Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:14–18
29:14Page 397
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦ فَلَبِثَ فِيهِمۡ أَلۡفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمۡسِينَ عَامٗا فَأَخَذَهُمُ ٱلطُّوفَانُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١٤
And We certainly sent Noah to his people, and he remained among them a thousand years minus fifty years, and the flood seized them while they were wrongdoers.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت ١٤] اللام موطِّئة للقَسَم، و(قد) للتحقيق، والجملة مؤكَّدة بثلاثة مؤكِّدات، وإنما أكَّد الله ذلك وإنْ كان الخطاب لغير مُنْكِرٍ، لكنْ تقدَّم لنا أنَّ الأمور الهامَّة تؤكَّد وإنْ لم يُخاطَب بها مَن يُنْكِر أو يَترَدَّد، كُلّ الأمور الهامَّة فإنها تُؤكَّد.
وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾ أي: بعثناه برسالة، وكان هذا بعد مُدَّة طويلة من آدم؛ إذْ كان الناس بعد آدم على مِلَّةٍ واحدةٍ بدون رسالة؛ لأنَّ آدم نبِيٌّ وليس برسولٍ؛ إذْ إنَّه ليس هناك أحدٌ يُرسَل إليه، وإنما أُوحِي إليه بشرعٍ وجَعَل يتعبَّدُ به واتَّبعه بنوه على ذلك، ولكنْ لما كثُرَ بنو آدم اختلفَتْ آراؤهم وأهواؤهم فاحتاجوا إلى الرسالة؛ قال الله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة ٢١٣]، فبَيَّن سبحانه وتعالى أنَّ الرُّسُل أُرْسِلوا متى؟ بعد أن اختلف الناس، ولهذا فيه قراءة: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ) وهذه القراءة دَلَّ عليها آخِر الآية: ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، فأرسل الله نوحًا، وهو أوَّل رسولٍ أُرسِل إلى البَشَريَّة.
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما، لكنَّه ما نَعْلم هل هذا صحيحٌ أو لا؛ لأنَّ ابن عباس مِمَّن تَلَقَّى عن بني إسرائيل.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ قال: (وعُمْره أربعون سَنَةً أو أكثر). (...) لو أكثر هان الأمر، فنحن لا نعلم بالتحديد كَمْ عمرُه، ما نعلم، لكنَّنا نعلم عِلم اليقين أنَّ الله أرسله وعُمْره قابلٌ لأنْ يكون أهلًا للرسالة سواء كان أربعين سنةً أو أكثر، ولا أظنُّه يكون أقلَّ.
وقوله: ﴿إلي قومِه﴾ هذا فيه شاهِدٌ للحديث الصحيح: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، واللفظ للبخاري، من حديث جابر بن عبد الله . ]].
قال: (﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ يدعوهم إلى توحيد الله فكذَّبوه).
﴿لَبِثَ فِيهِمْ﴾ أي: في دعْوتهم إلى دين الله.
﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ كم؟ تسعَ مئةٍ وخمسين سنةً يدعوهم إلى عبادة الله، عُمْرٌ طويلٌ، وهو معهم في صِراعٍ، وفي سورة نوحٍ يقول الله تعالى: ﴿قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢) أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ (٣) يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرْكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤) قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ لِئَلَّا يسمعوا ما أقول ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ تَغَطَّوْا بها لِئَلَّا يرَوْني -أعوذ بالله- يعني معناه أنهم يسُدُّون كُلَّ منافذ الوعي: السمْعَ والبصرَ ﴿وَأَصَرُّوا﴾ على ما هُمْ عليه من الباطل؛ من المعاصي ﴿وَاسْتَكْبَرُوا﴾ عن الواجبات ﴿اسْتِكْبَارًا (٧) ثُمَّ إِنِّي دَعَوْتُهُمْ جِهَارًا (٨) ثُمَّ إِنِّي أَعْلَنْتُ لَهُمْ وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَارًا﴾ [نوح ٢ - ٩] شوف مراحل الدعوة العظيمة، ومع ذلك ما استفادوا شيئًا، ما آمَنَ معه إلا قليلٌ، فالـمُدَّة طويلةٌ، والدعوة متنوِّعةٌ، والمضادَّة والمحادَّة لنوحٍ شديدةٌ عظيمةٌ، يمرُّون به وهو يصنع السفينة ويسْخَرون منه، لكنه مؤمن بالله عز وجل ويقول: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيم﴾ [هود ٣٨، ٣٩]، هذه الْمُدَّة الطويلة يقول الله تعالى في سورة هود: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود ٤٠]، حتى أحدُ أولاده ما آمَنَ، وهذا يُوجِب لنا أن نصبر ونحتسب.
الإنسان مِنَّا إذا دعا الناسَ لمدَّة ساعة ولم يستجِب أحدٌ زعِل وترك الدعوة، قال: ما فيه فائدة. هذا لَبِث ألْفَ سنةٍ إلا خمسين عامًا ومع ذلك ما آمَنَ معه إلا قليلٌ.
يقول الله عز وجل: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ (...) لأن القصة تكون أحيانًا مختصَرة يُذكَر فيها السببُ والأثَرُ بدون تفصيل، إرسالٌ ومُكْثٌ طويلٌ، وبَعْد ذلك أَخْذٌ، لكنْ أخْذٌ بسببٍ وهو قوله: ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ ﴿أَخَذَهُمُ﴾ أبلَغُ مِن قوله: فأغرقهم. والأخْذُ يكون في مقابلة عمَلٍ، فهو جزاء.
(﴿الطُّوفَانُ﴾ أي: الماء الكثير طافَ بهم وعَلاهم فغرقوا). طافَ بهم من كُلِّ جانبٍ والعياذ بالله، وقد ذكر الله تعالى شأنَ هذا الأمر فقال سبحانه وتعالى: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ [القمر ١١، ١٢] شوف ﴿أَبْوَابَ السَّمَاءِ﴾ كُلّ أبواب السماء فُتِّحت، إذا فُتِّحت أبواب السماء ستكون مثل القِرَب. ﴿بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ يعني نازِل بشِدَّة وقوَّة. ﴿وَفَجَّرْنَا الأَرْضَ عُيُونًا﴾ الأرض كُلّها تفجَّرتْ عيونًا، حتى قال تعالى: ﴿وَفَارَ التَّنُّورُ﴾ [هود ٤٠] وهو موضع النار البعيد عن الرطوبة. ﴿فَارَ﴾ بدأ يفور عيونًا. ويش رأيكم يعني سيكون الماء بين ساعاتٍ فوق قِمَم الجبال، وهكذا كان بإذْن الله، كان كذلك؛ الأرضُ كلُّها تَبُثُّ عيونًا، والسماء مُنهَمِرةٌ بالمياه العظيمة. ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ﴾ ماءُ الأرض وماءُ السماء ﴿عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ مَن ينجو مِن هذا؛ وَرَدَ في الحديث «أنَّه لو أَنْجَى اللهُ أحَدًا لَأَنْجَى أمَّ الصَّبِيِّ؛ امرأة معها صَبِيٌّ كُلَّما وَصَلَها الماء صعِدَتْ في الجبل، وكُلَّما وَصَلَها صعِدَتْ، حتى وَصَلَتْ إلى قِمَّة الجبل، فلمَّا ألْجَمَها الماءُ حملَتْ ولَدَها فوق لأجْلِ أن تَغْرَق قبْل ابنها»[[أخرجه الحاكم في المستدرك (٣٣٤٩) من حديث عائشة.]]، ولكنْ -والعياذ بالله- رحمةُ الله تعالى ما تدرك الكافرين بعد أن يروا العذاب؛ ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٥] المهم..
* طالب: السماء الحقيقية؟
* الشيخ: السماء اللِّي فوق، ما عَلاك فهو سماء.
(﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ﴾ أي: الماء الكثير طافَ بهم وعَلاهم فغرقوا).
﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾، جُمْلةُ ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ في موضع نَصْبٍ على الحالِ مِن الهاء في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ﴾؛ يعني: والحال أنَّهم ظالمون؛ أي: مُقيمون على الظُّلْم، ما آمَنوا؛ لأنه مَا آمَنَ مع نوحٍ إلا نفرٌ قليلٌ.
29:15Page 398
فَأَنجَيۡنَٰهُ وَأَصۡحَٰبَ ٱلسَّفِينَةِ وَجَعَلۡنَٰهَآ ءَايَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٥
But We saved him and the companions of the ship, and We made it1 a sign for the worlds.
(﴿فَأَنجَيْنَاهُ﴾ [العنكبوت ١٥] أي: نوحًا) مِن هذا الطوفانِ العظيمِ ﴿وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ ﴿وَأَصْحَابَ﴾ (أصحاب) ويش المعطوف عليه؟ على الهاء في قوله: ﴿أَنجَيْنَاهُ﴾؛ يعني وأنجينا أيضًا أصحاب السفينة؛ يعني أهلَها؛ أي: (الذين كانوا معه فيها)، وهُم المؤمنون، أهْل نوحٍ كُلّهم إلا ابنَه الكافر. والمؤمنون مِن قومه وكذلك أيضًا الحيوانات ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [هود ٤٠] كُلّ اللي على وجه الأرض يعيش مِن الحيوانات حُمِل في هذه السفينة، لأن (...) كُلّ شيءٍ على الأرض، هؤلاء أصحاب السفينة نجَوْا.
﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ جعلْنَاها عِبرةً للعالَمين. ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ الضمير في ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ أي: القِصَّة، أو ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إذ هو يؤيِّد أنَّها السفينة؛ أنها لأقْربِ مذكورٍ، ويؤيِّد العموم أنَّ العِبرة ليستْ في السفينة فقط بلْ في السفينة وفي القصة؛ حيث إنَّه بقي هذه المدَّةَ الطويلةَ ولم يؤمن معه إلا قليلٌ، وحَصَل هذا الغَرَق العظيم الذي لا نَظِيرَ له فيما نعلم، فهي آيةٌ للعالَمين.
وأمَّا أنَّها السفينةُ فإنَّ الله تعالى يقول: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ﴾ [يس ٤٢] ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ﴾ أي: مِن مِثْل الفُلْك المشحون الذي نجا به نوحٌ ﴿مَا يَرْكَبُونَ﴾، فصارَ أوَّل من صنع السُّفُن نوح ثمَّ أخذها الناسُ منه، وتأمل الحكمة في قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ [القمر ١٣] ولا قال: حملْناه على السفينة، ليش؟ تنبيهًا على الموادِّ التي يُسمُّونها الموادَّ الخام في صُنْع السفينة. ويش هي؟ الألواح والدُّسُر؛ يعني المسامير، يعني معناه أنها تُصنَع من الألواح والمسامير علشان يعرف الناس ذلك، وهذا هو الواقع، كُلُّ الناس عرفوا بها، وتطورت الصنعة إلى أن وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ بعض العلماء يقول: ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ أي السفينةَ عينًا، وأنَّ هذه السفينة بقِيَتْ في الأُمَم حتى أدرَكَتْها آخرُ الأُمَم وهُم أوَّل هذه الأُمة، فيُقَال: إنَّ أجزاء هذه السفينة بقِيتْ موجودةً إلى أن أدرَكها أوَّلُ هذه الأُمَّة على الْجُودِيِّ الذي استَوَتْ عليه. وهذا فيه نظر.
والقول الثاني أنَّ الهاء في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ يعود على السفينة باعتبار الجنس لا باعتبار الشَّخْص؛ فالضَّمِير يعود إليها باعتبار جنسها كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا﴾ ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ أي: الشُّهُب التي تَخرُج من هذه المصابيح ﴿رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ [الملك ٥]، وكما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣] ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ هذا الضمير يعود على الإنسان باعتبار جنسه أو باعتبار شخصه؟
* طالب: باعتبار جنسه؛ لأن الأول آدم ..
* الشيخ: لا تُعَلِّل (...)، مَن يوافق أو يخالف؟
* طالب: باعتبار الجنس.
* الشيخ: باعتبار الجنس، إي نعم، ما يصِحُّ أن يكون باعتبار الشخص؛ لأنه ما هو بـ(آدم)، هو اللِّي نُطْفة في الأرحام، هل آدم الذي خُلِق من سلالةٍ من طينٍ يكون في الأرحام نطفةً في قرارٍ مَكينٍ؟ لا، ولكن ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾ أي الإنسانَ باعتبار جنسه، فالضمير يعود إلى الإنسان باعتبار الجنس لا باعتبار الشخص، فعلى هذا يكون قوله تعالى هنا: ﴿وَجَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينةَ باعتبار جنسها ولَّا باعتبار شخصها؟ يعني: نفس السفينة ولَّا جنس السفينة؟
فيه قولان للعلماء؛ أنا قلتُ لكم: بعض العلماء يقول: إنها بقيتْ هذه السفينة؛ شَخصُها بقي حتى أدركَتْه آخِرُ الأُمَم هذه الأُمَّة، وعلى هذا يكون ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينةَ عينَها.
وبعضهم يقول: لا، سفينةُ نوحٍ لها قرون عظيمة، تكسَّرتْ وأتلفتْها الرياحُ والشمسُ والناسُ، راحتْ، لكنْ ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ أي: السفينةَ باعتبار الجنس.
* طالب: (...).
* الشيخ: (...)، نحن نتكلم عن السفينة، هي التي نتكلم عليها، إي نعم.
* طالب: نقول يمكن (...).
* الشيخ: على كل حالٍ المسألةُ فيها قولان لأهل العلم: إما باعتبار الشخص، وإما باعتبار الجنس.
﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ المراد بـ(العالَمين) هنا مَنْ بَعْدهم مِن الناس كما قال المؤلِّف: (لِمَنْ بَعْدهم مِن الناس إن عَصَوْا رُسُلهم). وهذا مِن المؤلِّف؛ كأنه يقول: إنَّ الضمير في ﴿جَعَلْنَاهَا﴾ يعود على القِصَّة كلِّها وأنَّها عِبرة للعالَمين، إنْ عَصَوْا رُسُلَهم فسيَحِلُّ بهم من العقوبة ما حَلَّ بقوم نوحٍ.
﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (لِمَنْ بَعْدهم من الناس إنْ عَصَوْا رُسُلهم. وعاش نوحٌ بَعْد الطوفانِ ستين سنة). يصير أربعون سنةً قبْل البعثة وستون سنةً بعد الطوفانِ مئةَ سنةٍ، وتسع مئةٍ وخمسون: ألف وخمسون سنة، لكنْ عاد المؤلِّف قال: (ستين سنةً أو أكْثَر حتى كَثُر الناس). يعني أنَّه ما جَزَم بأنَّه ما بقي إلا ستين سنةً بعد الطوفانِ.
ونحن نقول: ليس لنا فائدة من معرفة كَمْ لَبِثَ قبْل الرسالة ولا مِن معرفة كَمْ لَبِثَ بعد الطوفانِ؛ لأنَّ المهم ما هي؟ المهم هو القصة.
إن هذا أوَّل الرسل عليهم الصلاة والسلام، ومع ذلك وجد من قومه من المعارضات والاستكبار ورَدِّ دعْوته ما لم يجِدْه نبيٌّ مِثْله؛ لأننا ما نعلم أن نبيًّا بقي في قومه ألْف سنةٍ إلا خمسين عامًا إلَّا نوحًا، وأمَّا المثل العامِّي عند الناس يقول: (عسى عُمْرك عُمْر شعيب) هذا مشهورٌ عندنا، ما أدري، معروفٌ عندكم؟ إذا بغوا يَدْعون الناس بطول العُمْر قالوا: (عسى عُمْرك عُمْر شعيب) يظنُّون أن عُمْر شُعَيب أطول الأعمار، ولكن هذا غير صحيحٍ، الآن اللِّي بَلَغَنَا مِن كتاب الله سبحانه وتعالى أنَّ أطولَ الناسِ عُمْرًا نوح، هذا الذي بَلَغَنا، فهُمْ لو قالوا: عسى عُمرك عُمر نوح، كان معقول، لكن (عسى عُمرك عمُر شعيب) (...) .
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أدري هم يظنون هذا الظن أو أنه شعيب أخو مدين.
* طالب: (...).
* الشيخ: ما أدري، الله أعلم.
في قصة نوحٍ يقول الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الشعراء ١٠٥]، والله يقول: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ما فيه تعدُّد، نوحٌ واحد، أيش لونه؟
* طالب: باعتبار الجنس؛ يعني: كذَّبوا الرسول فكذَّبوا الرُّسُل.
* الشيخ: إي نعم، يعني أنَّ الذي يُكذِّب رسولًا من الرُّسُل مُكذِّبٌ للجميع؛ لأنه ويش الفرق بين نوح وهود وصالح؟! كلُّهم من بني آدم، كونك تكذِّب واحدًا قامتْ البيِّنة على أنه رسول كأنَّما كذَّبْتَ جميعَ الرسل، مثلما أنَّ مَن آمَنَ ببعض الرسالة وكَفَر ببعضٍ فقد كَفَر بالجميع؛ أحدٌ يقول: أنا أومِن بأنَّ الصلاة مفروضةٌ لكن ما أومِن بأنَّ الزكاة فرضٌ. نقول: الآن كذَّبْتَ بهذا وبهذا؛ لأن إيمانك بأنَّ الصلاة مفروضةٌ دون الزكاةِ عن هَوى ولَّا عن هُدى؟ عن هوى، لو كان عن هُدى لآمَنْتَ بهذا كما آمَنْتَ بهذا، فأنت إذَنْ لسْتَ بمؤمن لا بهذا ولا بهذا.
29:16Page 398
وَإِبۡرَٰهِيمَ إِذۡ قَالَ لِقَوۡمِهِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱتَّقُوهُۖ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ١٦
And [We sent] Abraham, when he said to his people, "Worship Allāh and fear Him. That is best for you, if you should know.
مفعولٌ لفعل محذوف تقديره (...)، حذف العامل هو الاختصار وبيان الاهتمام بالمعمول، فهنا حُذِفَت (اذكر) اختصارًا واهتمام بالمعمول وهو إبراهيم لِيُبدَأَ به أولًّا، وإبراهيم عليه الصلاة والسلام كلنا يعرف أنه ثانِي أولي العزم مِن الرسل وأولُهم مَن؟ محمد ﷺ ثم إبراهيم ثم موسى ثم نُوح وعيسى، اختلفوا أيُّهما أفضل، والأولى أن يقال: لِكُلٍّ مِنْهُما مَزِيَّة.
أمَّا الثلاثة محمد ثم إبراهيم ثم موسى فهذا متفق عليه، هذا الترتِيب، وقد ابتلاه الله تعالى بأمرين؛ أحدهما في الدعوة إلى الله، والثاني في أعَزِّ محبوب إليه، أما في الدعوة إلى الله فإن الله ابتلاه بأن سَلَّط عليه قومَه لِيُحْرِقُوه، والنتيجة أنجاه الله مِن النار، وقال للنار: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩].
وأما الأمر الثاني فهو في أعزِّ الأشياء إليه وهو ابنُه حين بلغَ معه السعي وهو وحيدُه وأوَّلُ أولاده وهو إسماعيل على القول الصحيح؛ ابتلاه الله تعالى بأن أمرَه بذبحِه أمرَه بأن يذْبَحَه هو واستَسْلَم ووافق، واسْتَسْلم لِهذا الأمر، والقصة معروفة وأنجاه الله سبحانه وتعالى منه حين قال لَه: ﴿وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ﴾ [الصافات ١٠٤ - ١٠٦] إلى آخره، وسُمِّي خليلًا اتخذه الله خليلًا بسبب هذا الأمر حيث قدَّم على محبَّةِ الله تعالى أحبَّ شيء إليه.
وقد نبَّهْنا مِن قبل على أنَّ بعض الناس الجهَّال في الواقع يصِفُون النبي ﷺ بأنه حبيب الله، وأنَّ إبراهيم خليل الله، وهذا خطأ، فإن محمدًا ﷺ خليلُ الله أيضًا كما ثبتَ ذلك عنه[[أخرجه مسلم (٥٣٢ / ٢٣) من حديث جندب بن عبد الله.]]، والذي يقول: إنَّ محمدًا حبيب وإبراهيم خليل، قد تنقَّصَ النبي ﷺ؛ لأنَّ درجة المحبة أدنى مِن درجة الخُلَّة.
﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ [العنكبوت ١٦] ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف وهي في موضع نصب على الحال أي حالَ كونِه قائلًا لقومه.
وقوله: ﴿لِقَوْمِهِ﴾ مَن القوم؟ القوم هم الجماعة الذين ينتسب إليهم الإنسان بنسب أو هدف، كلُّ مَن ينتسب إليه الإنسان بنسب فهم قومه، أو بهدف بأن يكون دعواهم واحدة وطريقُهم واحدة يسمى أيضًا قومًا، والمراد بقومه هنا مَن ينتسب إليهم قرابة ﴿لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾ قال المؤلف: (خافُوا عقابه) ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أصل العبادة مأخُوذَة مِن الذُّلّ، ومنه قولُهم طريقٌ مُعَبَّد أي مُذَلَّل؛ لأنَّ العبد يذل لمعبوده فالعبادة إذن التذلل لله عز وجل بفعلِ أوامره واجتناب نواهيه، وقد حدَّها شيخ الإسلام ابن تيمية بأنَّها: (اسم جامِع لكل ما يحبه الله ويرضاه مِن الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة)، وهذا حدٌّ لها في الواقع باعتِبار ميدان العبادة، أمَّا أصلها فإنه الذُّلّ؛ لأن هذا مقتضاها في اللغة أن يتذَلَّل الإنسان لله سبحانه وتعالى بطاعته فعلًا للأوامر وتركًا للنواهي، واعلم أنَّ العبادة تنقسم إلى قسمين:
أولًا: الخضوع للأمْرِ الكوني وهذه عامَّة لِكُلِّ أحد كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣] كُلُّ مَن في السماوات والأرض مِن مؤمن وكافر وبَرٍّ وفاجِر كلهم يأتون الله تعالى بهذا الوصف ﴿إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، وهل مِن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر ٤٢]؟
* طالب: إن قلنا: إن الاستثناء متصل فهو منه، وإن قلنا: منقطع فليس منه.
* الشيخ: صح، فاهمين يا جماعة؟ احنا ذكرْنا العبودية تنقسم إلى قسمين: عامَّة وهي الخضُوع للأمر الكوني وهذه لا يُسْتَثْنَى منها أحد، كُلُ الناس كل الخلق خاضع لأمر الله الكوني أليس كذلك؟ هل أحد يقدر يرفع المرض أو الموت عن نفسه؟ لا، مثاله قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾، هل مِن هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ يُخاطِب إبليس: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾.
الجواب: إن جعلْنا الاستثناءَ متصلًا فالمراد بالعبودية: العامة، وإن جعلناه منقطعًا فالمراد بالعبودية: الخاصة.
العبودية الخاصة: هي التذلل للأمر الشرعي التذلُّل لأمر الله الشرعي، ومنها قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] هؤلاء تذللَّوا بأي شيء؟ بالأمر الشرعي، هنا في الآية الكريمة قال إبراهيم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيُّ الأمرين يريد؟
* طالب: الشرعي.
* الشيخ: التعبُّد لله بالعبادة الشرعية.
وقوله: ﴿وَاتَّقُوهُ﴾ عطفًا على قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾، والعطف كما قيل: يقتضِي المغايرة، ونحن ذكرنا أنَّ العبادَة التذُلَّل لله سبحانه وتعالى بالطاعة.
والتقوى: اتخاذ وقايةٍ من عذابه بطاعتِه، هذه التقوى، أصلها مِن الوقاية فيَتَّقِي الإنسان عذابَ الله بطاعتِه، على هذين التفسيرين يكون عطف التقوى على العبادة مِن باب عطفِ الشيءِ على نفسه، والمعروف أنَّ بلاغة القرآن تأبى ذلك؛ يعني: تأبى أن يُعْطف الشيء على نفسه؛ لأنَّ ذلك مِن باب التكرار، فما هو الفرق الذي يكون به العطفُ مقتضيًا للمغايرة؟ يعني: إذا قلنا: التقوى اتخاذُ وقايةٍ مِن عذاب الله بطاعته، والعبادة التذلل لله تعالى بطاعته صار معناهما واحدًا، والعطفُ يقتضِي المغايَرَة فكيف يمكن أن نُفَسِّر العبادة بمعنًى يُغايِر معنى التقوى؟ نقول: هذا الجواب على هذا مِن أحد وجهين: إمَّا أن يُراد بالعبادة هنا في هذه الآية بالعبادة فعل الأوامر وبالتقوى تركُ النواهي، يعني أن تَتَّقِيَ المعاصي وأن تفعلَ الطاعات، وهذا الوجه؛ أعني أنَّه إذا كانت الكلمتان كل واحدة منهما تشمل معنى الأخرى عند الانفراد وتُغايِرُها عند الاجتماع هذا له أمثلة كثيرة مثل الفقير والمسكين هما شيء واحد عند الانفراد ويختلفان عند الاجتماع، البِرّ والتقوى هما شيءٌ واحد عند الانفراد وشيئان عند الاجتماع.
هنا نقول: العبادة والتقوى هما شيء واحد عند الانفراد، وعند الاجتماع تُفَسَّر العبادة بفعل الأوامر والتقوى باجتناب النواهي هذه واحدة، أو نقول: الوجه الثاني: أن يُرادُ بالعبادة مطلَق الالتزام والتذلل والتقوى المراد بها اتقاء العمل المعيَّن؛ لأنَّه ليس كل مَن قام بمطلق العبادة يقوم بالتقوى؛ كثير من المسلمين الآن يعبدون الله لكن هل يتَّقُونه في كل شيء؟ لا، يفعلون أشياء كثيرة.
هذا الصوم عندنا، الآن نصوم، لكن هل الصائم يتَّقِي الله عز وجل في كلِّ شيء بحيث يترك الكذب والغيبة والشتم والمحرَّم وقول الزور والعمل به؟
الجواب: ليس كلُّ صائم هكذا؛ وعلى هذا فنقول: المراد بالعبادة مطلق الالتزام والتذلل، وبالتقوى أن يتقِي الإنسان ربه في كل فرد أو في كل جنس مِن جنس المعاصي وأفرادها.
﴿وَاتَّقُوهُ﴾ يقول المؤلف: (خافوا عقابه)، ولو أنَّ المؤلف فسر الآية بيما يطابق اللفظ لكان أولى؛ لو قال: اتقوا عقابَهُ لكان أولى.
(﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مما أنتم عليه مِن عبادة الأصنام) قال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه العبادة والتقوى.
قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت ١٦].
* يُستفَادُ منها: فضيلة إبراهيم؛ حيث أمرَ قومه بما ذُكِر.
* ويستفاد منها أيضًا: أنه ينبغي ذِكْرُ الدعاة إلى الله سبحانه وتعالى بما يرفع مِن شأنِهم؛ لأنه قدَّرْنا (إبراهيم) مفعولًا لِفعلٍ محذوف تقديرُه: اذكر إبراهيم.
* ومِن فوائد الآية: وجوب عبادة الله وتقواه، مِن قوله: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ﴾؛ لأنَّ الأصل في الأمر (...).
* ومِن فوائد الآية: أنَّ خير ما يحصل عليه العبد عبادَةُ الله وتقْواه؛ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
* ومِن فوائدها أيضًا؛ مِن فوائد الآية: أنَّه لا يَعْقِل هذه الأشياء إلَّا أهل العلم، تُؤْخَذ مِنين، مِن أين تؤخذ؟ أنه ما يعقل الخيرِيَّة في العبادة والتقوى إلا أهلُ العلم؟
* طالب: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
الشيخ: مِن كل الآية؟!
* الطالب: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
29:17Page 398
إِنَّمَا تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا وَتَخۡلُقُونَ إِفۡكًاۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ تَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ لَا يَمۡلِكُونَ لَكُمۡ رِزۡقٗا فَٱبۡتَغُواْ عِندَ ٱللَّهِ ٱلرِّزۡقَ وَٱعۡبُدُوهُ وَٱشۡكُرُواْ لَهُۥٓۖ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ١٧
You only worship, besides Allāh, idols, and you produce a falsehood. Indeed, those you worship besides Allāh do not possess for you [the power of] provision. So seek from Allāh provision and worship Him and be grateful to Him. To Him you will be returned."
ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت ١٧].
* مِن فوائد هذه الآية: أنَّ كل ما يُعْبَدُ مِن دون الله فإنه وثَنٌ لا ينفع ولا يأتي بالرزق.
* ومِن فوائدها: أنَّ تسميَّة هذه الأوثان بالآلهة كذِب؛ لقوله: ﴿وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا﴾.
* ومِن فوائدها: أنَّه ينبغي لمن ذَكَر حكمًا أن يذكُرَ عِلَّتَه.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: من قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾.
* ومنها؛ مِن فوائدها: أنَّه ينبغي الاستدلال بالمحْسُوس على المعقول، مِن أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا﴾ هذا دليل محسوس، ووجْه الاستدلال بالمحسوس على المعقول أنَّ المحسوس ما يُنْكِرُه أحد، لكن المعقول قد لا يتصوره الإنسان فضْلًا عن كونه يُقِرُّ به، فإلزامُ الإنسان بالشيء المحسوس على المعقول هذه مِن طرق المناظرة والحُجَّة وإقامة الحجة والإلزام.
* ومن فوائد الآية: أنَّ الذي يجِب أن يُلْجَأَ إليه هو الله عز وجل، مِنين؟ مِن أين تُؤْخذ؟ ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾.
* ومِن فوائد الآية: أنَّه ذُكِرَ فيها سبَبُ الرزق وسبب بقاء الرزق؛ سبب وجوده وسبب بقائه.
* طالب: (...).
* الشيخ: أو نقول: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ هذا سبب الرزق، ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ هذا سبب البقاء.
* ومنها، مِن فوائد الآية: وجوبُ شكر النعمة؛ لقولِه؟
* طالب: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾.
* الشيخ: ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾. هنا الفعل متعَدٍّ ولَّا لازم؟ ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ الفعل متعدٍّ ولّا لازم؟
* طالب: مُتعدٍّ.
* الشيخ: متعدٍّ؟ هنا في الآية الكريمة في الآية لازم ولَّا متعدٍّ؟
* طالب: (...).
* الشيخ: متعدٍّ؟ أين المفعول؟
* طالب: (...).
* الشيخ: من يعرف الجواب؟
* طالب: (...) ﴿وَاشْكُرُوا لَهُ﴾ (...).
* الشيخ: اشكروا نعمته مُخْلصين له، هذا على القول بأنها متعدية، أما على القول بأنَّها لازمة فإنَّ (شكر) تكون لازمة؛ تقول: شكرْتُه، ومتعدية تقول: شكرْتُ له، ويكون المفعول هي الهاء وليس المحذوف.
* ومِن فوائد الآية: إثبات البعث، مِنين نأخذه؟
* طالب: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، وهذا يكون يومَ القيامة، إثباتُ البعث.
* ومنها: إثباتُ الجزاء على الأعمال، منين نأخذه؟ مِن قوله: ﴿إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾؛ لأنَّ الفائدة مِن هذا الإخبار بأنهم سيُبعثون ويجازَوْن، ليس مجرد بعث بدون جزاء، بل لا بد فيه مِن جزاء.
29:18Page 398
وَإِن تُكَذِّبُواْ فَقَدۡ كَذَّبَ أُمَمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡۖ وَمَا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ١٨
And if you [people] deny [the message] - already nations before you have denied. And there is not upon the Messenger except [the duty of] clear notification.1
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [العنكبوت ١٨]
* يُسْتَفَادُ مِن هذه الآية: تهدِيدُ المكذبين للرسول ﷺ؛ لقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وقد علِمُوا ما جرَى لهم، فعلى هذا يكون في ذلك تهدِيدٌ لهؤلاء المكَذِّبِين للرسول عليه الصلاة والسلام.
* ومن فوائدها أيضًا: أنَّ الرُّسُل يجِبُ عليهم الإبلاغ؛ لقولِه: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ﴾ ﴿عَلَى﴾ تفيدُ الوجوب قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران ٩٧] يعني واجب، فـ (على) إذا قيل: على فلان كذا وكذا فإنها تفيد الوجوب؛ إذن يستفاد مِن الآية وجوب الإبلاغ على مَن؟ على الرسل.
* ومِن فوائدها: أنه لا يجِب عليهم هداية الخلق أو لا؟ ما عليهم إلا البلاغ، أما الهداية فإلى الله عز وجل، وكذلك الحساب على الله عز وجل ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد ٤٠].
* ومِن فوائدها: وجوب الإبلاغ على أهل العلم، مِن أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾.
* الشيخ: والعلماء ورثَةُ الأنبياء فيجِب عليهم الإبلاغ كما يجِبُ على الرسل.
* ومنها: أنَّ القرآن مُتَضَمِّنٌ لجميعِ الأحكام العقِيدِيَّة والعملية، وأنَّه أتَى بذلك على أكمَلِ وجْه وأبْيَنِه؛ لقوله: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ لِكُلِّ ما أرسل به؛ لأَنَّه رسول فعليه البلاغ المبين لكل ما أرسل به، والنبي عليه الصلاة والسلام أرسل بعقائِد صحيحة سليمة وبأعمال قويمة وبأقوال مُسْتَقِيمَة.
وعلى هذا فنَقُول مِن هذه الآية: نستَدِلُّ بهذه الآية على أنَّ جميع الشريعة بَيِّنَة مُكَمَّلَة واضِحَة، فنَرُدُّ به على جميع أهل البدع، كل أهل البدع نرُدُّ بذلك عليهم؛ لأنَّ أهل البدع يستلْزِمُ قولُهم ألَّا يكون النبي عليه الصلاة والسلام بَلَّغ البلاغ المبين.
مثلًا الذين ينكرون حقيقة استواء الله على عرشه يقولون: معنى الاستواء الاستيلاء على العرش؛ هؤلاء تُكَذِّبُهُم هذه الآية لو كان المراد بالاستواء الاستيلاء لكان يأتي هذا المعنى ولو في آية واحدة، وكم آيات الاستواء في القرآن؟ سبْع آيات ما جاء ولا آية واحدة يقول الله فيها: استولى على العرش، فنقول: أنتم كاذبون تُكَذِّبكُم هذه الآية، وكذلك بقية الشبهات التي يحتَجُّ بها أهل التعطيل أو أهل التمثيلِ أيضًا، حتى أهلُ التمثيل الذين يقولون: إن الله استوى على عرشه حقيقَة لكن استواءه كاستواءِ المخلوق على المخْلُوق كاستواء الملِك على عرش المُلْك، وما أشبه ذلك.
نقول: هؤلاء أيضًا يكذبهم قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾؛ لأنَّ الرسول بلَّغ البلاغ المبين، وقد أتانا من بيانِه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١].
لو قال قائل: يوجد وقائع الآن تقع ما نرى لها ذكرًا في القرآن ولا في السنة فما هو الجواب على هذه الآية؟ أليس يجرِى وقائع وقعَت وتقع ليس لها ذكرٌ (...) ولا في السُّنَّة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، نقول: هي مُبَيَّنَة ببيان الجنس؛ يعني: ما هو بلازم أنَّ القرآن يأتي بكلِّ فرْد أو السنَّة تأتي بكل فرد؛ لأنَّ أفراد القضايا ما لها حصر، ما ظنكم لو أن الله سبحانه وتعالى ذكرَ في القرآن كلَّ قضية تأتي إلى يوم القيامة؟! كم يكون القرآن من مجلد؟ مجلدات ما لها حصر.
لكنَّنا نقول: هذه الأفراد أفراد هذه المسائل موجودةٌ بأجناسها وعلَلِها وقواعِدِها؛ يعني: إما أن تكون بالقياس وإما أنَّها مسكوت عنها والسكوت في مقام البَيان بيان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «مَا سَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ عَفْوٌ»[[أخرجه أبو داود (٣٨٠٠) من حديث عبد الله بن عباس.]].
المهم أنَّنا نقُول: ما مِن قضية تقع إلا وحُكمُها موجودٌ في القرآن أو السنة باعتبارها فردًا ولّا باعتبارها جنسًا؟ باعتبارها جِنسًا، فجِنس هذه القضية موجود في القرآن إمَّا بقاعدة عامة أو بقياس صحيح أو ما أشبه ذلك، لكن الخلل والنقص يأتي مِن واحدٍ مِن أمور: إمَّا قِلَّةٍ في العلم، يكون الإنسان ما عنده علم، والخلل هنا منين؟ مِن الإنسان، الإنسان ما أحاط بالسنَّة، القرآن يحيط به الإنسان، لكن السنة ما يمكن يحيط بها الإنسان، يُوجَد أحاديث تأتي على الإنسان ما كانَت تدُور في ذهنه.
وإمِّا لقصُورٍ في الفهم يكون الإنسان عنده عِلْم لكنَّ فَهْمَه قاصِر، ولا يكون به نوم أيضًا مثل بعض الناس اللي ينامون في الدرس يكون عنده قصور في الفهم، ولاحظوا أن اختلاف الناس في الفهم أكثر وأعظَم مِن اختلافِهم في العلم، يوجد بعض الناس يستنبِط مِن دليلٍ واحد عدة مسائل، وآخر ما يستنبط إلا مسألة أو مسألتين.
ثالثًا: مِن أسباب عدم الوصول أو عدم معرفة الحق مِن القرآن والسنة أن يكون عند الإنسان سوءُ قَصْد بحيث لا يُرِيدُ الحق والعياذ بالله، ما يريد إلا أن ينتصرَ قوله، فإن هذا -والعياذ بالله- يُحال بينه وبين الوصول إلى الصواب ومعرفة الحق لأنَّه لا يريده، هذه أسباب ثلاثة.
السبب الرابع: المعاصي فإن المعاصي ذُلٌّ وظُلْمَة تُوجِب أن يُحال بين الإنسان وبين الوصول إلى الحق مِن كتاب الله وسنة رسوله ﷺ، بل إنَّ المعاصي تُوجِبُ نسيان الموجود، كما تمنَعُ وُجُود المفقود قال الله تعالى: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [المائدة ١٣].
إذن هذه أسباب أربعة كُلُّها تحُول بين الإنسان وبين الوصول إلى معرفة حكم الله الذي في الكتاب وفي السنة، أمَّا نفسُ الكتاب والسنة فإنها لا شك محيطةٌ بجميع القضايا إلى يوم القيامة؛ لأن هذا الكتاب إلى يوم القيامة.
وأما قولُ مَن قال مِن أهل العلم وهو مِن أعجب ما يكون: إنَّ الكتاب والسنة ليس فيها إلا حكم القليل من القضايا، حتى إن بعضهم يزعم إنه ما في القرآن والسنة إلا نحو عُشْر القضايا، هذا خطأٌ عظيم؛ ولهذا قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩].
* مِن فوائد الآية: أنَّ الرسل أفصَحُ الخلق، مِن أين تؤخذ؟ مِن قوله: ﴿إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ ﴿الْمُبِينُ﴾ سواءٌ قلنا: إنَّ المبين بمعنى بَيِّن أو بمعنى مُظْهِر، والصواب أنَّها بمعنى مُظْهِر، أظُن انتهى؟ إلى هذا؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences