Ibn 'UthayminAl-'Ankabut · 29:59–62

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:59–62, continued

وهذا لا شكَ أنَّ الذي لا يعتقد أنهما يدوران على الأرض أنَّه على خطر عظِيم، ربما يصل به ذلك إلى الكفر؛ لأنّ الذي نؤمن به ونعتقِدُه ما أخبرَنا الله عنه مِن أنَّ الشمس هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ [الكهف ١٧]، فأضَاف الله تعالى هذه الأفعَال الأربعة كلها إلى الشمس: ﴿طَلَعَتْ﴾، ﴿تَزَاوَرُ﴾، ﴿غَرَبَتْ﴾، ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾.

ولو كان الأمر كما يقول هؤلاء الخَرَّاصون لكان الأرض هي اللي تزَاور، وهي التي تطْلُع على الشمس، وهي التي تغرُب عنها، فهم ما عندهم إلا أمور ظَنِّيَّة فقط، والقرآن دلالتُه ظاهرة على أنَّها هي التي تدور على الأرض، وكذلك القمر، «والنبي عليه الصلاة والسلام لَمَّا غربت الشمس قال لأبي ذر: «أَتَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٢٤)، ومسلم (١٥٩) واللفظ له من حديث أبي ذر الغفاري.]]، ولم يقل: أتدري أين نذْهَب عن الشمس؟ بل الشمس هي التي تذهب، وهي التي تأتِي، وهي التي تستأذِن، وهي التي يُؤْذَن لها أو تُمْنَع.

ومِن العجيب أنَّ هذا القول المخالف لِظاهِر القرآن أنَّه قد سرَى إلى أناسٍ لا تثِقُ في ديانَتِهم، قصدي لا تشُكّ في ديانتهم، لكن غرَّهم السراب فانخدعوا، والواجِبُ علينا في هذه الأمور أن نمشِيَ على ظاهِر القرآن، هذا الواجب حتى يتبَيَّن لنا ما يكون مخالِفًا لهذا الظاهر.

أمَّا ما دلَّ عليه القرآن دلالة يقينية فإنَّه لا يمكن لِشيء أن يخالفه، فدلالةُ القرآن إمَّا ظاهرة وإما صرِيحة؛ الصريحة قطْعِيَّةُ الدلالة، ولا يمكن لشيء أن يخالفَها، والظاهرة ظنِّيَّة الدلالة، فنبقى على هذا الأصل، نبقى على الظاهر حتى يتبيَّن لنا بأمرٍ قطعي خلافُه، وحينئذٍ ما دام ظاهرًا فإنه يمكن أن يُؤَوَّل.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا تقول هكذا، إن قلت هكذا أخذُوا عليك المعاول والفؤوس، قالوا: إحنا مجانين يا شيخ؟

* طالب: والله مجانين.

* الشيخ: هو الآن مُقَرَّر عندك في المدارِس يدرسُه الصبيّ الصغير ويتغذَّى عليه.

* طالب: الحمد لله، أنا ما درست.

* الشيخ: إي الحمد لله أن الله فكّك.

* طالب: مسألة دوران وثبوت الشمس أو القمر (...) هي قطعية، ومسألة ثبوت دوَرَان الأرض هي الظنية.

* الشيخ: إي نعم، لا لا، كونُ هذه الأشياء تدُور على الأرض عندنا الآن ثلاث مسائل الحقيقة: ثبوت الشمس والقمر، يعني وقوفها، فهذا مكَذِّب للقرآن.

والثاني: كون الليل والنهار بسبب دوران الأرض، أو بسبب دوران الشمس والقَمَر، هذا خلَاف الظَّاهر، والشيء الثالث: دوران الأرض نفسها، هذا ما في القرآن لا ظاهر ولا صرِيح يدُلّ على أنها تدور أو ما تدور، ما فيه دليل.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا لا، ما هو بصحيح؛ لأنها هي ما هي بتدور أجزاء، تدور جميعًا، لا، هذه ما هي بصحيح، لكن الكلام على أنَّ مسألة دوران الأرض أنا ما أقول فيها شيء، أقول: هذه الله أعلم، ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ [النحل ١٥].

قد يقول قائل: إنَّ قوله: ﴿أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ يدل على أن هناك حركة، ووُضِعَت هذه الجبال لاتِّزَان هذه الحركة؛ لأنَّ نفي الأخص لا يدُل على نفي الأعَمّ، ولكن مع ذلك إحنا نقول: ما لنا ولِهذا البحث، لو أنَّ هذا مِن الأمور التي يجِب علينا اعتقادُه أو اعتقاد نفيِه لكان قد بُيِّنَ في القرآن غايةَ البيان؛ لأنَّ الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل ٨٩].

لكن الخطِر أن تأتِي زُبَالَةُ أفكار وتستولِي على أفكارنا، ثم نأخُذها بالقبول والتسليم بدون أن نرجِع إلى القرآن، هذه المشكلة، يعني لو فُرِض الآن -ولله المثل الأعلى- لو كان هذا القرآن مؤَلَّف مِن بشر ويقول: الشمس تجري، ويقول: يكَوِّر الليل على النهار، معروف أنَّ التكوير التَّدْوِير، وأنَّ الليل والنهار يأتِي بسبب أيش؟ بسبب الشمس، وييجي كتاب ثاني يقول: لا، يُدير الأرض حتى يختلف الليل والنهار، لقلنا: إنَّ هذين الكتابين متعارِضَان، ويُطْلَب الترجيح، فإذا كان هذا كلام الله فإنه لا عبرَةَ بأيِّ شيء يخالفُه، فهذه نُكْتَة المسألة.

* طالب: ما دام السلف والرسول ﷺ ما بيَّن (...)، والسلف ما ذكروا ما لنا نشتغل بها ونقول هكذا.

* الشيخ: لا، أحسن، ما نشتغل فيها، لكن مثل ما قلت لكم بالأول، قلت: إذا ابتلي الإنسان لا بُدَّ أن ينزِل لِلمَيْدَان، طُرُق أهل الكلام في إثبات العقيدة، هل هذه مِن طريقة السلف؟

* طالب: لا.

* الشيخ: طيب، هل أئِمَّة الإسلام تركُوهم وشأنهم؟ خاضوا معهم المعركة، إحنا إذا ابْتُلينا بقوم يُدْخِلُوننا في الميدان لا بد ندخل، يعني قبل يمكن أربعين سنة ما كان الناس يفهمون هذا الشيء، ولا يطْرَأ على بالهم إطلاقًا، إلَّا أنَّ الناس على عقائدهم الفطرية أنَّ الشمس تطلَع وتغَاب والقمر يطلع ويغَاب.

* طالب: نكذِّبهم حتى يجيبوا دليل.

* الشيخ: نعم، إحنا نكذِّب ما هو بكل شيء.

* طالب: لا، في نفس الدوران وفي نفس..

* الشيخ: نكذِّبهم في قولهم: إنَّ تعاقب الليل والنهار بسبب دوَرَان الأرض، حتى يأتُوا بدليل قطعِي واضح مثل الشمس يكونُ حجَّةً لنا في تأويل ظاهر الآيات، وإلَّا ما نقبلها أبدًا، لو يجتمعون كلهم ما قَبِلْنا؛ لأننا نعرف أن كلهم تخرُّصَات، حتى إنَّ الآخر منهم ينقُل عبارة الأول بِنَصِّها وفَصِّها، مما يدُلّ على أنَّ المتَأَخِّرِين ببَّغَاوات، كلما نُطِقَ لهم نطَقُوا بما سمعوا.

* طالب: (...).

* الشيخ: هذا مِن البَلَاء.

* طالب: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾، هذا دليل.

* الشيخ: إي نعم، هم يأتون بأشياء ما لها أصل.

قال: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، تسخير القمر أيضًا لِمنافعِ العباد ومصالِحهم، ﴿والقمرَ قدَّرْنَاه منَازِلَ حتى عاد كالعُرْجُونِ القَدِيم﴾، لأجل أيش؟ بيَّنها الله الحكمة في ذلك، ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾، فباختلاف منازل القمر يكون العِلم بعدد السنين والحساب؛ لأنَّ الأهلّة هي المواقِيت العالَمِيَّة الفِطْرِيَّة، قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ [البقرة ١٨٩] عامَّة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [التوبة ٣٦]، وهذه الأشهر هي التي بيَّنها الرسول عليه الصلاة والسلام الأشْهُر الهِلَالِيَّة.

* طالب: ذكر بعض الكُتَّاب أن الناس كانوا يعتقدون أن القمر (...)، فلو كان الناس يعتقدون أن حيوانًا سماويًّا يترصد للقمر فيحجبه عن الأرض.

* الشيخ: والله هنا في نجد ما نعتقد هذا، يمكن هذا عنده هو، مثل ما يعتقِدُون في بعض البلاد أن الكسوف أنَّه سببُه يعني أحد المخلوقات يحُول بينه وبين الأرض ويخرُجون بالطبول يهْتِفُون: يا فلانة! يا فلانة! أنقذِي القمر، أو ما أشبه ذلك، نسيت اللي قص علي القصة ويش قال فيها؟ الحُوت.

وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ اللام هذه جَواب القسم، اللام الأولى في ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ موطِّئَة للقسم، وهذه واقِعَةٌ في جوابِ القسم.

وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ سيقول أهل النحو منكم: لماذا بُنِيَت على الضم مع أنها متَّصِلَةٌ بنون التوكيد؟ والمعروف أنّ المضارع إذا اتَّصَل بنون التوكيد يُبنَى على الفتح، وهنا قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فكيف نُجِيب؟

* طالب: (...).

الشيخ اللي أمامنا الآن اللام جنب النون.

* طالب: إي، لكن محذوفة نون الفعل (...) وحذفت الواو لتوالي الأمثال.

* الشيخ: لا، بس أنتم أجيبوني عن أنَّه النون مباشِرَة للفعل، نقول: يشترط أن تكونَ المباشرة لفظًا وتقديرًا، وهنا المباشَرة لفظًا لا تقدِيرًا، ولذلك ابن مالك يقول في الألفية:

............................. ∗∗∗ وَأَعْرَبُــــــــــــــوامُضَــــــــــــــــــــارِعًا إِنْ عَـــــرِيَا؎مِـــــــنْ نُــــــونِ تَوْكِيـــــــدٍمُبَاشِـــــــــرٍ .... ∗∗∗ ............................

يعني مباشر لفظًا وتقديرًا، ومن نُونِ إِنَاثٍ، واضِح؟ فعلى هذا نقول: النون ما هي مباشرة للفعل بالتقدير؛ لأنه حالَ بينها وبين الفعل اسْمٌ وحرْف؛ اسم وهو الواو، وحرف، الحرْف النون، نون المضارع حُذِفت لتوالي الأمثال، وهي حُجَّة نحوي كما تعرفون، والواو واو الفاعل حُذِفَت لالتقَاء الساكنين؛ لأنَّه لَمَّا حُذِفَت النون الأولى لتوالي الأمثال فالنون الثانية مشددة، والحرف المشدد أوله ساكن، فيلتقي ساكنًا مع الواو الساكنة، فحينئِذٍ نحْذِف الواو.

............................. ∗∗∗ وَإِنْ يَكُــنْ لَيْنًا فَحَذْفَــــــــهُاسْتَحَـــــــقْ

فنقول: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، فلم تكن نون التوكيد مباشرة للفعل لفظًا ولَّا تقديرًا؟ لم تكن نون التوكيد مباشِرةً للفعل تقديرًا.

* طالب: يا شيخ، أصلها (ليقولون).

* الشيخ: أصلها (ليقولُونَنَّ) هذا أصلها، فحُذِفت النون الأولى لِتوالي الأمثال، وصارَت النون الثَّانية مشَدَّدة، فأوَّلُها ساكن التقَتْ مع الواو الساكنة فحُذِفت الواو، فصَارَت ﴿لَيَقُولُنَّ﴾، قال: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ أي: المسؤُولون مِن الكفار.

﴿اللَّهُ﴾ أحسن شيء أن نقول: ﴿اللَّهُ﴾ خبر مبتدأ محذُوف تقديرُه (هو الله)، فيُقِرُّون بأنَّ الذي خلقَها الله سبحانه وتعالى.

﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ هو الله، يعتَرِفون أن هذه الأشياء ما تصنَعُها الآلهة لا خلقًا ولا تدبيرًا، شوف -سبحان الله- الآية جمَعَتْ بين الإيجَاد والتدبير، فهو تصرُّفٌ في الإيجَاد، وتصرُّف في التدبير؛ الإيجَاد في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، والتَّدبير في قوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ولم يقُل: خَلَق.

قال تعالى: ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فيقِرُّون بأنَّ خالق السماوات والأرض ومُسَخِّر الشمس والقمر هو الله دون أصنامِهم، لَمَّا أَقَرُّوا هذا الإقرار أقامُوا الحجة عليهم، أليس كذلك؟ لأنَّ مَن أقَر بالربُوبية لَزِمَه أن يُقِرّ بالألوهية، ومَن أقَرّ بالألوهيَّة فقد أقَرَّ بالربوبية، فهمتم؟ فهما متَلَازِمَان، أمّا الإقرار بالربوبية فهو مُلْزِمٌ للإقرار بالألوهية، ملزم وإن لم يحصُل الإقرار بالألوهية، وأمَّا الإقرار بالألوهية فهو مُسْتَلْزِم للإِقْرَار بالرُّبُوبِيَّة، وأيُّهما أسبَق؟ الإِقْرار بالربوبية أسبَق؛ لأنَّ الإنسان ما يعبُد إلا ربًّا يعلَم أسماءَه وصفَاتِه وأفعالَه.

﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الله هو الذي خلق السماوات والأرض، وهو الذي سخر الشمس والقمر.

قال الله تعالى: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾: يُصْرَفون، (أنى) اسم استفهام، والغرَض منه التوبيخ، يعني بعد أن أقَرُّوا بهذا كيف أنَّهم يُصْرَفُون، وسُمِّي الصرفُ إفكًا؛ لأنَّه صَرْفٌ للشيء عن حقيقَتِه، فالإِفْك صَرْف مثل ما نصْرِف الكلام عن الواقع ويسمى.. إذا صرفنا الكلام عن الواقع ويش يسمى؟ يُسَمَّى إفكًا، قلت لك: قَدِم زيد، وهو ما قَدِم، هذا إفك، فهؤلاء أُفِكوا، أي صُرِفوا عن الواقع، وقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾، يعني أنَّى يُصْرَفون عن توحيدهِ بعد إقرارِهم بذلك.

* طالب: فأنى يصرفون، معناه؟

* الشيخ: كيف.

قال الله تعالى: (﴿﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ﴾: يُوَسِّعُه، ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ امتحانًا، ﴿وَيَقْدِرُ﴾ أي: يُضَيِّق، ﴿لَهُ﴾ [العنكبوت 62] بعد البَسْط، أي: لِمَن يشَاءُ ابتلاءه)، ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ﴾ معنى يبْسُط يعني يُوسِع، والرِّزْق بمعنى العطاء.

وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ المراد بالعباد هنا المتعَبِّدُون له بالمعنى العَامّ، أو بالمعنى الخاص؟

* الطلبة: بالمعنى العام.

* الشيخ: بالمعنى العام الشَّامِل للمُؤْمِن والكافِر، والبَرّ والفَاجِر، فالله تعالى يُوَسِّع الرزق.

وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ (مَن) هذه اسم موصول بمعنَى (الذي)، وهو مِن الأسماء الموصولة العامَّة ولَّا الخاصة؟

* طالب: العامة.

* الشيخ: العامة، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ أي يشاء بَسْطَ الرزق له، فإذن مفعول ﴿يَشَاءُ﴾ محذُوف، دَلَّ عليه السياق، وقد مَرَّ علينا قاعِدَة مُهِمَّة جدًّا، وهو أنَّ كل شيءٍ علَّقَه الله تعالى بالمشيئة فإنّما المراد المشِيئَة المبنِيَّة على الحكمة؛ لأنَّ جمِيع أفعال الله عز وجل وأحكامه كلها مبْنِيَّة على الحكْمَة، علِمْنَاها أم جهِلْنَاها.

وقوله: ﴿مِنْ عِبَادِهِ﴾ قال المؤلف: (امتحانًا)، والتَّضْيِيق قال: (ابتلاءً)؛ امتحانًا الامْتِحَان هو الابتلاء في الحقيقة، قال الله تعالى عن سليمان: ﴿هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾، وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، ﴿وَيَقْدِرُ﴾، يقْدِر بمعنى يُضَيِّق، مِن أين عرَفْنَا أنَّ (يقدر) هنا بمعنى يُضَيِّق؟ ولماذا لم نجعل القُدْرة هنا بمعنى استطاعة العَمَل؟

* طالب: من قوله: ﴿يَبْسُطُ﴾.

* الشيخ: مِن قولِه: ﴿يَبْسُطُ﴾، هذا مقابلَتُه بالبسْط يدُل على أنَّ المراد التضْيِيق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ﴾، ﴿قُدِرَ عَلَيْهِ﴾ أي: ضُيِّق عليه.

وقوله: ﴿يَقْدِرُ لَهُ﴾، (له) الضمير يعود على (من يشاء) يعني: ويقدِرُ لمن يشاءُ، وهل المبسوط له والمقَدَّر له واحِد؟ ظاهر كلام المؤلف أنَّه واحد، ولهذا قال: ويقْدِرُ له بعد البَسْط، والسبب أنَّ الضمير في (له) يعود بلا شكّ على (مَن) في قولِه: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فكأن المؤلف رحمه الله أرَاد أن يعُود عليه باعتبَار عيْنِه، ولكنَّنا نقول: لا مانِع مِن أن يعودَ إليه باعتبار جنسه لا باعتِبَار عينِه، فيكون الضمير عائدًا على (من يشاء) باعتبار الجنس، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾.

قوله: ﴿مِنْ عُمُرِهِ﴾ أي المعَمَّر؟ ما يصلح مِن عمرِه -أي المعمَّر-؛ لأنَّه إذا نقص ما صار معَمَّرًا، لكن المراد من عُمُرِه باعتبار الجنس، فيكون عُمر معَمِّرٍ آخر، ومثله أن تقول: أعطيتُ هذا الرجل درهمًا ونِصْفَه، نصف أيش؟ نصْف دِرْهَمٍ آخر، ما هو بنصف الدرهم هذا، ما كسَّرت الدرهم، ولو كسَّرته أيضًا وأعطيته إياه كاملًا أعطيته كله نصفين.

فالذي يظهَر أنَّ الضمير في قوله: (له) يعود على (من يشاء)، باعتبار أيش؟ الجنس لا العَيْن، فالله تعالى يبسط الرزق لهذا ويضيِّقُه على هذا، كما أنَّه سبحانه وتعالى يبسُطُه لهذا أحيانًا، ويضيقه عليه أحيانًا، ألسنا نرى الآن مِن الأغنياء مَن رَجَع فقيرًا، ومِن الفقراء من رجَع غنِيًّا، فالله سبحانه وتعالى يبسُط الرزق باعتبار العين وباعتبار الجنس، هذا البسْط تابِعٌ لعلمِه وحكمَتِه، ولهذا قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، ومنه البَسْط والتَّضْيِيق، فهو سبحانه وتعالى لا يبسُط أو يضَيِّق إلَّا عَن عِلْم.

ثم هذا العلم أيضًا تتْبَعُه الحِكْمة، فهو سبحانه وتعالى يُغْنِي مَن يُصلِحُه الغنى، ويُفْقِر مَن يصلِحُه الفقر، ولِهذا جاء في الحديث: «إنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَغْنَيْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْغِنَى، وَإِنَّ مِنْ عِبَادِي مَنْ لَوْ أَفْقَرْتُهُ لَأَفْسَدَهُ الْفَقْرُ»[[أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات (٢٣١) بنحوه من حديث أنس.]]، وإذا مَنَّ الله على العبد وتفَضَّلَ عليه، وجعل رزقَه تابعًا لِمَصْلَحَتِه، حصَل بذلك خيرٌ كثير، ومِن العباد مَن إذا أُغْنِي فسَد، إذن الضمير في قوله: (ويقدر له) يعود على مَن؟

* طالب: على قول المؤلف (...).

* الشيخ: نعم، يعني معنَاه أنَّه يَبْسُط لِهذا ويُضَيِّق لِهذا.

* طالب: على قول المؤلف (...).

* الشيخ: وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ كُل شيء مما يفعَلُه هو، أو مِما يفعَلُه العباد، فإنه لا يخفَى عَليه شَيْء مِن ذلك أبدًا.

قال بعض الناس: وما مِن عَامٍّ إلا خُصّ، إلَّا قولُه تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ هل هذا صحيح؟ يعني بعض العلماء قال -بعض الأصوليين- لَمَّا تكلم على العام والخاصّ قال: وما مِن عامٍّ إلا خُصّ، إلا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾؛ لأن ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ما يستَثْنَي منها شيء، لا الوَاجِب، ولا الجائز، ولا المستَحِيل، حتى المستحيل يعلَمُه سبحانه وتعالى أو لا؟ يعلَمُه، ولا فيها شيء مُخَصَّص أبدًا، أمَّا غيرُه مِن العموم فإنّه مخصَّص، بمعنى أنه يَخرُج منه شيءٌ، إمَّا بدلالة العقل أو بدلالة الشَّرع، ولكن هذا القول غير صحيح، الصواب: إنَّ الأصل في العمُومات بقاؤها على العموم، هذا الأصل في العمومات، نعم إن أرادُوا إلَّا يُتَصَوَّر فيه التخصِيص، إن أرادُوا التَّصَوُّر والتقدِير فهذا ممكن، أمَّا إن أرادُوا الواقع فلا.

قال المؤلف: (ومنه محَلُّ البَسْط والتَّضْيِيق)، فهو سبحانه وتعالى عالِمٌ بأن هذا أهلٌ لأن يُبسط له الرزق، وأنَّ هذا أهل لأن يُضَيَّق عليه الرزق.

* * *

* الطالب: سُئِلَ الشيخ سُلَيمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن مسائل:

المسألة الأولى: هل يجُوز للمسلم أن يُسافرَ إلى بلاد الكفار الحرْبِيَّة لأجل التجارة أم لا؟

الجواب: الحمد لله، إن كان يقْدِرُ على إظهار دينِه ولا يُوالِي المشركين جازَ له ذلك.

* الشيخ: أيش، ولا..؟

* الطالب: ولا يوالي المشركين جاز له ذلك، «فقد سافَر بعض الصحابة رضي الله عنهم كأبي بكر رضي الله عنه وغيره مِن الصحابة إلى بُلدان المشركين لأجْل التجارة، ولم يُنكِر ذلك النبيُّ ﷺ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٧١٩)، وأحمد (٢٦٦٨٧) من حديث أم سلمة.]]، كما رواه أحمد في مسنده وغيرُه، وإن كان لا يقدِرُ على إظهار دينه ولا عدم موالاتِهم لم يجُز له السفر إلى ديارهم، كما نَصَّ على ذلك العلماء، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدُل على ذلك، أو على خلاف ذلك، وعليه تحمل الأحاديث التي تدُل على خلاف ذلك.

* الشيخ: في الأصل ما هو، الأصل؟

* الطالب: الأصل ما نقلْتُه،كما نَصَّ على ذلك العلماء وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على خلاف ذلك، وعليه تُحْمَلُ الأحاديث التي تدل على ذلك، كحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]، يجمع بين حديث سفر أبي بكر إلى بلاد الكفار وإقْرَار الرسول ﷺ له، وبين الأحاديث الناهِية عن ..

* الشيخ: يمكن، لعل الصواب على خلاف.

* الطالب: نعم، وأراجع إن شاء الله؛ ولأنَّ الله تعالى أوجب على الإنسان العملَ بالتوحيد، وفَرَض عليه عداوة المشركين، فما كان ذريعَةً وسببًا إلى إسقاط ذلك لم يجُز، وأيضًا فقد يجُرُّه ذلك إلى موافَقَتِهم وإرضَائِهم، كما هو الواقع كثيرًا ممن يسافر إلى بلدان المشركين مِن فُسَّاق المسلمين، نعوذ بالله مِن ذلك.

المسألة الثانية: هل يجُوز للإنسان أن يجلِس..

* الشيخ: الكلام الآن السؤال عن دَار الحرب ترى، وهناك فرق بين دار الحرب ودار العهْد، وتعليلُه يدُلّ على العموم، وسؤاله.

* الطالب: سؤاله عن دار الحرْب، بس ده جائز في الحربية، جائز من باب..

* الشيخ: لا، خَلِّي ده جائز، لكن إذا مُنِع في الحربِيَّة هل يُمنَع في غيرِها؟ هو مثلًا إذا جاز ..

* الطالب: هو أجازَه في الحرْبِيَّة.

* الشيخ: أجازه بالشُّرُوط اللي عندك، هذَا لَا بَأْس.

* الطالب: إذا أجازه في الحرْبِيَّة أجازه من باب أولى في العادية.

* طالب آخر: لكن أدلة هذا ما تدُل على الحربية..

* الشيخ: وأنها عام، هو جوابه يدُل على العموم، لكن السؤال في الحرْبِيَّة.

* الطالب: المسألة الثانية: هل يجوز للإنسان أن يَجْلِس في بلاد الكُفَّار وشعَائر الكُفْر ظاهِرةٌ مِن أجْل التجارة؟

الجواب عن هذه المسألة هو جواب التي قبلها سواءً، ولا فَرْقَ في ذلك بين دار الحرب أو دار الصلح، فكلُّ بلدَةٍ لا يَقْدِر المسلم على إظهار دينِه فيها لا يجُوز له السفر إليها.

المسألة الثالثة: هل يُفَرَّق بين المدة القريبة مثل شهر أو شهرَين، والمدَّة البعيدة؟

الجواب: لا فرقَ بين المدة القريبة والبعِيدَة، فكُلُّ بلدة لا يقدر فيها على إظهار دينه ولا عدَمِ موالاة المشركين لا يجوزُ له المـُقَامُ فيها ولا يومًا واحدًا إذا كان يقدِرُ على الخُرُوجِ منْها.

المسألة الرابعة: في معنى قوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾، وقول النبي ﷺ في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]].

الجواب: أنَّ معنى الآية على ظاهرِها، وهو أنَّ الرجل إذا سَمِع آيات الله يُكْفَرُ بها ويُسْتَهْزَأُ بها فجَلَس عند الكافرين المستهزِئِين مِن غير إكراهٍ ولا إنكَار ولا قيامٍ عنهم حتى يخُوضُوا في حديث غيرِه فهو كافِرٌ مثلهم، وإن لم يفعل فعلَهم؛ لأنَّ ذلك يتضَمَّن الرِّضَا بالكفر، والرِّضَا بالكُفْرِ كُفْر، وبهذه الآية استدَلَّ العلماء على أنَّ الراضي بالذنب كفاعله، فإن ادَّعى أنَّه يكره ذلك بقلبه لم يُقبَل منه؛ لأنَّ الحكم على الظاهر، وهو قد أظهَرَ الكفر فيكونَ كافرًا.

* الشيخ: يكونُ.

* الطالب: فيكونُ كافِرًا، ولهذا لَمَّا وقعَتِ الرِّدَّةُ بعد موت النبي ﷺ وادَّعى أناس أنهم كرهوا ذلك لم يقبَل منهم الصحابة ذلك، بل جعَلُوهم كلَّهم مرتَدِّين إلا مَن أنكَر بلسانِه وقلبِه، وكذلك قوله في الحديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ» على ظاهرِه، وهو أنَّ الذي يدَّعي الإسلام، ويكُونُ مع المشركين في الاجتمَاع والنصرة والمنْزِل معهم، بحيث يعُدُّه المشركون منهم، فهو كافرٌ مثلهم، وإنِ ادَّعَى الإسلام، إلا أن يُظهِرَ دينَه ولا يوالِيَ المشركين، «ولهذا لَمَّا ادعى بعضُ الناس الذين أقامُوا بمكَّةَ بعدما هاجر النبي ﷺ، فادَّعَوُا الإسلام، إلا أنهم أقاموا في مكة يعُدُّهم المشركون منهم، وخرَجُوا معهم يوم بدر كارِهين للخروج معهم، فقُتِلوا، فظَنَّ بعض الصحابة أنهم مسلمون، وقالوا: قتَلْنَا إخوانَنا، فأنزلَ الله تعالى فيهم:» ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية [النساء: ٩٧][[أخرجه البخاري (٤٥٩٦) من حديث ابن عباس.]]، قال السُّدِّي وغيرُه مِن المفسرين: إنَّهم كانُوا كُفَّارًا، ولم يعذُرِ الله تعالى إلَّا المستضْعَفِين، انتهى.

قلت: وقد ظهرَ الجواب عن حديث: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَإِنَّهُ مِثْلُهُ»، وأنَّه لا فرقَ بين الإقامة والسفر المؤَقَّت، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ [العنكبوت ٥٦].

* الشيخ: هذا من أين نقل الشوكاني؟

* طالب: نقل الشوكاني في التفسير -أنا أذاكره، أنا أذاكِر المرَاجع لكن أختَصِر الصفحات، لكن نقل الشوكاني حول قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ﴾ [العنكبوت ٥٦]، قال الزجاج: أُمِرُوا بالهجرة من الموضع الذي لا يمكنُهم فيه عبادَةُ الله، وكذلك يجِبُ على مَن كان في بلد يُعْمل فيها بالمعاصي ولا يمكنُه تغيِير ذلك أن يهاجِرَ حيث يتهَيَّأُ له أن يعبُدَ الله حق عبادتِه. قلت -وأنا القائل-: في هذا نظر.

* الشيخ: الله المستعان!

* الطالب: والله المستعان.

* الشيخ: لو عمِلْنَا بهذا (...) إلا الصَّحَابة.

* الطالب: قلت: في هذا نظر.

* الشيخ: من ذكر (قلت)؟

* الطالب: أنا ذكرت، حيث إنَّ النبيَّ ﷺ ذكَرَ آخِرَ درجات إنكار المنكر ولم يُوجب الهجرة، بل يجِب أن يبتعِدَ عن الجلوس مع أهْلِ المنكر، وتأخِيرُ البيان عن وقتِ الحاجة ممتَنِع، والكلام الأخير يحتمل أن يكون بقية كلام الزَّجَّاج، أو مسْتَأْنَفًا مِن الشوكاني -رحمهم الله- فالعبارة مشكِلَة هل هي مِن الزجَّاج أو من الشوكاني قوله: وكذلك يجب على من كان في بلد يُعْمَلُ فيها بالمعاصي ولا يمكنه تغْيِير ذلك أن يُهَاجِر.

وقال القرطبي حول قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ [النساء ٩٧] في نقلِه كلامًا لابن العربي: الأوَّل: الهجرة وهي الخروج مِن دار الحرب إلى دارِ الإسلام، وكانت فرض..

* الشيخ: هل صحيح أن مسألة العمَل بالمعاصي الظاهِرة إذا كان أنت مضطَر إلى البقاء معهم، أما إذا صار لك أنت في بيتك ما فيه معصية، صحيح في الأسواق معاصي، لكن في بيتك ما فيه معصية، وإنما تمُرُّ بها مرًّا، فلا أظن أحدًا من أهل العلم يقول بـوجوب الهجرة، نعم إذا صار لك أن هذا المكان يُؤْمَر بالمعاصي وأنت مضطر إلى البقَاء فيه نقول: لازم تروح، لا بد أن تذهب وتخرُج.

* طالب: وإذ إنك تعمل فيه يا شيخ، وإذ إنك تعمل في (...) هذا اللي المعاصي ظاهرة.

* الشيخ: ما يجوز، ولهذا قلنا: ما يجوز التَّوَظُّف في البُنُوك، يعني حتى اللي ما يكتب الربا بعضهم يقول: أنا ما باكتُب، أنا بس أقَهْوِيهُم وأكنس لهم وأزين لهم، أقول: لكن وجودك في هذا المكان معناه الرضا والإقرَار، فلهذا ما يجوز.

* طالب: إذا صِرْت كاتبًا سأكتب، والكُتَّاب اللي معي كلهم محاليق ويشربون دخانًا وتتن[[التتن: التبغ. ]].

* الشيخ: لا، في مسألة شرب التتن نعم؛ لأنَّه يعمل معصية أمامك.

* طالب: واللحية بعد.

* الشيخ: واللحية ما هو بحلقها أمامي الآن، هذا أثَر الحلق، أثر الحلق ما عَلَيّ منه، لكن الكَلام على شرب الدخان إذا ما أمكن (...)، بلاوي.

* الطالب: الأول -في نقْله كلامًا لابن العربي- الأول: الهجرة، وهي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضًا للنبي ﷺ، وهذه الهجرة باقيَةٌ إلى يوم القيامة، ولكن انقَطَعت -بالفتح- هي القَصْد إليه حيث كان، فإنَّ المسلم إذا بقي في دار الحرْب عصَى.

الثانية: الخروج مِن أرض البدعة، قال ابن القاسم.

* الشيخ: فإن المسلم إذا بقِي في دار الحرب عصى.

* الطالب: نعم عصَى، إذا كان في دار حرب يجب عليه أن ينتقل إلى دار الإسلام.

* الشيخ: ظاهره العموم.

* الطالب: إي، ظاهره العموم .

الثاني: الخروج من أرض البدعة قال ابن القاسم: سمعت مالكًا يقول: لا يحِلُّ لأحدٍ أن يُقِيمَ في أرض يُسَبُّ فيها السلف. قال ابن العربي: وهذا صحيح؛ فإنَّ المنكر إذا لم تُغَيِّرْه فزُلْ عنه، ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام ٦٨].

صحيح كلام ابن العربي هذا؟

* الشيخ: صحيح، مثل ما قلنا، إذا صار أنك مضطر تبقى معهم في نفس المكان لازم تروح، أمَّا إذا صَار كل في بيته ولا هو (...).

* الطالب: قال: الثالث الخروج مِن أرضٍ غلَب عليها الحرَام، فإنَّ طلب الحلال فرْضٌ على كل مسلم.

* الشيخ: مثل أيش؟

* الطالب: إذا كان ما يتعامَلون إلا بالربا يعني كل الناس.

* الشيخ: كل الناس؟

* الطالب: هذا واقع، أنا سمعت فتوى مِن بعض المشايخ بلدي كلها تتعَامل بالرِّبَا ويقول له: أيش تسوي؟ يعني العمل يكون أيش، يكون على قدر الحاجة، أم ليس على قدر الحاجة، كل البنوك الآن معظمها تتعامل في الخارج.

* الشيخ: كل البنوك لا بأس، لكن هل كل الناس بُنُوك؟ فيه مثلًا مطاعم، فيه بقالات، فيه تجار ثياب.

* الطالب: الأموال الأصلية أموال الدولة أصلًا في البنوك.

* الشيخ: على كل حال (...) مثل ما يقول الفقهاء (...).

* الطالب: مسألة: هل يجب عليه إنكار المنكر وأنَّه باطِل؟ قال ابن جرير الطبري في تفسيره لقولِه تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الممتحنة ٤] قد كان لكم أيها المؤمنون قدوةٌ حسنةٌ في إبرَاهِيمَ خَلِيل الرحمن، تقتَدُون به والذين معَه مِن أنبياءِ الله، ﴿إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة ٤] حين قالوا لقومهم الذين كفروا بالله وعبَدُوا الطاغوت: أيُّها القوم، إنا برآء منكم ومِن الذين تعبدونه مِن دون الله مِن الآلهة والأنداد، ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ فأنكَرْنا ما كنتم عليه من الكفر، وجحَدْنَا عبادتكم ما تعبُدُون مِن دون الله، ﴿وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدًا على كفرِكم بالله، ﴿حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، لا صلحَ ببيننا ولا هوادَة حتى تصَدِّقُوا بالله وحده فتوحِّدُوه وتفْرِدُوه بالعبادة.

قلت: وقد عقَّبَها الله بقوله سبحانه: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الممتحنة٦] وظاهر هذا أنَّه واجب.

* الشيخ: القول بالتبرؤ مِن الكفار واجب.

* الطالب: وقوله: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا﴾.

* الشيخ: نعم نعم، نقول له: لا.

* الطالب: الآية ظاهرُها وصريحُها أنه يجب هذا.

* الشيخ: يجب أن نقول هذا، ولكن هل مثلًا إذا قمنا في مقام في بلد ما نستطيع أن نقول الكلام هذا.

* الطالب: يجب تهاجر؛ لأنه يجب إظهار الدين، وقال الشوكاني على قوله تعالى: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ الآية، قال: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ إن كنتم في ضِيقٍ في مكة مِن إظهار الإيمان، وفي مُكايَدة الكفار فاخْرُجُوا لِيتَيَسَّر عليكم عبادَتِي، وتسْهلَ عليكم، وفي مُكايَدة الكفار.

* الشيخ: إي، هم يكيدون لكم.

* الطالب: نعم، وقال الشيخ عبد الرحمن بن حسن في سِيَاقِ شرحه لِتَضَمُّن أصْل الدين وقاعدتِه أمرين، قال: ثم قال رحمه الله تعالى: الظاهر أنَّ الكلام النَّص (...) ولم يُكَفِّرْهم، فهذا النَّوع أيضًا لم يأتِ بما دلَّتْ عليه (لا إلَهَ إلا الله) مِن نفْيِ الشِّرك، وما تقْتَضِيه مِن تكفِير مَن فعلَه بعد البَيانِ إجماعًا، وهو مضمونُ سورة الإخلاص، و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون ١]، وقوله في آية الممتحِنَة: ﴿كَفَرْنَا بِكُمْ﴾ [الممتحنة ٤]، ومَن لم يُكَفِّر مَن كفَّره القرآن فقد خالَف ما جاءت به الرسل مِن التوحيد وما يُوجِبُه.

ثم قال رحمه الله: (ومنهم -وهو أشدّ الأنواع خطرًا- مَن عمِل بالتوحيد ولم يعرِف قدرَه، ولم يبغِض مَن تركه ولم يُكَفِّره).

وقوله رحمه الله: (وهو أشد الأنواع خطرًا)؛ لأنه مَن لم يعرِف قدْرَ ما عمل به ولم يأتِ بما يُصَحِّحُ توحِيده مِن القُيُود الثِّقَال التي لا بُدَّ منها فما عَلِم أنَّ التوحيد يقتضي نفي الشرك والبراءَةَ منه، ومعادَاة أهله وتكفيرَهم، مع قيام الحجة عليهم، فهذا قد يغْتَرُّ بحاله وهو لم يأتِ بما عليه مِن الأمور التي دلَّت عليها كلمة الإخلاص نفيًا وإثباتًا، انتهى.

وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً -لأن ظاهر عبارة الشيخ أنه يجِب معاداتهم والتَّغليظ في ذلك، ومصارحَتُهم بسبِّ دينِهم وعيْبِ آلهتهم، هذا ظاهِر الكلام-، ثم قال: وسُئِل الشيخ سليمان بن عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب: هل مُوالاة الكفار حَمِيَّةً دنيوية موالاة نفاق أو يصِيروا كُفارًا؟ وإذا كان لا يقْدِروا أن يتلفَّظَ بكفرهم وسبهم فما حكمُه؟ وإذا عرفْت هذا مِن إنسان ماذا يجِب عليك؟

فأجاب: إن كانت الموالاةُ مع مساكنتهم في ديارهم والخروج معهم في قتالِهم ونحو ذلك فإنه يُحكم على صاحبها بالكفر، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة ٥١]، وقال تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء ١٤٠]، وقال النبي ﷺ: «مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكِينَ وَسَكَنَ مَعَهُمْ فَإِنَّهُ مِثْلُهُمْ»[[أخرجه أبو داود (٢٧٨٧) من حديث سمرة بن جندب.]]، وقال: «أَنَا بَرِيءٌ مِنْ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ»[[أخرجه أبو داود (٢٦٤٥)، والترمذي (١٦٠٤) من حديث جرير بن عبد الله.]]، رواهما أبو داود.

وإن كانت الموالاة في ديار الإسلام، -وبحثت لابن القيم لعلي أجد كلامًا في هذا، بحثت لابن القيم في مختصر تهذيب السنن، وإن قال: وإن كانت الموالَاةُ في ديار الإسلام إذا قدِمُوا إليهم ونحو ذلك فهذا عاصٍ آثمٌ متعَرِّض للوعيد، وإن كانت موالاتهم لأجل دينِهم -هكذا بالأصل- يجِبُ علينا التعزير بالهجر والأدَب ونحوه ما يزْجُر أمثاله -أظنه يعني مِن أجل تَرْغِيبِهم في الدين-.

* الشيخ: لا من أجل دينهم.

* الطالب: الحين سيأتي بعد الكلام الذي فيهم؛ لأنه كُفْر، موالاتهم من أجل دينِهم كُفْر.

* الشيخ: لا، من أجل دينهم، أو دنياهم؟

* الطالب: أو يمكن دنياهم، نعم صحيح، يمكن دنياهم، لكن هذا وهذا (...)، وإن كانت الموالاة لأجْل دينِهم فهو مثلُهم، ومَن أحَبَّ قومًا حُشِرَ معهم، ولكن يتفكر السائل في قوله: حمية دنيوية، لا يمكن هذا إلَّا لإبلاغ المحبة في قلوبِهم، وإلَّا فلو كان يُبغضُهم في الله ويعاديهم لكان أقَرَّ شيء لعينِه ما يسوؤُهم، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى:

أَتُحِـــــــبُّ أَعْـــــدَاءَ الْحَبِيـــــبِوَتَدَّعِـــــــي ∗∗∗ حُبًّــا لَــــــــــهُ مَـــــــــا ذَاكَ فِيإِمْكَـــــــــــانِ

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском