهم كتابهم ويعلمون، فإذا نزل هذا القرآن حاكمًا بينهم، ويقص عليهم ما كانوا يختلفون فيه، دل هذا على أنه حق.
* طالب: القَصص (...).
* الشيخ: القَصص مصدر، وقَصصٌ مصدر، والقِصص: جمع قصة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...) بمعنى جمع قصة. ويصلح فقط بمعنى قص، ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف ٣].
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ [الأنعام ٣].
* الطالب: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ (...).
* الشيخ: (...).
(...) ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يعني: لا كله، والذي يقص عليهم ما كان فيه فائدة لهم ولغيرهم، ومن ذلك: ما قص عليهم في شأن عيسى؛ فإن عيسى كما تعرفون اختلف فيه بنو إسرائيل، فمنهم من كذبه وأنكره وزعم أن أمه بغي وقتله، ومنهم من غلا فيه وقال: إنه ابن الله، أو إنه إله، وكذلك أيضًا: خلافهم في السب وغير ذلك مما قص الله علينا في القرآن، فالقرآن قص أكثر الذي هم فيه يختلفون، وأما ما لا فائدة من قصه فتركه.
* * *
قال الله تعالى: (﴿وَإِنَّهُ﴾ -أي القرآن- ﴿لَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [النمل ٧٧] من العذاب).
﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾: هذه الجملة مؤكدة بـ(إن) واللام، ﴿إِنَّهُ لَهُدًى﴾، والهدى معناه الدلالة؛ فإن القرآن هدًى، يعني دلالة، ولكنه لا ينتفع به إلا المؤمنون، كما قيده به في قوله: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾: أي سبب لها، سبب للرحمة؛ لأن الإنسان إذا اهتدى به نال رحمة الله سبحانه وتعالى، فيكون رحمة لكن للمؤمنين، والتقييد بالمؤمنين لأنهم المنتفعون به.
وقد ذكر الله في القرآن أنه هدًى للعالمين، وأنه هدًى للمؤمنين وللمتقين، والجمع بينهما أنه في حالة العموم معناه: دال وموضع دلالة، وفي حالة التقييد: أنه ما انتفع به ووُفق للاهتداء به إلا من قُيد به، هذه الآية من المطلق ولّا من المقيد؟
* طالب: من المقيد.
* طالب آخر: المقيد.
* الشيخ: (...).
* الطالب: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ إي نعم.
إذن ﴿هُدًى﴾ هذا العلم، والرحمة: العمل والتوفيق؛ لأنه سبب الرحمة.
* * *
(﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة ﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي عدله ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ الغالب ﴿الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٨] بما يحكم به فلا يمكن أحدًا مخالفته، كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ أي بين بني إسرائيل؛ لأن السياق فيهم، ولهذا قال: ﴿أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ والمختلفون يحتاجون إلى من يحكم بينهم أيهم على الصواب، فحكم الله بينهم في الدنيا، ويحكم بينهم يوم القيامة، بماذا حكم بينهم في الدينا؟ بما أنزله في القرآن المستفاد من قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ ويحكم بينهم يوم القيامة بالحكم العدل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ﴾.
وقول المؤلف: (﴿يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ كغيرهم يوم القيامة): لا يتعين أن يكون هذا القضاء يوم القيامة، بل قد يكون في الدنيا أيضًا؛ فإن القضاء كما يكون يوم القيامة يكون أيضًا في الدنيا، وقد قضى بينهم في الدنيا بما أنزله في كتابه وبيّن الذين على حق والذين على باطل من بني إسرائيل، وهذا نوع من القضاء، ويوم القيامة يقضي بينهم قضاءً يترتب عليه الثواب؛ الثواب إما بالعقوبة وإما بالإحسان.
فالحاصل أن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ﴾ لا يتعين أن يكون يوم القيامة كما قيده به المؤلف؛ لأن القضاء كما يكون في الآخرة يكون في الدنيا.
وقول المؤلف: (كغيرهم): يفيد أن القضاء يوم القيامة ليس بين بني إسرائيل فقط، بل بينهم وبين غيرهم، وهذا أمر لا شك فيه، ولا حاجة إلى تقديره؛ لأنه ما دام السياق في بني إسرائيل فإن (غيرهم) لا ينبغي أن تقحم في هذه الآية؛ لأنك إذا أقحمت (كغيرهم) يكون كالاعتراض على القرآن؛ لأن معناه أن المقام يقتضيه ولكنه لم يُبَيّن، فنقول هنا: لا حاجة إلى تقدير (كغيرهم)، بل هو يقضي بينهم، والآية هنا لم تتعرض للقضاء العام، وأما القضاء العام فمستفاد من آيات أخرى.
﴿بِحُكْمِهِ﴾ أي: بعدله، وهنا أضاف الحكم إلى الله سبحانه وتعالى لأمرين:
الأمر الأول: أنه حكم متضمن للعدل، والأمر الثاني: أنه حكم لا يُعَقَّب، بخلاف حكم غيره فإنه عرضة للخلل من الناحيتين، من ناحية أنه قد يكون غير عادل، ومن ناحية أنه قد يكون غير منفذ، أما حكم الله فإنه متضمن للأمرين: للعدل، والثاني؟
* طلبة: أنه لا يعقب.
* الشيخ: أنه لا يعقب، بل لا بد من أن ينفذ.
﴿إن ربك يقضي بحكمه﴾: (أي عدله)، وهذا طرف أو جزء مما يدل عليه قوله: ﴿بِحُكْمِهِ﴾؛ إذ إنه يدل على الأمرين اللذين ذكرنا.
﴿بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ﴿الْعَزِيزُ﴾ يقول المؤلف: (الغالب).
* طالب: (...).
* الشيخ: هذا قد شايفها (...).
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا (...).
﴿الْعَزِيزُ﴾: يقول: (الغالب)، وقد مر علينا في شرح الأسماء الحسنى أن (العزيز) له ثلاثة معانٍ، وهي؟
* طالب: عزة القهر وعزة..
* الشيخ: القدر.
* طالب: القدر، وعزة الامتناع.
* الشيخ: وعزة الامتناع، وأن (العزيز) معناه الممتنع عن كل نقص، الذي لا يلحقه نقص، وأنه غالب، وأنه ذو قدر عظيم، وغالبًا ما يفسر المؤلف وغيره العزيز بالغالب؛ لأنه أظهر معانيه، ولأنه يكون أحيانًا في سياق يقتضي أن يكون الغلبة أخص به من غيره.
﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ (بما يحكم به).
وهذان الأمران من شروط الحكم؛ لأن مَن حَكم بغير علم أصاب حكمه الخلل، ولّا لا؟ ومن حكم بغير عزة أصاب حكمه الخلل أيضًا.
فالأول اللي هو فوات العلم: يحصل به خلل الحكم في إصابة الصواب؛ لأن من حكم بغير علم فإصابته للصواب من باب المصادفة.
الثاني: الغلبة: إذا فاتت العزة حصل الخلل للحكم، لا من ناحية الصواب، ولكن من ناحية التنفيذ، فإنه إذا كان ليس له عزة وحكم بأمر فقد يُخالَف في هذا الأمر، فلهذا قال: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ليتبين الأمران.
فإذا قال قائل: كيف يقدم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على العلم، والعلم سابق من حيث الترتيب الحكمي؛ إذ إنه يعلم ثم يحكم ثم ينفذ.
قلنا: لأن المقام هنا يقتضي بيان قوة حكم الله سبحانه وتعالى، وأن هذا الحكم لا بد أن ينفذ لكونه صادرًا عن عزيز، ويش قلنا في تقدير ﴿الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: أين؟
* الشيخ: يعني الحكمة في أنه ختم قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾؟
* طالب: باسم العليم (...) بدون علم، فإن (...) حكمه من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إصابته للصواب من قبيل..
* طالب: إصابته من قبيل المصادفة.
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: وأما إذا كان عليمًا وبدون عزة فإن حكمه لا ينفذ (...)..
* الشيخ: فيكون الخلل خللًا حكميًّا في فوات هذا وهذا (...) فصار الخلل الآن -الخلل في الحكم- يكون إما من فوات العلم، وإما من فوات العزة. ففي فوات العلم يحصل الخلل من جهة الإصابة؛ لأن الجاهل إذا حكم توفيقه للصواب من باب المصادفة. وفي فوات العزة أيش؟ خلل في التنفيذ؛ لأن الضعيف اللي ما عنده عزة لا ينفذ. ولهذا كان الحكم يفتقر إلى الوسطين جميعًا، وهما العزة والعلم.
أوردنا إشكالًا وهو تقديم ﴿الْعَزِيزُ﴾ على ﴿الْعَلِيمُ﴾ مع أن العزة تتعلق بالتنفيذ والتنفيذ بعد الحكم، والعلم يتعلق بالحكم والحكم سابق على التنفيذ، فما هي الحكمة أنه يقدم العز هنا على العلم؟
قلنا: لأن المقام يقتضيه، مقام التنفيذ وقضاء، فكان من المناسب أن تقدم العزة على العلم.
﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ قال: (فلا يمكن أحدًا مخالفته كما خالف الكفار في الدنيا أنبياءه).
الحكم في الدنيا كما قال المؤلف: يخالف. والمراد الحكم الشرعي يخالف، أما الحكم الكوني فلا يمكن أن يخالف لا في الدنيا ولا في الآخرة، ما أحد يقدر يخالف الله. والحكم الشرعي يمكن مخالفته في الدنيا كما هو كثير، بل أكثر الناس يخالفون الحكم الشرعي في الدنيا؛ لأن بني آدم منهم تسعمئة وتسعة وتسعون من الألف كلهم مخالفون للحكم الشرعي، وواحد في الألف موافق للحكم الشرعي. (...).
* طالب: (...) في دليل عليه.
* الشيخ: إي نعم، فيه الدليل، حديث آدم أن الله يناديه يوم القيامة فيقول: «يَا آدَمُ، فَيَقُولُ: لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، فَيَقُولُ: أَخْرِجْ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ بَعْثًا إِلَى النَّارِ، فَيَقُولُ: وَمَا بَعْثُ النَّارِ؟ قَالَ: مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعَمِئَةٍ وَتِسْعَةً وَتِسْعِينَ، وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَهَؤُلَاءِ فِي النَّارِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٤٨)، ومسلم (٢٢٢ / ٣٧٩) من حديث أبي سعيد الخدري.]] هذا نص.
ابن القيم يقول في النونية:
يَا سِـــــــلْعَةَ الـــــــرَّحْمَنِ لَــــــــيْسَيَنَالُهَـــــــــا ∗∗∗ فِي الْأَلْـــــــفِ إِلَّا وَاحِــــــــدٌ لَااثْنَــــــــانِ
إي نعم، واضح؟
* * *
قال: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [النمل ٧٩]: (﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ أي: الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار).
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: الخطاب للنبي ﷺ، والأمر هنا للوجوب، والتوكل نصف الدين، قال الله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وقال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، ولا استعانة إلا باعتماد، ولهذا يقولون: إن الدين عبادة وتوكل؛ عبادة: يفعل بها الإنسان، وتوكل: يعتمد به على الله، يعتمد به على الله سبحانه وتعالى.
هنا قال المؤلف: (﴿تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ ثق به)، وفسره غيره بأن التوكل والاعتماد على الله مع الثقة، فلا بد من اعتماد وثقة، وبه يكون التوكل، إذا قد تعتمد على غير الله مثلًا، لكن لا تثق به، تعتمد على إنسان في أن يشتري لك شيئًا، ولكنك مع هذا لا تثق به، قد تثق بالإنسان في أمانته، ولكنك لا تعتمد عليه لضعفه، والأول: إما لضعفه أو خيانته.
أما الله عز وجل فيجب عليك أن تعتمد عليه واثقًا به، ولا يمكن تحقيق التوكل إلا بهذا، إذن التوكل على الله: الاعتماد عليه مع الثقة به، فلا بد من الأمرين من اعتماد وثقة.
والأمر بالتوكل لا ينافي فعل الأسباب؛ فعل الأسباب الصحيحة التي تؤثر في المسبَّبات، فإن الرسول ﷺ بلا شك كان سيد المتوكلين، ومع ذلك فكان يفعل الأسباب التي تحصل بها المنافع وتندفع بها المضار؛ كان يأكل ويشرب ويلبس، وكان أيضًا يتخذ ما يقي من الضرر، حتى إنه في أُحد ظاهر بين درعين[[أخرجه أبو داود (٢٥٩٠) من حديث السائب بن يزيد عن رجل، وابن ماجه (٢٨٠٦) من حديث السائب بن يزيد. ]]، يعني لبس درعين، كل ذلك تقوية للأسباب التي تندفع بها الأضرار.
فإذن التوكل على الله لا يعني ألا تأخذ بأسباب النجاح، بل خذ بالأسباب، مع الاعتماد على الله سبحانه وتعالى والثقة به أن ينفع بهذا السبب. ولما حج قوم من أهل اليمن وليس معهم زاد قالوا: نحن نحج، ونحن المتوكلون. أيش قيل لهم؟ قيل لهم: أنتم المتواكلون.
ففرق بين التواكل والتوكل؛ الإنسان الذي يريد أن تأتيه الأمور بدون فعل أسبابها هذا متواكل، وليس عنده ولا عقل، حتى العقل ما عنده عقل، البهائم والحشرات وغيرها هي تفعل الأسباب ولّا ما تفعل الأسباب؟ تفعل الأسباب، مع أن الذي قام برزقها وتكفل به هو الله سبحانه وتعالى ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ومع ذلك تجدها تفعل الأسباب.
بل قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّكُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ، لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ، تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب.]]، ما قال: تبقى في أوكارها ويأتيها رزقها، قال: «تَغْدُو» : تذهب في الصباح في الغدو، «خِمَاصًا» يعني جائعة، «وَتَرُوحُ» في آخر النهار «بِطَانًا» ملآنة بطونها.
فالإنسان المتوكل هو الذي يأخذ بالأسباب النافعة.
أما عن الأسباب التي لا تنفع فإن الأخذ بها نوع من الشرك، كل من أخذ بسبب ليس بنافع، يعني ما دل على نفعه حس ولا الشرع فإنه مشرك، قد فعل نوعًا من الشرك، ولهذا التمائم والتعوذات والتِّولة وما أشبه ذلك من الأمور التي يزعمون أنها تفعل وهي لا تفعل، جعلها النبي ﷺ من الشرك[[أخرجه أبو داود (٣٨٨٣)، وابن ماجه (٣٥٣٠) من حديث عبد الله بن مسعود بلفظ: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك».]]؛ لأننا نقول في تقرير هذا: كل من اتخذ سببًا غير نافع -يعني لا يدل على نفعه شرع ولا حس، وإن شئت قل: شرع ولا قدر- فإنه مشرك. كيف يكون مشركًا، ما وجه كونه مشركًا؟
أثبت سببًا لم يجعله الله سببًا، فكان مشاركًا لله تعالى هنا في تقديره؛ لأن مقدر الأسباب وجاعل الأسباب سببًا هو الله، هذا إلى الله، فأنت إذا قلت: هذا سبب، وهو ليس بسبب فقد أشركت مع الله، جعلت نفسك شريكًا مع الله سبحانه وتعالى.
* طالب: قوله تعالى (...) للوجوب هذا الأمر؟
* الشيخ: نعم، للوجوب أو الاستحباب، ما كان بقدر الكفاية فهو للوجوب، وما زاد فهو للاستحباب.
* طالب: (...) يتخذ سببًا محرمًا.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: يعني يتخذ سببًا محرمًا (...) هل يعد من الشرك؟
* الشيخ: لا، هذا ما يعد من الشرك؛ لأن هذا السبب حسي، كونه سبب الرزق سبب حسي، لكن محرم شرعًا.
الآن مثلًا: اللي يرابي، هل اتخذ وسيلة تحقق له الربح قدرًا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: أسألك، الإنسان المرابي اتخذ وسيلة تكون للربح قدرًا، معروف الواحد (...) ويأخذ اثني عشر، هذا سبب للربح ولّا لا؟ لكنه سبب شرعي ولا قدري؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قدري ولّا لا؟ أيش تقولون؟
* طلبة: (...).
* الشيخ: قدري، الله ما أذن فيه شرعًا، لكن إذا وقع علمنا أنه أذن فيه قدرًا، هذا ما يكون نوعًا من الشرك، هذا ليس بشرك؛ لأنه سبب قدري، إنما هو محرَّم؛ لأنه منهي عنه شرعًا.
* طالب: يا شيخ (...) في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ ما يمكن لأحد مخالفته، ولكن الحكم الذي حكم به غير الذي يمكن لأحد مخالفته.
* الشيخ: لا، قصده في كل أحكامه.
* الطالب: شيخ، هنا الحكم مثلًا في الآخرة.
* الشيخ: بما في الآخرة وفي الدنيا على الصحيح، الآية عامة، في الآخرة وفي الدنيا.
* الطالب: (...) سياق الآية، هي في الآخرة وفي الدنيا (...) سياق الآية.
* الشيخ: سياق الآية ويش سياق الآية؟ ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧) إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [النمل ٧٧ - ٧٨] من جملة ما قص الله علينا في القرآن أن قضى بين بني إسرائيل، فبنو إسرائيل اختلفوا مثلًا في أشياء؛ كاختلافهم في المسيح عليه الصلاة والسلام وغيره، فحكم الله بينهم بالقرآن، والحكم الذي يترتب عليه الثواب والجزاء يكون يوم القيامة، فهنا الحكم بالدنيا ما يتبين به الحق من الباطل، وأما في الآخرة فهو ما يترتب عليه الثواب أو العقاب.
* طالب: يا شيخ، يصح أن تقول: إن من الناس من أعتمد عليك في إنجاز هذا العمل؟
* الشيخ: إي ما فيه مانع؛ لأن الاعتماد على الأسباب الحقيقة جائز، لكن مع اعتقاد أنه سبب؛ لأنه مستقل.
* طالب: يا شيخ (...) بني إسرائيل بعدما (...) كيف (...)؟
* الشيخ: لا، يحكم بينهم بأن هؤلاء مصيبون وهؤلاء مخطئون، وبين أن اليهود أخطؤوا، والنصارى أخطؤوا أيضًا، والمعتدلون من النصارى أصابوا.
* طالب: قول العوام: وكل الله.
* الشيخ: وكل الله.
* طلبة: (...) وكل الله.
* الشيخ: الظاهر أن معنى (وكل الله) عندهم معناه: اعتمد على الله، ما هو معناه أن اجعل الله وكيلًا لك، أو معناه: اجعل الله وكيلًا لك معناه يعني أن الله تعالى يكون شاهدًا عليك، ولّا مو بيقتضي أني أنا في قيامي بأمرك مثل قيام الله بأمرك. ما يقصد هذا بلا شك.
* طالب: (...) توكل على الله..
* الشيخ: إي، إن قصده توكل على الله يعني معناه: اعتمد على الله، ووكله عليَّ شهيدًا، يعني الآن لو أردنا نشوف ظاهر اللفظ: إني أنا لك بمنزلة الله. العوام ما يريدون هذا، ما يريدون هذا أبدًا، يريدون وكل الله يعني معناه اجعله شهيدًا علي، إي نعم. أو معناه: وكل: بمعنى: اعتمد على الله.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) على الله ما فيها شيء، هذه صحيحة وطيبة، أيضًا (الله وكلك) ما فيها شيء.
* طالب: (...).
* الشيخ: و(اتكل عليه) ما فيها شيء.
* طالب: ما تقتضيه الأخبار من (...).
* الشيخ: لا؛ لأن الله وكله بلا شك، إذا وقع الأمر فهو بقضاء الله، الشيء اللي واقع ما يحتاج (...) قضاء الله، (الله وكلك) يعني جعلك وكيلًا لي، بالصيغة التي نطقت بها مثلًا.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما فيها شيء، بشرط أنه يكون حقيقة مما يمكن أن يعتمد عليك فيه (...).
إذن التوكل على الله ما هو؟ الاعتماد على الله مع الثقة به؛ ما هو مجرد الاعتماد، بل مع الثقة، ولا ثقة إلا برجاء، ثم إن التوكل قلنا: لا ينافي فعل الأسباب التي جعلها الله تعالى سببًا شرعًا أو قدرًا.
﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ (أي: الدين البين).
فسر المعلق ﴿الْحَقِّ﴾ بالدين، و﴿الْمُبِينِ﴾ بالبين.
وليس هذا بجيد؛ لأن الدين منه حق وباطل أو لا؟ أليس كذلك؟ ولهذا قال: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة ٣٣] وهذا هو الدين الباطل. دين الحق يظهر على الدين كله، أي: على الدين الباطل، فتفسير المؤلف الحقَّ بالدينِ قصورٌ بلا شك، بل الحق هنا: الثابت بصدق أخباره وعدل أحكامه. هذا معنى الحق أنه ثابت، وذلك بالصدق في أخباره والعدل في أحكامه.
وأما قوله: ﴿الْمُبِينِ﴾ ففسره بالبين، وعلى هذا جعل (أبان) من المتعدي ولّا اللازم؟
* طالب: المتعدي.
* الشيخ: لا، من اللازم. جعله من اللازم؛ لأن (بان يبين فهو بين) و(أبان يُبين فهو مبين).
هنا ما تصلح أن تكون بمعنى مُظهِر؟
الجواب: لا. بيّن هنا أنسب من مُظهر، فهذا الحق بيِّن ظاهر.
وفي قوله: ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ تثبيت للرسول ﷺ على أن يبقى على ما هو عليه معتمدًا على الله تبارك وتعالى؛ لأن الإنسان إذا علم أنه على حق فإنه يثبت وترسخ قدماه، وإذا كان شاكًّا أو مترددًا فإنه لا يثبت، فأمره أن يعتمد عليه، وبين له أن ما كان عليه من هذا الدين فهو حق بين ظاهر.
إعراض هؤلاء عنه، إعراض المعرضين عنه، هل يقدح في كونه بينًا؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ما يقدح؛ لأن البلاء ليس من القرآن، البلاء منهم، ولهذا أعقبه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى آخره [النمل: ٨٠].
فالحاصل الآن أمَر الله نبيه أن يعتمد على الله، وبيّن له الحالة التي كان عليها، وأن هذا الدين أيش؟ وأن هذا الدين حق بين ﴿إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾.
ثم بين سبحانه وتعالى أن إعراض من أعرض عنه ليس لقصور في بيان هذا الدين وظهوره، ولكن لقصور في هؤلاء المعرضين؛ لأن الدين هنا بالنسبة إليهم لم يصادف محلًّا. وأنتم تعرفون أن الأمر إذا لم يصادف محلًّا لم يثبت، إذا لم يصادف محلًّا قابلًا فإنه لم يثبت، حتى إن الإنسان ليقرأ آية على مريض فيشفى، ويقرؤها على مريض آخر بنفس المرض فلا يشفى؛ لأن المريض الأول قابل مؤمن بتأثيرها، والثاني ليس مؤمنًا بتأثيرها فلا تنفعه، فلا بد في الأمور من قابلية، يعني محلًّا يقبل هذا الشيء، وإذا لم يقبل إذن فلا يمكن أن يلائمه، وهذا كما أنه في الأمور الشرعية، كذلك أيضًا في الأمور القدرية؛ لو أننا زرعنا قلبًا في إنسان ونفر منه الجسم هل يبقى؟ ما يبقى، يموت، أو زرعنا كلية في إنسان ونفر منها الجسم فإنها لا تبقى، تعفن ويموت، فكل شيء لا بد أن يكون المحل قابلًا له، فإن لم يقبله فلا مكان له، هؤلاء الذين أعرضوا عن القرآن ليس معناه النقص في القرآن؛ فالقرآن حق بين واضح، لكن البلاء منهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ﴾ أي: (الدين البين، فالعاقبة لك بالنصر على الكفار، ثم ضرب أمثالًا لهم بالموتى وبالصم وبالعمي، فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ).
* طالب: يستفاد من الآية أن الموتى لا يسمعون.
* الشيخ: ما بعد وصلناها، ما وصلناها الآن، ولا وصلنا الفوائد.
يقول: (ضرب لهم أمثالًا بالموتى وبالصم وبالعمي فقال: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ ) وهذا مثل كما قال المؤلف؛ لأن الرسول ﷺ ما خرج إلى المقابر يدعو أهل القبور حتى يقال له: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وإنما دعا الأحياء، دعاء الأحياء انقسم الناس في هذه الدعوة إلى قسمين:
قسم قبِلها واطمأن إليها: فهو حي، ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ﴾ [يس ٧٠] على من؟ ولّا على الموتى؟
* طالب: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
* الشيخ: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، لا، ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ليتبين أن المراد بالحياة هنا حياة القلب، حياة الإيمان، لا الحياة الجسدية؛ لأن مقابلة الشيء بالشيء تفيد معناه، ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ حياة جسم؟
* طلبة: لا، القلب.
* الشيخ: لا، لو كانت حياة جسم لقال: ويحق القول على الموتى، ولكن قال: ﴿عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وبهذا عرفنا أن كل حياة في مثل هذا السياق فالمراد بها حياة القلب، لا حياة الجسم.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾: ﴿الْمَوْتَى﴾ جمع ميت، والمراد به هنا ميت القلب، أو نقول: إن المراد به ميت الجسد ويكون هنا تشبيهًا، أي أن هؤلاء الذين تدعوهم ولم يؤمنوا كالموتى، لو أتيت إلى ميت وقلت: يا فلان، اعبد الله، وآمن بالرسول عليه الصلاة والسلام، واتق الله، ينتفع؟ ما ينتفع، كالحجر لا ينتفع. ولا شك أن الرسول عليه الصلاة والسلام قرر الحق على الذين ألقوا في قليب بدر وقال لهم: «هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا، فَإِنِّي وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبِّي حَقًّا» وقال: «لَسْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٤ / ٧٧) من حديث أنس بن مالك، والحديث متفق عليه؛ البخاري (٣٩٧٦)، ومسلم (٢٨٧٥ / ٧٨) من حديث أبي طلحة بمعناه.]] لكن هذا على سبيل التوبيخ، لا على سبيل الدعوة؛ لأن هؤلاء مهما كان لا يمكن أن يجيبوا في هذه الحال إجابة دعوة، ولهذا الكافر ما ينتفع انتفاع ثواب بما يسمع عند قبره من تلاوة أو ذكر ما ينتفع بها.
به نعرف بدعة هؤلاء الذين ابتدعوا القراءة عند القبور أو على القبور، يظنون أن الميت ينتفع، فنقول: إنه انتفاع الثواب لا يمكن أن ينتفع انتفاع ثواب، أما انتفاع تخفيف عقاب فهذا ربما ينفع، لكن لما لم يرد صار من البدع، وإلا فهم يزعمون أن ذلك يخفف العذاب لأن الرسول قال في الجريدتين: «لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٨)، ومسلم (٢٩٢ / ١١١) من حديث عبد الله عباس.]]، وقالوا: إن العلة في ذلك أنها قبل اليبس تسبح الله، فيخفَّف عنه لكونه يُسبح عند قبره، ولكن هذا ليس بصحيح، إذن ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ يحتمل أن يراد بالموتى هنا موتى القلوب، وحينئذ فالآية ليس فيها تشبيه، أو أنه موتى الأجسام، فيكون هؤلاء مشبهين بالموتى.
* طالب: (...) قرأت القرآن (...) يتعذب به، إن كان عاملًا به (...)، وإن كان لم يعمل (...).
* الشيخ: ما عرفت هذا، ما أظن (...).
قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ ولّا (الصمُّ)؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾.
* الطالب: (...).
* الشيخ: وين فاعل ﴿تُسْمِعُ﴾؟
* طالب: أنت.
* طالب آخر: ضمير مستتر.
* الشيخ: وجوبًا.
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: وجوبًا. ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: إذن ﴿الصُّمَّ﴾ مفعول أول، و﴿الدُّعَاءَ﴾ مفعول ثان.
﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾: يعني ما تخلي الصم اللي ما يسمعون ما تخليهم يسمعون دعاءك، والمراد بالدعاء: الطلب، ما هو بدعاء الله، يعني لو دعوت أصم وقلت: يا فلان، يا فلان، هل يسمع ولّا ما يسمع؟
* طالب: لا يسمع.
* الشيخ: ما يسمع، وبهذه المناسبة في (...) ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ هو دعاء الله، يعني أنك إذا دعوت ما يسمعون، أو الدعاء طلبهم، نعم طلبهم. المراد لو دعوتهم ما سمعوك، قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور ٦٣]: يعني دعوتكم إياه ودعوته إياكم. يشمل الأمرين على القول الصحيح.
المعنى أن هذا ﴿لَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾.
أيضًا: إذا صاروا الصم، إذا كانوا صمًّا وولوا مدبرين، يكون هذا أبلغ؛ لأن الأصم إذا كان مقابلًا لك، ربما يفهم الخطاب بحركات الشفتين ولّا لا؟ لكن إذا ولى مدبرًا ما عاد أبدًا، لو ترمي المدافع خلفه ما يسمع، ولهذا قال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ فهذا غاية ما يكون من البعد، من بعد السمع، والله تبارك وتعالى يبين هؤلاء، الحقيقة أن هؤلاء حالهم كحال هؤلاء الصم المدبرين أو لا؟ لأن هؤلاء معرضون عن الحق، غير قابلين له، فلذلك صار هذا التشبيه بهم من أبلغ ما يكون، فهم صم غير سامعين، ومع ذلك غير مقبلين؛ لأن الأصم إذا أقبل عليك كما قلت ربما يفهم منك بعض الشيء، ولّا لا؟ لكن إذا كان مدبرًا ما فيه رجاء ولا أمل.
وقول المؤلف: ﴿الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا﴾ يقول: فيها قراءتان (بتحقيق الهمزتين) كيف أقرؤها؟
* طالب: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
* الشيخ: ﴿الدُّعَاءَ إِذَا﴾.
أو (تسهيل الثانية بينها وبين الياء)، يعني تسهل الهمزة الثانية حتى تكون بين الهمزة والياء مثل: ﴿الدُّعَاءَ اذَا﴾ : خلها لا هي بياء خالصة ولا همزة خالصة.
﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ ﴿وَلَّوْا﴾: والتولي هو الإدبار، وعلى هذا فتكون ﴿مُدْبِرِينَ﴾ حالًا مؤكِّدة للعامل ولّا لصاحب الحال؟ للعامل (...) ولى؛ لأن التولي نفس التولي إدبار. مثلها كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة ٦٠]، ﴿وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾، المفسدين: حال من الواو، وهي مؤكدة لأيش؟ للعامل؛ لأن العثو هو الفساد، هنا: ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ حال من الفاعل، لكن ليست مؤكدة للفاعل؛ لأن تأكيد الفاعل لو جاءت في سياق أجمعين فإن الواو دالة على الجمع، لو جاءت بلفظ أجمعين صارت مؤكدة، لكن جاءت بلفظ ﴿مُدْبِرِينَ﴾ فهي مؤكدة لأي شيء؟ للعامل ﴿وَلَّوْا﴾، فيكون هذا في حقيقة التأكيدين التولي والإدبار، أو لا؟ مع أن التولي هو الإدبار، لكن قد يكون من المتولي فيه رجاء وأمل، يتولى وهو يمسك الثقل ببيته، لكن إذا كان مدبرًا؟ (...) إدبار جسدي وقلبي، وهو أصم، يكون هنا فيه ثلاثة موانع للقبول أو للسماع، وهي الصمم، والتولي، والإدبار ﴿إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾.
﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ [الروم ٥٣] نعم.
* طالب: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ (...) ﴿لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ (...).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences