Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:118–122

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:118–122, continued

وسبب هذه الغزوة أن قريشًا لما قُتِل من صناديدهم من قُتِل في بدر -وقد مر علينا في قراءة صلاة العصر أن الذين قُتِلوا منهم سبعون رجلًا من كبرائهم، وأُسِر منهم سبعون رجلًا- أرادوا أن يأخذوا بالثأر من النبي ﷺ، فخرجوا إلى النبي عليه الصلاة والسلام يريدون قتاله، وكانوا ثلاثة آلاف معهم العدة الكثيرة، يريدون غزو النبي ﷺ ليقضوا عليه، فعسكروا حول المدينة. فلما بلغ ذلك النبي ﷺ استشار الصحابة هل يخرجوا إليهم أو لا، أما شباب الصحابة الذين لم يحضروا بدرًا فأشاروا على النبي ﷺ أن يخرج وقالوا: نخرج نقاتلهم، وأما بعض الصحابة فسكت، وأما المنافقون فقالوا: لا نخرج، لا نخرج إليهم، بل ندعهم، فإن بقوا بقوا على شر حال، وإن ملُّوا رجعوا إلى مكة، وإن دخلوا المدينة قاتلناهم؛ نقاتلهم نحن بالسيوف ويقاتلهم النساء والصبيان بالحجارة ومن على السطوح. هكذا قال المنافقون؛ لا نُصحًا لله ورسوله، ولكن جبنًا وخورًا وخداعًا وغشًا. فدخل النبي عليه الصلاة والسلام بيته ولبس لأمة الحرب وتهيأ عليه الصلاة والسلام، فقال بعض الصحابة: لعلنا استكرهنا رسول الله ﷺ على الخروج، يعني ندموا قالوا: ليتنا لم نتكلم بهذا. فلما خرج وقد لبس لأمة الحرب -يعني ما يوضع على الرأس- وتهيأ قالوا: يا رسول الله، إن شئت أن لا نخرج فعلنا. فقال: «مَا كَانَ يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأْمَةَ الْحَرْبِ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوِّهِ»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]] فمضى. خرج من المدينة ومعه ألف مقاتل، ففي أثناء الطريق رجع عبد الله بن أُبيٍّ رأس المنافقين بنحو ثلث الجيش وقالوا: ﴿لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ﴾، قال الله تعالى: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ [آل عمران ١٦٧]، فانخزلوا، ولكن الصحابة رضي الله عنهم لثباتهم وإيمانهم لم يضرهم ذلك شيئًا، استمروا حتى نزلوا أُحُدًا، ولما نزلوا عبّأهم النبي عليه الصلاة والسلام أحسن تعبئة ورتبهم، واختار منهم خمسين رجلًا من الرماة وأمَّر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ». جعلهم في سفح الجبل على شعبة منه، قال: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه.]]. فبقوا يحمون ظهور المسلمين. فحصل القتال في أول النهار وكانت الدائرة على المشركين، فولوا الأدبار، فجعل المسلمون يجمعون الغنائم، فلما رأى أهل الجبل حال المسلمين وأن المشركين قد ولوا الأدبار وصار المسلمون يجمعون الغنائم قالوا: ننزل لنساعد إخواننا في جمع الغنائم، انتهى الحرب، فذكَّرهم أميرهم قول النبي ﷺ: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ سَوَاءٌ كَانَتْ لَنَا أَمْ عَلَيْنَا»[[أخرجه البيهقي في دلائل النبوة (١١٤٢) بنحوه. ]]، ولكنهم أصروا إلا أن ينزلوا، فنزلوا، فلما رأى فرسان قريش أن الثغر خالٍ وليس هناك أحد يحمي المسلمين من ورائهم كرُّوا عليهم بخيولهم من خلفهم ودخلوا، وكان على رأسهم قائدان عظيمان وهما: خالد بن الوليد، وعكرمة بن أبي جهل -رضي الله عنهم- قبل إسلامهم، فاختلط الناس بالمسلمين من ورائهم، وحصل ما قضى الله وأراد سبحانه وتعالى لحكمة عظيمة، وقُتِل من المسلمين سبعون رجلًا، وجُرِح النبي عليه الصلاة والسلام وكُسِرت رباعيته وشُجَّ وجهه، وحتى كانت ابنته فاطمة تأتي بالحصير تحرقه وتذُرُّ رماده على جرح النبي ﷺ، ولكن الدم يندفع. المهم أنه حصل من الابتلاء والامتحان ما الله سبحانه وتعالى قد قضاه وقدره لحكمة عظيمة، حتى يعلم الناس أن الله تعالى له الحكم وإليه المنتهى، وحتى يعلم الناس أنه لا نصر مع المعاصي أبدًا، هم عصوا النبي عليه الصلاة والسلام شرعًا، وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، عصوا الرسول شرعًا وفرَّطوا فيما يلزمهم قَدَرًا، كيف ذلك؟ عصوا النبي عليه الصلاة والسلام لأنه قال لهم: «لَا تَبْرَحُوا مَكَانَكُمْ»، وتركوا ما يلزمهم قَدَرًا وهو حماية المسلمين من خلفهم؛ لأن هذا من الأسباب النافعة. وترك الأسباب النافعة سفه في العقل ونقص في الدين؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بأن نأخذ بالأسباب، أعظمها التوكل على الله، لكن لا بد أن نفعل الأسباب الحسية المادية، فهم -رضي الله عنهم وعفا عنهم- حصل منهم ما حصل فصارت النكبة العظيمة، الشهداء رضي الله عنهم حملهم أهلوهم إلى المدينة ليدفنوهم في البقيع، ولكن النبي ﷺ أمر أن يُرَدُّوا إلى مصارعهم يُدفنوا هناك في أُحُد، ففعلوا. والحكمة من ذلك -والله أعلم- أن المقتول في سبيل الله يُبعث يوم القيامة وجرحه يثعب دمًا، اللون لون الدم والريح ريح المسك، ولا يُغَسَّل لئلا يزول هذا الدم من على جسدهم، ولا يكفَّن، وإنما يُدفن في ثيابه التي قُتِل فيها، كل هذا من أجل أن يتحقق خروجه يوم القيامة من المكان الذي صُرِع فيه وعلى الهيئة التي كان صُرِع عليها، المهم أن الله تعالى يذكِّر نبيه ﷺ هذه الغزوة العظيمة التي فيها من الأسرار والحِكَم ما يتبين به أن ذلك هو عين الصواب وعين الخيرة للمؤمنين.

وقد ذكر الحافظ ابن القيم رحمه الله في كتابه زاد المعاد من الحِكَم في هذه الغزوة ما لا تجده في أي كتاب آخر، فعليك بمراجعته فإنه مفيد.

يقول: ﴿إِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿تُبَوِّئُ﴾ الجملة هذه حالية؛ يعني: حال كونك تبوِّئ. ومعنى (تبوِّئ) أي: تُنْزِل، والتبوُّء معناه النزول؛ كما جاء في الحديث الصحيح: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»[[أخرجه البخاري (١٢٩١)، ومسلم في المقدمة (٤ / ٤) من حديث المغيرة.]] أي: فليُنْزِل نفسَه في مقعد من النار، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ [الحشر ٩] أي: نزلوها.

قال: ﴿تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ ﴿الْمُؤْمِنِينَ﴾ مَن المؤمن؟

المؤمن هو المقر بما يجب الإيمان به مع القبول والإذعان، وبهذا شهادة من الله عز وجل أيما شهادة على أن هؤلاء الذين شهدوا هذه المعركة أيش؟ مؤمنون.

﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾ الله أكبر! ﴿مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ﴾، ويثبتون ويقعدون كثبوت القاعد، ولهذا قال: ﴿مَقَاعِدَ﴾ ولم يقل: منازل، لماذا؟ من أجل أن تكون هذه الأماكن التي بُوِّئوها مكان ثبات كثبات القاعد في مجلسه، وليس المعنى أن الرسول ﷺ جعل لهم هذه المنازل وقال: اجلسوا، لا، هم يتكيفون كما يناسب مصلحة الحرب، لكنها سُمِّيت مقاعد من أجل الثبات فيها.

﴿لِلْقِتَالِ﴾ يعني لقتال الأعداء، وتعلمون أن المقاتل لن يبقى في مكانه دائما بل هو يكر ويفر حسبما تقتضيه المصلحة.

﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ سميع عليم أي: سميع لما تقول لهم، عليم بأحوالكم.

وقد نقول: إن كلمة ﴿سَمِيعٌ﴾ أعم من كونها لما يقول لهم حين ترتيبهم وتبويئهم فتكون أشمل، وهذا هو الأحسن؛ لأنه كلما كان اللفظ شاملًا كان أحسن وأعم.

﴿عَلِيمٌ﴾ أي: عليم بما يحدث من قول وفعل وحال وحاضر ومستقبل.

ثم قال عز وجل: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ ﴿إِذْ﴾ هذه قال المفسرون أو المعربون: إنها بدل من (إذ) الأولى، يعني يكون التقدير على هذا: اذكر إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا.

﴿هَمَّتْ﴾ الهم يُطلق على مجرد حديث النفس، ويُطلق الهم على العزم؛ يعني أن الإنسان قد يهم؛ يحدث نفسه هل يفعل أو لا يفعل، يقال: هذا همٌّ، ويطلق على العزم المصمم الذي ينفذ إن لم يوجد مانع.

وهنا الطائفتان -وهما بنو سلمة وبنو حارثة- هموا أن يفشلوا، والفشل هنا بمعنى الجبن والخوف؛ يعني أن هاتين الطائفتين وقع في قلوبهما الهم بالانهزام، وسببه ما جرى من المنافق عبد الله بن أُبَيٍّ الذي انخزل وانخذل بنحو ثلث الجيش، وتعرفون أنه إذا انخزل أو انخذل ثلث الجيش فإن هذه ثلمة كبيرة في الجيش، فهاتان القبيلتان همَّتا أن تفشلا، أن تجبنا وترجعا، ولكن الله تعالى ثبتهما، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ فثبتهما سبحانه وتعالى فلم يفعلا ما عزما عليه.

وقوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ هذه ولاية خاصة، وولاية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة، فالولاية التي بمعنى التدبير -تدبير الشؤون- هذه ولاية عامة، والتي بمعنى العناية –يعني: التي تقتضي العناية- هذه ولاية خاصة، هذه الولاية لا شك أنها خاصة؛ لأن الإنسان إذا همَّ بمعصية أو بالذنب ثم حصل له من عند الله ما يمنعه منه فهذه ولاية خاصة لا شك، كثيرًا ما يهم الإنسان بالذنب أو بترك الواجب -يعني بالذنب من فعل معصية أو ترك واجب- فيجد في قلبه إذا همَّ بالفعل المحرم يجد في قلبه انحلالًا عن هذه الهمَّة وعدولًا عنها، هذه ولاية من الله، أو أحيانًا يهم بترك الواجب فيقيض الله له من يعينه عليه حتى يفعل، هذا أيضا ولاية خاصة، فهاتان القبيلتان لما همَّتا تولَّاهما الله عز وجل بعنايته فلم تفشلا وبقيتا مع الجيش، وكان بعض هاتين الطائفتين يقول فرحًا: لقد كان -يعني من حظهم- أن الله سبحانه وتعالى أخبر عنهم بهذا الخبر؛ لأنه أخبر بأنهما همَّتا أن تفشلا، وأخبر بخبر آخر سارٍّ ومنقبة لهما وهو أن الله وليهما، فكان هذا بهذا.

﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ﴿عَلَى اللَّهِ﴾ متعلقة بـ﴿يَتَوَكَّلِ﴾، وقدمت لإفادة الحصر؛ يعني: على الله لا على غيره فليتوكل.

والتوكل قال أهل العلم: هو صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل السبب الذي أمر به. هذا التعريف طويل لكنه جامع؛ صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها. أُعيدها ثالثة: صِدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار مع الثقة به وفعل الأسباب التي أمر بها.

أَعِدْها علينا.

* طالب: هو صدق الاعتماد على الله في دفع المضار وجلب المنافع مع الاعتماد.

* الشيخ: مع الثقة به.

* الطالب: مع الثقة به.

الشيخ: وفعل الأسباب التي أمر بها.

* الشيخ: طيب، إذن لا يكفي أن تَصْدُق الاعتماد على الله حتى يكون في قلبك ثقة بأن الله سيعينك ويكفيك، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، ولا يكفي أيضًا أن تعتمد على الله وتثق به حتى تفعل الأسباب التي أمر بها؛ لأنك إن لم تفعل الأسباب التي أمر بها كنت متواكلًا لا متوكلًا. ويُذكر «أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه قيل له: إن قومًا من أهل اليمن جاؤوا حُجَّاجًا وليس معهم زاد فقالوا: نحن المتوكلون. فقال: إنهم ليسوا بمتوكلين، ولكنهم متواكلون»[[أخرجه البخاري (١٥٢٣) من حديث ابن عباس.]]. بمعنى أنهم مفرِّطون مهملون، فلو أن أحدًا قال: أنا سأعتمد على الله تعالى في جلب الرزق في أن الله سيرزقني، وهو قادر على فعل الأسباب ولكن لم يفعل، قلنا: أنت مهمل متواكل، افعل السبب؛ ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك ١٥]. قد يقول: ربما يموت قريب لي فأرثه فهذا من رزق الله. نقول: وإذا ما مات، وإذا لم يمت، تقتله؟ حتى لو قتله ليأخذ ماله حُرِم من الميراث لأن القاتل عمدًا لا يرث، فالحاصل أنه لا بد لصحة التوكل من فعل الأسباب التي أمر الله بها، أما الأسباب التي لم يأمر الله بها فإنه لا يجوز للإنسان أن يتعاطاها.

وقوله: ﴿فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ أمر المؤمنين أن يتوكلوا على الله؛ لأنه لا يمكن أن يحقق التوكل إلا المؤمن، فالتوكل من مقتضيات الإيمان، والإيمان الحقيقي من أسباب التوكل على الله.

نرجع الآن لنأخذ الفوائد حتى لا نذهب بعيدًا، آخر فائدة كتبناها؟

* طلبة: (...).

* الشيخ: نعم، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ إلى أخره.

* في هذه الآية الكريمة: تحريم اتخاذ البطانة التي ليست منا؛ لقوله: ﴿لَا تَتَّخِذُوا﴾، والأصل في النهي التحريم.

* ومن فوائدها: أن هذا التحذير ليس خاصًّا بولاة الأمور، بل كل إنسان لا يجوز له أن يتخذ بطانة من دونه، حتى الواحد الفرد منا لا يجوز أن يتخذ بطانة من دونه، بمعنى أنها ليست على طريقه ولا على منهاجه، فلو أن رجلًا مسلمًا صادَقَ كافرًا واتخذه بطانة يُسِرُّ إليه بالأمور لقلنا: إن هذا حرام عليه، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ وَمَا أَعْلَنْتُمْ﴾ [الممتحنة ١].

* من فوائدها: أن تجنب البطانة السيئة من مقتضيات الإيمان؛ لأن الخطاب وُجِّه إلى من؟

* الطلبة: إلى المؤمنين.

* الشيخ: إلى المؤمنين.

* ومن فوائدها: أن اتخاذ البطانة؛ بطانة السوء، من نواقص الإيمان، صح؟ بناء على القاعدة التي أصلناها فيما سبق: أن ما كان الإيمان مقتضيًا له فإن فواته يكون نقصًا في الإيمان.

وهل يكون من نواقض الإيمان؛ من نواقض، ما هو نواقص؟

* الطلبة: قد يكون.

* الشيخ: قد يكون، ربما يكون من نواقض الإيمان، لو اتخذ هذه البطانة فيما يخرج من الإسلام لكان ذلك من نواقض الإيمان.

* من فوائد هذه الآية: أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا، وهذا بناء على أن الجملة أيش؟ استئنافية للتعليل، وقد ذكرت لكم في التفسير أن من العلماء من قال: إنها صفة لما قبلها، وإن الذين من دوننا إذا كانوا لا يألوننا خبالًا فلا بأس أن نتخذهم بطانة، ولكن الظاهر الأول؛ أن الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أن الذين من دوننا لا يألوننا خبالًا.

ولنضرب لذلك مثلًا بالمؤمنين يتخذون بطانة من الكافرين، فإن الكفار لا شك أنهم لا يقصرون في طلب الخبال لنا، طيب: «يُذكر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أرسل إليه أبو موسى يريد منه أن يولي كاتبًا نصرانيًّا على بيت المال؛ لأنه -أي: هذا الكاتب النصراني- كان جيدًا في الحساب، فكتب إليه عمر أن لا تفعل، وأمره بعزله، فأعاد عليه مرة ثانية يطلب منه أن يبقيه كاتبًا، فكتب إليه عمر: مات النصراني، والسلام»[[أخرجه البيهقي في الكبرى (٩ / ٢٠٤) وشعب الإيمان (٨٩٣٩) من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه بنحوه.]]. المعنى؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: يعني إذا مات هل معناه يتعطل بيت المال أو حساب بيت المال؟ قَدِّرْ أنه مات، أمَّا أن نأتمنه على بيت مال المسلمين وقد خان الله ورسوله فلا يمكن.

وبه نعرف أنه لا يجوز أن يولَّى أعداؤنا من الكفار أو غير الكفار أسرار أمورنا؛ لأننا إذا ولَّيناهم أسرار أمورنا فقد أخذناهم بطانة.

* ومن فوائد هذه الآية: بيان عناية الله سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين؛ حيث حذرهم إلى أمور قد تخفى عليهم، وذلك باتخاذ البطانات السيئة.

* ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا يودُّون لنا ما يشق علينا؛ لقوله: ﴿وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ﴾.

وهنا سؤال: هل يودُّون ما شق علينا في الدنيا أو في الدين؟

* الطلبة: يشمل الأمرين.

* الشيخ: يشمل الأمرين؛ فيودون ما يدمر جيوشنا، يودون ما يدمر اقتصادنا، يودون ما يدمر معارفنا، يودون ما يدمر ديننا، والظاهر عندي -والله أعلم- أن أهم شيء لديهم هو تدمير الدين؛ لأنهم يعلمون أن ديننا إذا قوِيَ صار فيه تدمير لهم، لكن اقتصادنا إذا قوِيَ لا يكون فيه تدمير لهم؛ لأنهم هم أقوى منا اقتصادًا وأقوى منا جيوشًا وأقوى منا عُدَّةً، لكن الدين هو الذي يدمرهم، ولذلك نقول: إن كل ما يشق علينا في أمر الدين والدنيا يتطلبونه، يريدون أن يضايقونا في الدين بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في الاقتصاد بقدر ما يستطيعون، يودون أن يضايقونا في السلاح بقدر ما يستطيعون، يرسلون لنا من الأسلحة ما عفا عليه الأثر من الأسلحة التي زالت منفعتها في الوقت الحاضر، وصارت بالنسبة لأسلحة الوقت الحاضر كالسكين بالنسبة للأسلحة أو الهراوة، يعني ليس فيها فائدة، لكن هم لا يهمهم، هم يريدون أن يكملوا اقتصادهم وأن يشغلوا مصانعهم، ولا يهمهم أن ننتفع أو ننضَرَّ.

* ومن فوائد هذه الآية: أن أعداءنا إذا تأمل الإنسان أحوالهم وجد من أفواههم ريح البغضاء؛ لقوله: ﴿قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ بما يتكلمون به، وربما تبدو البغضاء من أفعالهم أحيانًا بالمضايقة، فهم أحيانًا يُبدونها من أفواههم، وأحيانًا من أفعالهم بالتهديد ونحو ذلك، بالتهديد الفعلي لا القولي.

* ومن فوائدها؛ من فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما في قلوب الأعداء من العداوة والبغضاء والحقد والحنق أكثر مما يبدو، وهذا أمر لا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، وهو الذي أخبرنا بذلك: ﴿وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ أكبر مما تبديه أفواههم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن الأوصاف الذاتية أو الفعلية تتفاضل؛ لقوله: ﴿أَكْبَرُ﴾ وهو قد تكلم عن البغضاء، والبغضاء وصفٌ في القلب ذاتي لا يمكن للإنسان أن يعرفه إلا بآثاره، فهنا بيَّن أن البغضاء متفاوتة، وكذلك المحبة متفاوتة، ولا شك في المحبة، كلٌ لا يشك فيها؛ لأنها جاءت في القرآن وفي السنة: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة ٢٤]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (١٥)، ومسلم (٤٤ / ٧٠) من حديث أنس.]].

لكن البغضاء أيضًا تتفاوت؟ نقول: نعم، حتى البغضاء تتفاوت، بعضها أعظم من بعض.

* من فوائد هذه الآية: منة الله سبحانه وتعالى علينا ببيان آياته؛ لقوله: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ﴾، والآيات التي بيَّنها الله قسمان: آيات كونية، وآيات شرعية، وبيانه لها إما بالمشاهدات الحسية وإما بالتأملات العقلية؛ فالآيات الشرعية تكون بالتأملات العقلية، والآيات الكونية بالمشاهدات الحسية التي قد تكون طريقًا إلى التأملات العقلية أيضًا.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما كان الإنسان أشد عقلًا أو أقوى عقلًا كان أفهم لآيات الله، تؤخذ؟

* طالب: من قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾.

* الشيخ: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ﴾، إذن كلما كان الإنسان أعقل كانت الآيات له أبين وأظهر.

ثم قال الله تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ﴾، عندكم أسئلة؟ طيب.

* طالب: الشخص المريض يا شيخ الأفضل أن يبحث عن العلاج ولّا يتوكل على الله ويدعو الله أن يشفيه؟

* الشيخ: هذا فيه خلاف بين العلماء؛ فمنهم من قال: إن ترك الدواء أفضل، ومنهم من قال: بل الدواء أفضل، ومنهم من قال: إذا غلب عليه النفع من الدواء فهو أفضل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أمر بالتداوي، وأمر الله بحفظ النفس، وهذا هو الأصح أنه إذا كان هذا الدواء معروفًا بأن فيه شفاء لهذا المرض فإن الأفضل تناوله؛ لأن هذا من نعمة الله، كما أن الطعام والشراب يتناوله الإنسان وجوبًا فكذلك هذا إذا غلب على ظنه النفع فالأفضل أن يتداوى.

* الطالب: حديث المرأة التي كانت تتكشف وقال النبي ﷺ: «إِنْ صَبَرْتِ فَلَكِ الْجَنَّةُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦ / ٥٤) من حديث ابن عباس.]]، فهم يفضلون أن لا يتعالج ويبقى على..

* الشيخ: إي نعم، هذه قضية عين، ربما أن الرسول عليه الصلاة والسلام فهم أنها قد تتغير لو أنها شُفِيتْ بالمرة، ولهذا بعض الأحيان يكون المرض للإنسان أحسن من الناحية الدينية.

* طالب: أحسن الله إليك، ذكرنا أنه لا يجوز أن نولي أعداء الله أسرارنا، لكن -أحسن الله إليك- يكون أحيانًا تكون البلاد في حاجة إلى ذلك، يعنى التكنولوجيا على سبيل المثال؟

* الشيخ: لا لا، ما هي بأسرار الصناعة، الصناعة هم أعلم منا بها، يعني هم الذين يخفون عنا أسرارهم؛ لأنهم يطلعون على شيء لا نطلع عليه، لكن أسرارنا: ماذا نريد أن نفعل في ترتيب جيوشنا، في مصالح شعوبنا، في مصالحنا الذاتية، إذا كان هذا خاصًّا، أما مسألة الصناعة فهم في الوقت الحاضر، وربما يأتي اليوم الذي نكون نحن أحسن منهم، لكن في الوقت الحاضر هم الذين يخفون أسرارهم عنا.

* طالب: كان عدد الكفار في غزوة أُحُد وبدر ثلاثة أضعاف عدد المسلمين، فما ساغ للنبي ﷺ أن يستعين بأحد يا شيخ من أحد القبائل؟

* الشيخ: الكفار يعني؟ والسؤال؟

* طالب: أقول يعني لم يستعن النبي ﷺ بأحد؟

* الشيخ: إي نعم، ما اضطُرَّ إلى هذا، الرسول ما اضطُرَّ إلى هذا.

* طالب: عددهم ثلاث مرات.

* الشيخ: إي نعم، هو ربما، ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [البقرة ٢٤٩] لكن إذا كان ما فيه مناسبة إطلاقا، ما فيه مناسبة، ماذا يصنعون؟ إذا كان ما فيه مناسبة؛ يعني مثلًا أن نعلم علم اليقين أننا في مقابلتنا لهم أو في اعتدائهم علينا لا نستطيع المدافعة إطلاقًا، أما ثلاثة مع تسعة مثلًا فيه إمكان، فيه إمكان للغلبة.

* طالب: شيخ، بالنسبة للمستشفيات مثلا يكون المدير نصراني (...) يعني..

* الشيخ: كيف يعني؟

* الطالب: (...) أسرار المسلمين؟

* الشيخ: المستشفيات.

* الطالب: يكون مدير المستشفى نصراني مثلًا.

* الشيخ: والمستشفى إسلامي ولّا..؟

* الطالب: يكون في بلد المسلمين.

* الشيخ: في بلد المسلمين، لا، هذا ما يجوز، هذا ما يجوز أن يولَّى أسرار المسلمين، تتكشف النساء، ولا يؤمَن؛ لأن النصارى في بلاد أفريقيا يقولون لنا: إنهم يعطون المرضى دواء، والمريض يظن أنه شفاء، ولكنه دواء عقم. يعقمون النساء، قاتلهم الله، هكذا قيل لي، والله أعلم، لكن ما نأمن الكفار، كيف نأمنهم؟! ربما يعطوننا إبَرًا تقضي علينا على المدى البعيد. نعم.

* طالب: (...) الأدوية العربية أم الأدوية يعنى (...)؟

* الشيخ: والله إذا أمكن الأدوية الطبيعية أحسن، لأن غالب الأدوية الطبية يكون فيها مواد كيماوية قد تكون ضارة على الإنسان، ولهذا ربما يتناول الدواء هذا الرجل فيضره وذاك الرجل فينتفع به، حسب ما فيه من المواد.

* طالب: (...) يعني ما كانت فيه مناسبة أن النبي ﷺ يستعين بالمشركين، ويعني ثبت أنه رد المشرك حينما ذهب ليحارب معه، وأيضًا كانت الروم في أحد الغزوات تسعة أعشار المسلمين في الغزو وأيضًا ما استعان بالمشركين.

* الشيخ: نعم، صحيح.

* الطالب: كيف يكون يعني تسعة أعشار..

* الشيخ: مثل أيش اللي تسعة أعشار؟

* الطالب: الروم.

* الشيخ: مثل أيش؟ في أي غزوة؟

* الطالب: في غزوة عين جالوت تقريبا، غزوة الـ.. غزوة مؤتة يا شيخ.

* الشيخ: أنا أفهم أن عين جالوت ما هي بعهد الرسول عليه الصلاة والسلام.

* الطالب: مؤتة يا شيخ، مؤتة.

* الشيخ: إي.

* طالب: والقادسية أيضًا.

* الشيخ: نعم، أولًا: هو نفسه ما غزا في مؤتة، أرسل جيشًا للروم وحصل أن الروم تجمعوا، ما ظن المسلمون أنهم بهذا التجمع، ولهذا حازهم خالد بن الوليد إلى الجبل ففتح الله عليه.

* الطالب: ولذلك ما استعان (...).

* الشيخ: يلَّا، توكلنا على الله.

* طالب: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، قال ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد:

فصل في غزوة بدر الكبرى

فلما كان في رمضان من هذه السنة بلغ رسول الله ﷺ خبر العير المقبلة من الشام لقريش صحبة أبي سفيان، وهي العير التي خرجوا في طلبها لما خرجت من مكة، وكانوا نحو أربعين رجلًا، وفيها أموال عظيمة لقريش، فندب رسول الله ﷺ الناس للخروج إليها، وأمر من كان ظهره حاضرًا بالنهوض، ولم يحتفل لها احتفالًا بليغًا؛ لأنه خرج مسرعًا في ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا، ولم يكن معهم من الخيل إلا فَرَسانِ: فرس للزبير بن العوام، وفرس للمقداد بن الأسود الكندي، وكان معهم سبعون بعيرًا يعتقب الرجلان والثلاثة على البعير الواحد، فكان رسول الله ﷺ وعليٌّ ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرًا، وزيد بن حارثة وابنه وكبشة موالي رسول الله ﷺ يعتقبون بعيرًا، وأبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون بعيرًا، واستخلف على المدينة وعلى الصلاة ابن أم مكتوم، فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة.

* الشيخ: عندي (بالروحاء) الرَّوْحاء؛ بفتح الراء وسكون الواو: قرية على نحو أربعين ميلًا من المدينة، إي نعم.

* * *

* الطالب: فلما كان بالروحاء رد أبا لبابة بن عبد المنذر واستعمله على المدينة، ودفع اللواء إلى مصعب بن عمير، والراية الواحدة إلى علي بن أبي طالب، والأخرى التي للأنصار إلى سعد بن معاذ، وجعل على الساقة قيس بن أبي صعصعة، وسار، فلما قرب من الصفراء بعث بسبس بن عمرو الجهني وعدي بن أبي الزغباء إلى بدر يتجسسان أخبار العير.

وأما أبو سفيان فإنه بلغه مخرج رسول الله ﷺ وقصده إياه، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري إلى مكة مستصرخًا لقريش بالنفير إلى عيرهم ليمنعوه من محمد وأصحابه، وبلغ الصريخ أهل مكة، فنهضوا مسرعين وأوعبوا في الخروج، فلم يتخلَّف من أشرافهم أحد سوى أبي لهب، فإنه عوَّض عنه رجلًا كان له عليه دَيْن، وحشدوا فيمن حولهم من قبائل العرب، فلم يتخلف عنهم أحد من بطون قريش إلا بني عدي فلم يخرج معهم منهم أحد، وخرجوا من ديارهم كما قال تعالى: ﴿بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٤٧]، وأقبلوا كما قال رسول الله ﷺ: «بِحَدِّهِمْ وَحَدِيدِهِم، تُحَادُّهُ وَتُحَادُّ رَسُولَه»[[زاد المعاد (٣ / ١٧٢). ينظر المغازي للواقدي (١ / ٩٥)، والسيرة لابن هشام (١ / ٦٢١) بلفظ: «اللهم هذه قريش قد أقبلت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك».]]، وجاؤوا على حَرْدٍ قادرين، وعلى حميَّةٍ وغضبٍ وحَنَقٍ على رسول الله ﷺ وأصحابِه؛ لما يُريدون مِن أخذ عيرهم وقتل من فيها، وقد أصابوا بالأمس عمرو بن الحضرمي والعير التي كانت معه، فجمعهم الله على غير ميعاد كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: ٤٢].

«ولما بلغ رسولَ الله ﷺ خروجُ قريش استشار أصحابه، فتكلَّم المهاجِرون فأحسَنُوا، ثم استشارهم ثانيًا فتكلم المهاجرون فأحسنوا، ثم استشارهم ثالثًا، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم، فبادر سعد بن معاذ فقال: يا رسول الله، كأنك تعرِّض بنا. وكان إنما يعنيهم لأنهم بايعوه على أن يمنعوه من الأحمر والأسود في ديارهم، فلما عزم على الخروج استشارهم ليعلم ما عندهم، فقال له سعد: لعلك تخشى أن تكون الأنصار ترى حقًّا عليها أن لا ينصروك إلا في ديارهم، وإني أقول عن الأنصار وأُجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصِلْ حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وخُذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذتَ منَّا كان أحب إلينا مما تركتَ، وما أمرت فيه من أمرٍ فأمْرُنا تَبَعٌ لأمرك، فواللهِ لئن سِرْتَ حتى تبلغ البَرْكَ من غمدان، لنسيرنَّ معك، وواللهِ لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك. »

«فقال له المقداد: لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾، ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك، ومن بين يديك ومن خلفك. فأشرق وجه رسول الله ﷺ»[[أخرجه البخاري (٣٩٥٢) من حديث ابن مسعود مختصرًا، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس بطوله.]].

* الشيخ: أولًا: المهاجرون قالوا وأحسنوا مع أنهم سيقاتلون قومهم من قريش، ثم تكلم الأنصار، هذا الكلام العجيب الذي يدل على قوة الإيمان وعلى قوة امتثالهم لأمر النبي ﷺ وحمايتهم له، وأنهم مهما فعل فهُمْ تبع له رضي الله عنهم، فهذا يا إخواني هو الذي يمثل الإسلام حقيقة والمسلمين حقيقة، إذا أمر الله ورسوله بأمر لم يكن لهم الخيرة من أمرهم، وهم تبع للرسول عليه الصلاة والسلام يفدونه بأنفسهم وأموالهم وأولادهم، وهكذا يجب علينا أن نفدي بقدر ما نستطيع كتاب ربنا وسنة نبينا ﷺ؛ بأنفسنا وأموالنا وأولادنا؛ لأنها هي أغلى ما عندنا في الدنيا، لذلك أريد أن نأخذ من هذا عبرة وأن يكون لنا على بال حيث قالوا له هذا الكلام العظيم: «لئن استعرضتَ بنا هذا البحر خضناه معك»، مع أن خوض البحر هلاك، لكن هم سيتبعون النبي ﷺ في كل شيء، رضي الله عنهم وأرضاهم، نعم.

* * *

* الطالب: «فأشرق وجه رسول الله ﷺ، وسُرَّ بما سمع من أصحابِه وقال: «سِيرُوا وأَبْشِروا؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ»[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦١٥)، وابن جرير في تفسيره (١١ / ٤١) من حديث ابن عباس.]]. فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق..

* الشيخ: «سِيرُواوأَبْشِرُوا» كأن النصر بيده عليه الصلاة والسلام، كأنه ممسكه؛ لأن الله تعالى هو الذي وعده: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] الطائفة الأولى: أبو سفيان والعير، والثانية: قريش، ﴿وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٧] وغير ذات الشوكة مَن؟ العير، ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال ٧] الحمد لله. نعم.

ثم يقول: « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» هذه أيضا بُشرى، أبشروا. أو « رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ» حقيقة؛ يعني علم اليقين وحق اليقين؛ لأن رؤيا النبي ﷺ وحيٌ.

* * *

* الطالب: فسار رسولُ الله ﷺ إلى بدر، وخفض أبو سفيان فلحق بساحل البحر، ولما رأى أنه قد نجا وأحرز العير كتب إلى قريش أن ارجعوا؛ فإنكم إنما خرجتم لتُحرِزوا عِيركم. فأتاهم الخبر وهم بالجحفة، فهمُّوا بالرجوع، فقال أبو جهل: واللهِ لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها ونطعم مَن حضرنا مِن العرب وتخافنا العرب بعد ذلك، فأشار الأخنس بن شريق عليهم بالرجوع فعصوه، فرجع هو وبنو زُهرة، فلم يشهد بدرًا زُهري، فاغتبطت بنو زهرة بعدُ برأي الأخنس فلم يزل فيهم مطاعًا معظَّمًا، وأرادت بنو هاشم الرجوع، فاشتدَّ عليهم أبو جهل وقال: لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع. فساروا، وسار رسول الله ﷺ حتى نزل عشيًّا أدنى ماءٍ من مياه بدر فقال: «أَشيرُوا عَلَىَّ في المَنْزِل». فقال الحباب بن المنذر: يا رسول الله؛ أنا عالم بها وبقُلُبها، إن رأيتَ أن نسيرَ إلى قُلُبٍ قد عرفناها، فهي كثيرة الماء، عذبة، فننزل عليها ونسبق القوم إليها ونُغوِّر ما سواها من المياه »[[ذكره ابن هشام في السيرة (١ / ٦٢٠).]].

وسار المشركون سِراعًا يريدون الماء، وبعث عليًّا وسعدًا والزبير إلى بدر يلتمسون الخبر، فقدموا بعبدين لقريش ورسولُ الله ﷺ قائم يُصلِّى، فسألهما أصحابُه: مَن أنتما؟ قالا: نحن سُقاةٌ لقريش. فكره ذلك أصحابه وودُّوا لو كانا لعير أبي سفيان، فلما سلَّم رسول الله ﷺ قال لهما: «أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ؟». قالا: وراء هذا الكثيب. فقال: «كَمِ الْقَوْمُ؟». فقالا: لا علم لنا. فقال: «كَمْ يَنْحَرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؟». قالا: يومًا عشرًا، ويومًا تسعًا. فقال رسول الله ﷺ: «الْقَوْمُ مَا بَيْنَ تِسْعِ مِئَةٍ إِلَى الْأَلْفِ»[[أخرجه البيهقي في الدلائل (٩٦٥) من حديث يزيد بن رومان.]]. فأنزل الله عز وجل في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين وابلًا شديدًا منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طَلًّا طهَّرهم به وأذهب عنهم رجس الشيطان، ووطَّأ به الأرضَ، وصلَّب به الرملَ، وثبَّتَ به الأقدام، ومهَّد به المنزل، وربط به على قلوبهم، فسبق رسول الله ﷺ وأصحابه إلى الماء، فنزلوا عليه شطرَ الليل وصنعوا الحياض، ثم غوَّروا ما عداها من المياه، ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تلٍّ يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة، «وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إن شاء الله» »[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر.]].

الطالب: ونزل رسول الله ﷺ وأصحابه على الحياض، وبُني لرسول الله ﷺ عريش يكون فيها على تل يشرف على المعركة، ومشى في موضع المعركة وجعل يشير بيده: «هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إِنْ شَاءَ اللهُ»[[أخرجه مسلم (٢٨٧٣ / ٧٦) من حديث عمر بن الخطاب.]]. فما تعدى أحد منهم موضع إشارته.

فلما طلع المشركون وتراءى الجمعان قال رسول الله ﷺ: «اللَّهُمَّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا، جَاءَتْ تُحَادُّكَ وَتُكَذِّبُ رَسُولَكَ» وقام ورفع يديه واستنصر ربه وقال: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللَّهُمَّ إِنِّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ». فالتزمه الصدّيق من ورائه وقال: يا رسول الله، أبشر، فوالذي نفسي بيده لينجزن الله لك ما وعدك»[[أخرجه البخاري (٢٩١٥) من حديث ابن عباس، ومسلم (١٧٦٣ / ٥٨) من حديث عمر بن الخطاب.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском