Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:15–19

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:15–19

3:15–19Page 51

۞ قُلۡ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيۡرٖ مِّن ذَٰلِكُمۡۖ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ عِندَ رَبِّهِمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَأَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞ وَرِضۡوَٰنٞ مِّنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِٱلۡعِبَادِ ١٥

Say, "Shall I inform you of [something] better than that? For those who fear Allāh will be gardens in the presence of their Lord beneath which rivers flow, wherein they abide eternally, and purified spouses and approval from Allāh. And Allāh is Seeing [i.e., aware] of [His] servants -

ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ إِنَّنَآ ءَامَنَّا فَٱغۡفِرۡ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٦

Those who say, 'Our Lord, indeed we have believed, so forgive us our sins and protect us from the punishment of the Fire,' "

ٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡمُنفِقِينَ وَٱلۡمُسۡتَغۡفِرِينَ بِٱلۡأَسۡحَارِ ١٧

The patient, the true, the obedient, those who spend [in the way of Allāh], and those who seek forgiveness before dawn.

شَهِدَ ٱللَّهُ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَأُوْلُواْ ٱلۡعِلۡمِ قَآئِمَۢا بِٱلۡقِسۡطِۚ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١٨

Allāh witnesses that there is no deity except Him, and [so do] the angels and those of knowledge - [that He is] maintaining [creation] in justice. There is no deity except Him, the Exalted in Might, the Wise.

إِنَّ ٱلدِّينَ عِندَ ٱللَّهِ ٱلۡإِسۡلَٰمُۗ وَمَا ٱخۡتَلَفَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَهُمُ ٱلۡعِلۡمُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۗ وَمَن يَكۡفُرۡ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ فَإِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ١٩

Indeed, the religion in the sight of Allāh is Islām. And those who were given the Scripture did not differ except after knowledge had come to them - out of jealous animosity between themselves. And whoever disbelieves in the verses of Allāh, then indeed, Allāh is swift in [taking] account.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أولًا في القراءات: فيها ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ بتحقيق الهمزتين بدون مد؛ وفيها قراءة ثانية: ﴿آؤنبئكم﴾ أي بتحقيق الهمزتين بالمد.

وقوله: ﴿قُلْ﴾ سبق لها نظائر، وذكرنا أن الآيات المصدرة بـ (قل) تشير إلى الاهتمام بها والعناية بها؛ لأن الله أمر نبيه ﷺ أمرا خاصا أن يبلغها للناس، والأمر العام لكل القرآن.

وقوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ الاستفهام هنا للتشويق؛ لَما ذكر متع الحياة الدنيا السبعة الأنواع السابقة قال: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ يشوقنا إلى ما هو خير من ذلك، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي أخبركم بخير من ذلك؛ والإنباء هو الخبر عن أمر هام، ولا يكون النبأ غالبا إلا في الأمور الهامة كما في قوله تعالى: ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ (١) عَنِ النَّبَإِ الْعَظِيمِ﴾ [النبأ ١، ٢].

قال: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما سبق من متع الحياة الدنيا بأنواعها السبعة؛ ولكن قد يقول قائل: لماذا أشار إليه بلفظ المفرد المذكر؟

نقول: لأجل طي ذكره بشيء واحد؛ كأنه قال: بخير من ذلكم المذكور؛ حتى لا يشار إلى التفصيل فيه؛ لأن الدنيا كلها، كلها في الواقع ينبغي أن يزهد فيها الإنسان ولا يحتسبها شيئًا، ألم تر إلى قوله ﷺ: «فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ، وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا يُصِيبُهَا أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٥٠٧٠)، ومسلم (١٩٠٧ / ١٥٥) من حديث عمر بن الخطاب، واللفظ لمسلم.]]، ولم يذكرها تحقيرا لها.

وقوله: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ هذا كما قلت استفهام، الجواب: هو مضمون قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ..﴾ إلى آخره، هذا الخير ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾.

وقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ لا يخفى علينا جميعا أنه خبر مقدم و﴿جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ مؤخر. وتقديم الخبر يفيد الحصر؛ لأن من القواعد المعروفة في البلاغة أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر.

﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. اتقوا ماذا؟ اتقوا الله عز وجل، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة ٢٧٨].

وأحيانًا نؤمر باتقاء اليوم؛ يوم القيامة، كما في قوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ [البقرة ٢٨١].

وأحيانًا نؤمر بتقوى النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٣١].

ولكن المعاني وإن اتفقت في أصل الوقاية لكنها تختلف؛ لأن تقوى الله عز وجل تستلزم الخوف منه وتعظيمه، أما النار فإن تقواها تستلزم الخوف منها فقط لكنها ليست تقوى عبادة وإنابة وتعلق بها، بل تقوى فرارا منها. وكذلك تقوى اليوم الذي نرجع فيه إلى الله وهو يوم القيامة.

المهم أن قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ينبغي أن نحملها على أعلى أنواع التقوى وأفضلها، وهي تقوى الله عز وجل، لا تقوى اليوم الآخر ولا تقوى النار؛ لأن تقوى الله يحمل على تقوى اليوم الآخر وعلى تقوى النار. فما هي تقوى الله؟

قال بعض العلماء في تقوى الله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك ما نهى الله على نور من الله، تخشى عقاب الله.

وهذا يتضمن الإخلاص والعلم؛ العلم قوله: على نور من الله؛ والإخلاص: ترجو ثواب الله وتخشى عقاب الله. يعني لا يحملك على هذا حب الدنيا، أو الجاه، أو الرئاسة، أو ما أشبه ذلك.

وقال بعض العلماء: إن تقوى الله: أن يخلي الإنسان جميع الذنوب؛ صغيرها وكبيرها.

وعلى هذا قول الشاعر:

خَـــــلِّ الذُّنُـــــــوبَ صَغِيرَهَـــــــــا ∗∗∗ وَكَبِيرَهَــــــــــــــا ذَاكَ التُّقَــــــــــــــــــــى؎وَاعْمَــــــــلْ كَمَـــــــاشٍ فَـــــــوْقَ ∗∗∗ أَرْضِ الشَّوْكِ يَحْذَرُ مَا يَرَى؎لا تَحْقِـــــــــــــــرَنَّصَغِيــــــــــــــــــــرَةً ∗∗∗ إِنَّ الْجِبَــــــالَ مِــــــنَالْحَصَـــــــــى

وقال بعض العلماء: تقوى الله عز وجل: اتخاذ وقاية من عذابه، بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

وهذا أجمع ما قيل في التقوى؛ إن اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

ثم اعلم أن التقوى أحيانًا تُقرن بالبر، وأحيانا تُفرد؛ فإن قُرنت بالبر صار معناها اجتناب المعاصي، والبر فعل الطاعات، وإن أُفردت عنه صارت شاملة لفعل الأوامر واجتناب النواهي.

ولهذا الاستعمال في الكلمات شواهد كثيرة، أو نظائر كثيرة على الأصح؛ كالفقير والمسكين. الفقير والمسكين إن ذُكرا جميعا صار لكل واحد منهما معنى، وإن أُفرد أحدهما صارا بمعنى واحد. كذلك الإيمان والإسلام؛ عند الإفراد يدخل أحدهما في الآخر، وعند الجمع يكون لكل واحد منهما معنى غير الآخر.

قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ إذن اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ العندية هنا تفيد فضلا عظيمًا؛ لأنها هي القرب من الله عز وجل ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾؛ كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف ٢٠٦]، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]. ثواب المتقين عند الله، والعندية تفيد القرب، ولا أقرب من شيء يكون سقفه عرش الله عز وجل؛ كالفردوس الأعلى، أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.

هذه العندية تفيد القرب ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر ٥٤، ٥٥].

وقوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ الرب كما سبق هو الخالق المالك المدبر. وسبق أيضًا قريبًا أن ربوبية الله سبحانه وتعالى تنقسم إلى عامة وخاصة. والربوبية هنا ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ربوبية خاصة؛ لأن الله تعالى وفقهم لما حرمه كثيرا من عباده.

﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ جنات كثيرة متنوعة، ذكر الله تعالى في سورة الرحمن أن أنواعها أربع، فقال: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم قال: ﴿وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٦٢]، وأخبر النبي ﷺ أَنَّ جَنَّتَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ وَجَنَّتَيْنِ مِنْ فِضَّةٍ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٤٨٧٨)، ومسلم (١٨٠ / ٢٩٦) من حديث عبد الله بن قيس.]]؛ وهذا باعتبار الجنس، أما الأنواع فكثيرة؛ لأن لكل أمة ما يختص بها من الثواب، ولكل فرد من الأمة ما يختص به من الثواب.

ونحن نعرف الآن أن الفواكه في الدنيا اسمها واحد ولكن تختلف، فالرمان مثلا في هذا البستان يكون جيدًا، وفي البستان الثاني يكون رديئًا، وكذلك بقية الفواكه، كذلك الجنة تختلف؛ حتى وإن اشتركت في أن كلها رمان، كلها فواكه، وما أشبه ذلك، تختلف من شخص لآخر؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ [الأنعام ١٣٢] وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ يَتَرَاءَوْنَ أَصْحَابَ الْغُرَفِ الْعَالِيَةِ كَمَا تَتَرَاءَوْنَ الْكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ الْغَابِرَ فِي الْأُفُقِ[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٥٦)، ومسلم (٢٨٣١ / ١١) من حديث أبي سعيد الخدري.]]. فهي درجات عظيمة.

فهنا قال: ﴿جَنَّاتٌ﴾ بالجمع؛ لتعدد أجناسها، وأنواعها، وأفرادها.

والجنة في الأصل البستان الكثير الأشجار، ولكن المراد بالجنات التي وعد الله بها المتقين هي دار النعيم المقيم التي فيها: «مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٢٤٤)، ومسلم (٢٨٢٤ / ٢) من حديث أبي هريرة.]].

يقول: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ تجري من تحتها، ليس من تحت أرضها، بل فوق أرضها، لكن من تحت أشجارها وقصورها، أنهار مطردة، وأنهار مختلفة الأنواع، أربعة أنواع: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ [محمد ١٥].

هذا الماء لم يخرج من الآبار، ولم يذب من الجليد، وهذا العسل لم يخرج من نحل، وهذا اللبن لم يخرج من بهيمة، ولكن الذي خلق هذا في الدنيا من هذه الأشياء المعلومة؛ قادر على أن يخلقه عز وجل في الآخرة ابتداء. لبن مخلوق، نهر يجري، عسل كذلك، خمر لذة للشاربين كذلك، فهذه الأنواع الأربعة تجري من تحت هذه القصور الفخمة والأشجار اليانعة تبهج الناظرين، تسر الناظرين؛ تسر القلب، لا يتصور الإنسان ما فيها من النعيم.

يقول: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾، هذا أيضا من كمال النعيم؛ الخلد ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ [الدخان ٥٦]، بل يقال لهم: «خُلُودٌ وَلا مَوْتَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٥٤٥) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٨٤٩ / ٤٠) من حديث أبي سعيد الخدري.]] فيُسَرُّون، بل يقال لهم: «إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَدًا، وَأَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَدًا»[[أخرجه مسلم (٢٨٣٧ / ٢٢) من حديث أبي هريرة.]] كل الآفات التي في الدنيا المنغصة للنعيم كلها تنفى عنهم. ولهذا قال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾.

﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ معطوفة على ﴿جَنَّاتٌ﴾ جنات وأزواج؛ وعطفها عليها لاختلاف نوع التلذذ؛ فالتلذذ بالجنات تلذذ شهوة بطن، والتلذذ بالأزواج تلذذ آخر، من نوع آخر؛ ولهذا قال: ﴿أَزْوَاجٌ﴾ من الحور العين ومن نساء الدنيا.

والإنسان الذي له زوجة في الدنيا تبقى زوجة له في الآخرة، وإذا كانت ذات زوجين فإنها تُخير بينهما، وإذا لم يكن للإنسان زوجة في الدنيا فإن في الجنة من ليس لهن أزواج في الدنيا، يُزوج هذا من هذه، وهناك أيضا أزواج من نوع آخر وهن الحور العين، والحور العين أيضا داخلة في قوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾.

وقوله تعالى: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ من أي شيء؟ من كل رجس حسي أو معنوي، مطهرة من كل رجس حسي أو معنوي؛ فالحسي مثل البول والغائط والحيض والعرق المنتن والمخاط، وما أشبه ذلك، والمعنوي: الغل والحقد والفجور وكراهة الزوج، وما أشبه ذلك.

المهم أن الله أطلق قال: ﴿مُطَهَّرَةٌ﴾ ولم يقل: من كذا وكذا؛ من أجل إفادة العموم؛ لأن من القواعد المعروفة أن حذف المعمول يؤذن بعموم العامل، قاعدة معروفة عندهم؛ أن حذف المعمول يؤذن بعموم العامل.

ولهذا أمثلة كثيرة، مثلا: قوله تعالى للرسول ﷺ: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦) وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧) وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ [الضحى ٦ - ٨] قال: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا﴾ لم يقل: فآواك، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾، ولم يقل: فهداك، مع أن الخطاب له، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ ولم يقل: فأغناك، بل حذف المفعول ليؤذن على عموم العامل.

فالرسول عليه الصلاة والسلام وجده ربه يتيمًا فآواه، لكن ما آواه وحده، آواه وأوى به، حتى جعله فئة لكل مؤمن؛ ضالا فهداه، أو هداه وهدى به؟ هداه وهدى به. عائلا فأغناه وأغنى به، من أين للعرب هذه الغنائم العظيمة التي ما فكروا أن يغنموها، كيف يغنم العرب رعاء الشاء والإبل أرض فارس والروم إلا بأيش؟ إلا بالنبي ﷺ وبدينه.

المهم أن هذه قاعدة معروفة مقررة، وهو أن حذف المعمول يؤذن بعموم العامل.

طيب إذن ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ لم يذكر المعمول، فيدل على أنها مطهرات من كل رجس حسي أو معنوي.

وقوله: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ لم يقل: مطهرات، لماذا؟

لأن نعت الجمع يجوز أن يكون مجموعًا وأن يكون مفردًا، إلا جمع المؤنث السالم فإنه يكون مجموعًا؛ فتقول مثلا: مررت بنساء مؤمنة، ونساء مؤمنات، وتقول: مررت بمسلمات صالحات، ولا تقل: بمسلمات صالح. وهنا أزواج جمع، جمع مؤنث سالم ولَّا جمع تكسير؟ جمع تكسير، فيجوز في وصفه الإفراد والجمع، يجوز: أزواج مطهرات، وأزواج مطهرة.

قال ابن مالك:

واللهُ يَقْضِـــــــي بِهِبَــــــاتٍوَافِــــــــــــرَةْ ∗∗∗ .........................

ولو قال: (وافرات) لصح.

﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الله أكبر، هذا أعظم شيء، ﴿رِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أن الله سبحانه وتعالى يحل عليهم رضاه فلا يسخط عليهم بعده أبدًا، ما يسخط عليهم، وهذا أعظم ما يكون كما قال الله تعالى لما أعدد نعيم أهل الجنة قال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة ٧٢] أكبر من هذا كله؛ لأنه إذا رضي عليك محبوبك الذي تسعى إلى الوصول إليه منذ عرفت ومنذ ميزت، فإن هذا أعظم مقصود للإنسان أن ينال رضا الله عز وجل. وأعظم من ذلك النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى؛ كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] ولا ألذ وأمتع وأحسن لأهل الجنة من النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى.

فأعلى الشيء النظر إلى وجه الله، الرضوان يليه، المتع الجسدية في الجنة تلي هذا، ولهذا قال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ فأفرده بالذكر؛ لأنه نعيم قلب؛ وما سبقه نعيم أيش؟ نعيم بدن وجسد، أما هذا فنعيم قلب، ولهذا يقول الله عز وجل: «إِنِّي أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩ / ٩) من حديث أبي سعيد الخدري بدون كلمة «إني».]].

قال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ سبحانه وتعالى، الله بصير بالعباد الذين يريدون الدنيا والذين يريدون الآخرة، فهو بصير بهم؛ بصر نظر أو بصر علم؟ يشمل هذا وهذا، فهو بصير بالعباد بصر نظر، لا يغيب عن نظره شيء، بصير بهم بصر علم ﴿لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ﴾ [سبأ ٣]. وقوله: ﴿بِالْعِبَادِ﴾ المراد بهم أي أنواع العبادة؟ العام ولّا الخاص؟

العام، إذن العبودية العامة هنا.

بصير بكل العباد؛ مؤمنهم وكافرهم، برهم وفاجرهم، متقيهم وعاصيهم، كل العباد فالله تعالى بصير بهم.

وهو سبحانه وتعالى بصير بمن يستحق أن يكون من المتقين ومن يستحق أن يكون من العاصين؛ فالمعصية بحكمته، والطاعة بفضله؛ المعصية بحكمته وعدله، والطاعة برحمته وفضله.

ثم قال عز وجل، قال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، هذه بيان ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، لا للعباد؛ لأن العباد كلهم لا يتصفون بهذه الصفات؛ لكن المتقين منهم هم الذين يتصفون بهذه الصفات ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾.

قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ يريد بذلك القول باللسان والاعتقاد بالجنان؛ لأن الله تعالى إذا أطلق القول بالإيمان ولم يتعقبه، كان المراد به القول باللسان والعقد بالجنان؛ ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة ٨]، لما كان المراد بهذا القول القول باللسان فقط قال: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ﴾. أما إذا أطلق الله قول الإنسان: آمنت، فإنه يريد به القول باللسان والعقد بالجنان.

ولهذا قال عز وجل: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة ١٣٦]، لا يريد منا أن نقول ذلك بألسنتنا فقط، بل بألسنتنا وقلوبنا، ﴿قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [آل عمران ٨٤] لا يريد أن نقول ذلك باللسان فقط، بل باللسان والجنان. إذن ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ بماذا؟ بألسنتهم فقط؟ لا، بألسنتهم نطقًا، وبقلوبهم عقدًا، يعني اعتقادًا.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾ شوف كيف توسلوا إلى الله بربوبيته للإخبار بحالهم في لإيمان به، كأنهم يقولون: ربنا آمنا ولكننا لم نصل إلى الإيمان إلا بربوبيتك لنا، تلك الربوبية الخاصة المقتضية للعناية التامة، يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ انتبه، قال: (الذين يقولون: آمنا) استقام الكلام بلاشك، لكن إذا قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، فهذا كالإشعار بأنهم لم يصلوا إلى الإيمان إلا بمقتضى هذه الربوبية الخاصة المقتضية للعناية التامة.

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، ﴿إِنَّنَا آمَنَّا﴾ الجملة هنا مؤكدة بكم مؤكد؟

* طالب: واحد.

* الشيخ: واحد، وهو (إننا)؛ لأن (نا) الثانية ضمير، ﴿إِنَّنَا آمَنَّا﴾، فيؤكدون إيمانهم ﴿إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا﴾.

طيب، آمنا بماذا؟ بكل ما يجب الإيمان به.

وقد سأل جبريل النبي ﷺ: ما الإيمانُ؟ قال: «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١)، من حديث عمر بن الخطاب.]]، وقال الله تعالى: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ [البقرة ٢٨٥].

فالإيمان هنا يشمل الإيمان بكل ما يجب الإيمان به، وهو ستة أنواع: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.

طيب، الإيمان ليس هو مجرد التصديق، ليس مجرد التصديق؛ لأن مجرد التصديق ليس بإيمان. ولهذا يقال: آمنا به، ويقال: آمنا له، وبينهما فرق، ويقال: صدقه، وبينهما فرق أيضًا.

الإيمان لا بد أن يكون مقرونًا بقبول وإذعان؛ يعني يصدق ثم يقبل ثم يذعن. هذا الإيمان، ولهذا يقال: آمنت به؛ ولا يقال: آمنته.

الإيمان لا بد أن يكون مقرونًا بقبول وإذعان، يعني يصدق ثم يقبل ثم يُذعن، هذا الإيمان، ولهذا يقال: آمنت به، ولا يقال: آمنته، ولو كان الإيمان مرادفًا للتصديق لصح أن يقال: آمنته، كما يقال: صدّقته، إذن الإيمان يتضمن معنى زائدًا على مجرد التصديق، بل هو تصديق متضمن لأيش؟ لقبول وإذعان، ولهذا كلنا يعلم حسب ما جاء به التاريخ أن أبا طالب مصدِّق لرسول الله ﷺ، مصدق له، ويرى أن ما أخبر به مثل الشمس حتى إنه ليقر بذلك في قصائده، يقول:

لَقَدْ عَلِمُوا أَنَّ ابْنَنَا لَا مُكَذَّبٌ ∗∗∗ لَدَيْنَا وَلَا يُعْنَى بِقَوْلِالْأَبَاطِلِ

يقول: ليس مكذَّبًا ولا يُعْنَى بقول الأباطل، إذن يكون عنده مصدّق، ويقول:

وَلــَقَــدْ عَــلــِمْــتُ بِــأَنَّ دِيــنَمُحَمَّــدٍ ∗∗∗ مِــنْ خَــيْــرِ أَدْيَــانِ الْــبَــرِيَّــةِدِيــنَــا؎لَــــوْلَا الْــمَلَامَــةُ أَوْ حِــذَارُمــَسَـبَّــةٍ ∗∗∗ لَرَأَيْتَنِــي سَــمْــحًــا بِــذَاكَمُــبِيــنًــا

إذن هو مصدِّق لكن لم يكن تصديقه هذا متضمنًا للقبول والإذعان، ما قَبِل ولا أذعن، فهل نقول: إنه مؤمن؟ لا، إذن لا بد في الإيمان من القبول والإذعان.

﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ [آل عمران ١٦] الفاء هنا للسببية، أي: فبسبب إيماننا اغفر لنا؛ لأن الإيمان لا شك أنه وسيلة للمغفرة، وكلما قوي الإيمان قويت أسباب المغفرة، حتى إنه إذا أخلص الإنسان إيمانه صارت حسناته تُذهب سيئاته، طيب، ولهذا قال: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي: بسبب الإيمان اغفر لنا، وهذا من باب التوسل بالطاعة لقبول الدعاء.

وقال: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ﴿اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، (اغفر) فعل دعاء وليس فعل أمر، لماذا؟

* طالب: لأنه موجه لله عز وجل.

* الشيخ: ﴿اغْفِرْ لَنَا﴾ ما نقول: هذا فعل أمر؛ لأن الله ما يُؤمَر، العبد لا يأمر الله لكنه يدعوه، إذن كل فعل بصيغة الأمر موجه إلى الله فهو دعاء يسمى فعل دعاء، ولا يسمى فعل أمر، والمغفرة مأخوذة من الغَفْر وهو الستر مع الوقاية، ومنه الْمِغْفَر الذي يلبسه المقاتل في رأسه ليستر الرأس ويقيه السهام، فليست المغفرة مجرد الستر بل هي ستر ووقاية، ولهذا نقول: مغفرة الذنوب سترها عن الناس والعفو عن عقوباتها، ويدل لهذا أن الله سبحانه وتعالى يخلو يوم القيامة بعبده المؤمن ويقرره بذنوبه، يقول: عملت كذا وعملت كذا وعملت كذا، حتى يقر، فيقول الله عز وجل: «قَدْ سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيَا وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»[[حديث متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤١)، ومسلم (٢٧٦٨ / ٥٢) من حديث عبد الله بن عمر.]]، يعني: لا أجازيك عليها، والحمد لله رب العالمين أن الله عز وجل يستر الذنوب على عباده، والله لولا هذا لافتضح كثير من الناس، يقال: إن بني إسرائيل كان الواحد منهم إذا أذنب ذنبًا أصبح وذنبه مكتوب على بابه[[الجامع لمعمر بن راشد (١١/١٨٢) من حديث ابن مسعود، موقوفًا عليه.]] -والعياذ بالله- فضيحة، أما هذه الأمة فستر الله عليها ولله الحمد، ولكن فتح لها أبواب التوبة على مصراعيه كما يقولون، ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٥٣]، فالله عز وجل يمهل للإنسان، يمهل له ويحلم عليه، وإذا وُفِّق اتعظ من نفسه بنفسه، هو نفسه يفكر ماذا عملت، وأيش أنا فعلت، فيستحيي من الله عز وجل ويخشى أن يفضحه الله؛ لأن الإنسان إذا تجرأ على ربه في السر فربما يفضحه في العلانية إذا لم يتب، إذا لم يتب إلى الله عز وجل، فإن تاب تاب الله عليه وأبدل سيئاته حسنات.

﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الذنوب هي المعاصي، وهي إما قبائح وإما دون ذلك، وكلها تحتاج إلى مغفرة، كلها يستغفر الإنسان منها، ولا تظن أن الصغائر إذا كُفِّرت بالحسنات لا تظن أنها كما لو كُفِّرت بالتوبة؛ لأن بينهما فرقًا عظيمًا، إذا كُفِّرت بالتوبة أُبدلت السيئات بالحسنات، إذا كُفرت بالطاعات فإنها تُمحى فقط لكن ما تُبدل بحسنات، الله يقول: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود ١١٤] ويقول: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان ٧٠]، وفرق بين الأمرين، فرق بين أن تذهب السيئة بالحسنة وبين أن تُبدل السيئة حسنة، أليس كذلك؟ إذن لا تعتمد على تكفير الحسنات للسيئات فتقول: إن سيئاتي مكفَّرة بحسناتي، لا، ثم إننا في الحقيقة حسناتنا نرجو أن تُبْرِئَ ذممنا، يعني لا تقوى على أن تكفر، لا تظن أن أي صلاة تكفِّر، لا، قد تكون صلاة لا تبرأ بها الذمة إلا كما يقولون: بالدَّف؛ لأنها صلاة يفعلها الإنسان عادة ثم إذا دخل فيها بدأ يضارب بماله إن كان تاجرًا، وبدأ يقلّب دفاتره إن كان طالبًا، وبدأ ينظر إلى قدّومه ومنشاره إذا كان نجارًا، وهكذا، ولا تكثر الوساوس إلا إذا دخل في الصلاة وإذا سلّم طارت الوساوس هذه، وصار قلبه حاضرًا للذكر الذي بعد الصلاة، أما الصلاة نفسها فهو يتجول في كل مكان، وإذا سد بابًا وإذا بالشيطان يفتح بابًا بعيدًا ما كان يطرأ على باله أبدًا، فإذا حاول سده وإذا باب آخر مفتوح، وهكذا، من أجل أن يحول الشيطان بين الإنسان وبين ربه؛ لأن الشيطان يعلم أن هذه الصلة التي بين الله وبين العبد وهي صلته بالله في الصلاة لها شأن عظيم ودور كبير في إصلاح العبد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت ٤٥]، أتريدون أعظم من هذا؟ أن يكون في نفسك رادع ينهاك عن الفحشاء والمنكر، هذا هو الذي يغيظ الشيطان، فيريد الشيطان أن يحول بينك وبين هذا بإلقاء الوساوس في صلاتك حتى تخرج من صلاتك بقلب يابس جاف كما دخلت كذلك في صلاتك، ولهذا أسأل الله أن يعينني وإياكم على إصلاح هذه العبادة العظيمة؛ لأنها إذا صلحت صلحت العبادات كلها، كل العبادات، ولكن إذا كانت جافة فمن أين تُسقى شجرات العمل، لا تسقى إلا بماء.

* طالب: الإنسان يعني يعمل الذنوب ولا يتذكرها كيف التوبة؟ ذنوب كثيرة.

* الشيخ: إي نعم، إذا تاب توبة عامة يكفي.

* الطالب: يعني ينفع إذا قال: أستغفر الله العظيم؟

* الشيخ: إي نعم، وإذا قال أيضًا الاستغفار المعروف: اللهم إني أستغفرك لما لا أعلم، هذا أيضًا طيب.

* طالب: يعني يكفّر هذا..؟

* الشيخ: يكفّر هذا، نعم، إذا كان إبراء المدين من حق الآدمي المبهم المجهول جائزًا ويبرأ به فما بالك بحق الله؟

* طالب: لكن ما يتذكره.

* الشيخ: لا، هو ما يتذكر، لكن أستغفر الله من كل ذنب، تستغفر الله من كل ذنب يكفي.

* طالب: هل الإنسان الذي يأتيه الشيطان في الصلاة ويوسوس له، هل يكون مخالفًا لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر ٤٢، الإسراء ٦٥]؟

* الشيخ: لا، هذا السلطان نوعان: سلطان يضلهم به ولا يهتدون، هذا لا يمكن أن يكون على عباد الله المخلَصين، وسلطان يتسلط عليه من الشيطان لكن يمن الله عليه بالتوبة فيمحو ويهدم كلما بناه الشيطان، يكون سلطانه هذا بالحقيقة زيادة غم عليه، على الشيطان، ولهذا لا يُرى الشيطان أحقر ولا أصغر من يوم عرفة؛ لما يرى من تنزّل الرحمة، الشيطان قد يتسلط على الإنسان لكن إذا استغفر وغُفِر له زاد غمه.

* طالب: شيخ، قوله: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [آل عمران ١٥] يعم نساء الدنيا أيضًا؟

* الشيخ: إي نعم، حتى نساء الدنيا في الجنة مطهرات من هذا.

* طالب: ينفع نقول الآية ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ هذه لكل (...) العباد، أعني الكفار والمؤمنين؟

* الشيخ: إي نعم، كل من تاب إلى الله فإن الله يغفر ذنبه، وهذه الآية نزلت في التائبين، أما قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء ١١٦] فهذه نزلت في غير التائبين ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هذه في غير التائبين، أما ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فهذه في التائبين.

* طالب: هل تُقبل التوبة من ذنب دون ذنب آخر؟

* الشيخ: هذه تحتاج إلى أن نسأل عن شروط التوبة، تعرف شيء منها؟

* الطالب: أن يقلع عن الذنب، أن يعزم ألا يعود.

* الشيخ: أولًا أن نخلص لله، الإخلاص لله.

* طالب: الإخلاص لله.

* الشيخ: الندم.

* طالب: الندم على ما فعلت، الإقلاع عن الذنب، العزم على أن لا يعود، وإن كان في حق آدمي تحلل منه.

* الشيخ: الخامس.

* الطالب: أن يتحلل منه إن كان حقًّا لآدمي.

* الشيخ: لا، هذه إنك تقول: هذا داخل في قوله: الإقلاع.

* طالب: أن تكون في الوقت.

* الشيخ: نعم أن تكون في الوقت الذي تُقبل فيه، خمسة شروط، إذا وُجدت هذه الشروط صحت التوبة، وليس في هذه الشروط أن لا يكون مصرًّا على ذنب آخر، ولهذا الصحيح أن التوبة تصح من ذنب مع الإقرار على غيره، لكن الذي فيه الإشكال هل تصح التوبة من ذنب مع الإقرار على جنسه، هذا هو اللي محل نظر، أما إذا كان من غير الجنس فلا شك أنها تُقبل؛ لأن هذا هو مقتضى العدل، لكن الإنسان يتوب إلى الله عز وجل من النظر للنساء المحرم ولكنه يقبّل النساء، هل نقول: إنها تُقبل توبته من النظر ويعاقب على التقبيل فقط، أو لا تصح؟

* طالب: هذا نوع وهذا نوع.

* الشيخ: فيها خلاف، الجنس واحد، هذه محل اشتباه عندنا.

* طالب: ما يمكن التقبيل أعظم من النظر؟

* الشيخ: هو أعظم لكن إذا تاب من النظر هل يعاقب على النظر والتقبيل أو على التقبيل فقط؟ نقول هذه محل نظر، وابن القيم رحمه الله في كتاب مدارج السالكين لما بحث هذا قال: هذه المسألة لها غور بعيد، يعني لأنه قد يُنظر هل إن توبته هذه صلاح قلب؟ فإذا كانت توبته صلاح قلب فلا بد أن يتجنب التقبيل؛ لأن اللي يتوب من النظر كيف يقبّل؟!

* طالب: هو ما يقبّل إلا بعد النظر.

* الشيخ: لا أبدًا، هو ما بكل حال، قد لا يتتبع النساء بالنظر لكن إذا حصل امرأة قبّلها.

* طالب: يستلزم يا شيخ، امرأة يقبّلها ينظر إليها.

* الشيخ: الله يهدينا وإياكم، لكن ما هو ينظر لغيرها، هنا في ناس همهم النظر للنساء، يتلذذ بالنظر لها ولا يقبّل ولا يفكر بالتقبيل، وفيه إنسان همه أن يجد امرأة كاشفة لوجهها ليقبّلها.

* طالب: شيخ ما هي علامات قبول التوبة؟

* الشيخ: علامات قبول التوبة أن الإنسان يجد راحة وطمأنينة وكراهة للذنب وإقبالًا إلى الله عز وجل.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٦) الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (١٧) شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران ١٦ - ١٨].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران ١٥] إلى آخره، المراد بالاستفهام هنا في قوله: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ما المراد بالاستفهام؟

* طالب: التشويق.

* الشيخ: التشويق، هل له نظير؟ لأننا نريد مثال آخر تأتي بمثال آخر من القرآن؟

* الطالب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف ١٠]

* الشيخ: أحسنت، قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ما موقع الجملة مما قبلها في المعنى؟

* طالب: بيان.

* الشيخ: بيان لأيش؟

* الطالب: للخير الذي أخير من السابق.

* الشيخ: أحسنت، بيان لمن يستحق هذا الخير الذي هو أفضل مما سبق، قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ماذا تفيده هذه العندية؟

* طالب: تفيد التعظيم.

* الشيخ: التعظيم وأيش؟ التشريف؛ لأن اللي عند الله ما في شك إنه مقرب إليه فيكون في ذلك شرف له، المراد بالربوبية هنا؟

* طالب: هذه ربوبية خاصة.

* الشيخ: الخاصة، إذن تنقسم الربوبية إلى قسمين.

* طالب: ربوبية عامة تشمل جميع العباد، وربوبية خاصة؛ خاصة بالمؤمنين، وأخص وهي التي تخص الأنبياء والمرسلين.

* الشيخ: أحسنت، طيب، هل لك أن تأتينا بمثال يجمع بين المعنيين؟

* طالب: قوله تعالى حكاية عن فرعون وموسى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ [الشعراء ٢٣، ٢٤]

* الشيخ: هذه؟

* الطالب: ربوبية عامة.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: الربوبية الخاصة مثل هذه الآية.

* طالب: نعم يجمعهما قوله تعالى: ﴿قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾ [الأعراف ١٢١، ١٢٢]

* الشيخ: نعم تمام، قوله عز وجل: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [آل عمران ١٥] ما معنى قوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؟

* طالب: تجري على سطحها ومن بين أشجارها.

* الشيخ: كيف على سطحها وهو يقول: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾؟

* طالب: تجري من تحت أشجارها.

* الشيخ: أشجارها وقصورها، طيب، ما هذه الأنهار التي تجري، ما أنواعها؟

* الطالب: أنواع أربع، من ماء غير آسن.

* الشيخ: أتدري ما الآسن؟

* الطالب: يعني غير متغير يعني.

* الشيخ: أتدري ما الآسن؟

* الطالب: الآسن هو المتغير.

* الشيخ: إذن غير آسن، طيب.

* الطالب: وأنهار من لبن لذة للشاربين.

* الشيخ: لا، لم يتغير طعمه، والثالث؟

* الطالب: وأنهار من خمرة لذة للشاربين.

* الشيخ: من خمر لذة للشاربين.

* الطالب: وأنهار من عسل مصفى.

* الشيخ : أحسنت، هذه أربعة، طيب، ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، مطهرة من أيش؟

* طالب: مطهرة من نجاسة الظاهر ونجاسة الباطن.

* الشيخ: الرجس الحسي والمعنوي، الحسي مثل أيش؟

* الطالب: الحيض والعرق والمخاط.

* الشيخ: والبول والغائط، طيب، والباطني؟

* الطالب: مثل الحقد والغل والحسد.

* الشيخ: طيب، هل يشمل هذا أزواج الدنيا؟

* الطالب: نعم يشمل.

* الشيخ: يشمل.

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم، يعني الأزواج من أهل الدنيا تكون مطهرة يوم القيامة، قوله: ﴿رِضْوَانٌ﴾ فيها قراءتان؟

* طالب: كسر الراء وضمها.

* الشيخ: فيه كسر الراء وضمها ﴿رِضْوَانٌ﴾ و ﴿رُضْوَانٌ﴾ ، طيب، أيما أعظم هذا النعيم المعدد أو الرضوان؟

* طالب: الرضوان أفضل بلا شك، رضا الله سبحانه وتعالى عن المؤمنين أفضل.

* الشيخ: ما هو الدليل؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском