Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-'Ankabut 29:21–27
29:21–27Page 398
يُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَيَرۡحَمُ مَن يَشَآءُۖ وَإِلَيۡهِ تُقۡلَبُونَ ٢١
He punishes whom He wills and has mercy upon whom He wills, and to Him you will be returned.
وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِۖ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ٢٢
And you will not cause failure [to Allāh] upon the earth or in the heaven. And you have not other than Allāh any protector or any helper.
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَلِقَآئِهِۦٓ أُوْلَٰٓئِكَ يَئِسُواْ مِن رَّحۡمَتِي وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٣
And the ones who disbelieve in the signs of Allāh and the meeting with Him - those have despaired of My mercy, and they will have a painful punishment.
فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوۡمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُواْ ٱقۡتُلُوهُ أَوۡ حَرِّقُوهُ فَأَنجَىٰهُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلنَّارِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٢٤
And the answer of his [i.e., Abraham's] people was not but that they said, "Kill him or burn him," but Allāh saved him from the fire. Indeed in that are signs for a people who believe.
وَقَالَ إِنَّمَا ٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ أَوۡثَٰنٗا مَّوَدَّةَ بَيۡنِكُمۡ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يَكۡفُرُ بَعۡضُكُم بِبَعۡضٖ وَيَلۡعَنُ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا وَمَأۡوَىٰكُمُ ٱلنَّارُ وَمَا لَكُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٥
And [Abraham] said, "You have only taken, other than Allāh, idols as [a bond of] affection among you in worldly life. Then on the Day of Resurrection you will deny one another and curse one another, and your refuge will be the Fire, and you will not have any helpers."
۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٞۘ وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّيٓۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٦
And Lot believed him. [Abraham] said, "Indeed, I will emigrate to [the service of] my Lord. Indeed, He is the Exalted in Might, the Wise."
وَوَهَبۡنَا لَهُۥٓ إِسۡحَٰقَ وَيَعۡقُوبَ وَجَعَلۡنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ ٱلنُّبُوَّةَ وَٱلۡكِتَٰبَ وَءَاتَيۡنَٰهُ أَجۡرَهُۥ فِي ٱلدُّنۡيَاۖ وَإِنَّهُۥ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ لَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٢٧
And We gave to him Isaac and Jacob and placed in his descendants prophethood and scripture. And We gave him his reward in this world, and indeed, he is in the Hereafter among the righteous.
ثم قال الله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ [العنكبوت ٢١]؛ يعني: بعد البعث.
﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ﴾ بعد هذا يُعذِّبُ مَن يشاء، ويجوز أن يكون ﴿يُعَذِّبُ﴾ حتى في الدنيا؛ لأنَّ العذاب يكون في الدنيا ويكون في الآخرة، فالعقوبات التي رُتِّبت على الجرائم هذه مِن العذاب؛ لِقول النبي ﷺ في المتلاعِنَيْن: «عَذَابُ الدُنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ»[[أخرجه مسلم (١٤٩٣ / ٤) من حديث عبد الله بن عمر.]]، وكذلك ما يُصِيبُ الإنسان مِن المصائب في بدَنِه وأهلِه وماله هو أيضًا مِن العذاب ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى ٣٠].
وقوله: ﴿يُعَذِّبُ﴾ جاءَت بالفعل المضارع الدالِّ على أنَّ هذا أمرٌ مِن أفعالِه مُستَمِرٌّ ليس أمرًا مضى وانقطع، كما أنه أيضًا يكون في الحاضر يكون أيضًا في المستقبل، ما هو العذاب؟ العذاب هو العقوبة أي يُعاقِب.
وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ مَرَّ علينا كثيرًا بأنَّ الله سبحانه وتعالى إذا أضاف الفعل إلى المشيئة فإنَّه مقرون بالحكمة؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى لا يفعل شيئًا لمجرد المشيئة بل كُلُّ ما فعلَه فهو بمشيئَتِه المقرونة بحكمته، وهذا أمرٌ واضح فإنَّ مَن يعذِّب لا بد أن يكون قد أَتَى ما يَسْتَوْجِبُ التعذيب، وحينئِذٍ تكون الحكمَةُ في تعذِيبِه، وليس الله تعالى يُعذِّب مَن شاء بدون ذنب أبدًا؛ لأن حكمتَه تأبى ذلك ورحمتَه تأبى ذلك، خلافًا لِمَن قال:
وَجَـــــــــازَ لِلْـــمَوْلَى يُعَــــذِّبُالْـــوَرَى ∗∗∗ مِنْ غَيْرِ مَا ذَنْبٍ وَلَا جُرْمٍ جَرَى
ثم علل ذلك بقوله:
فَكُــــلُّ مَــــا مِنْــهُ تَعَــالَىيَجْمُـــــــــــــلُ ∗∗∗ لِأَنَّـــــهُ عَـــــنْ فِعْلِـــــهِ لَايُسْــــــــــــــــأَلُ
هذا ليس بصحيح، وهو إن جازَ عقلًا لكنَّه ممتَنِعٌ شرعًا؛ لأنَّ الله يقول في الحديث القدسي: «يَا عِبادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وقال تعالى في القرآن: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا﴾ [طه ١١٢] المهم أنَّ قوله: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قلت: إنه مقرون بأيش؟ بالحكمة إذن فلا يعذِّب إلا مَن يستحِقُّ التعذيب.
﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ ﴿يَرْحَمُ﴾ الرَّحْمَة صِفَة مِن صِفاتِ الله عز وجل، وهي تقْتَضِي الإنْعام والإحسان سَواءٌ كان الإحسان بإيجادِ محبوب أو بدفْعِ مكْرُوه، فإنَّ رحمةَ الله عز وجل تكون لِلإنسان إما بجلبِ ما ينفَعُه، وإمَّا بدفع ما يضرُّه.
وقولُه: ﴿يَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ هو فعل مضارع مُشْتَقٌّ مِن الرحمة، والرحمة صفةٌ مِن صفاتِ الله عز وجل ثابِتَةٌ على وجهِ الحقيقة، مِن آثارِها أيش؟ الإنعام والإحسان أو إرادَةُ الإنعام والإحسان، وليسَت هي الإنعام أو الإحسان أو الإرادة، خِلافًا لِمَن قال بذلك، مِمَّن قال بذلك الأشاعرة، ومِن ورائهم المعَطِّلة المحضَة أشد وأشد فهم يقولون: إن الرحمة معناها إرادة الإنعام، وبعضهم يقول: أو الإنعام. والصواب خلاف ذلك؛ لأنَّ الإرادة ناشئةٌ عن الرحمة؛ يرحَم فيريد أن يُحسِن أو يُنعِم، وهذا الذي عليه مذهب أهل السنة والجماعة أنَّ الرحمة صفةٌ ثابتةٌ لله على وجه الحقيقة، وقالوا -الذين احتجُّوا بمنعها أن تكون حقيقية - قالوا: لأنَّ الرحمة خَوَرٌ وضَعْف في الراحم تجِد نفسه تنكَسِر حتى ترحَم.
جوابنا على هذا بسيط أن نقول: فيه وجهان؛ أحدهما أن نمنَع أن يكون ذلك مِن باب الخَوَر والضعف فإننا نجِدُ الملوك الجبابرة قد يُرحَمُون، وهم ليس فيهم خوَرٌ ولا ضعف، وثانيًا: لو فُرِض أنَّ هذا المعنى لازمٌ للرحمة في الإنسان فليس بلازم بالنسبة لله كغيرِه من الصفات التي تثبت حقيقة للمخلوق وتثبت للخالق أيضًا، فإن اللوازم والعوارض التي تكون لصفة المخلوق لا يمكن أن تكون لِصِفَةِ الخالق؛ لِما بينهما من الفرق العظيم في الذات والصفات، فكما أنَّ الله سبحانه وتعالى لا شبيهَ له ولا مثيلَ له في ذاتِه، فكذلك لا شبيهَ له ولا مثيل له في صفاتِه.
﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ قال المؤلف رحمه الله: (﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ تعذيبَه ﴿وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ رحمته) كذا عندكم؟ (﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾ تُرَدُّون) ﴿إِلَيْهِ﴾ لا إلى غيره فتقدِيمُ المعمُول يفيد الحصر، فالانقلاب أو القَلْب إلى الله عز وجل ما نُقْلَب إلى غيره، وهذا عامٌّ ولَّا خاصّ؟ عامٌّ لكل أحد، مهما كان الناس إلى أين مرجِعُهم؟ إلى الله سبحانه وتعالى مهما فَرُّوا، فالقلَبُ يعني الرَدّ إلى الله سبحانه وتعالى، وإذا كان مَرَدُّنا إلى الله صار هو الحَكَم بيننا، هو الذي يحْكُم بين عباده فيما كانوا فيه يختلفون، ويحكم بين عبادِه فيما بينَه وبينَهم؛ لأن حُكْم الله في العباد يشمَل الحُكْم فيما بينه وبينهم، والحُكْم فيما يختلِفُون فيه؛ فالمؤمنون مع الكفار مُختَلفون فيحكُم الله بينهم يوم القيامة، وكذلك المُعْتَدُون مع المعتَدَى عليهم مختلفون فيحكم الله بينهم يوم القيامة.
﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت ٢٢] ﴿وَمَا أَنْتُمْ﴾ الخطاب إمَّا أن يكون للكافرين، وإما أن يكون لعموم الناس، فكونُه لعموم الناس أَوْلى؛ يعني: وما أنتم أيها الناس، وكونُه للمكذبين المعاندين أبلَغ لأنهم يظُنُّون أنهم أعجَزُوا الله.
وقولُه: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أظنُّنا نعرف أن ﴿مَا﴾ هنا حجازية ولَّا نجدية؟
* طالب: حجازية
* الشيخ: حجازية؛ لأنَّ القرآن بلغة الحجاز بل بلغة قريش، اسمُها ﴿أَنْتُمْ﴾ الضمير، وخبرُها ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ والباء هنا زائدة للتوكيد قال ابن مالك:
وَبَعْدَ (مَا) وَ(لَيْسَ) جَرَّ البَا الْخَبَرْ ∗∗∗ .........................
كيف نُعرِب ﴿مُعْجِزِينَ﴾؟
* طالب: الباء زائِدَة للتوكِيد، ﴿مُعْجِزِينَ﴾ خبر ﴿مَا﴾ منصوب، وعلامة نصبِه ياءٌ مقدرة على الياء منع مِن ظهورها اشتغال المحل بحركَةِ حرف الجر الزائدة.
* الشيخ: بعلامة إعراب حرف الجر الزائد، ما هي حركة، هذا في الحقيقة مِن التكَلُّف المعروف حسب القواعد، يعني: لا بد أن نُعرِب هذا الإعراب حسب القواعد المعروفة في النحو، فالياء الموجودة الآن ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ وأيش اللي جلَبَها؟ الباء، جلبتها الباء، وليس الخبر مع أنَّها في الحقيقة هي نفسُها علامة النصب.
قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ هذه مِن (أعجَز) فهو متَعَدٍّ؛ لأنَّ (عَجَز) لازم و(أعجَز) متعَدٍّ، إذا كانت متعدِّية وهي اسم فاعل فتحتاجُ إلى مفعول، أين المفعول؟ قال المؤلف: (بمعجزِين ربَّكم عن إدْراكِكُم) فيكون المفعول محْذُوفًا تقديرُه بمعجزين ربكم أو بمعجزين الله مثلًا، ما فيه مانع، والمعجز هو مَن فعل ما يُعْجِزُ به غيرَه؛ ولهذا قال بعض أهل العلم عن آيات الرسل: إنها مُعْجِزات؛ لأنَّها تُعْجِز أعداء الرسل عن مُعارضَتِها.
وقوله: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ هذا الجار والمجرور حال مِن ﴿مُعْجِزِينَ﴾ يعني: حالَ كونِكم في الأرض أو في السماء ما تُعْجِزُون الله سواءٌ كنتم في الأرض أو في السماء؛ ولهذا قال المؤلف: (لو كنتم فيها)؛ فيكون قوله: ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ على سبيل التقْدِير وليس على سبيل الحقِيقَة؛ لأنَّ الناس في الأرض وليسُوا في السماء.
وقيل: إنَّ هذا على سبِيل ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ (لو كنتم فيها)، لو كنتم على تقدير أنَّكم فيها ما تُعْجِزُون الله، وقيل: إنَّ المعنى على سبيل المبالغة؛ يعني: لا تُعجِزون الله سواء كنتم في أعماق الأرض أو في أجْواء السماء فإنَّكم لا تعجِزُون الله، فيكون المعنى لا تُعْجزُونه في أي مكان كنتم.
وقيل: إنَّ قوله: ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ يعني به أهل السماء، يعني: أنَّ الله لا يعجزه شيء في السماوات ولا في الأرض؛ فأهلُ السماء لا يعجزونه وأهل الأرض لا يعجزونه، فيكون هذا الوجه وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا مَن في السماء مُعْجِزٌ اللهَ، نعم على حَدِّ قول الشاعر حسان بن ثابت:
فَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللَّهِ مِنْكُمْ ∗∗∗ وَيَمْدَحُــــــــــــــهُ وَيَنْصُـــــــــــــرُهُسَـــــــــــــــوَاءُ
أظنُّنا نعرف جميعًا أنَّ الأوَّل غير الثاني؛ لأنَّ اللي يهجُوه ما يمكن يمدحُه وينصره، فيكون على تقدير: ومَن يمدحه وينصرُه سواء، فهذه مثلها، على كل حال المعنى يظهر لي أنا أنَّه على معنى أنَّكم لا تعجزون الله في أيِّ مكان كنتم، سواءٌ كنتم في السماء أو في الأرض، وهذا وقتَ نزولِ القرآن لا يمكن أن يكون السماء حقيقة إلا أن يُراد بالسماء ما عَلا ولو على قِمَمِ الجبال، في وقتنا الآن يمكن أن يكُون الإنسان في السماء أي في العُلُوّ، ما هي السماء الدنيا، السماء الدنيا ما حَد يصِل إليها ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾ [الأنبياء ٣٢] حتى النبي عليه الصلاة والسلام وجبريل ما استطاعا أن يدخُلا هذه السماء إلَّا بعد الاستفتاح والاستئْذان.
﴿وَمَا لَكُمْ﴾ قال المؤلف في تفسيرِها الإجمالي: (أي لا تفوتونه) أي: لا تفوتون الله، بل إذا شاء أن يعذبكم أدرككَم، فإنَّ الله تعالى لا يفوتُه شيء ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ [فاطر ٤٤]، واعلم أنَّ عقوبة الله عز وجل وإدراكَه للإنسان تارةً يكون بأمور حِسِّيَّة يُقَدِّرُ الله أسبابًا معلومة لنا نُشاهِدُها، وتارة يكون في أمور ما ندركُها نحن، تأتِيه العقوبة مِن الله بدون أيِّ سببٍ معلومٍ لنا.
الآن مثلًا أسباب نصر الرسول عليه الصلاة والسلام أحيانًا تكون بأسباب غير معلومة، وأحيانًا تكون بأسباب معلومة، فمثلًا نصر الله تعالى للرسول عليه الصلاة والسلام في غزوة الخندق أسبابُها معلومة مشاهدة أرسل الله عليهم ريحًا وجنودًا لا نراها، الجنود التي لا نراها هي مِن الأمور التي غير معلومة إلَّا بالأخبار، بالشرع، لكن الريح التي أقلَقَتْهم وأكْفَأَت قدورهم وهدمت خيامَهم هذه محسُوسة معلومة، لكن الجنود التي لم نرَها لولا إخبار الله إيَّانا عنها ما كنا نعلَمُها، فالله عز وجل يدرك الإنسان إمَّا بأسباب معلومة تظهر للعِيان، وإمَّا بأسبابٍ خفِيَّة لا تظهر للعيان، ثم قد نعلمُها بطريق الوحي وقد لا نعلمها.
(﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيرِه ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ يمنعُكُم منه ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصُرُكم مِن عذابه) ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ ما أدري عن ﴿مَا﴾ هنا هل هي نجدية ولَّا حجازية؟
* طالب: نجدية.
* طالب: اتصل بالجار والمجرور لا يضر.
* الشيخ: لا، هذه اتفقت فيها اللغتان، وذلك لِعَدَم الترتيب ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾؛ لأنَّ ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ هو المبتدأ ﴿وَلِيٍّ﴾ هو المبتدأ أليس كذلك؟ و﴿لَكُمْ﴾ هو الخبر، يعني: لا وليَّ لكم من دون الله.
وقول المؤلف: (﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي غيره) صَح وعبَّرَ عن الغير بالدون لانحطاط رتبتِه.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ وَلِيٍّ﴾ قال المؤلف: (يمنعكم منه ﴿وَلَا نَصِيرٍ﴾ ينصركم من عذابه) ولا أعلم إلا أنَّ النصر بمعنى المَنع والعون، لكن الصحيح أنَّ قوله: ﴿مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ أنَّ الوليَّ مَن يتولى الإنسان في جميع أحوالِه فينصرُه في مقابِل عدوِّه، ويأتي إليه بالخير ولو في غير مقابلة العدوِّ، فالوليُّ هو الأعمُّ هو الذي يتولَّاه في جلبِ الخير ودفْعِ الشرّ، والنصير: هو الذي يدْفَعُ عنك فقط قد لا يكون مِن أوليائِك لكن يدفَع عنك في الحال المعَيَّنَة التي تحتاج فيها إلى ناصِر، والنصرة تكون في دفع المكروه؛ فيكون الوليُّ هنا أعمَّ يعني: ما أحد يكون يتَوَلَّاكم فيجلب لكم الخير ويدفع عنكم الشر ولا أحد أيضًا ينصركم مِن دون الله فيمنعُ عنكم العقاب، وهذا أمرٌ واقع، فإنَّ بأس الله إذا نزَلَ بقومٍ ما يستطِيعُ أحدٌ أن يدفعَ عنهم هذا البأس ولا أن يمنَعَهُم منه.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ﴾ [العنكبوت ٢٣] أي: القرآن والبعْث ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ أين خبرُه؟
* طالب: الجملة الاسمية.
* الشيخ: الجملة الاسمية في قولِه: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ فهذه الجملة كبرى وصغرى، وين الكبرى؟ يقولون: كبرى وصغرى؛ إذا كانت الجملة خبرًا يُسَمُّونها جملة صغرى، وإذا كانت مكونة مِن مبتدأ وخبر تُسمَّى كبرى، فعندنا الآن ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخر الجملة نسمِّيها جملة كبرى.
﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا﴾ هذه جملة صغرى؛ لأنها جزءٌ مِن الجملة، أليس كذلك؟ توافقون على أنَّها جزء من الجملة ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ هي جزءٌ من الجملة، كيف ذلك؟
* طالب: لأنها خبر.
* الشيخ: لأنَّها خبر، هي مبتدأ وخبر لكنَّها خبر فهي جزءُ جملة، وأتى بالجملة الاسمية؛ للدلالة على الثبوت والاستقرار ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ جمعُ آيَة، والآيةُ في اللغة: العلامة، وآيات الله سبحانه وتعالى نوعان كونية وشرعية؛ فالكونية ما خلقَه سبحانه وتعالى في السماء والأرض فهي آياتٌ كونية لدلالَتِها على خالِقِها فهي دالَّةٌ على الخالق، وكلُّ شيء منها يدل على صِفَةٍ تُناسبه؛ لأن الآيات كلها على سبيل العموم تدُلُّ على الخالق كل آيةٍ منها تدلُّ على صفة معينة مِن صفاته، فإذا كانت الآيات عظيمة دلَّت على وُجُودِ الخالق وعلى قدرتِه وإذا ظهرَ فيها إحكامٌ وإتقان دلَّت على الحكمة وهكذا، المهم أنَّها آيات هي بعمومها دالة على وجود الخالق ثم كلُّ آية منها لها دلالةٌ خاصة تدلُّ عليه مِن هذه الصفات الخاصة، هذه الآيات الكونية مثل أيش؟ ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ [فصلت ٣٧]، وشوف في سورة الروم عدَّة آيات ذكرَها الله عز وجل.
النوع الثاني مِن الآيات: الآيات الشرعية وهي ما جاءَت به الشرائع، الآيات الكونية علامة على الله جدًّا واضحَة، الآيات الشرعية أيضًا علامَة على الله عز وجل، وعلى حكمَتِه، لِماذا؟
* طالب: لأن الشرع (...).
* الشيخ: نعم؛ لأنَّه يعجز البشر عن أن يأتوا بمثلها الآيات الشرعية يعجَزُ البشر عن أن يأتوا بمثلِها؛ لأنها كلُّها إصلاح ودرءٌ للمفاسد كُلُّ الشرائع جاءَت بالإصلاح هذه فائدة، لكن الإصلاح يكونُ في كلِّ أمة بحسَبِها فالشِّدَّة على اليهود مناسِبة والتَّخْفِيف على النصارى مناسب، والجمعُ بينهما في هذه الأمة غايَةُ المناسبة، وإن كان هذا الدين مِن حيث هو يُسْر -دين الإسلام يُسْر ما فيه حرج- لكنه بالنسبة إلى دين النصارى، دين النصارى فيه أشياء كثيرة مُسامَح فيها؛ لأنَّ حالهم تناسب ذلك، ودين اليهود فيها غِلظة وشدة وآصار وأغلال حطَّها الله عنَّا بهذا النبي الكريم، فهذه الشرائع كلُّها آيات تدُلّ على كمال مَن شَرَعَها وسنَّها لعباده، ولكن النوع الأول من الآيات الإيمانُ به سهل والوصول إلى حقيقَتِه سهل، لكن الثاني هو الذي يَكُون فيه نوع مِن الصعوبة؛ لأنَّه ما يعرف كمال الشريعة ودلالَتَها على مَن شرَّعَها إلا مَن تعَمَّق فيها وعرَفَ الحِكَم والأسْرار التي تَتَضَمَّنُها هذه الأحكام، ولهذا ينبَغِي لنا التَّعَمُّق في مَعرفة حِكَمِ التشريع؛ يعني: كَونِي أعرف أنَّ هذا حلال وهذا حرام هذا قد يكون سهلًا، لكن كوني أعرف لَماذا حُرِّم أو لماذا حُلِّل هذا هو المهِم جدًّا، وهو الذي يتبين به كونُ الشرع مِن آياتِ الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَلِقَائِهِ﴾ لقائه متى؟ يومَ القيامة يعني كذَّبُوا باللقاء اللازِم منه البعث؛ لأنَّ البعث لازِم مِن لوازم اللقاء، لا لقاءَ إلا ببعث، ولقاءُ الله عز وجل ثابت بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦] يعني فأنت ملاقيه فيجازيك على هذا الكَدْح إمَّا خير وإمَّا شر.
وقوله: ﴿وَلِقَائِهِ﴾ يعني البعث؛ لأنَّ المنكرين للبعث يؤمنُون بلقاء الله؟ ما يؤمنون بلقاء الله؛ لأنَّهم يقولون: إنهم -والعياذ بالله- إذا كانوا عظامًا ورفاتًا ما يمكن يبعثون خلقًا جديدًا فكذَّبوا بهذا.
يقول تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ هذا جزاؤُهم جزاءُ هذا التكْذيب اليأْس مِن رحمة الله، قال المؤلف: (أي جَنَّتِي) ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ (أي جَنَّتِي)، فَحَوَّلَها إلى الرَّحْمَة المخلُوقة لا إلى الرَّحْمَة التي هي صِفَةُ الله عز وجل؛ وذلك لأَنَّ الرَّحْمَة المضافَة إلى الله قد يُرادُ بها دارُ رَحْمَتِه فتكُونُ مخلُوقَةً كما في الحديث القدسي أنَّ الله قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]] وتُطْلَق على الرحمة التي هي وصف الله عز وجل وحينئِذٍ تكون صفة مِن صفات الله غير مخلُوقة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٥٦]، وقوله: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا﴾ [غافر ٧]، فما المراد بالرحمة في هذه الآية؟ هل المراد بها النوع الأول الرحمة المخلوقة التي هي مَوْضِعُ الرحمة، أو الرحمة التي هي صفتُه؟ الظاهر أنَّ المراد بها الرحمة التي هي صفته؛ لأنَّه إذا أُطْلِقت فالمراد بها الصفة، إذا أطلقَت الرحمة مُضافَةً إلى الله فالمراد بها الصفة، ما نحمِلها على أنها بمعنى موضِع الرحمة إلَّا إذا وُجِدَت قرينَة، إذا وجدت قرينة عمِلْنا بهذه القرينة وإلَّا فالأصل أنها صفة من صفات الله.
إذن ﴿يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ ويش معناه؟ يَئِسُوا مِن أن أرحمَهم، وإذا لم يرحَمْهم الله ما دخلوا الجنة، كذا؟ هذا هو المعنى الصحيح للآية وما ذكره المؤلف فهو محتَمِل يعني ما نُنْكِر عليه إنكارًا شديدًا، لا؛ لأنَّ الرحمة كما تُطلَق على الصفة تطلق على موطِن الرحمة.
﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٢٣] هذه أيضًا -سبحان الله العظيم- جملتان كبرى وصغرى ﴿وَأُولَئِكَ﴾ مبتدأ و﴿لَهُمْ عَذَابٌ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة خَبر.
كُلُّ هذا لِكَمال التهديد لهم، فهم حُرِمُوا مِن الخير ووقَعُوا في الشر، ولهذا قال: (﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ مُؤْلِم) و﴿عَذَابٌ﴾ أيش معناه؟ العذاب تقدَّم لنا قريبًا العقوبة، يعني: لهم عقوبة أليمة، أي: شديدة مُؤْلِمَة -والعياذ بالله- وذلك في النار، ولا حاجة إلى شرح ما في هذه النَّار مِن العذاب؛ لأنَّه معلوم.
(قال الله تعالى في قصة إبراهيم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ﴾ [العنكبوت: ٢4]) لأنَّ الجملة على رأي المؤلف معتَرِضَة، منين؟ من قوله: ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ إلى هذا، جملة معترِضَة، أفهمتم؟ هذا ما ذهب إليه المؤلف وابن جَرِير وأكثَرُ المفسرين، وقال بعض المفسرين: إنَّ الكلام كلَّه من كلام إبراهيم، وليس فيه شيء معترض، واختار هذا ابن كثير، وقال: إنَّه كله من كلام إبراهيم.
* طالب: يشكل.
* الشيخ: ويش وجْه الإشكال؟
* الطالب: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾ لو كان من كلام إبراهيم يُشكِل؛ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾، فالرحمة ليست لإبراهيم لكنها لله عز وجل.
* الشيخ: ولَّا معنى غير هذه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: أليس يجوز أن يقولَه النبي؟ لأنه حتى الرسول قالَه على رأي هؤلاء، يرون أنه من كلام الله يُخاطِب كفار قريش.
طيب نشوف الآن أولًا ﴿وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [العنكبوت ١٨] هذه لو قال قائل: إن فيها إشكالًا نقول: ما فيه إشكال؛ لأن فيه أممًا سبَقُوا إبراهيم،كذا؟
وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾..
الشيخ: (...) ظاهره أنه من كلام الله، أما ﴿أَوَلَمْ تَرَوْا﴾ فلا فيه إشكال؛ لأن إبراهيم يخاطبهم ويقول هذا الكلام، وقوله: ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [العنكبوت ٢٠].
* طالب: فيه إشكال.
* الشيخ: فيه إشكال أو لا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ويش وجه الإشكال؟
* الطالب: لأن ﴿قُلْ﴾ مخاطب..
* الشيخ: لأن ﴿قُلْ﴾ من الله، فتكون للمخاطب، والحقيقة ما يمكن أن نقول: إنه من كلام إبراهيم إلا على سبيل التكلف بأن نقول: لما كان رسولًا من الله كان خطاب الله تعالى على لسانه، وإن كان مضافًا إلى الله صار فيه التكلف، فالمهم أن الظاهر من سياق الآيات يدل على القول بأن ذلك من كلام الله تعالى معترضًا في القصة.
﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ [العنكبوت ٢٤] هذا جواب شديد والعياذ بالله، لكن أولًا فيه إشكال من حيث الإعراب: لماذا نَصب اسم (كان)، والمعروف أن (كان) ترفع الاسم وتنصب الخبر وهنا نصب الاسم؟ نشوف أحدًا عنده جواب؟ (...).
* طالب: اسم كان ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾.
* الشيخ: و﴿جَوَابَ﴾؟
* الطالب: ﴿جَوَابَ﴾ خبر.
* الشيخ: خبر كان مقدم؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: هكذا؟ طيب هكذا، صحيح ﴿جَوَابَ﴾ إذن خبر كان مقدم و﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ هذا هو الاسم، والتقدير: فما كان جواب قومه إلا قولهم، وقوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا﴾ هذه تفيد الحصر، يعني: ما كان بالاستسلام ولا كان بالرد الجميل، كان والعياذ بالله بمقام التهديد بالقوة، وهكذا -يا جماعة- كل إنسان ما يستطيع رد الحق فإنه يهدِّد بالقوة إذا كان له قوة على خصمه، وإن كان ما له به قوة صار يتكلم بالسب والشتم؛ لأن اللي عنده معرفة الحق بالمنطق السليم يرده بالمنطق السليم، فرعون ويش قال لموسى؟ قال: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩]، لما أنه ناظره المسألة في الشعراء مناظرة ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ﴾ سخر به ﴿قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ﴾ الجواب ﴿قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الشعراء ٢٦] نعم ثم رماه بالجنون ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ﴾ [الشعراء ٢٧] الجواب ﴿قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الشعراء ٢٨] أنتم المجانين في الحقيقة، لكن جاء بها بأسلوب واضح منطقي كأنك عاقل، رب المشرق والمغرب الذي يأتي بالشمس من المشرق ويأتي بها من المغرب هو الله عز وجل. أخيًرا ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ﴾ [الشعراء ٢٩] لأنه ما يستطيع يجيبه؛ لأن هذه الأخيرة ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ تشبه قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام للذي حاجه في الله ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ﴾ [البقرة ٢٥٨] نعم، هنا في إبراهيم ﷺ الجواب..
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم الجواب: ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ تهديد بالقوة، ما هو بالمنطق، وهو نظير الرسل وخصمائهم، سلسلة ما تتفرق، محمد عليه الصلاة والسلام ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ﴾ [الأنفال ٣٠]، هكذا أيضًا ﴿إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾، وفي آية أخرى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء ٦٨]، والجمع بينهما بسيط يكون هنا، قال بعضهم: اقتلوه، وقال بعضهم: حرقوه، وقر قرارهم على التحريق إي نعم والله أعلم، نسأل الله العافية.
* طالب: مشاهد أن أهل الباطل دائمًا (...) أهل الحق هددوهم بالقوة (...).
* الشيخ: إي نعم، مشاهد صحيح.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: (...).
* الشيخ: بس لا تجيب عدم (...).
* * *
قال الله عز وجل: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١] هذا مبتدأ الفوائد.
قوله: ﴿يُعَذِّبُ﴾ ﴿وَيَرْحَمُ﴾ فيه: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، نعم إثبات الأفعال الاختيارية لله، وهذا هو مذهب أهل السنة والجماعة من السلف والأئمة: إثبات الأفعال الاختيارية لله، أي أنه يفعل ما يشاء، وخالف في ذلك الأشاعرة وغيرهم فقالوا: إن الله سبحانه وتعالى لا يتعلق به فعلٌ حادث، وعللوا ذلك بأنه لا يقوم الحادث إلا بحادث وأننا لو أثبتنا حدوث الأفعال لله لزم من ذلك أن يكون الله تعالى حادثًا، ولا ريب أن هذا قولٌ باطل؛ لأننا نقول لهم: من قال لكم: إن الحادث لا يقوم إلا بحادث؟ من أين جاءت هذه القاعدة؟ هل هي في القرآن؟ هل هي في السنة؟ هل هي بالعقل؟
ثم إننا نقابل هذه القاعدة الفاسدة بقاعدة أكمل منها وأوضح، وهي أن الفعال لما يريد أكمل من الذي لا يفعل، أليس كذلك؟ اللي يفعل ما يريد أكمل من الذي لا يفعل، فأنتم إذا عطلتم الله عز وجل عن أفعاله الاختيارية، معنى ذلك وصفتموه بأنقص ما يكون، فإن هذا أمر معلوم لجميع العقلاء؛ أن الفاعل لما يريد أكمل من الذي لا يفعل أو الذي يجبر على الفعل أيضًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ في الموضعين.
* ومن فوائدها: أن الرحمة لا تُطلب إلا من الله؛ لقوله: ﴿وَيَرْحَمُ﴾ وهذا في مقام التقسيم يدل على الاختصاص ﴿يُعَذِّبُ﴾ ﴿وَيَرْحَمُ﴾ فلا تطلب الرحمة إلا من الله، حتى الذين يرحمون من الخلق ينبغي عندما تَطلب رحمتهم أن تجعل ذلك متعلِّقًا بالله؛ لأن الله عز وجل لو شاء ألا يرحموك لم يرحموك.
* ومن فوائد الآية: إثبات البعث؛ لقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ﴾.
* ومن فوائدها: التحذير من المخالفة؛ لأنه إذا كان المرجع إلى الله فاحذر من مخالفته؛ فإن هذا يشبه التهديد والوعيد من المخالفة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [العنكبوت ٢٢].
* من فوائد الآية هذه: كمال قدرة الله عز وجل، وأنه لا يعجزه شيء ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾.
* ومن فوائدها: أنه لا مفر للمرء من قدر الله، سواءٌ كان في السماء أم في الأرض؛ لقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
* ومن فوائدها: ضعف البشر بالنسبة إلى الخالق؛ لأن الخطاب ﴿بِمُعْجِزِينَ﴾ للعموم، فالبشر مهما بلغوا من القوة فهم بالنسبة إلى الخالق عاجزون ضعفاء، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ﴾ جاءت ﴿خَلَقَهُمْ﴾ ما قال أن الله هو أشد ﴿الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت ١٥]، فإذا كانوا مخلوقين فإن الخالق أقوى بلا شك، الخالق أقوى من المخلوق، فأتى بالموصول وصلته كالتعليل والدلالة على ضعفهم أمام الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية: أنه لا ملجأ للبشر في جلب المنافع ودفع المضار إلا إلى من؟ إلى الله، وأنهم مهما استغاثوا بغيره فإنهم خائبون ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾.
* ومنها -وهي فائدة بلاغية-: أن من أدوات التوكيد الزيادة، زيادة الحروف من أدوات التوكيد؛ لقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾؛ لأن (مِن) هنا زائدة لإفادة العموم أو التنصيص على العموم.
ثم قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [العنكبوت ٢٣].
* من فوائد هذه الآية: أن الكفار لا يدخلون الجنة، تؤخذ من قوله: ﴿أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي﴾.
* ومن فوائدها أيضًا: إثبات الآيات لله عز وجل الكونية والشرعية ﴿كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾.
* ومن فوائدها: رحمة الله تعالى بالعباد، حيث أظهر لهم من الآيات ما يؤمنون على مثله، أليس كذلك؟ هذه من نعمة الله؛ أن الله تعالى أرى عباده من آياته ما يؤمنون على مثله، ولهذا كلما ظهر للإنسان من آيات الله شيء كان أكبر لنعمة الله عليه وأشد في رسوخ إيمانه، ومن ذلك الكرامات التي حصلت لبعض أولياء الله؛ فإنها تزيد في إيمانهم وتؤيد ما كانوا عليه من الحق، قال شيخ الإسلام رحمه الله: وكثرت الكرامات في زمن التابعين دون الصحابة؛ لأن عند الصحابة من الإيمان ما ليس عند التابعين، فليسوا في حاجة إلى كرامات تقوي إيمانهم كحاجة التابعين، ذكر هذا في كتاب الفرقان، وهذا حق؛ فإنك إذا تأملت الكرامات التي ذكرت وجدتها في التابعين أكثر. فالمهم أن إظهار الآيات للإنسان سواءٌ كانت شرعية أم قدرية أنها من نعمة الله عليه؛ لأنها تزيد في إيمانه ورسوخه في القلب.
* ومن فوائد الآية: إثبات رؤية الله، منين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَلِقَائِهِ﴾؛ فإن أهل السنة والجماعة استدلوا بذلك على إثبات الرؤية؛ لأن الملاقاة إذا لم يكن مانع لا بد فيها من الرؤية، ولا مانع يمنع.
وهذه المسألة فيها خلاف كثير بين أهل السنة وأهل البدع، والصواب الذي دل عليه الكتاب والسنة إثبات أيش؟ إثبات رؤية الله تعالى بالعين وأنه في الآخرة يرى، أما في الجنة فيراه المؤمنون ولا يراه غيرهم؛ لأنهم ليسوا فيها. وأما في عرصات القيامة فالصحيح أنه يراه المؤمنون ويراه المنافقون، لكن المنافقين يرونه ليس رؤية تنعيم، بل هي حقيقة رؤية تنديم؛ لأن الله سبحانه وتعالى يظهر لهذه الأمة وفيها منافقون فيكشف لهم عن ساقه تبارك وتعالى ويأمرهم بالسجود، فمن كان يسجد لله سجد، ومن كان لا يسجد إلا رياءً وسمعةً يعجز، ما يسجد، لكن المؤمنون يرونه رؤية تكريم، وهؤلاء رؤية تنديم؛ لأنه إذا حُجب عنهم بعد ذلك أو إذا حُجبوا عنه بعد ذلك صار أشد وقعًا في نفوسهم، مثلما أن المنافقين أيضًا يُعطَون نورًا يوم القيامة ثم يُحجَب عنهم، هذا يكون أشد من الذين لم يعطوا نورًا من الأصل، وهذه الرؤية إذا قال قائل: كيف تقرونها وتؤمنون بها مع أن الله جل وعلا يقول لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣] ويقول: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣]؟
فالجواب: أما قوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ فإنه جوابٌ على قول موسى: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف ١٤٣] وهو يريد الآن، ولهذا قال: ﴿انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ [الأعراف ١٤٣]، فدل هذا على أن نفي الرؤية متى؟ في ذلك الوقت، وهذا حق؛ أن الله جل وعلا لا يرى في الدنيا نعم؛ لعجز الإنسان عن تحمل ذلك، وقد ضرب الله لرسوله موسى ﷺ مثلًا بالجبل وعجز الجبل لما تجلى ربه للجبل جعله دكًّا وخر موسى صعقًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences