Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Qasas 28:15–23
28:15Page 387
وَدَخَلَ ٱلۡمَدِينَةَ عَلَىٰ حِينِ غَفۡلَةٖ مِّنۡ أَهۡلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيۡنِ يَقۡتَتِلَانِ هَٰذَا مِن شِيعَتِهِۦ وَهَٰذَا مِنۡ عَدُوِّهِۦۖ فَٱسۡتَغَٰثَهُ ٱلَّذِي مِن شِيعَتِهِۦ عَلَى ٱلَّذِي مِنۡ عَدُوِّهِۦ فَوَكَزَهُۥ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيۡهِۖ قَالَ هَٰذَا مِنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِۖ إِنَّهُۥ عَدُوّٞ مُّضِلّٞ مُّبِينٞ ١٥
And he entered the city at a time of inattention by its people1 and found therein two men fighting: one from his faction and one from among his enemy. And the one from his faction called for help to him against the one from his enemy, so Moses struck him and [unintentionally] killed him. [Moses] said, "This is from the work of Satan. Indeed, he is a manifest, misleading enemy."
طيب، ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ [القصص ١٥]، بعد بلوغ الأشُدِّ ولَّا لا؟
* طالب: بعده.
* الشيخ: إي، بعده، بعد بلوغ الأشُدِّ؛ لأن الأصل أن ما تقدَّم ذِكْرًا فهو متقدِّمٌ وقوعًا وعملًا؛ هذا الأصل: ما تقدَّم ذِكْرًا فهو متقدِّم وقوعًا إن كان في الأخبار، وعملًا إن كان في الأحكام، ولهذا «أقبل» « النبيُّ عليه الصلاة والسلام على الصفا فقال: «﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]]، وقال العلماء: إن الفقراء أشدُّ حاجةً من المساكين؛ لأن الله بدأ بهم في قوله: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة ٦٠]، فهنا نقول لما ذكر اللهُ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ﴿وَدَخَلَ﴾ علِمْنا أن دخوله المدينةَ بعد أن بلغ أشُدَّه.
وقوله: (﴿الْمَدِينَةَ﴾ مدينة فرعون، وهي مَنْف) أو (مُنْف) ما أدري بضم الميم، المهم بسكون النون (بعد أن غاب عنه مدة). تعيين المدينة بأنها مدينة فرعون في نفسي من هذا شيء؛ لأن الرجل قد تربَّى عند مَن؟
* الطلبة: عند فرعون.
* الشيخ: عند فرعون في نفس مدينته وفي نفس مكانه، اللهم إلا أن يُقال: إن فرعون كان في مصر، وإن (منف) هذه بلد خارجة عن القاعدة اللي هي قصبة البلد، وأنه خرج من يوم من الأيام فدخلها. والأحسن في هذا في مثل هذا المقام إذا لم تَرِدْ عن النبي عليه الصلاة والسلام، الأحسن أن نقول: مدينة من مُدُن مصر، ويسكنها أقباط وإسرائيليُّون، بدليل القصة.
﴿دَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾ (﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ وقتَ القيلولة).
قوله: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ بعض العلماء يقول: المراد ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ﴾ زمنًا؛ يعني أنهم في زمنٍ يغفل الناس فيه. بعضهم يقول: ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ أي: كلامًا، بمعنى أنهم نسوا موسى وقصته، وطال الزمن، فدخل على حين غفلةٍ من التحدُّث في هذا الأمر. ولكن المعنى الأول أظهرُ أنَّه دخلها في وقتٍ أهلُها غافلون.
هل يتعيَّن أن يكون وقت القيلولة؟ ما يتعيَّن؛ يكون وقت القيلولة، يكون مثلًا بالليل، يكون في المغرب، الله أعلم، إنما في وقتٍ أهل البلد غافلون.
(﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ أي: إسرائيليٌّ ﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ أي: قبطيٌّ).
﴿وَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ﴾ الاقتتال بمعنى المنازعة والمخاصمة والمضاربة أيضًا، وليس المراد فيما يبدو أنهما يريدان أن يقتل بعضهما بعضًا.
لكنْ ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ﴾ شيعةُ الرجل معناه: أتباعه؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ﴾ [الصافات ٨٣]، وقيل: إن الشيعة مَن يُناصرك، كلُّ مَن يُناصرك فهو شيعةٌ لك سواء كان متَّبعًا لك أو غير متَّبع، وعلى كل حال فهُنا المراد بالشيعة يعني أنه من قبيلته، ولهذا قال المؤلف: (أي: إسرائيليٌّ).
﴿وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ من عدوِّ موسى من آل فرعون، وهم الأقباط.
(أي: قبطيٌّ يُسَخِّر إسرائيليًّا ليحمل حطبًا إلى مطبخ فرعون) واللهِ عجائب! من يقول هذا؟!
على كل حال ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ كعادة الناس الأعداء، الأعداء يخاصم بعضهم بعضًا دائمًا ويُقاتل بعضهم بعضًا، وقد ذكر شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله في تفسيره بأن هذا يدلُّ على قوة شعب بني إسرائيل؛ بعد أن كانوا أذِلَّةً يُقَتَّل أبناؤهم ويُستحيَا نساؤهم أصبحوا الآن يجعلون أنفسهم أندادًا لمن؟ لآل فرعون الأقباط؛ لأنهم يعرفون أن موسى منهم، وأن موسى في منزلةٍ عظيمةٍ عند فرعون، فهم استقوتْ ظهورهم بهذا الشيء، وهذا واضح أنهم سوف يَقْوَون بهذا الشيء ويرون أنفسهم أندادًا لآل فرعون.
أمَّا أنه يريد أن يُسَخِّره ليحمل الحطب إلى المطبخ، فهذا ما هو بظاهر، ومحتاج إلى دليل بَيِّن، ولا دليل في المسألة، ثم شرح الموقف على قوله: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾.
* طالب: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾؟
* الشيخ: ﴿يَقْتَتِلَانِ﴾ يعني: يتخاصمانِ ويتنازعانِ، وربما يحصل بينهما ضَرْب.
أصل القصة دخول موسى للمدينة، ووجود الرجُلين، وقتْل النفس، كلُّ هذا كان سببًا لخروج موسى ثم نبوَّته.
* فيستفاد منه: أنَّ الله سبحانه وتعالى يُجري الأمور بأسبابها، إثباتُ الأسباب.
* ويُستفاد من هذا -من قوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾ [القصص ١٥]-: جواز الاستغاثة بالمخلوق، لكنَّه مشروطٌ بما يُفيد فيه، أمَّا ما لا يُفيد فيه فلا يجوز؛ فعلى هذا إذا استغاث بميِّت فلا يجوز لأنه لا يفيده، وإذا استغاث بحيٍّ فيما لا يَقدر عليه فلا يجوز لأنه لا يفيده، وإذا استغاث بحيٍّ فيما يَقدر عليه فهو جائز. إذَن الاستغاثة بالمخلوق جائزة بشرط أن تكون فيما يفيد، وذلك في حيٍّ قادرٍ على دَفْع الشدة.
* وفيها أيضًا: إثبات العداوة والولاية؛ لقوله: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ [القصص ١٥]، وهو أصل في الدين، فإن ولاية المؤمنين من واجب المؤمن، والبراءة من الكفار من واجب المؤمن؛ ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤]، وهذا أمرٌ لا بدَّ منه أنْ يتبرَّأ الإنسان من كلِّ كافر.
* وفي الآية: دليلٌ على قوَّة موسى؛ لقوله: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ [القصص ١٥].
* وفيها: إثبات غَيْرته وسرعة استجابته؛ لأنه ما تلكَّأ في الأمر، بل بادر به.
هل يستفاد منه جواز الدفْع - دفع الصائل - بما يصِل إلى القتل؟
* طلبة: لا، ما يستفاد.
* الشيخ: (...).
* طالب: ما أُقِرَّ عليه.
* الشيخ: إي، ما (...) على هذا ولا أُقِرَّ، لكنَّه بالشريعة الإسلامية معروفٌ أنَّ الإنسان إذا صال عليه أحدٌ ودفعه بالتي هي أحسن ولم يندفع فله أن يقتله.
* وفيها: أنَّ المعاصي من أوامر الشيطان وأعماله؛ لقوله: ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [القصص ١٥].
* وفيها أيضًا: إثباتُ السبب؛ لقوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ للسببيَّة.
* وفيها أيضًا: ثبوتُ عداوة الشيطان لبني آدم؛ ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ﴾ [القصص ١٥]، وأُكِّد بـ(إنَّ) لشِدَّة التنفير منه؛ لأنَّ عداوته ليس فيها التباس.
﴿ ﴾
28:16Page 387
قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمۡتُ نَفۡسِي فَٱغۡفِرۡ لِي فَغَفَرَ لَهُۥٓۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ١٦
He said, "My Lord, indeed I have wronged myself, so forgive me," and He forgave him. Indeed, He is the Forgiving, the Merciful.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: ١٦].
* في هذه الآية: إثباتُ أنَّ الرسل عليهم الصلاة والسلام قد يخطئون. شوف الفائدة هذه قد تُسَلَّم ولَّا لا؟
* طالب: لا، هذا قبل الرسالة.
* الشيخ: هذه لا تُسَلَّم لأنه قبل الرسالة، وقبل الرسالة ممكن أن يقع منهم هذا الشيء، لكن لا يقع منهم فسادُ الأخلاق وشربُ الخمور وما أشبه ذلك، أمَّا الغَيْرة والحميَّة فهذا قد يقع منهم.
* وفيها أيضًا: جواز التوسل إلى الله سبحانه وتعالى بحال الداعي؛ يؤخذ منين؟ من قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾، فالظالم لنفسه محتاجٌ إلى من يُنقذه، فهو توسلٌ إلى الله سبحانه وتعالى بحال الداعي، ومنه قوله تعالى عن موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص ٢٤].
والتوسل إلى الله سبحانه وتعالى يكون بحال الداعي، ويكون بالثناء على الله وأسمائه وصفاته، وكذلك بأفعاله التي يُنعِم بها، وقد اجتمع الجميع في تعليم النبي ﷺ لأبي بكر؛ قال: «علِّمني دعاءً أدعو به في صلاتي، فقال: «قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨)، من حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه.]].
* طالب: ذكرنا أمس أنه (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو بهذا، (...) الآية الأولى ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي﴾.
* وفيه أيضًا: إثبات هذين الاسمين من أسماء الله: (الغفور) و(الرحيم)، وإثباتُ الاسم -كما مرَّ علينا في أصول العقيدة- يتضمَّن ثلاثة أمور إذا كان الاسم متعدِّيًا، وأمرين إذا كان لازمًا: يتضمَّن إثباتَ هذا الاسم من أسماء الله، وإثباتَ ما دلَّ عليه من صفة، وإثباتَ الأثر وهو تَعَدِّيه إلى المخلوق مثلًا؛ فـ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ تَضمَّن ثلاثة أشياء: إثباتَ (الغفور) (الرحيم) على أنهما من أسماء الله، وإثباتَ صفتَيِ المغفرة والرحمة لله سبحانه وتعالى، وإثباتَ الأثر المترتب على ذلك وأنه يغفر ويرحم.
* وفيه أيضًا -في قوله: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ - دليلٌ على إثبات الأسباب؛ منين يؤخذ؟ مِن أنَّ الفاء هنا للسببيَّة؛ يعني: فبسبب ظُلم نفسي فإنِّي أسألك أن تغفر لي.
* طالب: قوله: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ ما يستفاد منه: استجابة الله منه؟
* الشيخ: إي نعم.
* يستفاد من قوله: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾ استجابة الله سبحانه وتعالى وما تتضمَّنه هذه الاستجابة من صفات؛ لأن الاستجابة تتضمَّن السمع والعِلم والقدرة والغِنى، هذا (...)، إذا استجاب الله لإنسان فهو معناه أنه كان قد سَمِعه وعَلِم بحاله وقدر على إعطائه سُؤْلَه، كل هذا يُستفاد منه.
* وفيه أيضًا: إثباتُ كرم الله؛ لقوله: ﴿فَغَفَرَ لَهُ﴾.
* وفيه أيضًا: إثباتُ أنَّ الدعاء سببٌ، خلافًا لمن أَنْكر سببيَّته وقال: إنَّ الشيء إنْ كان قد كُتِب لي لم يَحتجْ إلى دعاء، وإنْ كان لم يُكتَب لي فلا فائدة من الدعاء.
والجواب على ذلك أن يُقال: هو مكتوبٌ لك بالدعاء، مكتوبٌ لك بهذا الشرط؛ بالدعاء.
يقول مثلًا: أنا ما أدعو؛ لأن المكتوب لا بدَّ أن يحصل، وما لا يُكتَب لا يمكن أن يحصل. هذا صحيح؟
* طالب: لا، ليس بصحيح.
* الشيخ: نقول: ليس هذا بصحيح؛ لأنه مكتوبٌ لك بهذا السبب، كما لو قال قائل: أنا لن أتزوَّج، إنْ كان الله مُقدِّرًا لي ولدًا بيجيني ولد، وإن كان الله ما قدَّر لي ولدًا ما فيه فائدة من الزواج.
نقول: ولكنه مقدِّرٌ لك الولد بأيش؟ بالزواج. فهذه الأمور الغيبيَّة منافية للأمور المشاهَدة، كما أنَّ الأمور المشاهَدة لا تصلح إلا بفعل الأسباب التي توصل إليها فكذلك الأمور الغائبة ما تصلح، إذَن نقول: لا تعمل بعدُ، لا تعمل عملًا صالحًا؛ لأنك إنْ كنتَ من أهل الجنة فإنك ستكون من أهل الجنة، إنْ كنتَ من أهل النار فلن تكون إلا من أهل النار!
فيُقال: أنت تكون من أهل الجنة بعملك، ولهذا لَمَّا قال الرسول عليه الصلاة والسلام لأصحابه: «مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ كُتِبَ مَقْعَدُهُ إِمَّا فِي الْجَنَّةِ أَوْ فِي النَّارِ». قالوا: يا رسول الله، أفلا نَدَعُ العملَ ونتَّكل على الكتاب؟ قال: «لَا، اعْمَلُوا، فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ». أو: «فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليل ٥ - ١٠][[أخرج البخاري (٤٩٤٩) -واللفظ له- ومسلم (٢٦٤٧ / ٧) من حديث عليٍّ رضي الله عنه قال: كان النبي ﷺ في جنازة، فأخذ شيئًا فجعل ينكت به الأرضَ فقال: «ما منكم من أحدٍ إلا وقد كُتِب مقعده من النار ومقعده من الجنة». قالوا: يا رسول الله، أفلا نتَّكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: «اعملوا، فكلٌّ ميسَّر لِمَا خُلِق له...».]].
المهمُّ أنَّ في هذه الآية وغيرها من الآيات الكثيرة دليلًا على تأثير الدعاء في حصول المطلوب، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: لأن مَن أنكر ذلك فهو في الحقيقة مكابرٌ أو جاهلٌ.
28:17Page 387
قَالَ رَبِّ بِمَآ أَنۡعَمۡتَ عَلَيَّ فَلَنۡ أَكُونَ ظَهِيرٗا لِّلۡمُجۡرِمِينَ ١٧
He said, "My Lord, for the favor You bestowed upon me, I will never be an assistant to the criminals."
﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ﴾ [القصص: ١٧].
هذه الآية -كما مرَّ علينا بالأمس- من العلماء مَن يقول: إنها دعاءٌ، ومنهم مَن يقول: إنها خبرٌ بمعنى الالتزام.
* إن قلنا: إنها دعاءٌ، فإنه يُستفاد من الآية: جواز التوسل بنِعَم الله عز وجل؛ لأن قوله: ﴿بِمَا أَنْعَمْتَ﴾ أي: بسبب إنعامك عليَّ.
وإن قلنا: إنها التزام، فإنَّها تدلُّ على شكر النعمة وأنَّ الإنسان إذا أنعم الله عليه فإنه يجب ألَّا يكون عونًا بهذه النعمة للمجرمين.
وقلنا: إنَّ المعنى الثاني أقرب وأرجح؛ لأنه ظاهر الآية، ولا ينبغي العدول عن ظاهرها
* وإن كانت تحتمل المعنى الثاني فيُستفاد منها إذَن: كمالُ موسى عليه الصلاة والسلام؛ حيث التزم لله تعالى شكرًا لنعمته ألَّا يكون ظهيرًا للمجرمين.
* وفيه: دليلٌ على أنَّ مظاهرة المجرم تُنافي الشكر، فهي محرَّمة. لماذا تكون مُظاهرة المجرم محرَّمة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: مُظاهرة، ويش معنى مظاهرة المجرم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، معنى مظاهرته، يعني؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، لا يصح هذا الكلام، ويش معناها؟
* طالب: يعني عونه (...).
* الشيخ: عونه، مظاهرته يعني مساعدته، فمساعدة المجرمين محرَّمة؛ لأنها إجرامٌ في الحقيقة، المجرم مساعدته بمنْع إجرامه؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا». قالوا: يا رسول الله هذا المظلوم، فكيف ننصر الظالم؟ (...) قال: «تَمْنَعُهُ مِنَ الظُّلْمِ»[[أخرجه البخاري (٦٩٥٢) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.]]، هذا نصره.
28:18–20Page 387
فَأَصۡبَحَ فِي ٱلۡمَدِينَةِ خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُ فَإِذَا ٱلَّذِي ٱسۡتَنصَرَهُۥ بِٱلۡأَمۡسِ يَسۡتَصۡرِخُهُۥۚ قَالَ لَهُۥ مُوسَىٰٓ إِنَّكَ لَغَوِيّٞ مُّبِينٞ ١٨
And he became inside the city fearful and anticipating [exposure], when suddenly the one who sought his help the previous day cried out to him [once again]. Moses said to him, "Indeed, you are an evident, [persistent] deviator."
فَلَمَّآ أَنۡ أَرَادَ أَن يَبۡطِشَ بِٱلَّذِي هُوَ عَدُوّٞ لَّهُمَا قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ أَتُرِيدُ أَن تَقۡتُلَنِي كَمَا قَتَلۡتَ نَفۡسَۢا بِٱلۡأَمۡسِۖ إِن تُرِيدُ إِلَّآ أَن تَكُونَ جَبَّارٗا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا تُرِيدُ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِينَ ١٩
And when he wanted to strike the one who was an enemy to both of them, he1 said, "O Moses, do you intend to kill me as you killed someone yesterday? You only want to be a tyrant in the land and do not want to be of the amenders."
وَجَآءَ رَجُلٞ مِّنۡ أَقۡصَا ٱلۡمَدِينَةِ يَسۡعَىٰ قَالَ يَٰمُوسَىٰٓ إِنَّ ٱلۡمَلَأَ يَأۡتَمِرُونَ بِكَ لِيَقۡتُلُوكَ فَٱخۡرُجۡ إِنِّي لَكَ مِنَ ٱلنَّٰصِحِينَ ٢٠
And a man came from the farthest end of the city, running. He said, "O Moses, indeed the eminent ones are conferring over you [intending] to kill you, so leave [the city]; indeed, I am to you of the sincere advisors."
﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص: ١٨].
﴿أَصْبَحَ﴾ أي: موسى، ومعنى (أصبح) أي: دخل في الصباح؛ يعني: باتَ ليلتَه، ولكنَّه في صباحها أصبح خائفًا يترقَّب.
وقوله: ﴿فِي الْمَدِينَةِ﴾، (أل) هنا للعهد الذِّكري؛ لأنه سبق ذكرها.
وقوله: ﴿خَائِفًا﴾ هذا خبر (أصبح)، (أصبح) من أخوات كان، ترفع الاسم وتنصب الخبر، فـ﴿خَائِفًا﴾ خبرُ (أصبح).
وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ هذا خبرٌ ثانٍ، أو حالٌ من الضمير في ﴿خَائِفًا﴾؛ خائفًا حال كونه يترقَّب. أو: أصبح خائفًا أصبح يترقَّب. فعلى الإعراب الثاني -أنَّها خبر- يكون هذا من باب تعدُّد الخبر مع الاختلاف؛ لأنه يجوز تعدُّد الخبر سواءٌ تعدَّد بلفظ المفرد أو تعدَّد بلفظ الجملة أو تعدَّد بلفظ المفرد والجملة.
وقوله: ﴿يَتَرَقَّبُ﴾ يقول المؤلف: (ينتظر ما يناله من جهة القتيل)؛ لأن هذا القتل إجرام، فكلُّ إنسان يَقتل شخصًا في بلدٍ، يُعتبر هؤلاء الشيعة -شيعة موسى عليه الصلاة والسلام- يُعتبرون مستضعفين، لا بدَّ أن يخاف. وهذا الخوف من طبيعة البشر، وليس خوفَ عبادة، فالخوف نوعان: خوف عبادةٍ يقتضي التقرُّبَ إلى الْمَخُوف والتزامَ طاعته وما أشبه ذلك، وخوفٌ طبيعيٌّ مما يُخاف منه. فالثاني لا بأس به لأنه من طبيعة البشر، لكنَّه يكون مذمومًا إذا أدَّى إلى تَرْك واجبٍ أو فِعْل محرَّم: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ١٧٥].
قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ بِالْأَمْسِ يَسْتَصْرِخُهُ﴾ [القصص ١٨].
قوله: ﴿فَإِذَا الَّذِي﴾ (إذا) فجائية، يعني: فاجأه في الصباح وهو خائِفٌ يترقَّب، فاجأه أنَّ صاحبه الإسرائيلي الذي استنصره بالأمس، اليومَ يستصرخه. والاستصراخ معناه طلب الإنقاذ من الشِّدة (...).
فهنا عندنا (استغاث) و(استنصر) و(استصرخ)، أيُّها أبلغ؟ (...) الاستصراخ ﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾.
و(الاستنصار) ظاهر الآية الكريمة أنَّه بمعنى الاستغاثة؛ لأنه قال: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ﴾، ثم قال: ﴿فَإِذَا الَّذِي اسْتَنْصَرَهُ﴾، فظاهره أنَّ الاستغاثة والاستنصار بمعنًى واحد، ولكنها في الحقيقة (الاستنصار) أعمُّ؛ لأنك قد تستنصر الإنسان لينصرك وإن لم تكن في شِدَّة، والاستغاثة أخصُّ، إلا أن الآية الكريمة تدلُّ على أنَّ استغاثته من باب الاستنصار.
﴿يَسْتَصْرِخُهُ﴾ قال: (يستغيث به على قبطيٍّ آخَر).
﴿قَالَ لَهُ مُوسَى إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ [القصص ١٨]، ﴿قَالَ لَهُ﴾ لمن؟ للإسرائيلي الذي استنصره، وزعم بعض المفسرين أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى القبطي، وأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام عاقَب القبطيَّ وقال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾. ولكن هذا بعيدٌ من السياق، والصواب أنَّ الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود إلى الإسرائيلي الذي استنصره.
(﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ بَيِّن الغواية؛ لِمَا فعلْتَه أمس واليوم). (غَوِيٌّ) على وزن (فَعِيل) بمعنى (فاعل)، أو على أنها صفة مشبَّهة، والغَوِيُّ ضدُّ المرشد، وهو الذي يتصرَّف على وجه الإساءة؛ قال الله تعالى: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ [البقرة ٢٥٦]، والرُّشد معناه معروف أنَّه إحسان التصرُّف، وعلى هذا فيكون الغيُّ سوء التصرُّف. فمعنى قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ﴾ أي: ذو غواية، وهي سوء التصرُّف، وقوله: ﴿مُبِينٌ﴾ أي: بَيِّنُها، ووجْه ذلك -وجْه سوءِ تصرُّفك- أن أمس القريب كان يتخاصم مع قبطيٍّ، واليوم الثاني الذي يليه كان يتخاصم أيضًا مع قبطيٍّ آخَر.
* طالب: صاحب مشاكل.
* الشيخ: نعم، صاحب مشاكل، فلهذا قال له: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، يمكن لو بقي لليوم الثالث والرابع كل يوم يجيب فتنة، يسوي مشكلة، فلهذا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
(﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ [القصص ١٩] زائدة) يعني أنَّ كلمة ﴿أَنْ﴾ زائدة، وهي زيادةٌ لفظية إعرابية، وليست زيادةً معنوية؛ لأنها تفيد التوكيد، وجميع الحروف الزائدة في القرآن لفظًا هي أصليةٌ معنًى؛ لأنها تفيد معنى التوكيد.
وتَطَّرِد زيادة (أنْ) بعد (لَمَّا)، وكذلك قبل (لو)، كما في قول الشاعر:
وَأُقْسِمُ أَنْ لَوِ الْتَقَيْنَا وَأَنْتُمُ ∗∗∗ ......................
ومثل قوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ﴾ [الجن ١٦]، على أنَّ ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا﴾ تقدَّم أنها تكون مخفَّفة من الثقيلة؛ يعني: وأنَّهم لو استقاموا.
هنا يقول: (﴿فَلَمَّا أَنْ﴾ زائدة ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾ لِموسى والمستغيثِ به ﴿قَالَ﴾ المستغيث).
﴿لَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ ... قَالَ أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، كيف عرف أنَّه يريد والإرادة عملٌ قلبيٌّ؟
تهيَّأ وأراد أن يفعل، وهو لا بدَّ أنه استند في هذا العلم، استند إلى أمرٍ ظاهر، وإلا فالإرادة محلُّها القلب.
وقوله: ﴿أَرَادَ﴾ أي: موسى. ﴿أَنْ يَبْطِشَ﴾ أيش معنى البطش؟ هو الأخذ بقوة. أراد أن يبطش به (﴿﴿قَالَ﴾ ﴾ المستغيث ظانًّا أنَّه يبطش به لما قال له ﴿يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾ ﴾ [القصص: ١٩]).
قوله: (﴿قَالَ﴾ المستغيث)، جعل الفاعل في ﴿قَالَ﴾ المستغيث، وهذا يُبعده أمران: أمرٌ معنويٌّ، وأمرٌ لفظيٌّ.
أمَّا الأمر اللفظي؛ فإنَّ ﴿قَالَ﴾ ضميرها يعود إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور ما هو؟ القبطي؛ ﴿بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾.
والثاني أنه ﴿قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ والله يقول: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾، فنحن نفسر الإرادة الثانية بالإرادة الأولى؛ لأن القبطي هو الذي قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
فإذا قال قائل: هذا يُبعده أنَّ القبطي لا علم له بذلك، من أين علِم؟
قلنا: إنه استنتج ذلك من قوله للإسرائيلي: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، وقصة القتل اشتهرت في المدينة وبانت، وصار الناس يتحدثون عنها، فهذا القبطي عرف أنَّ الإسرائيلي عدوٌّ له، أليس كذلك؟ وهذا لامَه -موسى- قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾، فاستنتج من ذلك أنَّ الذي قَتل القبطيَّ بالأمس هو موسى، فقال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾. وهذا القول هو الراجح من قولَيِ المفسرين، والمفسرون لهم في ذلك قولان:
أحدهما: أنَّ الذي قال ذلك الإسرائيليُّ، مع أنَّ موسى تهيَّأ للبطش بالقبطي، لكن هو ظنَّ أنه سيبطش به حين قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾.
والقول الثاني الذي ذكرناه: أنَّ القائل هو القبطي، ويُرجِّح ذلك أنه لَمَّا قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وقد عُلِم أن الإسرائيليِّين أعداء للأقباط، عَلِم بأنَّ موسى عليه الصلاة والسلام هو الذي .. أو استنتج من هذه القصة أنه هو الذي قتل القبطيَّ بالأمس، فلهذا قال: أتريد أنْ تقتلني لأني قبطيٌّ مثلما قتلتَ نفسًا بالأمس.
* طالب: (...) ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: لما قال له موسى: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ (...)؟
* الشيخ: إي، لكن ما قال: القبطي، قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ (...).
* الطالب: (...) ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ فاستنتج القبطيُّ أنه قتل القبطيَّ الآخَر (...).
* الشيخ: نعم، هو بيستنتج هذا، لكن لما تهيأ موسى للقتل وهذا قد استصرخه، علِم أن اللي يقتله موسى، وأن هذا استصرخه بالأمس فحصل القتل.
* طالب: ما يحتمل أن الذي أخبره الإسرائيلي؟
* الشيخ: أخبر مَن؟
* الطالب: يمكن لَمَّا أخبر قبل ما يأتي، أو لَمَّا رأى موسى قال: إنه سيقتلك كما قتل نفسًا بالأمس بسببي.
* الشيخ: على كل حالٍ هذا ما هو موجود في القرآن أنَّ الإسرائيلي أخبر القبطي بأنَّ موسى سيقتله أو تهدَّده بذلك، هذا ما هو موجود، لكن الذي يمكن هو الاستنباط.
* الطالب: طيب، ما يلزم منه أنه قتل.
* الشيخ: لا، هو لما قال: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا، اللي هو القبطي، عَلِم أن هناك شيئًا سابقًا لهذا الإسرائيلي، والقضية مشتهرة، والمعروف بالعداوة للأقباط هم الإسرائيليون، وكون هذا الإسرائيلي يستغيث بموسى وموسى يتهيَّأ للقتل، استنتج القبطي من ذلك أنَّ الذي قَتل الرجلَ القبطي بالأمس هو موسى، لأنَّ القضية مشابِهة لقضية اليوم.
* الطالب: شيخ، لا مناسبة بين قوله: ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ وأنَّه تهيَّأ ليقتله؛ لأنَّ مقتضى ﴿إِنَّكَ لَغَوِيٌّ مُبِينٌ﴾ ألَّا يُجيبه إلى الإغاثة واستغاثته.
* الشيخ: هو على كل حالٍ من شِيعته، فهو لامَه وإنْ كان يُعينه، كما يجري الآن؛ الآن لو تشوف أحدًا من أقاربك أو من أصحابك عمل مشكلة ثم عملها في اليوم الثاني تلومه ومع ذلك تنصره، يلومه إذَن وينصره، ما يمنع هذا، فيلومه وينصره، ولهذا جاء مَن يقول: هذا الولد أشقانا، أتعبَنَا. وهو يروح مثلًا للسلطات يشفع له، وهو يلومه أو يعيبه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: ما هما؟
* الشيخ: الأمر الأول: أن الضمير يعود على أقرب مذكور. هذه قاعدة في اللغة العربية؛ ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا قَالَ﴾، ﴿قَالَ﴾ مَن أُرِيدَ أن يُبطَش به: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
والأمر الثاني في قوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾ أنَّ الرجل قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾، والله يقول: ﴿فَلَمَّا أَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ بِالَّذِي هُوَ عَدُوٌّ لَهُمَا﴾؛ ﴿أَرَادَ أَنْ يَبْطِشَ﴾ هو قال: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي﴾، فإرادة القتل ما توجَّهت للإسرائيلي أصلًا، فالقرآن يدلُّ على أن إرادة القتل توجَّهت إلى مَن؟ إلى القبطي، فقال القبطي هذا الكلام: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ﴾.
قال: ﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [القصص ١٩].
قال: (﴿إِنْ﴾ ما). ويش معنى (﴿إِنْ﴾ ما)؟ يعني أنَّ (إِنْ) بمعنى (ما)، فهي نافية.
وقوله: ﴿تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الجبار معناه: المتعاظم المترفِّع على غيره، وهو من أسماء الله سبحانه وتعالى، ويُوصَف به غيره، ولكنَّه من أسماء الله له ثلاثة معانٍ، الجبار من أسماء الله سبحانه وتعالى له ثلاثة معانٍ:
أحدها: المتعاظم وذو القوة والبطش.
والثاني: بالعكس، الجبَّار الذي يَجبر الكسير ويرحمه ويعطف عليه.
والثالث: يقول ابن القيم في النونية:
وَلَهُ مُسَمًّى ثَالِثٌ وَهُوَ الْعُلُوُّ ∗∗∗ فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِنْ إِنْسَانِ
مِنْ قَوْلِهِمْ (جَبَّارَةٌ) لِلنَّخْلَةِ الْـ ∗∗∗ عُلْيَا....................
فـ(جَبَّار) بمعنى: ذو ارتفاع، ومنه قولهم: نخلةٌ جبَّارة؛ يعني طويلة مرتفعة.
لكن إذا جاءت في صفات غير الله فإنها للذَّمِّ؛ قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾ [غافر ٣٥].
﴿إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾. هذه التهمة ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾، من أين استند إليها؟
* طالب: مِن قَتْله بالأمس.
* الشيخ: مِن قَتْله بالأمس وإرادة قَتْله اليوم.
ثانيًا: ﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ أخذها أيضًا من قَتْله بالأمس وسيَقتُل اليوم. والمصلِح عادةً لا يعتدي على أحد المتخاصمَينِ، ماذا يصنع؟ يحاول الإصلاح بينهما، فهو يقول: إنَّك بإرادتك القتلَ وقد قتلتَ بالأمس معناه أنَّك تريد أن تكون جبارًا ولا تريد الإصلاح؛ إذْ إنَّ مَن يريد الإصلاح يسعى بالإصلاح بين الناس، ما هو بيسعى يستعدي على أحدهم دون الآخر.
وهذا الذي قاله هل ينطبق حقًّا على موسى؟ لا، ما ينطبق عليه؛ لأن موسى عليه الصلاة والسلام ما أراد إلا الإصلاح، ولكنَّه -هذا الرجل- ظنَّ أنه لا يريد إلا الجبروت والاعتداء على مَن كان من غير شيعته.
(﴿﴿وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ﴾ ﴾ [القصص: ١٩] فسمع القبطيُّ ذلك فعَلِم أنَّ القاتل موسى فانطلق إلى فرعون فأخبره بذلك فأمر فرعون الذبَّاحين بقتل موسى فأخذوا في الطريق إليه).
هذا الذي فسره بناء على ما اختاره مِن أنَّ الذي قال: ﴿أَتُرِيدُ﴾ هو الإسرائيلي، أمَّا على القول الثاني فإنَّ القبطيَّ لَمَّا رأى أنَّ موسى يريد أن يقتله واستنتج أنه قاتلٌ بالأمس ذهبَ؛ ترك المخاصمةَ وذهب إلى آل فرعون وأخبرهم، وإذا أخبرهم فسوف ينتقمون لأنفسهم، أرسلوا من يطلب موسى .. أو لم يرسلوا ولكن جعلوا يتشاورون كما هو ظاهر كلام الرجل، وعليه فلا نجزم بأنهم أرسَلوا إلى موسى مَن يذبحه؛ لأن الرجل الذي جاء وهو ناصحٌ لم يقُل: إن الملأ أرسلوا مَن يذبحك، ولكن قال: إنَّهم ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص ٢٠]؛ يعني: يتشاورون فيما بينهم ماذا يصنعون.
وهنا يقول: (﴿وَجَاءَ رَجُلٌ﴾ هو مؤمن آل فرعون). وهذا التأويل الذي قاله المؤلف لا يُجزَم به؛ لأن الله تعالى نكَّره ولم يقل: إنه مؤمن، بينما هو في قصة مؤمن آل فرعون قال: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ [غافر ٢٨]، ولكنَّ هذا الرجل لا شك أنَّ عنده عطفٌ على موسى ورحمةً به، فلهذا جاء يخبره.
وقوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ [القصص ٢٠]، وفي سورة (يس) في قصة أخرى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس ٢٠]، فما هي الحكمة في أنه قُدِّم في هذه الآية ﴿رَجُلٌ﴾ [القصص ٢٠] وأُخِّر في قصة المرسلين؟
لأنَّ قصة المرسلين؛ الاهتمام بكون هذا الرجل بعيدًا عن الرُّسُل ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ ليؤكِّد صحَّة ما جاؤوا به أَبْلغ، أمَّا هنا فهو خبر، هذا الذي جاء به الرجل خبرٌ من الأخبار، فاعتماده على ﴿رَجُلٌ﴾ أبْلغ من كون الرجل جاء من الأقصى أو من الأدنى، فلهذا قُدِّم لفظ الرجولة على وصْف المكان فقال: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
وقوله (﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾ آخِرها) يعني أبعدها، أبعدها منين؟ من مكان موسى.
قال: (﴿يَسْعَى﴾ يُسرع في مشيه من طريقٍ أقرب من طريقهم). هذا بناء على أنَّ الذبَّاحين خرجوا ليذبحوا موسى، ولكنْ ليس بلازم.
وقوله: ﴿يَسْعَى﴾ محلُّها من الإعراب؟
* طالب: صفة لـ﴿رَجُلٌ﴾.
* الشيخ: أو حال.
* طالب: ﴿رَجُلٌ﴾ نكرة.
* الشيخ: يجوز أن تكون صفةً ويجوز أن تكون حالًا؛ أمَّا جواز أن تكون صفةً فلأنَّ ﴿رَجُلٌ﴾ مُنَكَّر، وأمَّا جواز أن تكون حالًا فلأنَّ هذه النكرة وُصِفتْ بقوله: ﴿مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ﴾.
ومعنى ﴿يَسْعَى﴾ أي: (يُسرع في مشيه) كما قال المؤلف، وهذا الإسراع هل هو كما زعم أنه جاء من طريقٍ قريبٍ لئلَّا يُدركوا موسى فيقتلوه، أو أنه خاف أنهم بهذا الائتمار يُنفِّذون ما ائتمروا عليه؟ هذا هو الأقرب.
(﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ﴾ من قوم فرعون ﴿يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾ يتشاورون فيك ﴿لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ [القصص ٢٠]).
﴿قَالَ يَا مُوسَى﴾ نداؤه بهذا يدلُّ على أنَّ هذا الرجل كان له معرفةٌ بموسى، ولهذا ناداه باسمه. في قصة مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ [غافر ٢٨] ما قال: أتقتلون موسى؛ لأن المقام يقتضي ألَّا يُبين أن له اتِّصالًا به ومعرفة، لو قال: أتقتلون موسى، لَقالوا: هذا الرجل يعرف موسى، فأخذوه. ولكنَّه قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا﴾ كأنَّه لا يعرفه، ولكن يعرف ما جاء به من الدعوة الصحيحة السليمة.
أمَّا هنا فإنَّ الرجل يعرف موسى، ولهذا قال: ﴿يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ﴾، وأكَّد له الخبر في قوله: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ﴾ مع أن موسى كان خالي الذهن من ذلك لأن الأمر مهمٌّ، وقد ذكرنا فيما سبق أنَّ الأسباب التي تقتضي تأكيد الجملة الخبرية ليست هي حالَ المخاطَب فقط، ولكنَّها حال المخاطَب وحال الْمُخْبَر عنه؛ إذا كان مُهِمًّا فإنه يُؤكَّد.
قال: (﴿فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج).
﴿فَاخْرُجْ﴾ منين؟ (من المدينة) مثلما قال المؤلف، وقوله: (﴿إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ﴾ في الأمر بالخروج)، بل في الأمر بالخروج وفي مجيئه إليه أيضًا وإخباره بذلك، وأن الذي يأتمرون بشأنه ليس عامة الناس، بل الذين يأتمرون هم الملأ والكبراء الذين يُنفِّذون ما ائتمروا به؛ لأنه لو كان من عامَّة الناس يتشاورون في هذا ما كان له أهمية، ولكن الكبراء هم الذين يأتمرون.
28:21Page 387
فَخَرَجَ مِنۡهَا خَآئِفٗا يَتَرَقَّبُۖ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢١
So he left it, fearful and anticipating [apprehension]. He said, "My Lord, save me from the wrongdoing people."
No commentary for this ayah
28:22Page 388
وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلۡقَآءَ مَدۡيَنَ قَالَ عَسَىٰ رَبِّيٓ أَن يَهۡدِيَنِي سَوَآءَ ٱلسَّبِيلِ ٢٢
And when he directed himself toward Madyan, he said, "Perhaps my Lord will guide me to the sound way."
No commentary for this ayah
28:23Page 388
وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ ٢٣
And when he came to the water [i.e., well] of Madyan, he found there a crowd of people watering [their flocks], and he found aside from them two women holding back [their flocks]. He said, "What is your circumstance?" They said, "We do not water until the shepherds dispatch [their flocks]; and our father is an old man."
(...) * ويستفاد منها أيضًا: أنه لا ينبغي أن يحكم على الأمور إلا بعد معرفة الأسباب، ما ينبغي للمرء أن يحكم على الأمور إلا بعد معرفة الأسباب. من أين نأخذها؟ أنَّه ما حَكَم على المرأتين بأيِّ حكْمٍ إلا بعد أن قال: ﴿مَا خَطْبُكُمَا﴾ [القصص ٢٣] يعني: تَذودان غَنَمكما عن السقي، ولم يحكم بأيِّ حكْمٍ على هذا الأمر، فسألهما.
* ويستفاد منه: (...).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences