Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:104–105
3:104–105Page 63
وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٠٤
And let there be [arising] from you a nation inviting to [all that is] good, enjoining what is right and forbidding what is wrong,1 and those will be the successful.
وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَٱخۡتَلَفُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُۚ وَأُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٥
And do not be like the ones who became divided and differed after the clear proofs had come to them. And those will have a great punishment
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾.
قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾، ولام الأمر تجزم الفعل المضارع، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة يدعون إلى الخير، والأمة في القرآن الكريم وردت على معان متعددة منها الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملة، فمثالها في الطائفة هذه الآية.
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران ١٠٤] اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾ لام الأمر، ودليل ذلك؟
* طلبة: الجزم.
* الشيخ: جزم الفعل بها ﴿وَلْتَكُنْ﴾ ولام الأمر تجزم الفعل المضارع. ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ ﴿أُمَّةٌ﴾ طائفة، يدعون إلى الخير. والأمة في القرآن الكريم وردت على معانٍ متعددة؛ منها: الطائفة، ومنها الزمن، ومنها الإمامة، ومنها الملّة، فمثالها في الطائفة هذه الآية ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران ١٠٤]، ومثالها في الملة قوله أيش؟
* طلبة: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف ٢٢].
* الشيخ: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على ملة، ومثالها في الإمامة؟
* طلبة: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل ١٢٠].
* الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾، ومثالها في الزمن: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف ٤٥]. أي: بعد زمن.
وقوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ ﴿مِنْكُمْ﴾ (من) يحتمل أن تكون للتبعيض، ويحتمل أن تكون لبيان الجنس، فعلى الأول يكون المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وعلى الثاني: ولتكونوا جميعًا دعاة إلى الخير؛ لأن إذا جعلناها لبيان الجنس صار المعنى أن كل الأمة يجب أن تكون من هذا الطراز؛ يعني وتكون أمة تدعون إلى الخير، وإذا جعلناها للتبعيض صار المعنى: وليكن بعضكم يدعو إلى الخير، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يترتب على ذلك.
قال: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ يدعون من؟ المفعول محذوف، فهل المراد يدعون أنفسهم أو يدعون غيرهم من الأقارب أو غيرهم من المسلمين، أو غيرهم من جميع الناس؟
* طلبة: يشمل.
* الشيخ: يشمل، يدعون إلى الخير كل من تتوجه الدعوة إليه أي إنسان تتوجه الدعوة إليه فليدعوه، وهل يدعون الجن؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، يدعون الجن، ولهذا كان المفعول محذوفًا من أجل العموم.
﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ والخير كل ما جاء به الشرع فهو خير، ويشمل ما كان خيرًا في الدين وما كان خيرًا في الدنيا، أما ما كان خيرًا في الدين فأمره ظاهر ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزلزلة ٧] وأما ما كان من أمر الدنيا فلأن ما كان من مصالح الدنيا التي لا تعارض الدين فهو من الأمور الخيرية المطلوبة، فيكون الخير هنا يشمل خير الدين وخير الدنيا، فمثلًا يدعون إلى فعل الطاعات: صلِّ، زكِّ، صُم، حُجّ، برَّ والديك، صِلْ أرحامك، انصحْ في البيع والشراء، بَيِّن، وما أشبه ذلك كل هذا دعوة إلى الخير، لا تزنِ، لا تسرق، لا تشرب الخمر، لا تقتل النفس بغير حق، لا تعُقَّ والديك، لا تقطع أرحامك، لا تغشَّ الناس، هذا أيضًا دعوة إلى الخير؛ لأن هذا طلب كفّ، النهي طلب كفّ، فهو بالحقيقة دعوة إلى الخير؛ لأن ترك الشر خير.
ثانيًا: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ جعل الأمر بالمعروف بعد الدعوة؛ لأن الدعوة سابقة على الأمر، فأنت تدعو أولًا، ثم تأمر ثانيًا، ثم تغيّر ثالثًا، وهذا يلتبس على كثير من الطلبة، يظنون أن الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتغيير المنكر شيء واحد، وليس كذلك، فالدعوة إلى الخير عامة، الخطيب إذا خطب الناس في الجمعة وأمر ونهى يقال؟
* طلبة: داعٍ.
* الشيخ: داعٍ إلى الخير، الرجل إذا أمسك بك وقال: يا أخي صلِّ، اتقِ الله، يا أخي، لا تغشّ الناس اتقِ الله، فهذا؟
* طلبة: نهي عن منكر.
* الشيخ: لا.
* طلبة: أمر.
* الشيخ: أمر بمعروف ونهي عن منكر. ولي الأمر إذا رأى آلة عزف وكسّرها، هذا تغيير منكر، ولكل درجات، لكن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وكلمة ﴿وَيَأْمُرُونَ﴾ تدل على أنهم يتكلمون مع الناس على وجه الاستعلاء لا على وجه العلو؛ يعني على وجه أنني آمِر، والآمِر بالخير أعلى مرتبة من المأمور.
وقوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما هو المعروف؟ المعروف: كل ما عرفه الشرع وأقره من العبادات فعلًا كانت أم تركًا، أو فعلًا فقط؟ فعلًا لأنه قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إذن فعلًا لما جُمع بينهما صار المراد بالمعروف كل ما عرفه الشرع وأقرّه من العبادات المأمور بها، معناه: المعروف.
* طالب: ما عرفه الشرع وأقرَّه فعلًا أو تركًا.
* الشيخ: إي، حذفنا أو ترك في النهاية من فعل الطاعات؛ لأن ينهون عن منكر تكون مقابل للفعل. إذن ما عرفه الشرع وأقره من أمر الطاعات هو المعروف، فالأمر بالتوحيد أمر بمعروف، الأمر باتباع السلف في العقيدة أمر بمعروف، الأمر بالصلاة أمر بمعروف، الأمر ببر الوالدين أمر بمعروف، وهلم جرًّا، هذا الأمر بالمعروف.
قال: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ﴿يَنْهَوْنَ﴾ النهي: طلب الكفّ على وجه الاستعلاء؛ يعني يطلبون من الناس أن يكفوا عن المنكر، وما هو المنكر؟ المنكر ما أنكره الشرع، ما أنكره الشرع من الأعمال والأخلاق فهو أيش؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: فهو منكر، طيب الزنا؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: السرقة؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: شرب الخمر؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: قتل النفس؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: العدوان على الناس بأخذ أموالهم؟
* طلبة: منكر.
* الشيخ: انتهاك أعراضهم، كل هذه منكرات، فهم ينهون عن المنكر.
﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (أولئك) المشار إليه الأمة الداعية إلى الخير الآمرة بالمعروف والناهية عن المنكر، وهي مبتدأ (أُولاءِ)، و﴿هُمُ﴾ ضمير فصل لا محل له من الإعراب، و﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ خبر المبتدأ.
فلو قال قائل: لماذا لا تجعلون (هم) مبتدأ ثانيًا، والمفلحون خبر المبتدأ الثاني، والجملة خبر المبتدأ الأول؟ قلنا: لا نقول ذلك؛ لأننا لو قلنا ذلك لفاتتنا فوائد ضمير الفصل، ويدل لهذا يعني أننا لا نجعل ضمير الفصل مبتدأ قوله تعالى: ﴿لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ [الشعراء ٤٠] ﴿هُمُ الْغَالِبِينَ﴾ وجه الدلالة أنه لم يجعل ضمير الفصل مبتدأ، لو جعل مبتدأ لقال: إن كانوا هم الغالبون، حتى تكون الغالبون خبرًا لـ(هم)، على كل حال ضمير الفصل حرف لا محل له من الإعراب، لكن جاء على صفة الضمير الاسمي الضمير الاسمي.
﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ هم الناجون من الكربات الحاصلون على المطلوبات، فالفلاح هو النجاة من المكروبات، أو من المكروهات، والحصول على المطلوبات، إذن ففيه أمران: سلامة وكسب، السلامة من أين؟
* طلبة: من المكروبات.
* الشيخ: من المرهوبات، والكسب؟
* طلبة: للمطلوبات.
* الشيخ: للمطلوبات، ولهذا تُعتبر كلمة الفلاح من أجمع الكلمات، فالمفلح إذن الفائز بمطلوبه الناجي من مرهوبه، هذا هو المفلح.
في هذه الآية الكريمة، نقرأ اللي بعدها أحسن عشان نصل.
قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ نهى الله أن نكون كهؤلاء الذين جمعوا بين وصفين ذميمين: التفرق، والاختلاف، ورتّب على هذا الجزاء المشين وهو قوله: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ أي: لا تصيروا مثل الذين، وعلى هذا فنعرب الكاف هنا اسمًا لتكون خبر (تكون)، تكونوا مثل الذين تفرقوا، قال ابن مالك:
شَبِّهْ بِكَافٍ وَبِهَا التَّعْلِيلُ قَدْ ∗∗∗ يُعْنَى وَزَائِدًا لِتَوْكِيدٍ وَرَدْ؎وَاسْتُعْمِلَ اسْمًا............ ∗∗∗ ....................
فالكاف هنا اسم بمعنى مِثل، وهي خبر (تكون).
قوله: ﴿كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ أتى بها بعد قوله: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾؛ لأن الأمة إذا تركت هذا فلا بد أن تتفرق، إذا تركت الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فلا بد أن تتفرق؛ لأنه لا يكون لهم في هذه الحال كلمة جامعة، كل واحد يعمل على كيفه؛ لأنه ما يُدعى إلى الخير، والنفوس لها نزعات، لها نزعات متباينة مختلفة، وكذلك أيضًا إذا لم يكن أمر بمعروف ولا نهي عن منكر تفرق الناس ولا بد؛ لأن هذا يريد الزنا، وهذا يريد يشرب الخمر، وهذا يريد السرقة، وهذا يريد أشياء غير الأولى، فيحصل التفرق، فإذا أُمروا بالمعروف صاروا كلهم على المعروف، وإذا نُهوا عن المنكر صاروا كلهم على ترك المنكر.
قال: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ مثل مَن؟
* طلبة: مثل اليهود والنصارى.
* الشيخ: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ [البينة ٤] إذن أول ما نمثل بهم أهل الكتاب؛ اليهود والنصارى اختلفوا اختلافًا عظيمًا من بعد ما جاءتهم البينات فنهانا الله تعالى أن نكون مثلهم، ولا تكونوا مثلهم، في أي شيء؟ ننظر للوصف الذي نهينا أن نكون مثلهم فيه وهو التفرق والاختلاف، إذن من بعد ما جاءتهم البينات، إذن إذا نُهينا عن ذلك فهو أمر بضده، إذا نُهينا عن التفرق والاختلاف فهو أمر بالاجتماع والائتلاف؛ بالاجتماع ضد التفرق والائتلاف ضد الاختلاف، كأن الله يقول: اجتمعوا وائتلفوا ولا يكون فيكم افتراق ولا اختلاف فتكونوا مثل من؟
* طلبة: اليهود والنصارى.
* الشيخ: مثل اليهود والنصارى.
قال تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ وأولئك. اختلفوا من بعد ما جاءهم البينات، تفرقوا واختلفوا، تفرقوا في أبدانهم ولم يجتمعوا وصاروا أحزابًا واختلفوا في قلوبهم وفي مناهجهم، فصار لكل حزب منهج معين يفرح به ولا يتزحزح عنه ويرى أن من سواه على ضلالة.
قال: ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿أُولَئِكَ﴾ أشار إليهم بصيغة البعد؛ لأن (أولاءِ) اسم إشارة لأيش؟
* طلبة: للبُعد.
* الشيخ: للبعيد أولئك، وذلك لانحطاط مرتبتهم، لانحطاط مرتبتهم؛ يعني كأنهم لانحطاط مرتبتهم نزّلهم المتكلم منزلة مَنْ؟
* طلبة: البعيد.
* الشيخ: البعيد منه؛ لأنه يتبرأ منهم ومن أعمالهم.
﴿لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ العذاب: هو العقوبة والعياذ بالله؛ لأنه يُؤلم صاحبه ويعذّبه، والعظيم هو الشيء المستعظَم في كيفيته وفي كميته؛ لأن عذابهم -نسأل الله العافية- شديد، متنوّع ولَّا غير متنوع؟
* طلبة: متنوع.
* الشيخ: متنوع، يسقون من ماء حميم -والعياذ بالله- إلى برودة، المهم إنها متنوعة، كذلك أيضًا عظيم في دوامه مستمر أبدي، نسأل الله العافية.
* في هاتين الآيتين فوائد؛ في الأولى: وجوب الدعوة إلى الخير، تؤخذ من أي شيء؟
* طلبة: الأمر.
* الشيخ: من لام الأمر ﴿وَلْتَكُنْ﴾، والأصل في الأمر الوجوب.
* ومن فوائدها: أن ذلك على الكفاية لقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ وهذا على القول بأن (مِنْ) للتبعيض، أما إذا قيل: إن (مِن) لبيان الجنس فإنه يدل على أنه يجب على الأمة كلها أن تكون أمة داعية إلى الخير؛ بمعنى أنه لا ينتظر بعضهم بعضًا هل يأمر أو لا يأمر، بل كلهم يكونون مستعدين لذلك، كلهم دعاة، فمثلًا: إذا قيل لشخص قمْ فادعُ إلى الخير، قال: والله فيه فلان يدعو إلى الخير فيه الكفاية، هذا لا ينبغي، كلّ ينبغي أن يدعو إلى الخير ما استطاع؛ لأن الله قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ﴾ تكون أمة بمجموعها تدعو إلى الخير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: ملاحظة الإخلاص لقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ لا إلى أنفسهم؛ لأن بعض الناس يدعو إلى نفسه، وبعض الناس يدعو إلى الخير، وعلامة الداعي إلى نفسه أنه لا يريد من الناس أن يخالفوه ولو كان على خطأ، وهذا لا شك أنه داعٍ إلى من؟
* طلبة: إلى نفسه.
* الشيخ: إلى نفسه، ثانيًا: من علامة ذلك أنه يكره أن يقوم غيره بذلك؛ أي بالدعوة إلى الخير، يريد أن يستبد به من بين سائر الناس، هذا أيضًا داعٍ إلى نفسه ليصرف وجوه الناس إليه نسأل الله الحماية والعافية، أما إذا كان يود أن يقوم هو بالأمر لينال الأجر لا ليحرم غيره أو ليصرف الناس إلى نفسه فهذا ليس عليه شيء؛ لأن كل واحد يحب أن يكون داعية للخير.
* ومن فوائد هذه الآية: أن اتباع الخير في كل شيء مطلوب للشرع.
والخير قسمان: خير بنفسه وخير لغيره؛ يعني خير يكون وسيلة لغيره، فمثلًا لو أنك سألت شخصًا عن المجريات اليومية من أجل إدخال السرور عليه وإلا أنت ما تستفيد من هذا، فهل هذا من الخير؟
* طلبة: لا، لغيره.
* الشيخ: أسألكم هل من الخير أو لا؟
* طلبة: نعم، من الخير.
* الشيخ: طيب لنفسه أو لغيره؟
* طلبة: لغيره.
* الشيخ: لغيره؛ لأني أنا لا أستفيد من هذا وهو ربما لا يستفيد، لكن أريد أن أُدخل السرور عليه، ومن ثم صار الناس يتساءلون: هل يُسنّ للإنسان أن يتحدث على الأكل أو لا يُسنّ؟ نقول: يُنظر، إن كان الإنسان يتحدث ليشغلهم عن الأكل فهذا حسن ولا غير حسن؟
* طلبة: غير حسن.
* الشيخ: هذا غير حسن، خلوهم يأكلون، وإن كان يتحدث من أجل أن يشحذ نفوسهم على الأكل حتى ينبسطوا ويستأنسوا ويأكلوا فهذا خير ولَّا ما هو بخير؟
* طلبة: خير.
* طالب: خير لغيره.
* الشيخ: خير لغيره بشرط أن يكون الأكل بالقدر الشرعي، القدر الشرعي بيّنه الرسول ﷺ بقوله: «حَسْبُ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فَإِنْ كَانَ لَا مَحَالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ»[[أخرجه الترمذي (٢٣٨٠)، وابن ماجه (٣٣٧٩) من حديث المقدام بن معدي كرب.]] لكن ويش تقول؟
* الطالب: على حسب النفس.
* الشيخ: على كل حال أنا قصدي أن الخير لغيره يختلف.
لو أراد الإنسان أن يتوصل إلى خير بشر؛ يعني معناه أنه يصانع إنسانًا بمعصية يقول: ليهتدي، لعله يهتدي، مثل أن يبدأ يغتاب زيدًا أو عمرًا ليتقرب إلى هذا الرجل، فهل هذا جائز؟
* طلبة: لا، غير جائز.
* الشيخ: لا، ليس بجائز، لا يمكن أن تكون الدعوة إلى الخير بوسيلة محرمة إطلاقًا؛ لأن الوسيلة المحرَّمة خبث في ذاتها كيف يكون وسيلة إلى خير؟ لكن إذا كان من المباح صار خيرًا لغيره، وإن كان هو بنفسه أيضًا خيرًا صار خيرًا على خير.
* من فوائد هذه الآية: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾، ولكن هل هو فرض كفاية أو فرض عين؟ ينبني على الخلاف في (مِنْ) هل هي تبعيضية أو لا، ولكن لا شك أننا إذا رأينا منكرًا وجب علينا أن ننكِر أن ننهى عنه، لكن لا يجب على كل واحد أن ينهى عن منكر معين مثل: لو أن شخصًا اغتاب عندنا ونحن عشرة هل نقول: كلنا نأمر بالمعروف وننهى عنه؟ أو إذا نهى واحد وحصلت به الكفاية كفى؟ إذا نهى واحد وحصلت به الكفاية كفى، لكن لو أنه نهاه ولم ينتهِ وجب على الآخرين أن يكونوا معه، وهذا عكس ما يفعله الآن بعض الناس -نسأل الله العافية- إذا نهى الناهي عن المنكر قاموا ضده، هؤلاء يُخشى عليهم أن يطبع الله على قلوبهم؛ لأنهم خذلوا من يجب نصره، وهذا خطر عظيم جدًّا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد من العلم؛ يعني الحث على العلم، كيف ذلك؟ لأنه لا يمكن أن يدعو إلى الخير من لا يعلم الخير، ولا يمكن أن يأمر بالمعروف من لا يعرف المعروف، ولا يمكن أن ينهى عن المنكر من لا يعرف المنكر، فلا بد من العلم، فيستفاد من هذه الآية الكريمة: الحث على العلم؛ لأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُشترط فيه:
أولًا: العلم بالشرع والعلم بالحال؛ يعني العلم بالشرع وبالحال.
العلم بالشرع بأن أعرف أن هذا مما أمر الله به حتى آمر به، أما إذا كنت لا أدري هل هو مأمور به أو لا، فلا يحل لي أن آمر به؛ لأن الله يقول: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ أتموا الآية؟
* طلبة: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف ٣٣]، ويقول عز وجل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء ٣٦].
العلم بالحال: بأن أعلم أن هذا الرجل ترك المعروف أو فعل المنكر، أما أن آمره بمعروف وأنا لا أدري هل فعله أو لا، فهذا لا يجوز؛ لأن هذا من (قفو) ما ليس لي به علم، وكذلك لو نهيته عن منكر وأنا لا أدري هل ارتكب المنكر أو لا، فإن ذلك لا يجوز؛ لأنه من (قفو) ما ليس لي به علم، مثال ذلك: دخل رجل المسجد فجلس وأنا ما رأيته من حين دخل فهل أقول له: قُم فصلِّ ركعتين أو أسأله هل صلى أو لم يُصلِّ؟ الثاني؛ «لأن الرسول ﷺ كان يخطب الناس يوم الجمعة فدخل رجل فجلس فقال: «أَصَلَّيْتَ؟». قال: لا، قال:«قُمْ فَصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥ / ٥٤) من حديث جابر بن عبد الله.]]، ولم يأمره يقول: قم صلِّ لأيش تجلس؟ حتى استفهم، هذا أمر بمعروف، النهي عن المنكر وجدت شخصًا يمشي وإلى جانبه امرأة، قلت: يا أخي اتقِ الله كيف تمشي مع المرأة، ويش تقولون في هذا؟
* طلبة: ما يصح.
* الشيخ: هذا لا يجوز؛ لأنه من الممكن أن هذه المرأة من محارمه، فكيف تنهى عن شيء على أنه منكر وأنت لا تعلم أنه منكر؟! إذن لا بد من العلم بأيش؟ بالحال، حال المأمور وحال المنهي، كما أنه لا بد من العلم بأيش؟ بالشرع، أن أعلم بأن هذا من المعروف الذي أمر به الشرع أو من المنكر الذي نهى عنه الشرع، هذان شرطان، وإن شاء الله نأتي ببقية الشروط.
* طالب: شيخ، بارك الله فيك، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ﴾ قلنا (من) إما تكون للتبعيض وإما تكون للجنس، ما هو ضابط أن تكون للجنس؟
* الشيخ: ضابطها أن تكون مبيّنة لجنس هذا الشيء.
* الطالب: لكن يقولون: (...) بدل خبر (...).
* الشيخ: لا لا، ما هو لازم، ما هو بلازم.
* طالب: شيخ، كيف نفهم؟
* الشيخ: إذا قلت مثلًا: الإنسان من تراب، هذه لبيان الجنس، ويحتمل من تراب يعني بعض التراب ما هو كل التراب هذه مثله، منكم يعني يحتمل أن يكون، وليكن بعضكم أو المعنى ولتكوّن أمتكم هذه الأمة.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال الله عز وجل: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ولم يقل: جاءتهم البينات؟ أقول: ما هي النكتة في هذا؟
* الشيخ: اللغة العربية في مثل هذا التركيب تجيز هذا وهذا، ولهذا جاءت الآية في موضع آخر: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [البقرة ٢١٣] فهذا جائز في اللغة العربية.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ، بالنسبة لو مجلس من المجالس يعني يكون الناس جالسين كلهم حالقين لحيتهم.
* الشيخ: حالقين أيش؟
* الطالب: حالقين اللحية، وواحد طبعًا يعني اللي عنده لحية ما يدخل في هذا المجلس وهو يريد أن حالق لحيته ويمشي يعني يكون أن ينصحهم في الأمور التي يفعلونها؟
* الشيخ: يعني بيحلق لحيته عشان يحبونه؟!
* الطالب: لا عشان ينكر الأمور التي يفعلونها؟
* الشيخ: ما ينكر عليهم حلق اللحية حتى يحلق لحيته؟! لا ما يصير هذا، ما يجوز.
* الطالب: لأن فيه بعض الناس ما يدخل يكون باللحية في مكان يكون يصير هو؟
* الشيخ: (...) ما يقول هكذا.
* طالب: لا لا يا شيخ، ما يقصد.
* الشيخ: يقدر يقول هكذا ولَّا له لحية.
* الطالب: يقصد يا شيخ إن الجلوس مع حالقين اللحية ما يجوز؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يقول: حالقين اللحية، يقول كيف يجلس معاهم؟
* الشيخ: لا لا، يقول: يريد أن ينهاهم عن حلق اللحية، لكن يقول: ما أنا ناهيهم حتى أحلق لحيتي، عشان أقول: افعلوا ما تركته أنا؟
* طالب: لا، يفعلون، يفعلون أمورًا مثلًا يكون يسمعون أغاني ويسمعون أشياء.
* الشيخ: لا لا، ما يصح أبدًا، أنا لا أرى الدعوة بالمحرّم إطلاقًا أبدًا.
* الطالب: شيخ، تنتشر عند بعض الناس كلمة يقول: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه ويعين بعضنا بعضًا فيما اتفقنا فيه، هل لهذه الكلمة أصل شرعي؟
* الشيخ: هذا غلط في الجملتين جميعًا، أما الجملة الأولى: يعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه فهي كقول بعض الفقهاء: لا إنكار في مسائل الاجتهاد؛ لأن هذه العبارة معروفة عند الفقهاء، لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذا على إطلاقه ليس بصحيح، فما اختلفنا فيه إن كان الحق لم يتبين فيه تبينًا لا يعذر فيه المخالف فهنا نعم نعذره؛ لأنه له رأيه ولنا رأينا، أما إذا كان الحق واضحًا فإن من خالفنا لا نعذرهم في ذلك، فهي على إطلاقها غير صحيحة.
وأما الثانية وهي قوله: يعين بعضنا بعضًا فيما اتفقنا، فهذا غير صحيح أيضًا؛ لأننا لو اتفقنا على باطل ما حلّ أن يعين بعضنا بعضًا، بل وجب أن ينهى بعضنا بعضًا عن هذا الباطل، فهو أيضًا على إطلاقه لا يصح، لكن لعل الذي قاله يقصد ما ليس بباطل، ولا يخالف الشريعة، لكن الجملة الأولى دخل فيها أُناس عندهم انحراف في العقيدة وفي المنهج، لكن الإسلام يسعهم وقالوا: نحن يجب أن نستظل بظل الإسلام وإن اختلفنا، ولذلك تجدهم يُدخِلون في حزبهم، يُدخلون الفاسق، حالق اللحية، شارب الدخان، المتهاون بالصلاة، وما أشبه ذلك، وهذه مشكلة؛ يعني هذا خطأ والطريق الشديد خطأ الذي يريد من الناس أن يكونوا صلحاء في كل دقيق وجليل وإلا فليسوا إخوانًا لنا، هذا أيضًا خطأ.
* الطالب: أحسن الله إليك يا شيخ، قلنا: إن الدعوة ما تكون إلا بِمُحرَّم.
* الشيخ: ما تكون بِمُحرَّم.
* الطالب: يعني ما تكون بمحرم نعم، إذا كان إنسان قد يضطر أن يجلس مع جماعة مثلًا يشربون الدخان أو يسمعون المعازف حتى يتكلم معهم؛ لأنه ما يمكن يجدهم إلا في على هذا؟
* الشيخ: لا لا، هذا ما شرب الدخان، هذا لو قال: والله يا جماعة، السلام عليكم ورحمة الله وجلس وقال: يا فلان، أعطني سيجارة وقام يشرب، وقال: ما تشربوا من الدخان، هذا ما يصلح، لكن جلس لدعوتهم هو جلس لدعوتهم، الرسول كان يأتي المشركين في أماكنهم ويدعوهم ولا يمكن الدعوة إلا بهذا، أنا جاي لأدعوهم كالطبيب يشق الجلد لأجل إزالة ما تحته من الأذى.
* الطالب: ما فيه حرج يا شيخ؟
* الشيخ: ما فيه حرج أبدًا إذا صار جاء يريد دعوتهم كيف؟ يعني، بحيث أنه ما هو بلازم ما يجدهم إلا في هذا المكان.
* طالب: بعض الناس عند دعوتهم مثلًا يكون تارك الصلاة، بتدعوه قد يعني يتضايق، تاني مرة وتالت مرة، هل نستمر في الدعوة؟
* الشيخ: أيش لون؟
* الطالب: بعض الناس يكون تارك للصلاة مثلًا قائم على معصية، دعوته لثاني مرة أو ثالث مرة يعني قد يتشابك معنا؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: قد يختلف معانا؛ يعني وهل نستمر في الدعوة إليه؟ دعوته إلى المعروف؟
* الشيخ: يعني مع تكرار الدعوة قد يكون يمل مثلًا ويشرد؟ إي، على كل حال ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل ١٢٥] أن تنزل الحكمة أحيانًا بعض الأحيان يكون الإنسان غضبان عنده مؤثرات خارجية ما تتحمل نفسه أن يقبل منك ولا كلام عادي، وأحيانًا يكون راضيًا ومنبسطًا تقدر تضرب له الأمثلة حتى يهديه الله، ولهذا يخطئ بعض الناس مثلًا إذا وافق شخص ولا عامله المعاملة اللائقة به، نَفَر منه، ما يدري لعل هذا الرجل عنده مؤثرات خارجية ما تدري عنها، مضيقة صدره، ولا يحب ولا يكلم الناس، فمثل هذه الأمور ما ينبغي للإنسان أنه يحكم على الشخص بمجرد أن دعاه مرة ونفر، قد يكون هناك أسباب، اصبر انظر الوقت الذي تراه مستأنسًا فيه وادعه إلى الحق.
* طالب: شيخ، أيهما أوْلى يا شيخ دعوة العاصين في هذه البلاد أو دعوة الكفار في الخارج؟
* الشيخ: قال الله عز وجل: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء ٢١٤، ٢١٥] الواجب أنك تدعو وتصلح الأحوال اللي عندك، ثم بعد ذلك تحاول إصلاح الخارج، لكن إذا كان في الداخل من يقوم بالدعوة وأردت أن تخرج إلى برّه هذا طيِّب ما فيه مانع.
قال الله عز وجل: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ إلى آخره. اللام في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ﴾؟
* طالب: لام الأمر.
* الشيخ: الأمر، ما الذي يدلك على أنها للأمر؟
* الطالب: لأنها جزمت الفعل المضارع.
* الشيخ: أحسنت. قوله: ﴿أُمَّةٌ﴾؟
* الطالب: طائفة.
* الشيخ: طائفة، ذكرنا أن أمة ترد في القرآن على عدة أوجه؟ هذا وجه.
* الطالب: تأتي بمعنى زمن.
* الشيخ: تأتي بمعنى الزمن، مثل؟
* الطالب: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾.
* الشيخ: مثل قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾.
* الطالب: تأتي بمعنى إمام.
* الشيخ: تأتي بمعنى إمام مثل؟
* الطالب: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.
* الشيخ: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾.
* الطالب: تأتي بمعنى ديانة.
* الشيخ: بمعنى الدين.
* الطالب: بمعنى الدين يعني.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾.
* الشيخ: كقوله: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ يعني على ملة ودين، الرابع؟
* الطالب: كده أربعة، الطائفة في هذه الآية.
* الشيخ: إي، طائفة، وإمام، وزمن، ومِلّة.
قوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ المراد بالخير؟
* الطالب: المراد بالخير هو الدين، يعني يدعون إلى الدين.
* الشيخ: إلى الدين فقط؟
* الطالب: لا، كل الخير سواء خير الدين أو خير الدنيا.
* الشيخ: إي، قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ ما هو المعروف؟
* طالب: المعروف هو كل ما وافق الشرع والأخلاق.
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: كل ما وافق الشرع.
* الشيخ: أنت ذكرت قيل، أنت قلت: قيل ما وافق؟
* الطالب: كل ما جاء به الشرع.
* الشيخ: (...).
* طالب: ما عرفه الشرع وأقرّه.
* الشيخ: ما عرفه الشرع وأقره، المنكر؟
* طالب: المنكر كل ما أنكره الشارع.
* الشيخ: نعم، كل ما أنكره الشرع وزجر عنه ونهى عنه فهو منكر.
قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (هم) هنا إعرابها؟
* طالب: ضمير فصل لا محل له من الإعراب.
* الشيخ: لا محل له من الإعراب، وما فائدته؟
* الطالب: فائدته أولًا: لتنبيه السامع.
* الشيخ: لا.
* الطالب: فائدته ليفصل بين الصفة والخبر.
* الشيخ: الفصل بين الصفة والخبر؛ يعني التمييز بين الخبر والصفة، هذا واحد؟
* الطالب: تنبيه السامع يا شيخ.
* الشيخ: لا.
* طالب: التوكيد والحصر.
* الشيخ: التوكيد والحصر.
* الطالب: والحصر والتمييز بين الصفة والخبر.
* الشيخ: بارك الله فيك، من المفلح؟
* طالب: المفلح هو الذي فاز بخيري الدنيا والآخرة، هو الذي فاز بالمطلوب ونجا من (...).
* الشيخ: الذي فاز بالمطلوب ونجا من المرهوب، أحسنت. قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ ما علاقة هذه الآية بما قبلها؟
* طالب: أنهم إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفرَّقوا.
* الشيخ: تفرقوا؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: أحسنت، ما وجه ذلك؟
* الطالب: أنهم عندما أمرهم بأن يكون منهم أمة يأمرون بالمعروف.
* الشيخ: لا، ما وجه كونهم إذا تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تفرقوا؟
* الطالب: لم يُقم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فاختلفت الأمة تختلف.
* الشيخ: كيف تختلف؟ لأيش تختلف؟
* الطالب: يقلوا، كل يعمل بهواه.
* الشيخ: إي؛ لأن كل واحد يعمل بهواه حينئذٍ ولا بد أن يتفرقوا.
* الشيخ: قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ما هي البينات؟
* الطالب: البيّنات هي التوراة بالنسبة لليهود والإنجيل بالنسبة للنصارى؛ يعنى الآيات البينات، جاءهم الآيات البينات أن يأمروا وينهوا عن المنكر فتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتفرقوا.
* الشيخ: جاءهم البينات على الأمر بس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؟
* الطالب: والدعوة إلى الله سبحانه وتعالى.
* الشيخ: إي، أظن أخذنا الفوائد؟
* طلبة: ما كملناها.
* الشيخ: ما كملناها؟ ست فوائد نعم ما هي؟
* طالب: وجوب الدعوة إلى الخير، أن ذلك على الكفاية، ملاحظة الإخلاص لقوله ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾، إن اتباع الخير في كل شيء مطلوب للشرع والخير قسمان، وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
* الشيخ: اصبر، والخير قسمان؛ لأنه ذُكرت.
* الطالب: خيرًا لنفسه وخيرًا لغيره.
* الشيخ: زين.
* الطالب: وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بد من الحث على العلم.
* الشيخ: سادسًا؟
* الطالب: سادسًا: لا بد من الحث على العلم.
* الشيخ: ما هو!
طلبة: الحث على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (...).
* طالب: لأنه لا يمكن أن يدعو.
* الشيخ: ما هي بلا بد الحث على العلم.
الحث على العلم لأنه لا بد أن يكون الآمِر والناهي عالِمًا، وهذا أعني العلم نبدأ الآن الشروط:
وهذا أعني العلم بالمنكر أو بالمعروف أحد شروط وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يعني لا بد أن يكون الإنسان عالِمًا حتى الدعوة إلى الخير قبل أن نتكلم، حتى الدعوة إلى الخير تدل على الحث على العلم؛ لأن من لا يعرف الخير كيف يدعو إليه؟
إذن ففي الآية حث على العلم في الأمور الثلاثة: في الدعوة إلى الخير، وفي الأمر بالمعروف، وفي النهي عن المنكر.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُشترط فيه شروط:أولًا: العلم، وهذا مأخوذ من أنه لا يمكن أن يأمر بمعروف أو أن ينهى عن منكر إلا حيث علم أنه معروف وأنه منكر، العلم بماذا؟ العلم أولًا بأن هذا معروف وأن هذا منكر، هذه واحدة. الثاني: العلم بحال الفاعل؛ أي: أنه فعل منكرًا أو ترك معروفًا، ليس مجرد أن نرى إنسانًا على منكر ننكر عليه حتى نستفصل، ولا أن نراه تاركًا لمأمور حتى نستفصل، فلو رأينا شخصًا يأكل الميتة لا ننكر عليه حتى نسأل: لماذا تأكل الميتة؟ قد يقول إنه مضطر، وحينئذٍ يكون أكل الميتة في حقه حلالًا، كذلك لو رأينا أحدًا يصلي الفريضة جالسًا لا ننكر عليه لتركه القيام حتى نسأل ربما يكون عاجزًا، إذن لا بد من العلم بحال أيش؟ المأمور والمنهي؛ لأنه، قد يكون على حال لا يتوجه إليه الأمر ولا يكون آثمًا.
هل نحن ذكرنا دليلًا لذلك؟
* طالب: لا.
* الشيخ: ذكرنا، لا، ذكرنا قلنا: «دخل رجل والنبي ﷺ يخطب يوم الجمعة فجلس فلم ينكر عليه الجلوس، بل قال له: «أَصَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «قُمْ فَصَلِّ ركْعَتَيْنِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥ / ٥٤) من حديث جابر بن عبد الله.]] فدل هذا على أنه لا بد أن يعلم حال المأمور والمنهي. الشرط الثالث: أن لا يتغير المنكر إلى ما هو أنكر منه؛ لأن النهي عن المنكر يُراد به تقليل المنكر، فإذا كان يترتب عليه أن يقع المنهي عن المنكر في منكر أعظم فإنه لا يُنهى عنه، فلو فرضنا أن شخصًا يشرب الدخان، الدخان شربه منكر لكن لو نهيناه لذهب يشرب الخمر، فهل ننهاه عن هذا؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: ليش؟ لأننا نعلم أنه سينتقل إلى أكبر نكارة مما هو عليه، ومن ذلك ما يذكر عن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه مر ومعه صاحب له بطائفة من التتار يشربون الخمر فلم يقل لهم شيئًا، فسأله صاحبه: لماذا لا ننكر عليهم؟ قال: هؤلاء لو أنكرنا عليهم لذهبوا ينهبون أموال الناس ويستحلون حرماتهم فيتعدى ضررهم، أما شربهم الخمر فهو على أنفسهم.
فإن قال قائل: هل لهذا الشرط من دليل؟ قلنا: نعم، دليله قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام ١٠٨]. فهنا نهى الله المسلمين أن يسبوا أصنام الكفار مع أن هذه الأصنام جديرة بأن تسب، وسبها قُربة، لكن لما كان يترتب على سبها مفسدة أكبر نهى الله عن سبها مع أن السكوت عن سبّ آلهة المشركين حكمه أنه منكر، لكن نسكت على هذا المنكر الأخف درءًا لمنكر أعظم، إذن لا بد من هذا الشرط.الشرط الرابع: أن يعلم أن هذا مفيد؛ بمعنى أنه يحتمل عنده أن هذا الفاعل للمنكر أو التارك للواجب كان على جهل، وأنه قريب الرجوع إلى الحق، فإن كان يعلم أن صاحبه عالم بالحكم، لكنه متمرد مستكبر فإنه لا يجب حينئذٍ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثلًا: حلق اللحية اليوم معروف عند جميع الناس أنه حرام، أو عند عامة الناس ما هو الجميع، عند عامة الناس وأكثر الناس أنه حرام، لكنه يمر بك عشرة قد حلقوا لحاهم وعشرة قد أعفوا لحاهم؛ يعني نصف الناس تقريبًا قد حلقوا لحاهم فهل يلزمك كلما رأيت شخصًا حالقًا لحيته في الشارع أن توقفه وتقول له: اتقِ الله، لا تحلق لحيتك؟ ما تقولون؟
* طالب: فيه مشقّة.
* طالب آخر: ننظر إن كان به عجز.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences