Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:19–20
29:19Page 398
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩
Have they not considered how Allāh begins creation and then repeats it? Indeed that, for Allāh, is easy.
ثم قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ [العنكبوت ١٩] بالياء والتاء: ينظُرُوا، بالياء والتاء يعني: ﴿يَرَوْا﴾، والثانية ﴿تَرَوْا﴾ فهما قراءتان سَبْعِيَّتان، الرؤية هنا فسَّرها المؤلف بمعنى النظر فهي رؤية عين ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، ويحتمل أن تكون رؤيةً قلبية أي: علمِيَّة بمعنى: أولم يعلموا، وننظر أيهما أولى مِن سياق الآية ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ ﴿يُبْدِئُ﴾ يقول: (هو بضَمِّ أوله وقُرِئَ بفتحِه؛ مِن (بَدَأَ) و(أبدأ) بمعنًى أي يخلُقُهم ابتداءً).
عندنا ﴿يُبْدِئُ﴾ الآن فيها قراءَة سبعية وقراءة شاذة، القراءة السبعية ﴿يُبْدِئُ﴾ منين؟ الماضِي مِن ﴿يُبْدِئُ﴾ أَبْدَأ رُباعِي.
القراءة الشاذة يقول: بفتحِ أوَّله ﴿يَبْدَأُ﴾ منين؟ مِن (بَدَأَ)، كيف عرفنا أن هذه القراءة الشاذة؟ لأن اصطلاح المؤلف رحمه الله أنه إذا قال: قُرِئَ فهي شاذة، المؤلف يقول: (مِن (بدأ) و(أبدأ) هذا اللَّفّ والنَّشْر مُرَتب أو مُشَوَّش؟ مُشَوَّش يعني: لَه شُوشَة؟! أو مُشَوَّش يعني غير مُرَتب، شوف الآن (مِن بَدَأَ) هذا على أيِّ القراءَتِين؟ الشاذَّة هذه ﴿يَبْدَأُ﴾ ، و(أبدأ) على القراءة السبعية التي هي ﴿يُبْدِئُ﴾، والحقِيقَة أنَّ المؤلف لَيْتَه ما فعل هذا؛ لأنَّه قد لا يَفْهم الإنسان أن هذا مِن باب اللف والنشر المشوش ولا داعيَ إليه، لو قال المؤلف: مِن (أبدأ) و(بدأ) لكان أوضح للإنسان الطالب.
وقوله: (بمعنًى) أيش معناه؟ يعني بمعنىً واحد يعني (بَدَأ) و(أبدأ) معناهما واحد؛ أي: يخلقُهم ابتداءً؛ يعني كيف يخلقهم سبحانه وتعالى ابتداءً.
وقولُه: ﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ﴾ ﴿الْخَلْقَ﴾ هنا مصدر بمعنى اسم المفعول؛ أي: المخلُوق كيف يبدِئه ثم يُعِيدُه، والمصدَر يأتي بمعنى اسم المفعول كثيرًا في اللغة العربية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق ٦] الحَمْل اللي في البطن بمعنى محْمُول، وقوله ﷺ: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨ / ١٨) واللفظ له من حديث عائشة.]] بمعنى: مَرْدُود.
هنا (خَلْق) بمعنى مخلوق، ومثلُها قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ﴾ [لقمان ١١] أي: مخلُوقُه.
قوله: (﴿كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ﴾ هو ﴿يُعِيدُهُ﴾ أي: الخلق كما بدأهم) شوف المؤلف يقول: (أي: الخلق كما بدأهم) إشارة إلى أنَّ الخلق بمعنى المخلوق اللي يعم كل الناس.
وقوله: (﴿ثُمَّ﴾ هو ﴿يُعِيدُهُ﴾ ) قدَّر هو لِتكونَ الجملةُ استئنافِيَّةً، لماذا؟ لأنَّ إعادَةَ الخلق لا يمكن أن ينظُرُوا إليها متى تكون إعادة الخلق؟ يوم القيامة في المستقبل، لكن ابتداء الخلق يمكن ينظرون إليه هذا، مثلًا ننظر إلى مخلوقات الله عز وجل كيف تتوالد وكيف تتنامى وكيف تكبُر إلى آخرِه، نعرِفُه، لكن إعادةُ الخلق ما يمكن؛ فلهذا قدَّرَ المؤلف رحمه الله قولَه: (﴿ثُمَّ﴾ هو ﴿يُعِيدُهُ﴾ ) لِئَلَّا يتوهَّمَ إنسانٌ أنَّها معطوفة على ﴿يُبْدِئُ﴾ فلا يصِحُّ عطفُها على ﴿يُبْدِئُ﴾؛ لأنه لو كانت معطوفة عليها لكان المعنى كيف يبْدئ الخلق ثم كيف يعيده، وهنا النظر لِكيفية الإعادة متعذرة.
قوله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾، أنا ذكرْت لكم أنها يحتَمل أن تكون علمية والمؤلف مشى على أنها عَيْنِيَّة بالبصر، أيُّهما أشمل؟
* طلبة: علمية.
* طلبة آخرون: قلبية.
* الشيخ: أيهما أشمل؟ الظاهِر أنَّ القلبية أشمَل؛ لأنها تَشْمَل ما رآه الإنسان بعينِه وما عَلِمَ به مِن غيره، أليس كذلك؟ فهي إذن أشمل.
واعلم أنَّ الآية إذا احتملَتْ معنيين أحدُهما أشمل فالأولى حملُها على الأشمل؛ لأنَّ الأخصّ داخل فيه، بخلاف ما إذا حُمِلَتْ على الأخص فمعناها أنَّنا أخرجْنا بعضَ دلالتها، فعليه نقول: إنَّ الأولى أن نحملَها على الرؤية العلمية التي تحصُل بالبصَر وبالسمع أيضًا كما قال الله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ﴾ [النحل ٧٨] ﴿السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ طريق العلم، ﴿وَالْأَفْئِدَةَ﴾ محَلّ الوعي.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ يقول المؤلف: (﴿إِنَّ ذَلِكَ﴾ المذكُورَ مِن الخلق الأول والثاني ﴿عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ ) أي: سهل، ابتداء الخلق سهْل على الله، واقْرَأ قولَ الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩] أمر سَهْل على الله.
إعادَة الخَلْق أيضًا سَهْلَة؛ لقولِه: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [النازعات ١٣] زجرَة واحدة فقط ﴿فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٤]، وأعمّ مِن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ﴾ [القمر ٥٠] بدُون تأخُّر، واحِدَة، يأمُرُ الله الشيء فيكون مثل لَمْح البصر وهذا دليل على كمال قدرته جل وعلا.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ في آيةٍ ثانية ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] فإنَّنا نقول لهؤلاء المنكرين للبعث: هل تُقِرُّون بأنَّ الله خلقكم ابتداءً؟ ماذا يقولون؟ هم يَقُولُون: نعم -الكلام على المنكرين المقِرِّين بابتداء الخلق- ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، مُقِرِّين بهذا الشيء، نقول لهم: أيُّما أهون الابتداء أو الإعادة؟ الجواب: الإعادة أهون، فكيف تقرون بالأصعب ثم تُنْكِرُون الأهْوَن، وأقول: بالأصعب، لا باعتبار ذلك منسوبًا إلى الله عز وجل لا باعتبار كونه منسوبًا إلى الله، ولكن لأنَّ الكُلّ يسير عليه، لكن نقول لهؤلاء: ما دام الابتداء أشَدّ وأشَقّ فالإعادة مِن باب أولى أن تقِرُّوا بها.
لكن هم يقِرّون بالابتداء لأنهم ما يستطيعون إنكاره، ما يستطيعون يقولون: ما خلقنا الله، نحن الذين خلقْنا أنفسنا، الزوج هو الذي خلَقَ الولد في رحم الأم؛ هذا ما يمكن يقولونه، فلِهَذا احتَجَّ الله عليهم بالابتداء لِيقرُّوا بالإعادة، وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فكيف ينكرون الثاني؟
29:20Page 398
قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٢٠
Say, [O Muḥammad], "Travel through the land and observe how He began creation. Then Allāh will produce the final creation [i.e., development]. Indeed Allāh, over all things, is competent."
﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] هذه الآية مع التي قبلها ربما يظهَر منها الإشكال؛ لأنَّ الأُولى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا﴾ تقرِير لهم بأنَّهم يرون كيف يُبْدِئُ الله الخلق ثم يعيده، وهنا يقول: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ فَيَقْتَضِي أنَّهم حتى الآن لم يعلَمُوا كيف بدأَ الله الخلق، نقول: الجواب على ذلك أنَّهم وإن كانوا يرَوْن كيف بدَأَ الله الخلق لكنَّهم قد ينكِرُونَه، فأمرَ الله تعالى نبيَّه أن يأمرَهم بالسيرِ في الأرض ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ امشُوا في الأرض، انظُروا مثلًا إلى الوحوش، انظروا إلى الحشرات، انظروا إلى مخْلُوقاتِ الله سبحانه وتعالى، كيف تَنْشَأُ هذه الأشياء؟ بدُون أن نرى لها خالقًا سوى الله عز وجل، فهذا مِن باب إلزامِهم ولا سيما إذا قلنا: إنَّ الرؤية الأولى علمية مِن باب إلزامهم بما يشاهدونَه في الأرض بعد أن يسيروا فيها.
وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ هل المراد السيْر بالبدن أو السير بالقلب أو هما؟ هما جميعًا؛ لأن الإنسان قد يسِير ببدنه ويطَّلِع على مخلوقات الله، وقد يسِير بقلبه فيقرَأُ ما كُتِبَ عن مخلوقات الله، أليس كذلك؟ ربما تقرَأ كتابًا عن الحيوانات أو غيرها وأنت في مكانك في حجرتك وتكون قد اطَّلعت على ما في مشارق الأرض ومغاربها ويكون السير حينئذ بالقلب، فهو شامل للأمرين جميعًا.
ثم اعلم أيضًا أنَّ السير بالقدم لا ينفَع إذا لم يكن هناك سيْرٌ بالقلب واعتبار.
لو أن الإنسان ماجَ فِجاجَ الأرض كلها وهو غافل ما استفاد مِن ذلك السير شيئًا، بل لا بد أن يكون هناك تَيَقُّظٌ واعتبار.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا يعتبر سائرًا في الأرض بعلمه اللي هو محله وهو القلب، يصلُح هذا وهذا؛ لأن الآن لو نظرنا إلى السير في الأرض إلى واقعِه أيُّما أكثر بالقلْب أو بالقدم؟ بالقلب ما فيها إشكال، بل إنَّ السير بالقدم إذا لم يُقْصَد به الاعتِبار فإنَّه لا فائدةَ منه، فإذا قُصِدَ به الاعتبار عاد إلى كونه سيرًا بالقلب إلَّا أنه اجتمع السير بالقلب والقدم.
﴿فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ عندَنا ﴿انْظُرُوا كَيْفَ﴾ وبالأول ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ﴾ ومعلومٌ أن ﴿انْظُرُوا﴾ و﴿يَرَوْا﴾ أنَّها أفعال متعدية فأين مفعولُها؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أين أبناءُ سيبويه؟! ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾؟ وكيف يُبْدِئُ الله الخلق؟ الفعْل قد لا يحتاج إلى مفعول، يا إخْوان، مُعَلَّق بالاستفهام إذا جاء الاستفهام فهو يُعَلق الفعل، مُعَلَّق بالاستفهام، مثلًا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ كلمة ﴿كَيْفَ﴾ هنا في موضع نصب على الحال، وهي مُعَلِّقَةٌ الفعلَ عن العمل، وقد مَرَّ علينا هذا في ألفية ابن مالك في أي باب مِن أبواب النحو؟
* طالب: في باب ظن.
* الشيخ: في باب ظن وأخواتها
.......................... ∗∗∗ وَالْتَزِمِ التَّعْلِيقَ قَبْلَ نَفْيِ (مَا)؎وَ(إِنْ)..................... ∗∗∗ .......................
إلى آخره.
(﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ﴾ لِمَن كان قبلَكم وَأَماتَهم ) (...)
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [العنكبوت ٢٠].
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ﴾ الأول أتي بالصيغة الفعلية، وهنا أتى بالجملة الاسمية لِيفيد تَقَرُّر هذا الأمر وتأكُّدَه.
وقولُه: ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ ﴿اللَّهُ﴾ هنا علمٌ على الباري جل وعلا، وأصلُها الإِلَه، وحُذِفَتِ الهمزة تخفيفًا لكثْرَة الاستعمال كما حُذِفَت مِن (الناس).
والإله معناه المعبود بحقٍّ أو بغير حق أو لا؟ الإله معناه المعبود سواء بحقٍّ أو بغير حقٍّ، وعلى هذا فيكُون ﴿اللَّهُ﴾ هنا هُو المعبود بحَقٍّ بدليل قوله: (لَا إله إلا الله) يعني: لا معبود حَقٌّ إلا الله سبحانه وتعالى؛ فعلى هذا نقول: ﴿اللَّهُ﴾ علمٌ على الباري جل وعلا وأصلُه الإله بمعنى المألُوه أي: المعبود، والأصل أنَّ الإله بمعنى المعبود بحقٍّ أو بباطل، ولكنَّها إذا قلت: لا إله إلا الله، فالمعنى لا إلَهَ حقٌّ؛ يعني: لا إله هو حق إلا الله عز وجل.
﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ يقول: (مدًّا، وقَصْرًا مع سكون الشين) مدًّا كيف أنطِق بها؟
* طالب: الناشئة.
* الشيخ: لا، ﴿النَّشَاءَةَ﴾ ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشَاءَةَ الْآخِرَةَ﴾ ، وقصرًا مع سكون الشين ﴿النَّشْأَةَ﴾ ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.
وقوله ﴿يُنْشِئُ النَّشْأَةَ﴾ يحتَمِل أن تكون مصدرًا كما تقول: يضْرِبُ الضربة، ويحتمل أن تكون بمعنى اسم المفعول؛ أي: ينشئ المُنْشَأ الآخِر، والمعنى واحد؛ أنَّ الله سبحانه وتعالى يُنشِئ الخلق مَرَّةً ثانية.
فإذا قال قائل: كيف نسمِّيه نشأة وهو إعادة؟
قلنا: الجواب على ذلك أنَّ هذه الإعادة تختلف عن سابقَتِها اختلافًا كثيرًا فهي بالنسبة إليها نشأة؛ لأَنَّ حياة الآخرة مِا هي مثل الحياة الدنيا؛ حياةُ الآخرة حياة أبدية، وحياة الدنيا حياةُ فناءٍ، ولذلك تجدُها ناقصة يُخلَق الإنسان مِن ضعف إلى قوة إلى ضَعْف، أما الإعادة فإنه يُخْلَقُ لِلا بد فلذلك سُمِّيَت نشأةً، وإن كانت هي إعادة؛ لِاختلاف الحالين.
انظروا إلى الجنين في بطنِ أمه قال الله تعالى فيه بعد أن ذكَرَ أطواره: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ [المؤمنون ١٤]، وهل هو إنشاء ولا تَطْوِير؟ تطوِير لكنَّه لما كان التطوير الأخير اللي فيه نفْخ الروح يختلف عن الأول، في الأول هو في بطن أمه جَماد ثم تُنْفَخ فيه الروح فيكون نشْأَة جديدة غير الأولى فسُمِّيَ نشأة وإن كان تطويرًا مِن حال إلى حال.(﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ومِنْه البدء والإعادة). هذه الجملة تعليل لِما سبق مِن كونه ابتدأ الخلق ثم أعادَه؛ لأنَّ الله على كل شيء قدير.
والقدرة هي وصفٌ يَتَمكَّنُ به الفاعل مِن الفعل بدُون عجْز، وهل هي القوة أو غيرها؟ غيرُ القوة، القُوَّة يقابِلُها الضعف، وهذه يقابلها العَجْز.
ويظهَر ذلك بالمثال: لو أنا حمَلْتُ هذا الكتاب لكن بمشقة ماذا أُوصَف به؟ قادِر، ولكن لستُ قويًّا، وآخر أرادَ أن يحمل هذا الكتاب عَجِز عنه هذا عاجِز، والثالث أخذَه كأنَّه ريشة في يده هذا قادر قَوِيّ؛ فتَبَيَّن بهذا أنَّ القدرة غير القوة، كذلك أيضًا القدرة يُوصَف بها ذو الشعور ولا يُوصَفُ بها غيرُه، فهل أنت تقول للحديد: إنه قادر؟
لا، القوة يُوصَف بها ذُو الشعور وغيره، فتقول للحديد: قوي، وتقول للإنسان: قوي، والله سبحانه وتعالى موصُوف بالقُدْرة وموصوفٌ بالقوة ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات ٥٨].
﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ عامٌّ مخصوص ولَّا لا؟ هذا على عُمُومه ما يُخصَّص بشيء، وقال صاحب الجلالين وهو السيوطي قال: (وخَصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادِر) (خَصَّ العقلُ ذاتَه) يعني ذاتَ الله (فليس عليها بقادِر)، قال هذا في سورة المائدة: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠] قال: إنَّ العقل يُخَصِّص هذا العموم، ونحن نقول: لا يخصص هذا العموم مِن العقول إلا العقل الفاسد الذي يرَى امْتِناع قيامِ الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، أمَّا العقل الصحيح السليم فهو يري أن الله يفعل ما شاء ينزل ويستوي على العرش، ويستوي إلى السماء ويضْحَك ويعْجَب وغير ذلك مِن الأفعال الاختيارية التي تليق بجلالِه سبحانه وتعالى.
فقوله: (خصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر) هذا خطأٌ عظيم إذا كانَ ما يقدِر على نفسه كيف يقدِر على غيره؟ هذا مِن أكبر المحال ومِن أكبر الغلط.
لكن لو قال قائل: لعل المؤلف يريد أنَّه لا يقدر على إفناء نفسه مثلًا أو على خلْق مُماثِلٍ له، قلنا: هذا ما تتعَلَّق به القدرة أصلًا.
القدرة لا تتعلق أصلًا بالشيء المستحيل إطلاقًا فهو غيرُ داخلٍ في العموم مِن الأصل، فليس بمُخْرَج منه.
هنا عبارة يقولها بعض الناس؛ يقول: إنَّه على ما يشاء قدير، ما رأيكم بهذا التعبير؟ هذا التعبير خطأ؛ لأَنَّ الله تعالى يقول: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كُلّ شيء، فهو قادر على ما يشاؤه وما لا يشاؤه، حتى الذي لا يشاؤه قادِرٌّ عليه فلو شاءه لفَعَلَه، ما هو بس على اللي يشاء فقط.
ثم إنَّ هذه العبارة (على ما يشاء قدير) مخالفة لما جاء به القرآن؛ القرآن ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧].
ثم إنَّ بعض أهل العلم يقولون: إنَّ هذه العبارة تُوحِي بمذهب المعتزلة الذين يقولون بأنَّ الإنسان مُسْتَقِلٌّ بعمله فقالوا: إنَّه إذا كان الإنسان مُستقِلًّا بعمله لا دخل لِمَشِيئَةِ الله فيه، فمعناه أنَّ الله عاجزٌ عن عمل الإنسان، وهذا خطير كما هو معروف، فالذي ينبغي أن نقول: إنه على كل شيء قدير على الإطلاق.
فإذا قال قائل: ألا يَنْتَقِضُ علينا هذا بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ﴾ [الشورى ٢٩] قلنا: المشيئة هنا عائدة إلى أيش؟ على الجمع ولا على القدرة؟ على الجمع لا على القدرة، المعنى أنَّه إذا شاء أن يجمَعَهم جمعَهم بدون عجز سبحانه وتعالى فلا تُنافِي ما قلنا.
يقولون: إن الشيطان جمع جنوده -أو هم اجتمعوا إليه- فقالوا له: إنَّك تفرَحُ بموتِ العالِم ولا تفرَح بموت العابد! قال: نعم، العابِد، إذا مات ما يهم، يموت عن نفسه، لكن العالم إذا مات يموت عن عالَم، وإذا بَقِي يُفسِد علينا الأمور.
فالمراد بالعلماء الحقيقيين الذين يعمَلون ويدْعون، قال: يلَّا بروح أنا وياكم للعالم، أذهب أنا وأنتم إلى عالِم نسأَلُه وإلى عابد، يقولون: إنهم ذهبوا إلى العابد قالوا له: هل يقدِر الله أن يخلق مثل نفسِه؟ قال: نعم، يقدِر أن يخلق مثل نفسه، يقدر الله أن يخلق مثل نفسه، ويش الدليل؟ قال: لأن الله على كل شيء قدير. ماذا حصل لهذا الرجل؟ كفر، أيُّ إنسان يعتقد هذا الاعتقاد فهو كافِر، وهو أيضًا غير صحيح، مهما كان ما يمكن، لو لم يكن مِن الفَرْق -فرْق عظيم جدًّا- لكن لو لم يكن إلَّا أن هذا الإله -لو قُدِّر- مَخلوق، والإلهُ الحق غير مخلوق، وجاؤوا إلى العالم وقالوا له: هل يقدر الله أن يجعل حتى السماوات والأرض في بيضة واحدة؟ فقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، لو أراد ذلك لفعلَه[[ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (١٢٧). ]]. فتخلَّص، مع أنَّ الأخير يمكن يُنْكَر حسب ما يبدو للناس أكثَر مِن الأوَّل.
والحاصل أنَّنا نقول: إن الإنسان إذا قرَأَ قولَه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ لا يجُوز أن يَقَعَ في نفسه استثناء شيء من هذا العموم، بل يكون على عمومه بدون تفصيل.
(...) الاستدلال بالمبْدأ على المعاد ﴿كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.
* ومن فوائدها: أنَّه ينبغي للمستَدِلّ أن يستَدِلَّ بالمُشاهَد على الغائب لِيقتَنِع بذلك الخَصم.
* ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾.
* ومنها: إثبات قدرة الله عز وجل؛ لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومنها: عموم هذه القدرة، مِن أين يؤخذ العموم؟
* طالب: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* الشيخ: ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
* ومنها: إثباتُ الأفعال الاختيارية لله عز وجل، فإنَّها مِن تمام قُدرته مثل أيش؟ كالمجيء والنزول والاستواء على العرش والضَّحِك والعَجَب وما أشبه ذلك.
* ومنها أيضًا، وهذه نبَّهْنَا عليها وليست داخلة في مضمون الآية، وهو خطأ مَن قال: (خَصَّ العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر). وهذا بَيَّنَّا أنه ليس بصحيح واضح؟ وقلنا: إنَّ هذا فيمن يُنكِرُون قيام الأفعال الاختيارية في الله عز وجل يقولُون: ما يقدر سبحانه وتعالى أن يفعَل، وهذا لا شك أنه يرد عليهم من الكتاب والسنة وإجماع السلف.
* طالب: العبارة؟
* الشيخ: يقولون: (خَصَّ العَقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر).
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences