Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:102–103, continued
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] فهذا ظاهره أن الإيمان والإسلام شيء واحد مع أنهما ذكرا جميعًا في موضع واحد؟ فالجواب أن يقال: البيت لم يُخْرج كله، إنما الذي خرج المؤمنون من أهل البيت، والقصة في لوط، امرأته كافرة لم يخرج بها، لكنها في البيت مسلمة لم تُظْهِر أنها كافرة، والدليل على أنها لم تظهر أنها كافرة أن الله تعالى قال: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم ١٠] فهي لم تُظْهِر أنها كافرة، فالبيت بيت إسلام؛ ولهذا قال: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ لكن الإيمان ليس لأهل البيت كلهم؛ ولهذا بقيت الزوجة وخرج الأهل.
فالقاعدة على كل حال الآن القاعدة الصحيحة أن الإسلام والإيمان يكونان مترادفين، ويكونان متباينين، متى يكونان مترادفين؟ إذا افترقا، ويكونان متباينين إذا اجتمعا.
﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] وهذا واضح على أن هناك فرقًا بين الإيمان والإسلام.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب الاجتماع على شرع الله؛ لقوله: ﴿جَمِيعًا﴾.
* ومن فوائدها: وجوب التحاكم إلى شرع الله؛ لأن الاعتصام به يقتضي أن يكون هو المُحَكَّم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الاجتماع عصمة؛ لقوله: ﴿اعْتَصِمُوا﴾ فاجتماع الأمة الإسلامية عصمة لها داخليًّا وعصمة لها خارجيًّا، أما خارجيًّا فإن الأمة الإسلامية إذا اجتمعت هابها الأعداء، ورأوا أنها أمامهم كالجبال الصُّمِّ التي لا يستطيعون لها صعودًا، وإذا تفرقت تمزقت فدخل الأعداء، أيضًا عصمة داخليَّة؛ لأنهم إذا اجتمعوا على شرع الله تآمروا بالمعروف وتناهَوا عن المنكر ودعوا إلى الخير وصاروا أمة واحدة، كل إنسان يخشى الله في أخيه لا يعتدي عليه لا على ماله ولا على عِرْضِه ولا على دمه، لماذا؟ لأنهم أمة واحدة جميع، ففي الاجتماع عِصْمة في الداخل وعصمة في الخارج.
* ومن فوائدها: تحريم التفرُّق، ولكن ما معنى التفرق هنا؟ التفرق في الأقوال أو في الأبدان أو في القلوب؟ في القلوب، المدار على التفرُّق في القلوب، في الأبدان ضروري سيتفرق الناس كل ينام في بيته، في الأقوال أيضًا يتفرقون، وما أكثر الخلاف بين أهل العلم قديمًا وحديثًا في المسائل العلمية، لكن في القلوب هو الذي يجب على المسلمين أن يُبْعِدوا التفرق بينهم في القلوب؛ لأنه هو اللي عليه المدار؛ ولهذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ»[[أخرجه أبو داود (٦٦٤)، والنسائي (٨١١) من حديث البراء بن عازب. ]].فالمدار على القلوب، في هذه الآية دليل على تحريم التفرق في القلوب، حتى لو تفرقت الأبدان أو تفرقت الأقوال فالواجب أن القلوب لا، أيش؟ لا تتفرق، وما أكثر ما نعرض عليكم اختلاف الصحابة رضي الله عنهم في الاجتهاد المؤدِّي إلى التفرق في الأقوال، لكن القلوب واحدة، القلوب واحدة ما تتفرق ولا يكره بعضهم بعضًا إذا خالفه في الرأي. بل إني أقول لكم كما قلت سابقا: إنه ينبغي للإنسان العاقل أنه إذا خالفه أخوه في رأيه بمقتضى الدليل عنده أن يكون ذلك أدعى إلى قوة المحبة له، لماذا؟ لأنه خالفه للدليل، والثاني أيضًا خالفه للدليل فكان ينبغي عليه أن تكون محبته أقوى؛ لأن الرجل لم يُحابِني في ذات الله، وإنما قدَّم محبة الله، وأنا حينما أخالفه تقديمًا لأيش؟ لمحبة الله عز وجل. فالإنسان العاقل المؤمن هو الذي لا يزيد مخالفة أخيه له في الرأي المخالفة المبنية على الاجتهاد إلا محبَّة له وتمسكًا به خلافًا لما يفعل بعض الناس الآن، ومع الأسف أنهم طلبة علم، إذا خالفه أخوه في الرأي مع أنه لا يُعْلَم الصواب عنده أو عند أخيه أبغضه وكرهه وهجره، وربما يلاقيه فاسق فيسلِّم عليه، ويلاقيه أخوه الذي خالفه في الرأي ولا يسلم عليه، وما ذاك إلا من الشيطان، الشيطان هو الذي يريد أن يوقع العداوة بين المسلمين ولا سيما بين طلبة العلم حتى يَنْبُذ بعضهم بعضًا؛ لأن الشيطان يعلم أن الشريعة ما تقوم إلا بالعلم وبالعلماء، فإذا تنابذوا فيما بينهم وتقاطعوا فيما بينهم وصار بعضهم يكره بعضًا حينئذ على الشريعة السلام أو نقول: انهدمت الشريعة؟ الثاني، إذا قلنا عليه السلام معناه سلمت، وهي لم تسلم، لكن الناس يقولون عليها: السلام كناية عن التوديع والذهاب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: وجوب تذكِّر نعمة الله، وهذه مسألة مهمة؛ لأن الغفلة عن تذكِّر النعمة يستلزم الغفلة عن الشكر، والشكر واجب ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة ١٥٢] فالغفلة عن تذكِّر النعمة موجب أو مستلزم للغفلة عن الشكر، بحيث إن الإنسان لا يعترف بنعمة الله، يجب أن تتذكر نعمة الله عليك في كل شيء، في الأمور الدينية، في الأمور الدنيوية، المالية والجاهية والخلقية والأهل، كل شيء، مثلًا اذكر نعمة الله عليك بالعلم؛ لأنك تعرف أن في الناس من هو جاهل، لا تقل: والله، إنعام الله على شيخ الإسلام ابن تيمية أكبر من نعمته عليَّ، لا، قل: نعمة الله عليَّ أكبر من نعمته على من هو دوني في العلم.
اذكر نعمة الله عليك في الصحة فإن من الناس، بل إن كثيرًا من الناس يئن من المرض، وأنت في صحة، اذكر هذه النعمة، حتى لو فيك مثلًا مرضٌ في عضو من أعضائك أو عيب في عضو من أعضائك فاذكر من هو أشد، من هو مريض بعضوين ومَعِيب بعَيْبَيْن وهكذا. أيضًا اذكر نعمة الله عليك بالدين، إذا أنعم الله عليك بالدين، وهذا أكبر نعمة؛ لأنه هو الربح في الدنيا والآخرة، اذكر نعمة الله عليك بالدين في مقابلة من؟ الكفار، هذا في أصل الإيمان، ثم اذكر نعمة الله عليك بالثبات على الإسلام وتطبيق أحكام الإسلام؛ حيث إنه يوجد من هو مسلم، ولكن مخالف عاص عنده فسوق، إذن ذكر نعمة الله عليه علينا واجب حتى نعرفَ قدر نعمة الله ونشكر ربنا سبحانه وتعالى على نعمه التي حُرِمَ منها كثير من الناس.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن من أكبر نعمة الله على الأمة أن يُؤَلِّف بين قلوبهم؛ لقوله: ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ولا شك أن هذا من أكبر النعمة أن يؤلف الله بين القلوب ويجمع بينها؛ لأن إذا تفرقت القلوب فسد كل شيء، فتأليف القلوب من أكبر نعمة الله سبحانه وتعالى على الأمة، ومن تحتها القبيلة، ومن تحتها الفخذ ومن تحتها الأخوة، فإذا ألف الله تعالى بين القلوب ابدأ من الأولاد والآباء إلى ما شاء الله، فهذه من أكبر النعم، أما إذا تعادت القلوب فبئس المجتمع مجتمع تعادت قلوبه وتنافرت، وقد ذكَّر الله سبحانه وتعالى نبيه ﷺ بهذه النعمة فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ﴾ [الأنفال ٦٢، ٦٣] لو كل اللي في الأرض تنفقه من ذهب وفضة وثمار وزروع ومواشي وغيرها لو أنفقته عليهم ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم، إذن نقول: إن من أكبر نعم الله على الأمة التأليف بين القلوب.
* ومن فوائد هذه الآية: أن نتيجة التأليف أن يصبح الناس إخوانًا، أن يصبحوا إخوانًا كالأخ مع أخيه تماما، بل قلت لكم: إن الروابط الدينية أقوى من الروابط النَّسَبِيَّة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنك إذا رأيت الناس متفرقين فإن هذا عنوان على شقائهم، وأن النعمة سُلِبَت منهم، صح؟ لأنه قال: ﴿أَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ فإذا لم تتحقق الأخوة والتأليف بين القلوب فإن ذلك دليل على أن النعمة سُلِبَت منهم، النعمة في هذا الأمر سلبت منهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: منة الله سبحانه وتعالى على الصحابة بالذات حيث ألف بين قلوبهم بعد أن كانوا أعداء فأصبحوا إخوانًا رضي الله عنهم، وهم الذين طبقوا مقتضى الأخوة الحقيقية الصادقة التي بُنِيَت على الإيمان، بنيت على الإيمان لا الأخوة المبْنيِّة على القومية أو الوطنية، الأخوة المبنية على القومية أو الوطنية هذه أخوة فاشلة باطلة، ولا أدل على فشلها مما عليه العرب اليوم حيث كانوا يعتزون بماذا؟ بالقومية العربية ومع ذلك فشلوا، فشلوا فشلًا ذريعًا، وكذلك الوطنية، اعتزاز الإنسان بوطنيته فَشَل، لا يمكن أن يكون هناك أُخُوَّة إلا بأيش؟ بالإيمان والإسلام. الأنصار من الأوس والخزرج والعرب طائفة أخرى مقابلة، هؤلاء قحطانيون وهؤلاء عدنانيون ومع ذلك اجتمعوا على قلب واحد، بل جاءهم أناس من غيرهم جاء صُهَيْبٌ من الروم، وسلمان من فارس، وبلال من الحبشة وصاروا إخوانًا، صاروا إخوانًا لهؤلاء، فإذن نقول: إن الأُخُوَّة الحقيقة هي أخوة الإيمان، ولن يقوم للعرب قائمةٌ حتى يرجعوا إلى الأخوة الإيمانية، وإلا فهم فاشلون مهما كان، ولا يمكن أن يَسْعَدوا بظَفَر أو نصر ما دام هذا هتافهم بالقومية وما أشبهها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: مِنَّةُ الله سبحانه وتعالى على أهل الخِطَابِ الذين خُوطِبُوا بهذه الآيات؛ حيث كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها، يعني أن الله بعث فيهم محمدًا ﷺ فاهتدوا به قبل أن يموتوا، وإذا كان هذا نعمة على هؤلاء فهو أيضًا نعمة على من بعدهم إلى يوم القيمة، فأكبر نعمة ينعم الله بها على الإنسان أن ينقذه من النار.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العقوبة بالنار؛ لقوله: ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله سبحانه وتعالى خالق لعمل العبد، من أين تؤخذ؟
* الطلبة: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾.
* الشيخ: من قوله: ﴿فَأَنْقَذَكُمْ﴾؛ لأن الله أنقذهم بعملهم فأضاف هذا الإنقاذ المبني على العمل إلى نفسه، وهو كذلك وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الله تعالى خالق العبد وخالق عمل العبد، فالعبد ليس مستقلًا، بل هو مخلوق في ذاته وفي إرادته وفي عمله ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات ٩٦] أي: وعملكم على قول أو والذي تعملونه على قول آخر، وإذا خلق المعمول فهو خالق للعمل؛ لأن المعمول نتيجة العمل، فالآية دالة على أن الله خالق لأعمال العباد سواء جعلت ما مصدرية أو موصولة.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بهذا يتبين مسؤولية طلبة العلم والمشايخ خصوصًا بتأصيل هذه القاعدة بأن الأُخُوَّة الأصل فيها أخوة الدين، وليست أخوة القومية ولا الشعوبية إلى آخره، لكن مع الأسف الشديد يا شيخ، الآن في الآونة يعني في الوقت الحاضر خصوصًا بأن الظروف السياسية هي التي تفرض هذه القواعد الآن، فنجد الآن التباغض يا شيخ وصل أقصاه بين شعوب المنطقة بسبب أن تجد الكويتي يكره الفلسطيني الآن، أو السعودي يكره اليمني يكره السوداني، وكيف هذه (...)؟
* الشيخ: الواجب -بارك الله فيكم- هذه المسألة تحتاج إلى وقت طويل، لكن نذكر منها ما شاء الله، الواجب أن لا تتعلق الشعوب بالحكام، الحكام أناس يحرصون على كراسيهم وأن لا تؤتى، فالشعوب يجب أن يسيروا على منهج الله سواء سار عليه الحكام أم لم يسيروا، ولا يجوز أبدًا أن نَتْبَع السياسة؛ لأن السياسة تكفر شخصًا اليوم وتجعله من أقوى الناس إيمانًا في يوم آخر أو بالعكس، بل أبلغ من ذلك أنا أذكر أن دولة من الدول كان إذا ثبت الهلال في دولة أخرى حكمت بدخول الشهر بناء على رؤية الدولة هذه، فلما ساءت العلاقات قالوا: ما يمكن، لكل بلد رؤيته، هؤلاء لو يعطوننا القمر بأيدينا ما قبلنا، هذا لا يجوز، أنا أرى أن الشعوب يجب أن تسير على منهج الله سواء سارت الحكام أم لم يسيروا وما لنا وللسياسة، ولا بد في يوم من الأيام سيكون الحق إن شاء الله هو السائد، وستذهب هذه العنصرية بين الساسة الذين ليس لهم همّ في أكثر ساسة العرب اليوم إلا أن يحافظوا على مناصبهم، ولذلك تجدهم يُعلون أشياء هم منها بريؤون، ولكن بس يريدون بها الدعاية، وإلا فهم أبعد الناس عن تحقيق ما يقولونه، بل ربما صرَّحوا تصريحا بينًا بأنهم لا يريدون هذا الذي يدَّعونه اليوم، كل ذلك من أجل كسب الغوغاء، كما أن على الناس أيضًا أن لا ينصاعوا وراء الشعارات والدعايات والعواطف، ينظروا بعين العقل لا بعين البصر؛ لأن بعض الناس عنده بصر ولا عنده بصيرة، عنده سمع وليس عنده عقل. فالواجب ألَّا تنظر بعين البصر، بل بعين البصيرة ولا تنظر بسمع الأذن، بل بسمع العقل، وإلا فإن السياسة سوف تجتاحك ولا تدري، كل يوم يكون لك رأي كل يوم يكون لك متبوع، فأنا أرى أن الشعوب يجب أن يكونوا كما هم، مسلمون إخوة سواء كانوا من السعوديين أو اليمنيين أو العراقيين أو الشاميين أو الفلسطينيين أو المصريين أو السودانيين أو من أي شعب حتى لو يجينا واحد من أمريكا وهو مسلم فهو أخونا؛ لأن الرابطة التي يجب أن تكون بين الشعوب هي الإسلام هذه هي الرابطة، أما أهواء حكامهم فهذه إليهم ما علينا منها، يمشون ونحن نمشي في خط معاكس إذا كانوا ليسوا على شريعة الله.
* طالب: شيخ بارك الله فيك، الرجل الذي كان يؤتى للنبي ﷺ وكان يشرب الخمر فقال النبي ﷺ: في الحديث «إِنَّهُ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَه»[[أخرجه البخاري (٦٧٨٠). ]] فمحبة الله عز وجل ورسوله تستدعي أن الإنسان يبتعد عن هذه المعاصي فكيف التوفيق؟
* الشيخ: لا، التوفيق بسيط؛ لأن المحبة قد يكون معها قوة الدافع ينساها الإنسان، ولعل هذا قد اعتاد الخمر اعتيادًا لم يتمكن من الإقلاع عنه في أول؛ الأمر لأن مراتب تحريمها كما هو معروف أربع مراتب: التحليل ثم التعريض ثم التحريم أوقات الصلاة ثم التحريم المطلق.
* طالب: شيخ، ما رأيك في بعض الشباب يكون في أول حياته مرتكبًا لبعض المعاصي ويكون في جاهليته، ثم بعد أن مَنَّ الله عليهم بالإسلام يجلس في مجالس فيتذكر هذه الأيام التي عصى الله فيها حتى تكون له فيها عبرة، وحتى يعتبر الآخرون؟
* الشيخ: يعني يذكرها للناس؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: لا لا، أبدًا ما يجوز.
* الطالب: لا، يعني يذكر قصة توبته؟
* الشيخ: لا، توبته لا أدري، لكن على كل حال المعاصي التي ذكرها لا يقولها، إن أراد أن يذكرها كقصة، رجل كان يفعل كذا وكان يفعل كذا ومن الله عليه بالهداية، هذا طيب أما أن يذكرها كحديث حاصل له، هذا هَتْكُ لستر الله عليه.
* * *
* طالب: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤) وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٠٤، ١٠٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
قال الله عز وجل: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
* من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل بَيَّن لنا الآيات الكونية والشرعية، وجه هذا أن آيات جمع مضاف، والجمع المضاف يفيد العموم، وبيان آياته الكونية ظاهرة: الشمس والقمر والنجوم والجبال والبحار والأنهار وغير ذلك، والشرعية كذلك ظاهرة لمن فتح الله عليه معرفة ما أنزل الله على رسله عز وجل، ثم الآيات الكونية بيانُها ليس مجرد أن تعرف أن هذه الآية لا يقدر على خلقها وتصريفها إلا الله فقط، لكن أن تستدل بالسُّنن الماضية على السنن الحاضرة، مثلًا: إهلاك الله الأمم السابقين نستدل به على أن سنة الله في الخلق واحدة، فالذي أهلك الأمم السابقة بذنوبهم يُهلك هذه الأمة أيضًا بذنوبهم، كما قال الله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ [محمد ١٠].
* ومن فوائد هذه الآية: الرد على أهل البدع الذين حرَّفوا نصوص الكتاب والسنة إلى معان لا يدل عليه ظاهرها، ووجه ذلك أننا إذا قلنا: إن المراد بهذه الآيات والأحاديث خلاف الظاهر بدون بيان من الله ورسوله صارت هذه الآيات مُبِّيَنة أو مُبْهِمة؟
* الطلبة: مبهمة.
* الشيخ: أنتم تقولون هذا؛ لأنه الذي أنا أريد أو قد تَبَيَّن لكم تمامًا؟
* الطلبة: تبين.
* الشيخ: يعني مثلًا إذا قالوا: المراد باستواء الله على عرشه استيلاؤه عليه بدون بيان من الله ورسوله، نقول: كون الله يعبر باستوى على العرش بدل استولى هذا بيان ولَّا إيهام؟ هذا إيهام، إذا قالوا: المراد باليد النعمة والقوة، قلنا: سبحان الله، كيف يعبر الله باليد عن النعمة والقوة وهو يريد النعمة والقوة بدون بيان، ما هذا إلا إيهام، فالمهم أنه على طريقة ومنهاج أهل البدع وغيرهم أيضًا ممن يحرفون الكلم عن مواضعه بدون بيان من الله ورسوله يكون القرآن ليس هدى ولا بيانًا للناس، وكذلك السُّنَّة وهو خلاف هذه الآية وغيرها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: محبة الله عز وجل هداية الخلق؛ لأنه يُبَيِّن ليهتدي الناس، إذن فهو يحب من العباد أن يهتدوا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات العلل في أفعال الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ﴾ لأن لعل للتعليل، والحكمة من مقتضى كمال الله عز وجل؛ لأنه لولا الحكمة لكانت أحكامه عبثًا، الأحكام الكونية والشرعية كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، إذن فإنكار الحكمة طعن عظيم في الله عز وجل، والذين يقولون: إن الله ليس له حكمة -والعياذ بالله- وإنما فعله وأمره لمجرد المشيئة، شاء أن يكون هذا فكان، شاء أن يأمر بهذا فأمر، شاء أن ينهى عن هذا فنهى، هؤلاء طعنوا في الله أيما طعن، لأنه أصبح فعله مجردًا عن الحكمة، وإذا تجرَّد عن الحكمة ما بقي إلا أن يكون سفهًا، والله عز وجل مُنَزَّهٌ عن ذلك.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences