Ibn 'UthayminAl-'Ankabut · 29:59–62

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:59–62

29:59–62Page 403

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

Who have been patient and upon their Lord rely.

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠

And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.

وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَسَخَّرَ ٱلشَّمۡسَ وَٱلۡقَمَرَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۖ فَأَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ ٦١

If you asked them, "Who created the heavens and earth and subjected the sun and the moon?" they would surely say, "Allāh." Then how are they deluded?

ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦ وَيَقۡدِرُ لَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٦٢

Allāh extends provision for whom He wills of His servants and restricts for him. Indeed Allāh is, of all things, Knowing.

قال: (﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ [العنكبوت ٥٩] أي: على أذى المشركين والهجْرة لإظْهار الدين).

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على أمرين -على كلام المؤلف- على أذى المشركين، وعلى الهجرة لإظهار الدين؛ لأن في كليهما مشقة على النفوس، لا أذى المشركين المتنوع بالقول والفعل، وكما يقولون: حرب الأعصاب والمضايقات النفسية، ولا الهجرة من بلادهم التي سكنوها وأقاموا فيها إلى بلاد أخرى يكونون فيها غرباء، كل هذا لا شك أنه مشق على النفوس، وإنما خص المؤلف الصبر بهذين الأمرين؛ لتعيين السياق لهما إذ إن السياق كما ترون كله في مسألة الهجرة وما أشبهها.

ولكن لو قيل بالعموم ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على كل ما أمروا بالصبر عليه ونجعله منقسمًا إلى ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره، لو قلنا بالعموم لكان أولى؛ لأن القول بالعموم يدخل فيها الصبر على الأذى والهجرة بخلاف القول بالخصوص، وعلى هذا فنقول: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ على الأقسام كلها، الصبر على الطاعة: مجاهدة النفس على فعلها وإتمامها وإتقانها، والصبر عن المعصية: حبس النفس عن فعلها، والصبر على الأقدار: حبس النفس عن التسخّط.

* طالب: التحمل.

* الشيخ: إي، عن التسخط على القدَر، وقد سبق لنا أن مقامات المصاب بأذى أربعة.

قال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، وقدمت لإفادة الحصر، والتوكل معناه الاعتماد، وعرّفه بعضهم بقوله: صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المـضار مع الثقة به سبحانه وتعالى.

وقوله: ﴿عَلَى رَبِّهِمْ﴾ أي: لا على غيره ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾، واعلم أن التوكل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توكل عبادة مقرون بالخشية والمحبة والتعظيم وتفويض الأمر تفويضًا كاملًا إلى المعتمد عليه، وهذا النوع لا يجوز إلا لله عز وجل الذي هو توكل العبادة، الثاني: توكل اعتماد بلا عبادة؛ بمعنى أن الإنسان يعتمد على غيره، لكن لا اعتمادًا يشعر بأنه متذلل وخاش له وراغب إليه، ونحو ذلك، وهذا النوع أو هذا القسم إن كان على ما يمكن الاعتماد عليه فهو شرك أصغر، وإن كان على ما لا يمكن الاعتماد عليه فهو شرك أكبر كيف ذلك؟

إذا كان على ميت أو غائب لا يمكنك أن تعتمد عليه فإنه شرك أكبر؛ لأنه ليس لذلك معنى إلا أن تعتقد أن هذا المعتمد عليه متصرف في الكون بغير مباشرة، وهذا كما يحصل لكثير من المشركين الذين يعتمدون على الأموات والأولياء وإن كانوا بعيدين وما أشبه ذلك، أما إذا كان يعتمد عليه وهو يمكن أن يكون سببًا لجلب المنفعة أو دفع المضرة، لكنه معتمد عليه على أنه من فوقه وهو من تحته، فإن هذا نوع من الشرك الأصغر مثل اعتماد كثير من الناس الآن على رواتب الدولة وما أشبه ذلك كونك تعتمد على هذا على أنها هي مصدر رزقك، فإن هذا نوع من الشرك الأصغر؛ لأنها هي ليست إلا مجرد سبب، ولهذا من كان على هذه الحال تجده يراعي الـمتوكل عليه ويخافه وربما يترك ما أوجب الله عليه مراعاةً له ومداهنة أو يفعل ما حرم الله عليه كذلك.

أما القسم الثالث: فهو الاعتماد على الغير، لا على سبيل الخشية والخوف والرغبة إليه، ولا على شعور أنه فوقك أو أعلى منك، لكن على شعور أنك أنت الذي فوقه وأنت الذي تدبره فتعزل وتنصب، وهذا جائز ولا حرج فيه، وقد وقع من النبي ﷺ فإنه كان يبعث السعاة توكيلًا لهم على ما يريد هذا لا بأس به، وهذا ما يحصل بأي شيء؟

بطريق الوكالة عندما أوكل إنسانًا يشتري لي شيئًا أو يبيع لي شيئًا أو ما أشبه ذلك، أنا معتمد عليه الآن في هذا الأمر، لكن هل هو اعتماد على أني أشعر أنني أنا المحتاج إليه وأنه فوقي ولَّا لا؟ لا، بل على العكس أعتقد أنني أنا الذي فوقه لا سيما إذا كان بعوض، وأن الأمر إليّ في شأنه إن شئت عزلت، وإن شئت نصبت، وهذا لا بأس به، وقد أجمع العلماء على جواز التوكيل في البيع والشراء وغيره مما تدخل فيه الوكالة، وهنا المراد بالآية الكريمة: ﴿وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ أي الأقسام؟

* طالب: الأول.

* الشيخ: القسم الأول، وكذلك الثاني بنوعيه، فإنهم لا يعتمدون على أحد سوى الله عز وجل في جلب المنافع ودفع المضار، واعلم أن التوكل أحد شقي الدين، فإن الدين مكون من أمرين: عبادة واستعانة، كما قال الله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة ٥]، وقال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هود ١٢٣]، وهذا كثير في القرآن؛ لأن العبادة لا تقوم إلا بفعل من العبد وبمعونة من الله سبحانه وتعالى، ويجب على المرء عندما يتعبد لله أن يكون معتمدًا على ربه؛ لأن الله لو وكله إلى نفسه لوكله إلى ضعف وعجز وعورة، ولا يستطيع أن يقوم بما أوجب الله عليه.

﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ قال: (فيرزقهم من حيث لا يحتسبون)، وهذه الجملة من المؤلف لا تناسب التوكل؛ لأن الذي يناسب التوكل: (فيكون حسبهم) كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما الرزق من حيث لا يشعر فيناسبه التقوى؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣].

وفرق بين الأمرين؛ لكن المؤلف رحمه الله أتى بهذه الجملة توطئةً لما بعدها وهي قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ [العنكبوت ٦٠] وإلا فبالنظر إلى الآية المفسرة لا يناسبها هذا القول.

* طالب: (...) فإن النبي ﷺ يقول: «لَوْ تَوَكَّلْتُمْ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٤٤)، وابن ماجه (٤١٦٤) من حديث عمر بن الخطاب. ]].

* الشيخ: إي، توكلتم في طلب الرزق، لكن التوكل المطلق يكون الله حسبه فيقال: حسبنا الله ونعم الوكيل.

طيب عندنا في هذه، هل الله سبحانه وتعالى يكون وكيلًا وموكلًا؟

* طالب: نعم.

* الشيخ: نعم، يكون وكيلًا وموكلًا، أما (وكيلًا)، فكثير في القرآن: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء ٨١] ومثلها حسيبًا، وأما موكلًا؟

* طالب: ﴿فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ [الأنعام ٨٩].

* الشيخ: إي نعم، ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾ وليس التوكيل من الله لهؤلاء كتوكيلي أنا لفلان وفلان مثلًا؛ لأن توكيلي لفلان وفلان إما لعجزي أو تقصيري، أو ما أشبه ذلك، لكن توكيل الله بمعنى أن الله سبحانه وتعالى يجعل هؤلاء هم القائمين بها لا أنه سبحانه وتعالى عاجز.

* طالب: بعض الناس مثلًا إذا حرضته على شيء (...).

* الشيخ: ما فيها شيء؛ لأن (وكل الله) جعله حفيظًا، والله سبحانه وتعالى حفيظ على كل شيء، وليس معناه أني أنا الله، هذا ما أحد يفهمه، ما فيه شيء، فمعنى (وكله) أي: جعله وكيلًا؛ أي: حفيظًا.

* طالب: (...).

* الشيخ: إي، يعني معناها أني سأقوم بالأمانة، فإن الله تعالى لا يغيب عنه شيء وهو عالم بكل شيء.

* طالب: (...).

* الشيخ: وكل؟ لا (...).

* الطالب: لكن عند العوام (...).

* الشيخ: لا.

* الطالب: اللفظة.

* الشيخ: (...) حتى أنا لو أقول له وكل فلان بمعنى قدم له طعام يأكله.

* طالب: (...) لا يجي علي بالهم.

* الشيخ: أبدًا اللي يجي على بالهم؛ بمعنى أني أجعل الله تعالى حارسًا لك، هذا المعنى، وأني سأقوم به على الوجه الأكمل.

ثم قال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ ﴿كَأَيِّنْ﴾، يقول المؤلف: (كم) فعلى هذا تكون استفهامية ولا خبرية؟

* طالب: خبرية.

* الشيخ: خبرية؛ يعني: وكم من دابة؟ ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: كثير من الدواب ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾، والدابة في اللغة العربية كل ما يدب على الأرض سواء مشى على بطنه أو على رجلين أو على أربع، كلها تسمى دابة، أما في العرف فهي لذوات الأربع فقط، فلا تشمل ما يمشي على بطنه، ولا ما يمشي على رجلين اثنتين، ولا على ما يمشي على سبع وسبعين، كذا؟ لذوات الأربع فقط؟ وفيها أيضًا عرف أخص من هذا؛ أن الدابة الحمار فقط يقولون مثلًا: راح منا على دابة. كل من كلمته بهذا الكلام ذهب إلى أنه الحمار، لكن الكلام على المعنى اللغوي، أما الأعراف فإنها تتبع أصحابها المعنى اللغوي في اللغة الدابة: كل ما دب على الأرض كثير.

(﴿مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ لضعفهم) عندكم ولَّا ضعفها؟

* طالب: ضعفها.

* الشيخ: صحيح.

* طالب: (...).

* الشيخ: إحنا نقول: سبع وسبعين، عندنا دابة تسمى أم سبع وسبعين رجلًا.

* طالب: عديناها فوق الخمسين بشوية.

* الشيخ: بس؟ (...) مبالغة يعني هذه.

* طالب: ما هي مبالغة.

* طالب آخر: (...).

* الشيخ: لا، الإنسان يمكن نوع آخر.

* طالب: أقل من الستين وفوق الخمسين.

* الشيخ: مثل الدودة تمشي لها أرجل كثيرة -سبحان الله العظيم- الناس يسمونها أم سبع وسبعين رجلًا، لكن أنها دون الستين، هي ربما إنها على سبيل المبالغة الظاهر إذا كان هذا هو المراد.

* طالب: يا شيخ، إعراب ﴿كَأَيِّنْ﴾؟

* الشيخ: ﴿كَأَيِّنْ﴾ مبتدأ، و﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ تمييز لها، و﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قيل: إنها هي الخبر، وقيل: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ هو الخبر، وجملة ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ صفة لـ﴿دَابَّةٍ﴾، وهذا أقرب؛ لأن الكلام لا يتم إلا بقوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾.

* طالب: السيارة تدخل في معنى الدابة؟

* الشيخ: لا، ما تدخل.

* طالب: لماذا؟

* الشيخ: إلا دببتها أنت، هذه تدخل -بارك الله فيك- في الفلك ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ﴾ [الزخرف ١٢].

* طالب: كيف تدخل في الفلك؟

* الشيخ: لأنها مثل السفينة اللي كانت تمشي على البحر فهي فلك.

* طالب: والدابة يشترط فيها أيش؟

* الشيخ: أنها هي اللي تدب، هذه ما هي تدب.

* طالب: تدب يعني أيش؟

* الشيخ: هي بنفسها.

* طالب: ترفع رجلها، وهكذا؟

* الشيخ: لا، هي التي تدب؛ يعني هي نفسها تفعل هذا الشيء، السيارة ما هي بتفعل وقوله: ﴿لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ قال: (لضعفها)، فما معنى لا تحمله أي: ما تقواه يعني؟ ولَّا لا تستطيع أن تتكسب للرزق؟

الجواب: الأخير؛ يعني ما تستطيع أن تكتسب، وتحمل الرزق حيث تقوم بكفاية نفسها، وهذا شيء كثير، أول ما يرد علينا نحن في حال الصغر والطفولة هل نحن نحمل أرزاقنا؟ أبدًا لولا أن الله قيض لنا الأم، وقيض لنا هذين الثديين ما حملنا أرزاقنا، وهذا شيء معروف، كذلك أيضًا يوجد دواب تأتيها عاهات وأمراض ما تستطيع أن تطلب الرزق فيهيئ الله لها رزقًا بحيث يأتيها، وهي في مكانها، وكم قص علينا من قصص كثيرة في هذا الباب تكون مثلًا هذه الدابة نفسها جاءها أمراض كسرت رجلها، كسر جناحها عميت، وما أشبه ذلك فيجدون الأشياء تأتي إليها بإذن الله وتأكلها؟

* طالب: (...) لضعفها.

* الشيخ: لا، (لضعفها) ما هو معناه، هذا تعليل؛ يعني معناها أنها لا تحمل؛ لأنها ضعيفة إما ضعيفة في الإرادة أو ضعيفة في البدن أو غير ذلك.

* طالب: (...).

* الشيخ: قلنا: ليس معنى ﴿لَا تَحْمِلُ﴾ ما تقوى تشيله؛ يعني ما تقوى تحمله المعنى لا تستطيع أن تكتسب، كذلك أيضًا يوجد أشياء صغيرة؛ ما تستطيع أن تذهب بعيدًا، ثم يقيض الله لها طعامًا يسقط حولها، وتأتي إليه، وهذه الدواب أيضًا منها ما يستطيع بنفسه أن يدخر الرزق، ومنها ما لا يدخر الرزق، ومنها ما له أعوان، ومنه ما ليس له أعوان، المهم أن اللي يتفكر في مخلوقات الله في هذا الأمر يجد العجب العجاب.

وقد قصصنا عليكم القصة التي ذكرها ابن القيم في أن رجلًا وضع طعامًا لذرة، فلما أحست به عجزت عن تحمله فذهبت إلى صاحباتها ودعتهن فجاؤوا فلما جاؤوا وصاروا حول المكان رفع الطعام، جاءت تطلبه في المكان ويطلبوه كلهم ما وجدوه، رجعوا وبقيت هي تفتش حول المكان فوضعه لها ثانيةً، فلما تيقنته ذهبت ودعتهم، فلما أقبلوا رفعه، ثم إنه أيضًا بدأت تطلب ورجعوا، في المرة الثالثة وضعه ذهبت ودعتهم، فلما رفعه ولم يجدوه يقول: إنهم قتلوا هذه الذرة قتلوها، يقول: فذكرتها لشيخنا شيخ الإسلام ابن تيمية فقال: إن الكذب لا يحبه أحد حتى النمل لما كذبت عليهم هذه وهبتهم، جابتهم من بيوتهم استفزعتهم قتلوها.

* طالب: هل يلزم (...)؟

* الشيخ: إي نعم، الدية (...)، الشاهد أن الإنسان يرى العجب العجاب في مخلوقات الله سبحانه وتعالى هذه الضعيفة اللي ما تحمل رزقها يقوم الله عز وجل برزقها؛ لأن الله تعالى قال في كتابه عن نفسه: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود ٦] ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ نكرة في سياق النفي المؤكد عمومه بـ(من) الزائدة أي: دابة في الأرض، فعلى الله رزقها ﴿وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ مع ذلك أيضًا.

﴿رِزْقُهَا﴾ وليست الدواب كلها ترتزق من شيء واحد، أليس كذلك؟ بعضها يناسبه هذا، وبعضه ما يناسبه، وأيًّا كان فإن الله سبحانه يقدر له الرزق المناسب له، ومع ذلك يعلم جل وعلا مستقرها ومستودعها؛ يعني محل استقرارها ومحل استيداعها؛ يعني ما تؤول إليه في يوم القيامة هذا المستقر، والمستودع الدنيا والبرزخ الذي بين الدنيا والآخرة، فإن هذا شيء يكون الإنسان فيه بمنزلة الوديعة يبقى زمانًا ثم ينتقل.

* طالب: بعض المفسرين يقولون: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا﴾ يعني لا تدخره (...) صحيح؟

* الشيخ: إي، هذا من جملة (...)، وبعضها يدخره كما هو معروف.

* الطالب: (...) مقدر بعلم الله عز وجل.

* الشيخ: إي نعم.

* الطالب: (...).

* الشيخ: لأن الله يقول في القرآن: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد ٨] كل شيء.

* الطالب: وكذلك أجلها أيضًا.

* الشيخ: وأجلها وحالاتها أيضًا؛ لأن الله سبحانه وتعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك ١٤]، ما دام الله خلقه فهو عالم به جل وعلا في كل أحواله ومقدر كل أحواله مقدرة سبحان الله العظيم.

* طالب: (...) شيء خاص بالآدمي يكتب رزقه وأجله.

* الشيخ: لا، أبدًا ﴿كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾، لكن النصوص تكاثرت في الآدمي؛ لأنه هو محل الخطاب والتكليف ليستعد ما من شيء بدأ من القطرة من المطر مكتوبة مقدرة، وهي من هي بذات إرادة، ثم إنه: ﴿مَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ -هذه يدل عليها- ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام ٣٨]، هذه ستبعث يوم القيامة كل شيء له حياة لا بد أن يبعث يوم القيامة، فقدرة الله عظيمة ما يتصورها الإنسان، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه ١١٠].

* طالب: وأصرح من هذا: ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام ٥٩].

* الشيخ: إي نعم.

* طالب: بعض العلماء يقولون (...) الحلال (...).

* الشيخ: الحيوانات؟

* طالب: يقول ما لها أجل (...).

* الشيخ: أنا أخشى على هذا الرجل اللي يقول ها الكلام، أخشى عليه.

* طالب: (...) من نصيب (...).

* الشيخ: حتى المال الجماد من نصيبك ما هو من رزقك.

* طالب: يقول: من نصيبي؛ يعني إذا..

* الشيخ: مو هو برزقك، لك هو؟

* طالب: إلا.

* الشيخ: أليس رزقك مكتوبًا؟ مكتوب بأيش؟ مكتوب بقاؤه وكيفيته واستمراره وكل شيء، وأيش نوعه؟ هل أنت من اللي يرزق بالإبل، أو يرزق بالغنم، أو يرزق بالدراهم، أو يرزق بالاكتساب والاحتطاب والاحتشاش، وما أشبه ذلك؟

* طالب: (...) يقول: إن مثل الغنم وهذه ما لها (...).

* الشيخ: (...) عندك الآن الآيات، وها اللي (...) هو الله؟ ها الحين يخلق الشيء، ويقدره فناء ووجودًا، ونقول: هذا ما علم ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج ٧٠]، أنت تستعظم هذا، ويبهرك الأمر، لكن هو على الله يسير قدرة الله ما لها منتهى أبدًا، ولا لها حد، فالمهم كل شيء مكتوب حتى إنه دخل أحد أصحاب الإمام أحمد عليه وهو مريض رحمه الله، ويئن (...) من المرض، فقال له: يا أبا عبد الله، كيف تئن وقد قال طاووس: إن الملائكة تكتب حتى أنين المريض؟ فلما قال ذلك كف رضي الله عنه وصار يتحمل ولا يئن في المرض[[أخرجه الدينوري في المجالسة (٢٥٣).]] مع أن الأنين أحيانًا يكون شيئًا طبيعيًّا، فهذا دليل على أن كل شيء يكتب.

* طالب: (...) يخفف.. الأنين.

* الشيخ: إي، يخفف مثل شكوى الإنسان إلى أخيه وإلى صديقه مما نزل به يكون يخفف عليه بعض الألم، الشاهد هذه يجب علينا يا إخواني أن نعتقد أن الله تعالى عالم بكل شيء، وأنه مقدر لكل شيء، وأن آجال كل شيء مكتوبة، وكل حركاتها مكتوبة وسكناتها مكتوبة؛ لأنها لا يحدث شيء في الأرض، ولا في السماء إلا بعلم الله وإرادته وخلقه سبحانه وتعالى.

* طالب: (...) هل ملك الموت يقبض أرواح الحشرات (...)؟

* الشيخ: إي، هذه محل نزاع بين السلف، والظاهر أنه يعم، وهي محل خلاف بين السلف والأدلة فيها تكاد تكون متكافئة، ولكن الذي يظهر أنه عام؛ لأن ملك الـموت مـضاف إلى المـوت مـوت كل حيوان؟

* طالب: (...).

* الشيخ: هنا؟ لا، لغة تشمل، لكن لما قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ علم أنه أراد ما سوى بني آدم أما: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ هذا عام لبني آدم وغيره.

قال: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾، شوف أتى بالجملة الاسمية: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾ والرزق بمعنى (العطاء)، العطاء بلا عوض هذا هو الرزق، العطاء بلا عوض يسمى رزقًا ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾.

قوله: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ أي: هذه الدابة ﴿وَإِيَّاكُمْ﴾، هذا معطوف على أيش؟ على (هاء) في قوله: ﴿يَرْزُقُهَا﴾ والفصل هنا واجب ولا جائز؟

* طالب: جائز.

* الشيخ: الفصل جائز؟ فصل الضمير الآن الضمير هنا منفصل؟

* طالب: فصل الضمير هنا، إيه واجب؛ لأنه ما يمكن يحل محله المتصل.

* الشيخ: الفصل هنا واجب؛ لأنه كلما أتى الضمير بعد العطف فهو واجب الانفصال؛ إذ إن الضمير المتصل هنا ما يمكن يتأتي لو قلت: ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾ وكم ما صح، فإذا أتى الضمير بعد العطف أو بعد (إلا)، فقد علم أنه لا بد أن يكون منفصلًا ﴿اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾.

قال: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ (﴿وَإِيَّاكُمْ﴾ أيها المهاجرون وإن لم يكن معكم زاد ولا نفقة)؛ لأن الكلام -كما عرفتم- كله مسوق في الهجرة ومغادرة البلد فالله تعالى كما رزق هذه الدواب العظيمة التي لا يحصيها جنسًا فضلًا عن النوع وفضلًا عن الأفراد إلا الله عز وجل فأنتم كذلك إذا هاجرتم لا يضيع رزقكم بل رزقكم على الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنفال ٧٠]، وقد حصل هذا فأسرى بدر الذين أسلموا ماذا حصل لهم؟ حصل لهم من الفيء والغنائم أكثر مما أخذ منهم.

وقوله: (﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لأقوالكم ﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم).

﴿السَّمِيعُ﴾ نعم، لأقوالكم وهو سميع سبحانه وتعالى لكل شيء يسمع كل صوت، وإن خفي كما قال الله تعالى: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه ٧] فهو يعلم كل ما يكون من صوت خفي سواء كان قولًا أم غير قول، لكن المؤلف خص القول؛ لأنه محط التكليف والإثم أو الأجر، والسميع من أسماء الله سبحانه وتعالى وله معنيان: أحدهما: إدراك المسموع، والثاني: إجابة الدعاء، أما إدراك المسموع فله أمثلة كثيرة مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ﴾ [المجادلة ١]، وأما إجابة الدعاء، فمثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩] ﴿سَمِيعُ﴾ بمعنى يسمع صوت الداعي أو يجيب دعاءه؟

* طالب: يجيب دعاءه.

* الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا هو المقصود، الإجابة دون مجرد سماع الصوت ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، واعلم أن السمع الذي هو بمعنى إدراك المسموع، ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يراد به بيان إدراك سمع الله سبحانه وتعالى لكل مسموع، وقسم آخر: يراد به مع ذلك النصر والتأييد، وقسم ثالث: يراد به مع ذلك التهديد والوعيد؛ وهذا على حسب السياق كغيره من صفات الله، كثير من صفات الله سبحانه وتعالى تكون مرادًا بها هذه الأمور الثلاثة كثير من الصفات، ففي قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾ [الزخرف٨٠]، ويش المقصود هنا؟ التهديد.

وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران ١٨١]، هذا يراد به التهديد.

وفي مثل قوله تعالى لموسى وهارون: ﴿لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه ٤٦]، يراد به النصر والتأييد، ما هو مجرد أنه يسمع فقط لا، يراد به النصر والتأييد.

وفي مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ [المجادلة ١] يراد به بيان إحاطة سمع الله بكل مسموع؛ لأن السياق لا يقتضي (...) ولا تهديدًا فيكون المقصود به بيان إحاطة علم الله عز وجل بكل مسموع، ولهذا قالت عائشة رضي الله عنها في هذه الآية: «تبارك الذي وسِع سمعُه الأصوات، والله إني لفي أدنَى أو طَرَفِ الحجرة، وإنَّه لَيَخْفَى عليَّ بعْضُ حديثِها»[[أخرجه النسائي (٣٤٦٠)، وابن ماجه (١٨٨).]]. والله تعالى فوق عرشه عالٍ على خلقه، ومع ذلك يسمع حديثها مع الرسول عليه الصلاة والسلام، يسمع مجادلتها ومحاورتها للنبي ﷺ، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾.

* وفي هذه الآية فائدة مهِمَّة -بالنسبة للذين يتكلمون على أسماء الله وصفاته-: وهو أنه من المعروف عند أهل السنة أن الاسم يتضمن ثلاثة أشياء إذا كان وصفًا من متعدٍّ إذا كان مشتقًّا من وصف متعدٍّ فإنه يتضمن ثلاثة أشياء وهي: الاسم والصفة والحكم اللي هو الأثر، فهنا ﴿وَاللَّهُ يَسْمَعُ﴾ لماذا؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾. يسمع؛ لأنه سميع بصير فدل هذا على أن ﴿سَمِيعٌ﴾ تتضمن ثبوت مقتضاها وهو أنه يسمع، ومعلوم أنه لا سماع إلا بسمع خلافًا لمن قال: إنه يسمع بذاته كما قاله ابن حزم وجماعة لا بصفة هي السمع قالوا: يسمع بذاته ولا نثبت له صفة هي السمع، وهذا كلام في الحقيقة هراء فالله يقول: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ [الكهف ٥٨].

فأثبت الصفة ﴿ذُو الرَّحْمَةِ﴾، وقال: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ﴾ [العنكبوت ٢١]، وقال: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [يونس ١٠٧] فدل هذا على أن الرحيم مشتق منين؟ من الرحمة؛ لأنه قال: ﴿الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾ يوازيه تمامًا ﴿الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾، فهمتم يا جماعة؟ وهذا مقرر عند أهل السنة ومعلوم، والحمد الله أن الأسماء التي تتضمن وصفًا متعديًا أنها تدل على ثلاثة الأمور.

قوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ انتهينا من تقسيم السمع أنه بمعنى الإجابة، وبمعنى إدراك المسموع، وأن الثاني يتنوع إلى ثلاثة أنواع: سمع يراد به التهديد، وسمع يراد به التأييد، وسمع يراد به بيان إحاطة سمع الله بكل مسموع.

وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ قال: (﴿الْعَلِيمُ﴾ بضمائركم)، وعلى رأي المؤلف تكون الآية هذه تدل على الأقوال، وما في الضمائر فقط مع أن هناك أفعالًا لا تتعلق بالسمع.

فإذا قلنا: العليم بالضمائر، بقي عندنا قسم من أفعال الناس، وهي الحركات الأفعال، أفعال الجوارح تكون الآية ما فيها دليل عليها، ولهذا الصواب أن يقال: العليم بجميع أحوالكم فالله تعالى عليم ليس بما في الضمائر فقط بل بما في الضمائر وبما يفعل وبما يسمع؛ لأن العلم من أشمل ما يكون من صفات الله كما قال الله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق ١٢] فهو من أعم الصفات شمولًا.

وقوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ ما هو العلم؟ يقول العلماء: إن العلم هو إدراك المعلوم على ما هو عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا.

شوف حقيقة إن (مطابقًا) إذا قلنا: المعلوم على ما هو عليه ما حاجة إلى مطابق، أما إذا قلنا: إدراك الشيء إدراكًا جازمًا مطابقًا؛ فهذا صحيح، المهم أنه لا بد أن يكون الإدراك جازمًا فخرج به أيش؟ الشك، والظن، والوهم و(مطابقًا) خرج به الجهل المركب، و(إدراك) خرج به الجهل البسيط، فيكون تعلق الإدراك بالأمور على خمسة أنواع: علم، وجهل بسيط، وجهل مركب، وشك، وظن، ووهم، ستة أشياء.

* طالب: الجهل البسيط يطلع (...) إدراك الأمور على ما..

* الشيخ: على ما هي عليه إدراكًا جازمًا مطابقًا نشوف التفصيل الآن، العلم؛ أنك تدرك الشيء على ما هو عليه جازمًا به، هذا واضح، كأن أدرك بأن هذا الذي أمامي مسجل، تمام؟

طيب الجهل البسيط أن يقال لي: ما هذا الذي أمامك؟ فأقول: لا أدري، هذا جهل بسيط، الجهل المركب أن يقول لي قائل: ما هذا الذي أمامك؟ فأقول: هذه ألعوبة رضعان، ألعوبة أطفال، صح؟ هذا ويش هو جهل مركب ولَّا لا؟

* طالب: مركب.

* الشيخ: مركب من جهلي بحقيقة الحال، ومن جهلي بحالي، ظننت أني عالم وأنا جاهل، طيب الشك أن يقال لي: ما هذه؟ فأقول: إما مسجل أو راديو، هذا شك؛ لأن أحد الاحتمالين صحيح، فيكون هذا شك، طيب كونه شكًّا مع التساوي، هذا شك، إذا رجحت أنه مسجل فهو ظن، والمرجوح اللي هو راديو وهم، هذا تعلق العلم بالأشياء، كل هذه الأمور منتفية عن الله عز وجل ما عدا العلم، فإنه ثابت لله سبحانه وتعالى على أكمل وجه.

فإن قال قائل: هذا الجزم منكم بأنه لا يقع أو لا يكون على الله من هذه الأمور الستة إلا العلم يرده قوله تعالى في الحديث القدسي: «وَمَا ترَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ ترَدُّدِي عَنْ قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ إِسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ»[[أخرجه البخاري (٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة.]].

فأثبت الله سبحانه وتعالى أنه يتردد في بعض أفعاله؟

فالجواب: أن التردد قسمان: تردد لتوقف المتردد في الأمر هل يكون خيرًا أو لا؟ وهذا بالنسبة إلى الله ممتنع لا يمكن هذا أبدًا؛ لأن الله تعالى يعلم، وتردد باعتبار النظر للغير يعني ترددًا لأمر يتعلق بغيره مثل هذه الحال، فإن تردد الله عز وجل لا لخفاء الأمر عليه، ولكن لأنه يكره أن يسوء عبده المؤمن فيتردد لا لشك في الأمر واستظهار للواقع، ولكن لأجل هذه المسألة لأمر يتعلق بغيره، فهذا لا يعتبر نقصًا، بل هو كمال يدل على رحمة الله عز وجل، وبهذا يزول الإشكال.

وكذلك أيضًا قوله: ﴿الْعَلِيمُ﴾ من الأسماء المتعدية أو لا؟ فتكون متضمنةً لثبوت الاسم والصفة والحكم.

(﴿وَلَئِنْ﴾ لام قسم ﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكفار ﴿مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [العنكبوت ٦١])، يقول المؤلف في ﴿لَئِنْ﴾: إن اللام لام قسم؛ يعني موطئة للقسم، وقد اجتمع هنا قسم وشرط وين الشرط؟ ﴿إنْ سَأَلْتَهُمْ﴾.

وقوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هذا جواب القسم ﴿لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ والموجود الآن جواب القسم ولا جواب الشرط؟

* طالب: جواب القسم.

* الشيخ: جواب القسم؛ لأن القاعدة أنه إذا اجتمع شرط وقسم؟

* طالب: حذف جواب المتأخر.

* الشيخ: حذف جواب المتأخر قال ابن مالك:

وَاحْذِفْ لَدَى اجْتِمَاعِ شَرْطٍ وَقَسَمْ ∗∗∗ جَــــــوَابَ مَــــا أَخَّــــــرْتَ فَهْـــــــوَمُلْتَــــــــــــــزَمْ

فعندنا ﴿لَئِنْ﴾ اللام قسم، و(إن) شرطية، فكان الجواب: لأيش؟ للقسم.

وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ فيها ضميران: التاء والهاء، التاء لمن؟

* طالب: (...).

* الشيخ: للمخاطب ولا للنبي ﷺ، أو لكل مخاطب؟

* طالب: (...).

* الشيخ: للمخاطبين؟ لا، الهاء الغايب ما تكون للخطاب.

* طالب: (...).

* الشيخ: للمخاطبين (...).

(التاء) في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ تقدم لنا أمثالها كثيرًا، وقلنا: إنه يجوز أن تكون (...) إنما مثل هذه الأمور اللي ما ..

﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ يقول المؤلف: (لام القسم)، هي لامُ قسمٍ وشرط، (إن) شرطية، واللام لام القسم، وإنَّما ذكر المؤلف ذلك لئلا يُظَنَّ أن قوله: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ جواب الشرط، وهي ليست جواب الشرط، بل هي جواب القسم.

﴿سَأَلْتَهُمْ﴾ أي: الكفار الذين لا يقومون بتوحيد الألوهية، هم يُقِرُّون بتوحيد الربوبية، لكن لا يقِرُّون بتوحيد الألوهية والعبادَة، والخطاب في قوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ﴾ إمَّا أن يكون للرسول عليه الصلاة والسلام، أو لكل مَن يتَأَتَّى خطابُه، أي: ولئن سألتهم أيها الإنسان، سألت هؤلاء الكفار: مَن خلق؟ هذا السؤال: مَن خلق السماوات والأرض؟ خَلق بمعنى أوجَد، لكن الخلق ليس بمعنى الإيجاد المجَرَّد، بل هو إيجَادٌ على تقْدِير معين، أي أنَّه يكون مسبوقًا بتقدير، ولذلك لا يكون إلا فيما فيه إتقَان وجوْدَة.

وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ تقدمت هذه كثيرًا، وقلنا: إنَّ السماوات تُجمَع دائمًا في القرآن، والأرض ما جاءت إلا مفردة، ولكن الثابت أنَّ الأرضين سبع كما أنَّ السماوات سبع.

وقوله: ﴿وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾، ﴿سَخَّرَ﴾ بمعنى ذَلَّل، ذَلَّلَ الشمس وجعلَها مذَلَّلَةً لِمصالح العباد، تسِيرُ بهذا النظام الذي لا يختَلف ولا يتغَيَّر، لا تقَدُّمًا ولا تأَخُّرًا، ولا عُلُوًّا ولا نزُولًا.

لو أنَّك تدبرْت هذه الشمس منذ مَيَّزْتَ إلى اليوم لرأيتَها على نظامٍ بدِيع لا يتغَيَّر على عظمِها وكِبَرِها، ثم إنَّ فيها من آيات الله هذه الحرارة العظيمة، كم مسافةً بيننا وبينها؟ مسافة بعيدة جدًّا، ومع ذلك انظروا إلى حرارتها في أيام الصيف، الحرارة العظيمة، وهذه الحرارة العظيمة ما هي إلا نفَسٌ بسِيطٌ مِن نار جهنم، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ النَّارَ اشْتَكَتْ إِلَى رَبِّها فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ: نَفَسٍ فِي الصَّيْفِ، وَنَفَسٍ فِي الشِّتَاءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٢٦٠)، ومسلم (٦١٧ / ١٨٥) من حديث أبي هريرة.]].

هذه الحرارة العظيمة يقول الناس: إن حرارَتها لو قرُبَ منها أقْوَى حديد وأمنَع حديد لطارَ هباءً قبل أن يصِلَ إليها مِن شدة الحرارة، وهذا أمرٌ معلوم؛ لأنه لو تُوقِد نارًا عظيمة مِن أبلَغ نيران الدنيا هل تجِدُ هذه الحرارة فيها من هذه المسافة؟ أبدًا، ثم إنَّ هذه الشمس كلَّ يومٍ لها مطْلِع، وكل يومٍ لها مغرِب؛ لأن الله سخَّرَها هكذا، ولولا ذلك ما اختلَفَت مشارِق الشتاء ومشارِق الصيف.

* طالب: يقولون: لو نزلت الشمس قدر ميل لاحترقت الأرض.

* الشيخ: لا، يقولون: لو نزلت الشمس قدْرَ شعرة لاحترَقَت.

* طالب: يمكن مِلِّلي.

* الشيخ: يمكن.

* طالب: (...).

* الشيخ: إي؛ لأن هناك الغلاف الأرْضي يمنَع هذا الشيء.

* طالب: لو ارتفعت الأرض (...) لو صعدت الأرض (...).

* الشيخ: والله ما ندري عن هذا، هو على كل حال إنه لا شَك أنها لو قربت أو بعُدَت تغيَّر الجو بلا شك، لو قَرُبَت إلى الأرض أو بعُدت لَتغَيَّر، مع أنها تأتي يوم القيامة يكون بينها وبين الناس قدْر ميل، ولا تحْتَرِق الأرض، والله على كل شيءٍ قدير، أحْوال الآخرة ما نقِيسها بأحوال الدنيا، أهم شيءٍ عندنا أنها مذَلَّلَة لنا لِمصالحنا، فبها تنضَجُ الثمار، وبها تُعْلَم السنين.

وقوله: ﴿وَالْقَمَرَ﴾ معروف القمر، وإنَّما ذكَر الله تعالى هنا الشمس والقمر؛ لِمَا فيهما مِن المصالح الظاهِرة؛ لأنَّ النجوم والكواكب ليس فيهما مصالح ظاهرة لنَا، وإلَّا فقد سَخَّرَ اللهُ الشمس والقمر والنجوم كلها سخرَّها لنا، لكن هذه أظهَر وأبْيَن.

وفي قوله تعالى: ﴿سَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾ دليلٌ على أنهما هما اللذان يجريان حول الأرض، يسِيرَان حول الأرض، خلافًا لِمَن قال: إنَّهما لا يسيرَان على الأرض، وأنَّ هذا اختلاف الليل والنهار بسبب دَوَران الأرض نفسِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском