Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:15–19, continued
* الطالب: قول الرسول عليه الصلاة والسلام في الحديث: «أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (١٨٣ / ٣٠٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].
* الشيخ: ما فيه شيء من القرآن؟
* الطالب: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة ٨].
* الشيخ: لا، أيش تقول؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢].
* الشيخ: قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾، أحسنت، ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، ﴿يَقُولُونَ﴾ بالقلب أو باللسان؟
* طالب: كلاهما، قلوبهم وألسنتهم.
* الشيخ: طيب، هل يكفي اللسان؟
* الطالب: ما يكفي.
* الشيخ: الدليل؟
* الطالب: قلنا أبا طالب..
* الشيخ: الدليل؟
* الطالب: الدليل يعني من القرآن؟
* الشيخ: من القرآن نعم.
* الطالب: الذين يقولون ربنا آمنا.
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨].
* الشيخ: إذن ليس المراد بقولهم: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ ليس المراد به القول باللسان، إنما المراد القول باللسان والقلب.
* طالب: ما في أصرح من هذه الآية؟
* الشيخ: ما أدري ما نعرفها؟
* طالب: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران ١٦٧].
* الشيخ: إي، وهذه أيضًا تفيد لكن آيتي أصرح، يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ طيب، قوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾؟
* طالب: الفاء للسببية (...) مغفرة مع إقالة الذنوب.
* الشيخ: ما هي المغفرة؟
* الطالب: المغفرة هي جاي من الوقوع في الستر.
* الشيخ: الستر؟
* الطالب: الستر مع المغفرة.
* الشيخ: هي نسأل المغفرة الآن، ما يمكن نقول: المغفرة هي الستر مع المغفرة، نسأل الآن عن المغفرة؟
* طالب: ستر الذنب والتجاوز عنه.
* الشيخ: يعني إذن ستر ووقاية، ما الذي يدل على أن المغفرة تشمل المعنيين جميعًا الستر والوقاية، من اللغة؟
* طالب: المغفرة معناها..
* الشيخ: عرفنا معناها ستر الذنب والوقاية منه بالتجاوز.
* الطالب: تأتي منها المغفر الذي يرتديه المحارب.
* الشيخ: مأخوذة من المغفر الذي يغطي به المحارب رأسه، طيب، الفوائد من قوله: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿قِنَا﴾ القاف فعل دعاء، صح؟
* الطلبة: صح.
* الشيخ: القاف فعل دعاء، خطأ، نقول: (قِ) فعل دعاء، ما نقول: القاف، طيب، المال لزيد، ماذا نقول؟ نقول: (لِ) حرف جر، ولّا: اللام حرف جر؟ اللام حرف جر، ما الفرق بين (لزيد) وبين (قِ)؟
* طالب: (قِ) فعل أمر.
* الشيخ: طيب.
* طالب: تلك من حرف واحد وده من حرفين.
* الشيخ: قِ حرف واحد، أيش لونه؟ أصله من ثلاثة أحرف، نقول: لأن اللام حرف، و(قِ) فعل، ولهذا لو كتبت (ق) حرف هجائي لقلت: قاف، إذن (قِ) فعل أمر، زنته الصرفية؟
* طالب: (فِ).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (عِ).
* الشيخ: (عِ)، زنته الصرفية (عِ)؛ لأنه حُذفت فاؤه ولامه؛ إذ إن أصله من (وقا) واو قاف ألف، فإذا حُذفت الفاء واللام وأيش يبقى؟ تبقى العين، فيكون (قِ) على وزن (عِ)، مُرْ شخصًا من وعى؟
* الطلبة: (عِ).
* الشيخ: (عِ)، وزنها الصرفي؟
* الطلبة: (عِ).
* الشيخ: (عِ)، من وفى؟
* الطلبة: (فِ).
* الشيخ: (فِ)، وزنها الصرفي؟
* الطلبة: (عِ).
* الشيخ: (عِ)، وَشَى؟
* الطلبة: (شِ).
* الشيخ: (شِ)، وقد ذكر الخضري على شرح ابن عقيل أظن حوالي عشرين فعلًا من هذا النوع، يعني فعل أمر مما حُذفت فاؤه ولامه وصار على وزن (عِ).
قوله تعالى: ﴿قِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ من الوقاية، يعني: قِنَا إياه، وهل المراد: قِنَا العذاب عند استحقاقنا له، أو قنا العذاب حتى لا نعمل العمل الذي يوصلنا إلى العذاب، أو الأمرين جميعًا؟ الظاهر أن المراد الأمران جميعًا، فيكون هؤلاء السادة قد دَعَوْا بأن يقيهم الله تعالى عذاب أهل النار، ودعوا بأن الله سبحانه وتعالى يقيهم النار إذا هم عملوا عمل أهلها، ولكن كيف يقيهم عمل أهل النار إذا هم عملوا عمل أهلها؟ يقيهم ذلك بأمور متعددة، وقد ذكر العلماء أسباب مغفرة الذنب فبلغت نحو عشرة أسباب، منها: أن يوفَّق الإنسان للتوبة، فإذا تاب الإنسان من الذنب وقاه الله تعالى عقاب ذلك الذنب، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣].
ومنها: الأعمال الصالحة، والصدقة، ودعاء المؤمنين، وغير ذلك، المهم أنهم ذكروها نحو عشرة أسباب كلها من أسباب وقاية عذاب النار، فيكون دعاؤهم للوقاية من عذاب النار يشمل معنيين: المعنى الأول أن يقيهم أعمال أهل النار، والثاني: أن يقيهم العذاب بعد فعلِ موجِب العذاب، بعد فعل الموجب، بأن يُيَسِّر لهم أسباب التوبة ومحو هذه الذنوب ولو بمشيئته عز وجل، فـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨].
وقوله: ﴿عَذَابَ النَّارِ﴾ هذا مجمل لكنه مفصل في آيات كثيرة قد بيّن الله سبحانه وتعالى عذاب أهل النار وأنه عذاب تتفطر منه الأكباد وتتفجر منه القلوب، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق ٣٧]، ثم وصف الله تعالى هؤلاء السادة بقوله: ﴿الصَّابِرِينَ﴾، وهذه نعت لقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لـ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، لـ ﴿الصَّابِرِينَ﴾ إلى آخره، والصابر اسم فاعل من الصبر، وهو في الأصل الحبس، والمراد به شرعًا: حبس النفس عن محارم الله، وأنواعه ثلاثة: صبر على أقدار الله المؤلمة، وصبر عن معاصي الله، وصبر على طاعة الله عز وجل، ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، أما الصبر على الطاعة فإن الإنسان يجد منه معاناة عظيمة؛ لأنه عندما يهم بالطاعة تجد نفسه الأمارة بالسوء والشيطان يحاولان أن يصداه عن طاعة الله، وتجده في عراك مع نفسه الأمارة بالسوء حتى إذا أعانه الله عز وجل على ذلك تغلب على هذين العدوين؛ الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وفعل ما أوجب الله، أو ما أمر الله به، في المعصية لا سيما مع وجود الأسباب المقتضية لها تجد الإنسان في عراك شديد مع نفسه لا سيما مع قوة الداعي لها وعدم المعارض، فإنه إذا قوي الداعي للمعصية وعُدِم المعارض لا ينجو منها إلا من عصمه الله، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام في جملة مَن يظلّهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله قال: «رَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ مَنْصِبٍ وَجَمَالٍ، فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١٤٢٣)، ومسلم (١٠٣١ / ٩١) من حديث أبي هريرة.]]، هذا الرجل صبر هذا الصبر العظيم عن محارم الله مع قوة الداعي وعدم أيش؟ المعارض، لم يقل هذا الرجل: والله ما بي شهوة، لا، الرجل فيه الشهوة، لم تكن المرأة قبيحة لا تُشْتَهى بل هي ذات جمال، لم تكن المرأة من السوقة الذين ليس فيهم خير بل هي ذات منصب وشرف، ودعته، لم يكن المكان فيه أحد يعارض الوصول إلى المقصود؛ لأنه لم يقل: حولنا أحد نخشى منه، لكن فيه شيء واحد وهو: الخوف من الله عز وجل، وهذا صبر عن أيش؟ عن معصية الله، صبر عن معصية الله، ولا شك أن في هذا مشقة عظيمة، شاب، في مكان خالي، عنده شهوة، دعته امرأة ذات منصب وجمال، هي دعته لنفسها، وكثير من الناس لا يملك نفسه إذا حدثته المرأة الشابة الجميلة فكيف وهي تدعوه؟ ومع ذلك يقول: إني أخاف الله، هذا صبر عظيم، ومنه صبر يوسف عليه الصلاة والسلام عندما دعته امرأة العزيز وهي سيدته، ولا شك أنها تجمّلت له، وأنها فعلت جميع أسباب المغريات، أو جميع المغريات لتصل إلى مقصودها، ولكنه عليه الصلاة والسلام رأى برهان ربه، وإلا فإن الأمر قد تم، ﴿هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ [يوسف ٢٤]، فعند آخر لحظة عصمه الله عز وجل، وهذا أشد ما يكون من العفة وأقوى ما يكون من العفة، ألم ترَ إلى الرجل الإسرائيلي الذي كان «يراود ابنة عمه عن نفسها وتأبى عليه، فلما ألَمّت بها سَنَة جاءت إليه ومكّنته من نفسها، فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته في أشد ما يكون من التهيؤ قالت له: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه، وما الذي حصل؟ قام منها وهي أحب الناس إليه »[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٤٦٥)، ومسلم (٢٧٤٣ / ٩٩) من حديث عبد الله بن عمر.]]، ما كرهها، لم تزل نفسه تطلبها، لكن لما ذكّرته بالله عز وجل اتقى الله، فأقول: هذا من الصبر عن معصية الله عز وجل.
الثالث: الصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا كثير، ومن ذلك أيوب عليه الصلاة والسلام فإنه صبر صبرًا عظيمًا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص ٤٤]، فقد صبر على ما ألَمّ به من الضر صبرًا عظيمًا، والصبر أيضًا على أقدار الله المؤلمة المترتبة على طاعة الله أعظم أجرًا، فصبر الرسل على أذية الناس من أجل الدعوة إلى الله؛ لأن هؤلاء صبروا على الأقدار المؤذية المترتبة على أيش؟ على فعل اختياري منهم وهو طاعة الله بتبليغ رسالته، ونضرب مثلًا لصبر سيد الخلق عليه الصلاة والسلام، محمد عليه الصلاة والسلام، حيث صبر صبرًا عظيمًا لا يصبر عليه أحد مع الحلم والأناة والعفو والتسامح، لما خرج إلى أهل الطائف يدعوهم إلى الله، يدعوهم إلى توحيد الله، يدعوهم إلى الجنة، ينقذهم من النار ماذا حصل؟ اصطفوا صفين، صفّوا سفهاءهم صفين وقالوا: اضربوا محمدًا بالأحجار، فجعلوا يضربونه بالأحجار حتى أدموا عقبه، فلم يفق إلا بقرن الثعالب، عليه الصلاة والسلام، فجاءه ملك الجبال في هذه الحال التي يمكنه أن ينتقم من أعدائه وقال له: إن الله أرسلني إليك وأمرني أن أطبق عليهم الأخشبين إن شئت، بإمكانه أن يقول: أطبقها عليهم؛ لأن الذي أرسله هو الذي يقول للشيء: كن، فيكون، سبحانه وتعالى، لكنه قال: «لَا، أَسْتَأْنِي بِهِمْ فَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٣٢٣١)، ومسلم (١٧٩٥ / ١١١) من حديث عائشة.]]، الله أكبر، وأظهر الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا، من نصر الله بهم الإسلام وفتح بهم مشارق الأرض ومغاربها، فانظر كيف كان عاقبة الصبر والحلم والأناة، وكان ذات يوم عليه الصلاة والسلام يصلي تحت بيت الله في آمَن مكان على وجه الأرض ساجدًا لله عز وجل، فجاء سفهاء قومه فأرسلوا واحدًا منهم إلى جذور بني فلان فجاء بسلاها فرثها دمها فوضعه على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، ساجد لله في آمن مكان، في المكان الذي يأمن فيه المشرك الكافر، يأمن من شر قريش، ومحمد رسول الله ﷺ لم يأمن من أذاهم حتى جاءت ابنته فاطمة الصبية فأزالت الأذى عن ظهره[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٤٠)، ومسلم (١٧٩٤ / ١٠٧) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، ومع ذلك صبر وصابر ولم يخرج من مكة إلا بعد أن أذن الله له، هاجر قومه ولكنه هو أبى، لم يهاجر حتى أُذِنَ له عليه الصلاة والسلام، فكان عبدًا لله في الإقامة وعبدًا لله في الهجرة عليه الصلاة والسلام.
المهم أن الصبر درجة عظيمة، يمتدح الله الصابرين، ويبين أنه يوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب، وهو درجة عالية لا تُنال إلا بأمر يُصبر عليه، لا تظن أن الصبر درجة بسيطة، لا بد من شيء تصبر عليه، ولهذا على أهل العلم من المسؤولية التي يجب أن يصبروا على أذى الناس فيها ما ليس على غيرهم، كل من حمّله الله علمًا فإن تحميله ذلك العلم عهد وميثاق بينه وبين ربه أن يبلغه إلى الناس، وأن يدعو به الناس، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران ١٨٧]، بماذا أخذ؟ هل أحد منكم أنتم الآن أعطاكم الله الكتاب هل أحد منكم شعر بأن الله أخذ عليه العهد والميثاق؟
* طالب: لا
* الشيخ: لا، لكن تعليم الله لكم هو عهد وميثاق، اختصكم الله بالعلم من بين سائر الجهلاء، هذا هو العهد والميثاق، يعني ما هو مبايعة حسية يشهدها الناس في المساجد أو في الفلوات، ولكنه نعمة ينعم الله بها على الإنسان، فمتى أنعم الله بالعلم على إنسان فهذا هو العهد والميثاق الذي أخذه الله، ولو أن طلبة العلم الآن الموجودين بثوا شيئًا من علمهم ليس كل علمهم لوجدت العلم منتشرًا بين الناس كثيرًا، ولكن أكثر الناس، أكثر طلبة العلم أو كثير من طلبة العلم نُسَخ الكتب أنفع للناس منهم؛ لأن علمهم لا يتجاوز صدورهم، بل إنهم قد يُعَنْوِنُون أحيانًا بأفعالهم وأقوالهم عن جهلهم وكأنه لا علم عندهم، من التقصير في العبادة، والتقصير في المعاملة، وسوء الخلق، وعدم القيام بحقوق الناس، فتجد طالب العلم تجد معاملة الجاهل العامي خيرًا منه، فهل نقول: إن هذا الرجل صبر؟ لا ما صبر؛ لأنه متى ينعى بالصبر؟ أن يبث العلم حتى يؤذى فيه، ولو تأملتم الآن لرأيتم أكثر الناس علمًا وإمامة في الدين هم الذين اشتد إيذاء الناس لهم، الإمام أحمد رحمه الله ماذا فُعل به؟ يُجر بالبغلة في الأسواق ويُضرب بالسياط حتى يفيق، إمام أهل السنة، حتى يفيق، ومع ذلك لم تثنِ هذه الأذية عزمه على أن يقول الحق، لم يُطلب منه شيء كثير، طُلب منه أن يقول: القرآن مخلوق، بس، ومع ذلك أبى، قال: القرآن مُنَزَّل غير مخلوق، (...).
قال السحرة: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [طه ٧٢]، الإمام أحمد قال: لا أبالي ولْأَمُت في الجهاد في نشر العقيدة السليمة، لو أن الإمام أحمد رحمه الله قال - ولو بالتأويل -: إن القرآن مخلوق، لضل أمم، لكنه كما قال بعض العلماء: نصر الله به الإسلام يوم المحنة كما نصر الإسلام بأبي بكر يوم الردة، شيخ الإسلام ابن تيمية ما الذي حصل له؟ أوذي، حُبس عدة مرات، مات في السجن، كان يكتب وهو في السجن، ينشر العلم في السجن فمنعوا عنه الدواة والقرطاس، فجعل يكتب العلم على جدران السجن، يكتب ما يفتح الله عليه، وذكر عن نفسه أن الله فتح عليه علمًا عظيمًا؛ لأنه انقطع إلى الله عز وجل، يأتي إليه أصحابه ويأخذون ما كتبه، ماذا فعل أعداؤه؟ منعوا أصحابه عنه، قالوا: لا تدخلون على هذا الرجل تأخذون علمه، ومع ذلك صبر وانقطع إلى تلاوة القرآن وكان معه أخوه يدارسه القرآن حتى ختم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر ٥٤، ٥٥] ففاضت نفسه رحمه الله، الله أكبر، ختام، ختام حسن، نسأل الله أن يلحقنا وإياكم وإياه بالصالحين، المهم أن الصبر درجة عالية، وأنتم بما منّ الله عليكم من العلم، والحمد لله، وفضلكم به على كثير من عباده المؤمنين يجب عليكم أن تبثوا العلم وأن تصبروا على الأذى فيه، فلذلك نقول: الصبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فأي الأنواع أفضل؟ أفضلها الصبر على طاعة الله، ثم الصبر عن معصية الله، ثم الصبر على أقدار الله، هذا من حيث الأصل، لكن قد يعاني الإنسان من الصبر على الأقدار أكثر مما يعاني من الصبر على الأوامر، فيؤجر من هذه الناحية من حيث المشقة، وقد يعاني من الصبر عن محارم الله أكثر مما يعاني من الصبر على طاعة الله، فيكون من هذه الناحية أكثر أجرًا بسبب المشقة، أعرفتم؟ لكن من حيث هي هي الأقسام من حيث هي هي أفضلها بلا شك الصبر على طاعة الله؛ لأن الصبر على طاعة الله جامع بين أمرين: بين حمل النفس الباطنة على هذا العمل وبين حمل الجسد الظاهر على هذا العمل؛ لأن الطاعة فعل والفعل يحتاج أولًا: عزمًا، وثانيًا: فعلًا، ففيه أمران، لكن الصبر عن المعصية فيه عمل باطن فقط وهو حبس النفس عن الفعل، ما فيه تعب بدني، لا فيه لا ركوع ولا سجود ولا قيام ولا قعود ولا بذل مال ولا شيء، كفّ فقط، ففيه معاناة باطنة فقط، ولهذا صار أقل درجة، الصبر على الأقدار ما فيه لا هذا ولا هذا؛ لأنه ليس باختيارك، أصيب الإنسان بحادث فانكسرت رجله أو يده هل هو باختياره؟ هذا ليس باختياره، فهو إما أن يصبر صبر الكرام، وإما أن يسلو سُلُوّ البهائم، ما فيه، ولهذا صار أقل درجة من القسمين الأولين؛ لأن القسمين الأولين من فعل الإنسان واختياره.
﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ الصدق هو المطابقة للواقع، المطابقة للواقع تسمى صدقًا، فالصادق هو الذي يكون خبره مطابقًا للواقع، والكاذب؟ خلاف ذلك، الصدق يكون بالقول، ويكون بالفعل، ويكون مع الله، ويكون مع عباد الله، كم الأقسام؟ أربعة: يكون بالقول، ويكون بالفعل، ويكون مع الله، ويكون مع عباد الله، أما الصدق بالقول فهو مطابقة القول للواقع، فإذا قال لك: جاء زيد، وكان قد جاء، فهو مطابق للواقع فيكون صدقًا، والصدق من صفات المؤمنين، والكذب من صفات المنافقين، وقد حث النبي عليه الصلاة والسلام على الصدق وقال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]]، والصديقية ليست مرتبة دنيّة، بل هي التي تلي مرتبة النبيين، ولهذا كانت الصديقية في المرتبة الثانية من ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، هذا صدق القول، صدق الفعل أن يكون مطابقًا للقلب، هذا صدق الفعل، أن يكون مطابقًا للقلب، فرجل يظهر لك المودة وقلبه يبغضك، هذا صادق؟
* الطلبة: لا.
* الشيخ: رجل يظهر أنه مؤمن ويصلي ويتصدق ويحضر مجالس العلم لكن قلبه منطوٍ على الكفر -والعياذ بالله- هذا صادق؟ لا، هذا كاذب كذبًا فعليًّا، أظهر خلاف ما يبطن، المثالان الآن واحد مع العباد وواحد مع الله، فالمنافق كاذب مع الله، والذي يظهر لك التودد وهو يكرهك هذا كاذب مع الناس لم يصدق معك، إذن في قوله: ﴿الصَّادِقِينَ﴾ يشمل هذا وهذا؛ الصدقَ في القول والفعل مع الله ومع عباد الله، وقد أمر الله عز وجل بالصدق في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، والنبي ﷺ حث عليه حثًّا عظيمًا يطلق عليه علماء النحو أيش؟ الإغراء، وهو الطلب بحث وإزعاج، قال: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ».
وعاقبة الصادقين لا تخفى عليكم، ولو لم يكن منها إلا ذلك المثال الفذ فيما نعلم الذي جرى من كعب بن مالك رضي الله عنه وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، حيث تخلفوا عن غزوة تبوك بدون عذر، فلما جاء الرسول ﷺ إلى المدينة راجعًا جاء المنافقون السطحيون يعتذرون إلى الرسول ﷺ فيعذرهم؛ لأنه صلوات الله وسلامه عليه لا يعلم الغيب ولا يأخذ الناس إلا بالظاهر، يعذرهم ويستغفر لهم ويولّون ويظنون أنهم كسبوا، يظنون أنهم هم الأذكياء الذين جمعوا بين تهدئة النبي عليه الصلاة والسلام وتهدئة الكفار، فصاروا إخوانًا للمسلمين في الظاهر وإخوانًا للكافرين في الباطن، ﴿إِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ﴾ [البقرة ١٤] ما قالوا: إنا كفرنا، قالوا: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ﴾ [البقرة ١٤] يعني: كفر وزيادة، يعني إنهم كافرون ويعينون الكفار.
أما كعب بن مالك رضي الله عنه فكان قد أوتي جدلًا وخصومة وجيدًا في ذلك، لكنه أمام من؟ ليس أمام بشر يستطيع أن يتخلص منه بحيلة، لكنه بين يدي علام الغيوب عز وجل الذي لو كذب اليوم لفضحه غدًا، كما وقع في المنافقين قال الله عز وجل: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة ٩٥]، أتريدون أشد من هذا الذم وأشد من هذا العقاب؟ ﴿إِنَّهُمْ رِجْسٌ﴾ هذا الذم والتقبيح، العقاب: ﴿وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾، لكنه رضي الله عنه قال: لن أتخلص بحيلة اليوم وبعذر فيفضحني الله عز وجل غدًا، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بالحق بالصدق، فجاء التوفيق من الله عز وجل بامتحان هؤلاء الثلاثة هجرهم النبي عليه الصلاة والسلام وأمر بهجرهم، وبعد أن مضى أربعون ليلة أمرهم أن يعتزلوا نساءهم، حتى قال كعب رضي الله عنه لما جاءه رسول رسول الله ﷺ يأمره باعتزال أهله قال: أأطلقها؟ قال: لا، لكن اعتزلها، فهل قال: والله هذه زوجتي من أنام عنده الليلة؟ أو قال: الحقي بأهلك؟ الحقي بأهلك، قال: سمعًا وطاعة، فصبروا هذا الصبر العظيم؛ أولًا على الصدق، وثانيًا على هذا الهجر الذي يقول كعب رضي الله عنه: كنت أسلِّم على النبي ﷺ فلا أدري أحرك شفتيه برد السلام أم لا؟ الله أكبر، النبي عليه الصلاة والسلام أحسن الناس خُلقًا وأعظم الناس بشاشة وأحسن الناس ردًّا يسلّم عليه كعب ولا يدري هل رد السلام أم لا، ويسلم على أبي قتادة ابن عمه وهو أحب الناس إليه، يسلم عليه ولا يرد عليه، أبو قتادة، مع أنك لو جئت اليوم في عصبية هل يترك ابن عمه لمثل هذه الأمور؟ أبدًا، والعلم عند الله، ما يترك، لكن أبو قتادة رضي الله عنه يسلّم عليه كعب ما يرد عليه السلام، يقول: فقلت له أنشدك الله، هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ فقال بعد أن سكت هنيهة قال: الله أعلم، ما أتى بخطاب، ما قال: نعم، ولا: لا، قال: الله أعلم، والعلم عند الله أن أبا قتادة ما أراد بذلك جواب كعب، إنما أراد الخبر أن الله سبحانه وتعالى أعلم من كل أحد، ولكن بعد هذا الصبر العظيم وأيش النتيجة؟ النتيجة نزول آيات تتلى في شأنهم إلى يوم القيامة، لن يُنسى ذكرهم أبدًا، يمكن يُنسى من هو أفضل منهم من الصحابة ولكن هؤلاء لا يُنسى ذكرهم وأيش بنا نطابق الجزاء العظيم على هذا الصبر، ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ [التوبة ١١٨] يعني: وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفوا، ﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [التوبة ١١٨] ثم أمر المؤمنين بمثله بأن يكونوا مثلهم، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، والمهم أن الصدق خلق عظيم عال رفيع لا يناله إلا مَن وُفِّق حتى يكون في الدرجة الثانية ممن أنعم الله عليهم «لَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨) إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران ١٧ - ١٩]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى في وصف الذين اتقوا عند ربهم والذين لهم ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران ١٥].
قال الله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ في بقية أوصافهم ﴿الصَّابِرِينَ﴾ وسبق الكلام على الصبر معناه لغة وشرعًا، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، ثم قال: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ القانتين اسم فاعل من القنوت، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ وسبق الكلام أيضًا على الصدق وبيّنّا أنه صدق في المقال والفِعَال والعقيدة، وبيّنّا أنه صدق مع الله وصدق مع عباد الله، ثم قال: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ هذا أيضًا من صفاتهم القنوت، والقنوت يطلق على عدة معانٍ، وأنسبها لهذه الآية أن المراد بالقنوت دوام الطاعة مع الخشوع والخضوع لله عز وجل، بحيث يكون الإنسان مديمًا لطاعة الله مقبلًا على الله سبحانه وتعالى في طاعته، قال الله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، أي: خاشعين، ولهذا لما نزلت هذه الآية أُمِرُوا بالسكوت ونُهُوا عن الكلام، فالقانت إذن المديم لطاعة الله مع خشوع القلب وحضوره والتزامه للإقبال على الله عز وجل، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ المنفقين من (أنفق) أي: بذل النفقة، والنفقة هي إخراج المال، وأطلق الله سبحانه وتعالى هنا الإنفاق ولم يبيّنه لكنه سبحانه وتعالى ذكر في آيات أخرى الميزان للإنفاق، وذكر ما ينفَق عليه أو ما ينفَق له، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء ٢٩]، فهذا هو الميزان في الإنفاق أن لا يكون الإنسان مقترًا ولا مسرفًا، وإذا جعلنا هذا هو الميزان صار هذا الميزان يختلف باختلاف الأحوال والأزمان والبلدان، فقد يكون الإنفاق إسرافًا بالنسبة للشخص وليس بإسراف بالنسبة لآخر، فإنفاق الفقير ليس كإنفاق الغني، ولهذا قال الله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق ٧]، وإنفاق المتوسط بينهما، كذلك أيضًا يختلف باختلاف الزمان، فقد يكون الزمان زمان رخاء عام في هذا المجتمع، فيكون الإسراف في مجتمع دونه في الرخاء غير إسراف في حق هذا المجتمع، ويختلف كذلك باختلاف الأزمان، ففي بعض الأحيان تكون الأموال كثيرة متوفرة، فيكون الإنفاق الكثير فيها غير إسراف، وأحيانًا يكون الأمر بالعكس، على كل حال أطلق الله هنا في الآية الإنفاق وذكر ميزانه في عدة آيات، منها في سورة الفرقان: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾، أما ما الذي يُنفَق فيه أو يُنفَق له؟ قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة ٢١٥]، فجهات الصرف كل جهة محتاجة أو يحتاج المسلمون إليها، إما أن تكون هي محتاجة، وإما أن يكون المسلمون محتاجين إليها، فالإنفاق في سبيل الله لحاجة من؟ لحاجة المسلمين إلى الجهاد في سبيل الله؛ لأن في الجهاد في سبيل الله إعلاء كلمة الله عز وجل وحفظ شريعته، والإنفاق على الفقير لحاجة من؟ لحاجة الفقير ليس لحاجة المسلمين، بل هي لحاجة الفقير، فأنت ترى دائمًا الإنفاق إما لدفع حاجة محتاج، وإما لدفع حاجة المسلمين عمومًا، يعني في المصالح العامة، المهم أن هؤلاء منفقون، هؤلاء الذين هم من أهل الجنة منفقون، لكن إنفاقهم منضبط بضوابط شرعية.
﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ ﴿الْمُسْتَغْفِرِينَ﴾: السائلين لمغفرة الله، والمغفرة هي: ستر الذنب والتجاوز عنه، مأخوذة من الغَفْر وهو الستر بوقاية، ومنه الْمِغْفَر الذي يُجعل على الرأس عند الحرب فإنه جامع بين الستر والوقاية، أي: يسألون المغفرة.
وقوله: ﴿بِالْأَسْحَارِ﴾ الباء هنا للظرفية، أي: فيها، والأسحار جمع سَحَر وهو آخر الليل، أي: يسألون المغفرة في هذا الوقت من الزمن في آخر الليل، لماذا؟ أولًا: لأنه وقت نزول الله عز وجل إلى السماء الدنيا، «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَنْزِلُ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الْآخِرُ فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة.]]، والثاني أنه وقت فراغهم من التهجد من العمل، والإنسان مطلوب منه إذا فرغ من العبادة أن يستغفر الله، ولهذا يُشْرَع لنا أن نستغفر الله تعالى ثلاثًا بعد الصلاة، وأمر الله سبحانه وتعالى أن نستغفر في الحج، متى؟
* طالب: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة ١٩٩] كذلك أيضا في آخر الليل بعد التهجد يسأل اللَّهَ المتهجدُ المغفرة، وهذا - أي سؤال المغفرة- بعد الانتهاء من العبادة فيه كمال الذل لله عز وجل، وأن الإنسان لا يعجب بعمله بل يخشى من التقصير فيه، فلهذا يستغفر عما يكون منه من نقصان وتقصير في هذه العبادة، ثم قال الله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران ١٨]، ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الشهادة قد تكون بالقول وقد تكون بالفعل، وشهادة الله سبحانه وتعالى لنفسه بانفراده بالألوهية كشهادته لرسوله ﷺ بأنه أنزل عليه الكتاب، فهنا قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾ [النساء ١٦٦] وهنا قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، فشهادته لنفسه بالوحدانية وشهادته لنبيه ﷺ بالرسالة هو والملائكة، والشهادة كما قلت قولية كما في هذه الآية، وكما في آية النساء: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ﴾، وفعلية وهي - أي الشهادة- ما يظهره الله سبحانه تعالى من آياته، فإن ما يظهره من آياته شهادة له بالوحدانية، كل الكائنات تشهد لله عز وجل بالوحدانية إما بلسان المقال وإما بلسان الحال، كذلك تأييده النبي ﷺ بالنصر وجعل العاقبة له شهادة له بأنه رسول الله حقًّا، فشهادة الله لنفسه بالوحدانية أقول إنها تكون بالقول وتكون بالفعل، في الآية الكريمة الشهادة بالقول ولّا بالفعل؟ بالقول ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ يعني: أخبر عن نفسه بأنه يشهد أنه لا إله إلا هو، سبحانه وتعالى، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مرّت علينا هذه كثيرًا، ويجب على كل مسلم أن يعرف معناها، وأن يعرف مقتضاها أيضًا، معناها: أنه لا معبود حقٌّ إلا الله، هذا معنى الآية، كل ما عُبد من دون الله فهو باطل، وإن سُمِّي إلهًا فإن ألوهيته مجرد تسمية، لكن هو لا يستحق الألوهية وإن كان هؤلاء عبدوه واتخذوه إلهًا لكن هو نفسه أي المعبود من دون الله ليس بإله، قال الله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [يوسف ٤٠]، وليست مسميات وكيف تكون مسميات مطابقة للواقع وهي آلهة باطلة؟ هذا لا يمكن، إذن ﴿لَا إِلَهَ﴾ أي: لا معبود حق إلا الله، وأما المعبود باطل فهو موجود، كما سمى الله تعالى الأصنام آلهة في قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ﴾ [يس ٧٤]، وقال: ﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ [هود ١٠١]، وقال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء ٩٨]، والآيات في هذا كثيرة، وقال: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء ٢١٣] ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص ٨٨]، كل هذه المعبودات تسمى آلهة لكن هل هذا الاسم مطابق للواقع؟ لا، فمعنى (لا إله إلا الله) أي: لا معبود حق إلا الله عز وجل، ويلزم من كونه المعبود أن يكون هو الرب، كما يلزم من كونه الرب أن يُعبد وحده، فتوحيده بالألوهية متضمن لتوحيده بالربوبية، ولهذا بنى الله توحيد الألوهية على توحيد الربوبية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة ٢١].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences