Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:118–122
3:118–122Page 65
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٗ مِّن دُونِكُمۡ لَا يَأۡلُونَكُمۡ خَبَالٗا وَدُّواْ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَآءُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡ وَمَا تُخۡفِي صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَيَّنَّا لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ١١٨
O you who have believed, do not take as intimates those other than yourselves [i.e., believers], for they will not spare you [any] ruin. They wish you would have hardship. Hatred has already appeared from their mouths, and what their breasts conceal is greater. We have certainly made clear to you the signs, if you will use reason.
هَٰٓأَنتُمۡ أُوْلَآءِ تُحِبُّونَهُمۡ وَلَا يُحِبُّونَكُمۡ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱلۡكِتَٰبِ كُلِّهِۦ وَإِذَا لَقُوكُمۡ قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوۡاْ عَضُّواْ عَلَيۡكُمُ ٱلۡأَنَامِلَ مِنَ ٱلۡغَيۡظِۚ قُلۡ مُوتُواْ بِغَيۡظِكُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١١٩
Here you are loving them but they are not loving you, while you believe in the Scripture - all of it.1 And when they meet you, they say, "We believe." But when they are alone, they bite their fingertips at you in rage. Say, "Die in your rage. Indeed, Allāh is Knowing of that within the breasts."
إِن تَمۡسَسۡكُمۡ حَسَنَةٞ تَسُؤۡهُمۡ وَإِن تُصِبۡكُمۡ سَيِّئَةٞ يَفۡرَحُواْ بِهَاۖ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لَا يَضُرُّكُمۡ كَيۡدُهُمۡ شَيۡـًٔاۗ إِنَّ ٱللَّهَ بِمَا يَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ١٢٠
If good touches you, it distresses them; but if harm strikes you, they rejoice at it. And if you are patient and fear Allāh, their plot will not harm you at all. Indeed, Allāh is encompassing of what they do.
وَإِذۡ غَدَوۡتَ مِنۡ أَهۡلِكَ تُبَوِّئُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مَقَٰعِدَ لِلۡقِتَالِۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ١٢١
And [remember] when you, [O Muḥammad], left your family in the morning to post the believers at their stations for the battle [of Uḥud] - and Allāh is Hearing and Knowing -
إِذۡ هَمَّت طَّآئِفَتَانِ مِنكُمۡ أَن تَفۡشَلَا وَٱللَّهُ وَلِيُّهُمَاۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٢٢
When two parties among you were about to lose courage, but Allāh was their ally; and upon Allāh the believers should rely.
طالب:﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران ١١٨ - ١٢٠]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، ذكرنا نفي الظلم عن الله وذلك لكمال عدله.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ يمر علينا مرارًا كثيرًا أن الخطاب بمثل هذا:
أولًا: تصديره بالنداء يدل على أهميته والتنبه له.
ثانيًا: توجيهه إلى المؤمنين له ثلاث فوائد:
أولًا: الإغراء على الامتثال، كأنه يقول: إن كنت مؤمنًا فافعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فلا تفعل كذا وكذا، إن كنت مؤمنًا فصدق بالخبر، ففي توجيهه إلى المؤمنين إغراء بماذا؟ بالامتثال.
ثانيًا: أن امتثاله من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يخاطب الشخص بوصف ثم يُوجَّه إليه حكم متعلق بهذا الوصف إلا كان ذلك دليلًا على أن امتثال هذا الحكم من مقتضيات الإيمان؛ لأنه لا يصح أن توجه لفاسق كلمة تتعلق بالمؤمن.
الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان.
ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين؛ كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه:« إذا سمعتَ الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فَأَرْعِهَا سَمْعَكَ -يعني استمع لها- فإمَّا خيرٌ تُؤمَر به وإما شَرٌّ تُنْهَى عنه»[[أخرجه ابن المبارك في الزهد (٣٦)، وسعيد بن منصور في السنن (٥٠) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
الفائدة الثالثة: أن الإخلال به نقص في الإيمان، إذا وجه الله الخطاب إلى المؤمنين فهذا دليل على أن الإخلال به نقص في الإيمان.
* ثم إنه لا بد أن يكون هناك فائدة عظيمة: إذا وجه الله الخطاب للمؤمنين كما قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «إذا سمعت الله يقول:» ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «فأرعِها سمعك -يعني استمع لها- فإما خير تؤمر به، وإما شر تُنهى عنه» »[[أخرجه سعيد بن منصور في التفسير (٥٠) من حديث ابن مسعود.]].
في هذه الآية يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران ١١٨] هذا نهي؛ (لا) ناهية، ولهذا جزمت الفعل فقال: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾.
والمراد بالبطانة: القوم المقرَّبون إلى الشخص؛ مأخوذ من بطانة الثوب لأنها أقرب إلى البدن أو إلى الجسد من ظهارته، فالثوب له بطانة وله ظهارة، البطانة أقرب، فالمعنى: لا تتخذوا قومًا مقربين إليكم تُفضون إليهم بالأسرار وتخبرونهم بالأحوال وبما تريدون أن تقوموا به.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، كما في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤] أي: من غيره. والمعنى: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ أي: من غيركم، بأي شيء؟ بالدين أو بالهدف أو بماذا؟
نقول: المراد بذلك كل من يغايرك في أمر من الأمور، وهذا يختلف؛ قد يكون في الدين مثلًا، وقد يكون في الدنيا، فإذا كان الأمر يتعلق بالدين فحينئذ لا نتخذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، لا نتخذ المنافقين أولياء من دون المؤمنين لأنهم غيرنا، إذا كان يتعلق بتجارة فلا نتخذ أحدًا بطانة يخدعنا في تجارتنا؛ لأنه مغاير لنا في هذا الاتجاه، وهذه في الحقيقة قاعدة موجهة لكل مؤمن، وهي صالحة حتى للكافر، حتى للكافر مثلًا لا يتخذ بطانة من دونه -أي: من غيره- ممن يضره اتخاذه بطانة.
وقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ هذه أربع جمل ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ هذه واحدة، ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ كم؟
* الطلبة: اثنين.
* الشيخ: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾، ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾، هذه الجمل هل هي أوصاف لبطانة؛ يعني بطانة متصفة بهذه الصفات، أو هي جمل تعليلية للبطانة؛ أي: لا تتخذوا بطانة من دونكم فإنهم لا يألونكم خبالًا ويودون ما عنتم... إلى آخره؟
في هذا احتمالان: يحتمل أن هذه الجمل أوصاف، عرفتم؟ ويحتمل أنها جمل استئنافية معلِّلة، لبيان التعليل؛ يعني لا تتخذوا بطانة من دونكم لأنهم لا يألونكم خبالًا... إلى آخره، وعلى القول الأول يكون معنى الآية: لا تتخذوا بطانة من دونكم على هذا الوصف؛ أي بطانة من دونكم لا يألونكم خبالًا ودوا ما عنتم... إلى آخره، فإن قلنا بأن هذه الجمل أوصاف فإن قوله: ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ يعتبر وصفًا خامسًا؛ لأن ﴿مِنْ دُونِكُمْ﴾ الجار والمجرور صفة أيش؟ لبطانة، وعليه فيكون نهى الله أن نتخذ بطانةً مَن اتصفوا بهذه الصفات الخمس: أنهم من دوننا، أنهم لا يألوننا خبالًا، يودون ما عنتنا، قد بدت البغضاء من أفواههم، وما تخفي صدورهم أكبر.
نرجع الآن إلى الكلمات:
قوله: ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ (أَلَا) بمعنى بذل الجهد؛ أي: لا يألون جهدًا في خبالكم؛ يعني أنهم يبذلون كل جهد في خبالكم، والخبال هو الفساد في الرأي والعقل، ولهذا يقول الناس للرجل الفاسد عقله ورأيه يقولون: إنه خِبْلٌ، فمعنى ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ يعني: لا يألون جهدًا في خبالكم، يبذلون كل جهد لفساد أموركم؛ لأنهم قوم ليسوا منكم، وهم بعيدون عنكم ﴿بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾.
وقولهم: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾ ﴿وَدُّوا﴾ الود: خالص المحبة؛ يعني أنهم يحبون بكل قلوبهم ما عنتم؛ أي الذي عنتم؛ أي: الذي شقَّ عليكم. ويحتمل أن تكون (ما) مصدرية؛ أي: ودوا عَنَتكم، والعَنَت: المشقة والشدة؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٠] أي: ألحق بكم المشقة، وقال تعالى: ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ﴾ [التوبة ١٢٨] أي: ما شق عليكم.
فالمعنى أن هؤلاء البطانة لا يألون جهدًا في فساد أمورنا، ويودون بكل قلوبهم العَنَت علينا والإشقاق والإتعاب، العنت الفكري والبدني والمالي، وكل شيء يمكن أن يلحقنا فيه مشقة فهؤلاء يودونه.
الوصف الثالث: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ ﴿بَدَتِ﴾ أي: ظهرت، و﴿مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (من) لبيان محل البُدُوِّ، فهي ابتدائية؛ يعني: ظهرت من أفواههم، كأنما يريدون أن يكتموا هذه البغضاء ولكنها تبدو، لا بد أن تفهم من أقوالهم وإن كانوا لا يريدون هذا، ولهذا لم يقل: قد أبدوا البغضاء من أفواههم، بل قال: ﴿قَدْ بَدَتِ﴾، وهو دليل على أنها جاءت فلتة من أفواههم، وإلا فهم يتكتمون، يتكتمون في البغضاء من أجل أن يتوصلوا إلى مآربهم في اتخاذهم أيش؟
* الطلبة: بطانة.
* الشيخ: بطانة، لكن لا بد أن تبدو البغضاء من أفواههم.
﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أي: مما يبدو من أفواههم؛ يعني عندهم من البغضاء في القلوب أكثر بكثير مما تبديه الألسن، هؤلاء القوم المتصفون بهذه الصفات نهانا الله أن نتخذهم بطانة، والنهي عن اتخاذهم بطانة يستلزم إبعادهم عنك والحذر منهم وأن لا تركن إليهم.
ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ أي: أظهرناها حتى صارت بيِّنة مثل فلق الصبح. و﴿الْآيَاتِ﴾: العلامات، وهل المراد العلامات التي وصف بها هؤلاء أو هي أعمّ فتشمل جميع ما بيَّن الله لنا؟ الأَوْلى أن نجعلها عامة؛ نقول بيَّن الله تعالى لنا العلامات الدالة على الحق وعلى الباطل في هذه المسألة وفي غيرها.
وقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾ يدل على أنه سبحانه وتعالى له عناية خاصة في المؤمنين تبين لهم الآيات التي قد تخفى عليهم، بل هي خافية عليهم.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ يعني أنه لا يظهر بياننا للآيات إلا لمن كان له عقل يعقل به نفسه وهواه، أما غير العاقل فإنه لا ينتفع؛ ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس ٩٦، ٩٧]. ويحتمل أن الشرط: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾ عائد على قوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾، والمعنى على هذا التقدير: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوا بطانة من دونكم. أما على الأول فيكون التقدير: إن كنتم تعقلون فقد بيَّنَّا لكم الآيات فاعقلوها. ومر علينا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين لا يتنافيان فالأَوْلى أن تحمل عليهما؛ فيكون من العقل أن لا نتخذهم بطانة، ومن العقل أن نتبين ما بينه الله لنا من الآيات.
* * *
قال: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] في قوله: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءتان؛ المد: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، والقصر: ﴿هَأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ ، وكلاهما قراءتان سبعيتان، ينبغي للقارئ أن يقرأ بهذه مرة وبهذه مرة، يعني بهذه أحيانًا وبهذه أحيانًا، إلا أمام العامة، فأمام العامة لا ينبغي أن تقرأ إلا بقراءة المصحف الذي بين أيديهم؛ لأنك لو قرأت بقراءة غير قراءة المصحف الذي بأيديهم اتهموك بالخطأ أو شككوا في أيش؟
* الطلبة: في القرآن.
* الشيخ: في القرآن، شكوا في القرآن؛ كيف قرآن تغير آياته؟! وربما إن كانوا عامة دهماء ربما يضربونك، يقول: أنت غيرت كتاب الله؛ لأن العامة الدهماء مشكلة لا يميزون. إذن ﴿هَا أَنْتُمْ﴾ قراءة، والثانية: ﴿هَأَنْتُمْ﴾ .
و﴿هَا أَنْتُمْ﴾ (ها) للتنبيه، قيل: إنها منقولة عن مكانها وإن الأصل: أنتم هؤلاء تحبونهم، وقيل: بل هي للتنبيه وإنها في مكانها؛ لأن التنبيه ينبغي أن يكون في أول الكلمات، فهي في مكانها.
وقوله: ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ﴾ ﴿أُولَاءِ﴾ منادى، وأصله: يا هؤلاء.
﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ أي: تحبون هذه البطانة الذين لا يألونكم خبالًا، والذين ودُّوا ما عنتم، والذين قد بدت البغضاء من أفواههم، والذين ما تخفيه صدورهم أكبر، تحبونهم؛ وذلك لأن المؤمنين يغلب عليهم سلامة القلب وطهارته وعدم ظن السوء في غيرهم، وكان هؤلاء يتوددون إليهم ويدَّعون أنهم يصلونهم، فيحبهم المؤمنون، بناء على أي شيء؟ على تغريرهم بهم.
﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ يعني: وهم لا يحبونكم مع أنكم تحبونهم، وكيف يحبوننا وقد بدت البغضاء من أفواههم.
وقوله: ﴿تُحِبُّونَهُمْ﴾ هذا معلوم لنا، لكن ﴿وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ هذا غير معلوم، لكن الله أعطانا له قرائن، وهي ما تبديه أيش؟ أفواههم، فإذا كانوا لا يحبونكم فكيف تحبونهم؟! الإنسان العاقل الحازم هو الذي يعامل من كانت هذه صفته بمثل ما كان عليه.
﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ الكتاب هنا اسم جنس يشمل جميع الكتب، ﴿تُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ﴾ القرآن، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ التوراة، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الإنجيل، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ الزبور، ﴿بِالْكِتَابِ﴾ صحف إبراهيم، تؤمنون بهذا كله، وهم لا يؤمنون بذلك.
طيب، من هؤلاء؟ يصدق هذا على اليهود والنصارى والمنافقين، كلهم لنا بهذا الوصف، لكن اليهود يدَّعون أنهم مؤمنون بالتوراة، والنصارى يدَّعون أنهم مؤمنون بالإنجيل، والمنافقون لا يؤمنون بشيء.
﴿وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا﴾ نفاقًا ومداهنة؛ يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا خَلَوْا﴾ يعني وحدهم أو إلى شياطينهم ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: من شدة الغيظ، لكن من شدة الغيظ لما يرون من نعمة الله عليكم، أو من شدة الغيظ لعدم اتباعكم لهم، أو من الأمرين جميعا، بل ربما نقول: يشمل أيضا ما ادعوه في أنهم أمضوا مع المسلمين وقتًا ولم يتمكنوا من نيل مآربهم.
وقوله: ﴿عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ﴾ الأنامل هي أطراف الأصابع، وعضُّها يعبر به عن شدة الندم والحزن، ويعبر به عن شدة الغيظ؛ أحيانًا الذي يتوعدك تجده يعض أنامله ويومي برأسه ويقول: عسى أدركك، عسى أدركك. عشان يتوعدك، نقول: هذا عض أنامله من الغيظ. والثاني انكسرت سيارته فعض أنملته، هذا من شدة الندم، لكن هنا بيَّن الله عز وجل أنهم يعضون الأنامل من شدة الغيظ، يتمنى أن تكون أنت الذي بين أسنانه حتى يقضمك.
﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الأنامل التي تُعض هل هي طرف الأصابع ولَّا وسط الأصابع؟
* طلبة: وسط الأصابع.
* طلبة آخرون: أطراف الأصابع.
* الشيخ: يعني الأعلى؟ على كل حال الظاهر أنها تختلف بحسب أعراف الناس؛ أحد يعض الأعلى، وبعض الناس يعض الوسط.
* طالب: لأن الأوسط يستحمل.
* الشيخ: وهو عندكم؟
* طالب: رؤوس الأصابع.
* الشيخ: رؤوس الأصابع، إي نعم، أظن عندنا الأوسط.
* طالب: الأوسط يا شيخ يستحمل عن الأعلى.
* الشيخ: لا دعنا مِن يستحمل أو ما يستحمل، هذه عادة، ما هي تُعلَّل العادات، إنما هم بعض الناس يعض وسط الأصبع وبعضهم يعض الطرف، المهم هي كلها تنبئ عن شدة، إما شدة الحزن وإما شدة الغيظ.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ ﴿قُلْ﴾ الخطاب للنبي عليه الصلاة والسلام، أو لمن يتأتى خطابه، وهو الأقرب؛ لأنه كان يخاطب المؤمنين بالأول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾؛ يعني: فقل أيها المؤمن لهؤلاء: ﴿مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، هذا الأمر للإهانة وبيان عدم المبالاة بهم.
و﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾ الباء قيل: إنها للغاية والمصاحبة؛ يعني: ابقوا على غيظكم إلى أن تموتوا، وقيل: إنها للسببية؛ أي: موتوا بسبب غيظكم فإنه لا يهمنا، والثاني أقرب، فالأول: دعاء عليهم ببقاء الغيظ إلى الموت، والثاني: دعاء عليهم بتعجيل الموت بسبب الغيظ، فيكون هذا أقرب للصواب وأشد في التحدي والبعد عنهم.
﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة استئنافية يبين الله تعالى فيها أنه عليم بذات الصدور؛ أي: بصاحبة الصدور، وهي القلوب؛ لأن القلوب هي محل العقل والإدراك والتدبير للجسد، وإنما قلنا: إن ذات الصدور هي القلوب؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦]، والقلب هو محل العقل ومحل التدبير، ولهذا قال النبي ﷺ: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩ / ١٠٧) من حديث النعمان بن بشير.]] وهي محل النية والإرادة؛ لأن النبي ﷺ قال: «إنما الأعمال بالنيات» »[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ للبخاري.]].
طيب، إذن ﴿عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ أي: بالقلوب، بصاحبة الصدور، هذا تفسير لفظي، والمراد القلوب.
* * *
ثم قال: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ [آل عمران ١٢٠] ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ الخطاب لمن؟ للمؤمنين، وهنا أتى بصيغة الجمع، وأتى بصيغة المفرد في قوله: ﴿قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ﴾، وسبق أن جاء بصيغة الجمع، وهذا من التفنن في الخطاب، ومن فوائده الانتباه، الانتباه أن الإنسان إذا اختلف الأسلوب عنده انتبه، وليس كما إذا كان الأسلوب على وتيرة واحدة.
﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ حسنة، أيُّما حسنة؟ دينية أو دنيوية، بدنية أو مالية أو أهلية؟
* الطلبة: شاملة.
* الشيخ: شاملة، ووجه الشمول أن ﴿حَسَنَةٌ﴾ نكرة، والنكرة في سياق الشرط تفيد العموم، فأي حسنة تصيب المؤمنين فإنها تسوءُهم لأنهم أعداء، سواء كانت هذه الحسنة في المال أو البدن أو الأهل أو النصرة أو أي حسنة كانت، فإن هؤلاء تسوءُهم الحسنة إذا مسَّتكم.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ السيئة هنا ما يسوءُكم؛ يعني: إن أصابكم ما يسوءُكم في البدن أو الأهل أو المال أو الدين ﴿يَفْرَحُوا بِهَا﴾ يعني: يلحقهم الفرح بسببها.
وهنا يقول: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ﴾ في الحسنة، و﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ﴾ في السيئة، فهل هذا من باب اختلاف التعبير أو هناك فرق معنوي؟
قال بعض العلماء: إن هذا من باب اختلاف التعبير، وإن معنى قوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ أي: إن تصبكم حسنة، قالوا: ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء ٧٩].
وقال بعض العلماء: بل بينهما فرق؛ لأن المسَّ أخف من الإصابة، المسُّ أخف من الإصابة، وبناء على ذلك أنهم يُساؤون من الحسنة وإن كانت قليلة جدًّا، ويفرحون بالسيئة إذا أصابت وأوجعت.
وهذا الفرق بالنسبة لقوله: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ﴾ وجيه، لكن بالنسبة لقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ لو قلنا بهذا الفرق لكان فرحهم بالسيئة لا يكون إلا إذا كانت؟
* طالب: شديدة.
* الشيخ: شديدة، وهذا فيما يظهر خلاف حالهم، وبناء على ذلك يترجح القول بأن مسَّ وأصاب بمعنى؟
* طالب: واحد.
* الشيخ: بمعنى واحد، لكن اختلف التعبير لفائدة، وهي التنبيه؛ لأنه إذا اختلف الأسلوب فلا بد أن يحدث للإنسان المخاطب انتباه، بخلاف ما إذا كان على وتيرة واحدة.
وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ﴾ هل يدخل في ذلك هزيمتهم في الجهاد؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: نعم، يدخل، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء ٧٢، ٧٣].
وقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ إن تصبروا على ما ينالكم منهم وتتقوا فيما تعاملونهم به؛ لأن الإنسان مطلوب بالنسبة لهؤلاء الكفار، مطلوب بأمرين؛ الأول: الصبر على ما فعلوا، والثاني: أن يتقي الله فيما يفعل بهم.
﴿إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿كَيْدُهُمْ﴾ الكيد هو المكر، والمكر هو التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم. فخرج بقولنا: التوصل بالأسباب الخفية ما إذا توصل بأمر معلوم للإيقاع بخصمه، فإن هذا لا يُسمَّى مكرًا؛ مثل أن يأتيه على وجه صريح فيقتله، لكن إذا أتاه على وجه خفي فقتله نقول: هذا مكرٌ وكيدٌ.
وقوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي، فتشمل أي شيء يكون، فالكفار إذا عاملناهم بالصبر والتقوى فلن يضرونا شيئًا.
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾.
* طالب: نرى في المؤمنين أن منهم رعاع وغثاء، هل جميع أهل الكتاب الذين يحذرنا الله سبحانه وتعالى منهم على هذه الدرجة، وأن من المؤمنين منهم يبحثون عن ملذاتهم وشهواتهم فقط، ولا يدافعون عن دين الله ولا ينصرون..
* الشيخ: هذه على كل حال تأتي بالفوائد.
* طالب: أحسن الله إليك يا شيخ كيف يكون الكفار يأخذون بطانة منهم وهم كفار؟ يعني أي بطانة فهي كافرة.
* الشيخ: كيف؟
* طالب: يعني كل ملتهم واحدة.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: فقلنا إن المفروض لو كانت خائنة الفرقة الثانية فينبغي لا يأخذوها بطانة، الكفار ملة واحدة، كيف؟
* الشيخ: إي، لكنهم قد يخون بعضهم بعضًا لمصالحهم الدنيوية؛ ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ﴾ [البقرة ١١٣].
* طالب: أحسن الله إليك، إذا الإنسان، إذا الرجل عض على الأنامل من الغيظ هل يعتبر من التشبه؟
* الشيخ: لا لا، ما هو من التشبه؛ لأن هذا شيء طبيعي.
* الطالب: ذكره من صفات المنافقين.
* الشيخ: لا، ذكره لأنهم يعضون أناملهم عليهم، كونه على المؤمن هذا نعم تشبُّه.
* الطالب: لكن الفعل ما هو تشبه.
* الشيخ: لا لا، فعل مجرد ما هو.
* طالب: كيف يُفرق بين (آلَى) التي بمعنى اليمين والتي بمعنى التقصير؟
* الشيخ: اللي بمعنى التقصير (أَلَا) ما هي (آلَى)، اللي بمعنى يمين (آلَى).
* طالب: وفي الجمع؟
* الشيخ: الجمع؟ قل: المصدر، (أَلَا إِلًا) التي بمعنى التقصير، و(آلَى) مصدرها إيلاء.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، ذكرنا أن هذا يحتمل أن يكون اليهود أو النصارى أو المنافقون، أحسن الله إليك، هؤلاء ما يجوز أن نحبهم على كل حال سواء أحبونا أم أبغضونا..
* الشيخ: نعم، هذه تأتي في الفوائد.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، قال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ [آل عمران ١١٩] ولم يقل: ولا يؤمنون بالكتاب كله، مع أنه قال: ﴿تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ﴾ [آل عمران ١١٩] ؟
* الشيخ: إي، لأنهم ربما يؤمنون ببعض كتابهم.
* الطالب: طيب الإيمان –شيخنا- ما يتجزأ؛ لأن الذي آمن ببعض الكتاب لا يوصف بالإيمان.
* الشيخ: لا، قصدي ببعض الكتب، يعني الكتاب اسم جنس.
* الطالب: حتى ولو أمن به.
* الشيخ: وحتى أيضا المنافقون يؤمنون بالكتاب إذا كان في مصلحتهم.
* الطالب: بس ما يسمى إيمان حقيقة.
* الشيخ: نعم، لكن يقال إنه مؤمن به؛ ﴿وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور ٤٩].
* الطالب: أحسن الله إليك، لو آمن بالتوراة (...) آمن بالقرآن وكذب بالتوراة..؟
* الشيخ: هو الحقيقة أن من كفر بمحمد ﷺ بعد بعثته فهو كافر حتى بالتوراة، هذا هو الحقيقة، حتى بالإنجيل.
* طالب: أقول يا شيخ: (...) ﴿هَا أَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ﴾ فمثلا الآن المنافقين في هذا العصر كأن الله عز وجل يشير بهذه الآية يعني نبتعد عن هذا الـ..
* الشيخ: هذا يأتينا في الفوائد إن شاء الله (...).
* طالب: (...).
* الشيخ: هم متلازمات، لكن هل المراد: إن كنتم تعقلون هذه الآيات التي بيناها، أو: إن كنتم تعقلون فلا تتخذوهم بطانة، فيكون من أسباب انتفاء العقل اتخاذهم بطانة رأسًا ما هو باللازم، وفرق بين دلالة اللازم ودلالة التضمن.
* * *
* طالب: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٢٢) وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [آل عمران ١٢٢، ١٢٣].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾
هذه الآية تكلمنا على أولها وقلنا: إن هؤلاء الذين من دون المؤمنين والذين اتخذوهم بطانة إذا مسَّت المسلمين حسنة أساءتهم، والمراد بالحسنة هنا حسنة الدنيا من الرزق والعافية والغنائم وغيرها، وكذلك النصر على الأعداء، وإذا أصابهم سيئة -أي: ما يسوءُهم من خذلان أو فقد مال أو جوائح أو غير ذلك- فإنهم يُسَرون بها.
يقول الله عز وجل: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ تصبروا على ما ينالكم منهم، ومعلوم أن الصابر ينتظر الفرج لأنه سيصبر على ما ناله من الأذى في هذا الوقت المعين، ولكنه ينتظر الفرج.
﴿وَتَتَّقُوا﴾ بأن تلتزموا تقوى الله عز وجل في معاملة هؤلاء وفي غيرها.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا﴾ يعني: وإن آذوكم فإنه لا يضركم. والكيد سبق لنا أنه التوصل إلى الإيقاع بالخصم بالأسباب الخفية، وهو بمعنى المكر وبمعنى الخداع، وهو ثابت لله عز وجل، يعني أن الله يوصف بالمكر والخداع والكيد في مواطنها، بخلاف الخيانة فإن الله لا يوصف بها لأنها صفة ذم بكل حال.
يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، وفي قوله: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾ قراءتان؛ إحداهما: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ﴾، والثانية: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ؛ من الضَيْر، والضَيْر بمعنى الضرر وبمعنى الضيم، فهو ضرر بضيم، ومنه ما جاء في حديث رؤية الله سبحانه وتعالى «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ الْقَمَرَ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا تَضَارُّونَ» و«لَا تُضَارُونَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٥٨١)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]] أي: لا يلحقكم ضير. هنا يقول: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ﴾، وقراءة: ﴿لَا يَضِرْكُمْ﴾ ، فتكون القراءتان كل واحدة منهما أفادت معنى غير الأخرى؛ لأن مطلق الضرر دون مطلق الضير، فالضير أشد، فهم لا يلحقوننا بضرر ولا بضير.
وقوله: ﴿شَيْئًا﴾ نكرة في سياق النفي فتكون عامة؛ يعني: أي شيء يكون، ولكن هل يلحقهم من ذلك أذى؟
الجواب نعم؛ لقوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا﴾ [آل عمران ١٨٦] ولكن لا يلزم من الأذى الضرر، ولهذا قال الله في الحديث القدسي: « يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي »[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]، وأثبت أن بني آدم يؤذونه فقال: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ؛ يَسُبُّ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٢٦)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة.]]، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [الأحزاب ٥٧].
﴿إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ الإحاطة هنا إحاطة العلم والقدرة والسلطان، فهو محيط بهم كإحاطة السور بمن في داخله؛ أي: لا يتمكن أن يفروا من قضاء الله عز وجل وعلمه وسلطانه وقدرته.
وقوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ (ما) هذه موصولة فتفيد العموم، ومر علينا في النحو أنه لا بد لكل اسم موصول من عائد يعود عليه حتى يتبين أن الجملة التي بعده صلة له؛ لأنه لا يمكن أن نعرف أن الجملة لها صلة بما قبلها إلا برابط أو عائد، في باب المبتدأ يسمونه رابطًا، وفي باب الموصول يسمونه عائدًا، فأين العائد في قوله: ﴿بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾؟
* الطلبة: محذوف.
* الشيخ: العائد محذوف؛ أي: بما يعملونه محيط.
* * *
ثم قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [آل عمران ١٢١] من هنا إلى قريب آخر السورة كله في غزوة أُحُد وما يتعلق بها؛ فقوله: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه ظرف، وعاملها محذوف تقديره: اذكر إذ غدوت. و﴿غَدَوْتَ﴾ بمعنى خرجت غُدوةً؛ أي: في أول النهار كما كان الأمر كذلك؛ فإن النبي ﷺ خرج إلى غزوة أُحُد في أول يوم السبت الموافق للحادي عشر من شوال سنة ثلاث من الهجرة، في هذا اليوم غدا النبي ﷺ من أهله.
وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِكَ﴾ (مِن) ابتدائية؛ يعني أن مبتدأ هذه الغدوة من أهله من المدينة، خرج النبي عليه الصلاة والسلام غاديًا إلى أُحُد بعد أن استشار الصحابة رضي الله عنهم هل يخرج أو لا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences