Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:153–154, continued
* الطالب: يعني طائفة يغشيهم النعاس، والطائفة الثانية أهمتهم أنفسهم لم يغشهم النعاس؛ لأنهم ما اهتمّوا بأمره ﷺ وبأمر..
* الشيخ: هم نعم، صريح الآية: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾؛ يعني أنهم أنانيّون.
* الطالب: يعني عقاب لهم؛ لأنهم لم يهمّوا الرسول ﷺ لم يصبهم النعاس؛ لأن النعاس أمْن ونصر من الله تعالى.
* الشيخ: النعاس يدل لا شك، يدل على طمأنينة القلب وارتفاع الخوف عنهم.
* الطالب: يلزم لهم.
* الشيخ: والذي قد أهمته نفسه فإنه لن ينعس.
* الطالب: يعني المقصد يا شيخ أن هذا لما لم يهمه الإسلام ويهمه ﷺ جازاهم في الدنيا بأن..
* الشيخ: لا، ما يحتاج منهم مجازاة، هذا شيء واقع، كل إنسان يهمّه نفسه في مثل هذه المواطن لا يمكن أن ينام ولا يقربه النوم.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، في قول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٢] قلنا: إن الصرف يقتضي أن الصحابة كانوا مُقبلين إقبالًا شديدًا على الكفّار، أحسن الله إليك، أقول: ما الحكمة في أن الله صرفهم؛ يعني عن قتال الكفار مع أن قتل المسلم للكفار محبوب لله عز وجل؟
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: أقول: ما الحكمة في صرف الله لهم مع أن قتلهم الكفار محبوب لله عز وجل؟
* الشيخ: لحكمة.
* الطالب: إي، ما هي؟
* الشيخ: الحكمة حتى يكون هذا تربية لهم؛ لأن سبب ذلك أنهم تركوا المكان كما قال الله: ﴿حَتَّى إذا فَشِلْتُمْ﴾ جبنتم ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢] كل هذه الثلاثة من أسباب الخذلان.
* طالب: شيخ، نصب الفعل في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ هل هو باللام ولَّا بـ(كي)؟
* الشيخ: ماذا تقولون؟
* طلبة: ما سمعنا يا شيخ.
* الشيخ: يسأل يقول: نصب الفعل: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ هل هو بـ(كي) ولَّا باللام؟
* طالب: شيخ، فيه خلاف بين البصريين والكوفيين؛ بعضهم يقدّر (أن) مضمرة، وبعضهم يقول: نصب بـ(كي)، عند البصريين باللام، وعند الكوفيين بـ(كي).
* الشيخ: يقولون: إذا ذُكرت اللام و(كي) فالنصب بـ(كي)، وإذا ذُكرت (كي) وحدها أو اللام وحدها فالكوفيون يقولون: إن الحرف هو الناصب، والبصريون يقولون: (أن) مضمرة، يعني إذا اجتمعا صار النصب لـ(كي) مباشرة. واضح؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣] إحنا قلنا: إن يعني المصيبة سبب المصيبة الأخرى، ألا يكون هذا يا شيخ يعني يدلّ على أن قوله تعالى: ﴿غَمًّا بِغَمٍّ﴾ بأن الباء للمصاحبة بمعنى أن الغم هذا سببه؟
* الشيخ: إي نعم، ما يمنع أن يكون هذا وما يمنع أيضًا أن سببه غمهم للرسول بمخالفة أمره، يكون لما خالفوا الأمر حصل الغم، ثم حصل غمّ، ثم حصل غمّ.
* طالب: شيخ، ذكر بعض المفسرين أن هناك فرقًا بين الأمَنة والأمْن، وهو أن الأمَنة هو أمن مؤقّت يكون بعده خوف كما في الآية، والأمن يكون أمنًا مطَّردا كما في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام ٨٢] في الجنة؟
* الشيخ: لا، ما هو بصحيح؛ لأن الأمن مصدر، والمصدر هو مُطلق يشمل القليل والكثير، أما: ﴿أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ﴾ فهي فيها (أل) الدالة على الكمال والاستغراق، لكن لو قلت: (أمِن أمنًا) ما يدل على أنه دائم، أو (أمَنة) ما يدل على أنها دائمة، فالظاهر القول الثاني: لا فرق، ولهذا فسّره كثير من المفسرين قال: أمَنة يعني أمنًا.
* * *
* طالب: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤) إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥)﴾ [آل عمران ١٥٤، ١٥٥].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وقفنا في تفسير الآية على قوله تبارك وتعالى: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.
قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ﴾ جملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ تفسير للذي يخفونه، والقول هنا قول باللسان؛ لأن القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، واضح؟
﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾.
قول الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران ١٥٣] نأخذ من هنا قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ما معنى الإثابة هنا؟
* طالب: الإثابة هنا بمعنى الجزاء.
* الشيخ: بمعنى الجزاء، يعني جازاكم. هل يطلق الثواب على الجزاء بالعقوبة؟
* طالب: نعم، يُطلق قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦].
* الشيخ: يُطلق لقوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. وإذا جُمع الثواب والعقاب؟
* طالب: كان الثواب على الإثابة على الخير.
* الشيخ: صار الثواب على الحسنات، والعقاب على السيئات.
قوله تعالى: ﴿أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ الباء؟
* طالب: الباء ثلاثة: إما للمصاحبة، وإما للبدل؛ يعني بمعنى العِوض، وإما بمعنى (على)، وكلّه يصلح هنا.
* الشيخ: كله يصلح هنا، على القول بأنها للمصاحبة ما معناها؟
* الطالب: يعني غمّ ملاحق بغمّ.
* الشيخ: نعم، متصل بغمّ.
* الطالب: يعني غموم كثير.
* الشيخ: أحسنت، إذن ليس المراد غمين فقط؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: اذكر مثالًا لغمّين من ذلك؟
* طالب: تخلّف ثلث الجيش عند مسيره إلى معركة أُحُد.
* الشيخ: وغيره؟
* الطالب: وإشاعة أن الرسول الله ﷺ قُتل، وإصابة رسول الله.
* الشيخ: إصابة الرسول ﷺ.
* الطالب: وذلك عندما كان لهم النصر في أول المعركة انقلبت الدائرة عليهم.
* الشيخ: فوات النصر يعني؟
* الطالب: إي نعم، هذه ثلاثة.
* الشيخ: نبغي رابعة.
* طالب: ما حصل للنبي ﷺ عندما شُجّ وجهه وكسرت رباعيته.
* طالب آخر: ذكرها.
* الشيخ: قالها.
* الطالب: وقد قتل حمزة وكثير من الشهداء.
* الشيخ: إي نعم، قتل عدد من رجالات المسلمين.
* طالب: وانخذال ثلث الجيش؛ المنافقون.
* الشيخ: هذا (...) قبل الإصعاد، إحنا ذكرناه لكنه قبل الإصعاد.
* طالب: مخالفتهم للنبي ﷺ.
* الشيخ: مخالفتهم الرسول هذا ما.. فيه غم؟
* طالب: صارت خمسة، ذكرنا خمسة.
* الشيخ: يا أخي، باقي واحدة.
* الطالب: هذه هي يا شيخ.
* الشيخ: هي الخامسة هذه؟
* طلبة: الخامسة إي نعم.
* الشيخ: إي، طيب ممكن أن نقول: إن الخامسة ظهور المشركين عليهم؛ لأنه فاتهم النصر والمشركون ما انهزموا، ظهروا عليهم وصعدوا على الجبل، وقاموا يتكلمون، «يقول أبو سفيان: أفيكم محمد؟ أفيكم ابن أبي قحافة؟ أفيكم عمر؟ حتى افتخر بصنمه وقال: اعلُ هبل»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب.]]، هذا من الغم لا شك، إذن الغموم كثيرة.
قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾، ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ اللام؟
* طالب: لام التعليل.
* الشيخ: اللام للتعليل، وكي هنا؟
* الطالب: مصدرية.
* الشيخ: ولا تصلح للتعليل؟
* الطالب: أن.
* الشيخ: في هذا السياق؟
* الطالب: لا لا.
* الشيخ: لا تصلح.
* الطالب: ما تصلح.
* الشيخ: ماذا تقولون؟
* طلبة: صحيح؟
* الشيخ: طيب، هل هي الناصبة بنفسها أو على تقدير (أن)؟
* طالب: لا، هي بنفسها.
* الشيخ: لماذا؟
* الطالب: يعني إذا سبقتها لام الجر تتعين أن هي مصدرية.
* الشيخ: تتعين أن تكون مصدرية فتنصب بنفسها، تمام. هذا التعليل: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾ ما مناسبته لما قبله؟
* طالب: نعم، إذا قيل: لا تحزنوا؛ يعني إذا حزنوا تعيّن عدم الحزن.
* الشيخ: إي؛ لأنه قال: أثابكم لكي لا تحزنوا.
* الطالب: نعم؛ لأن الحزن والغم هذا لا يفيد شيئًا مما فات.
* الشيخ: كيف؟ ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا﴾؟
* الطالب: نعم، لأنهم إذا أتتهم المصائب الواحدة تلو الأخرى فإن الكبيرة تخفّف الصغيرة، فمثلًا: مقتل النبي عليه الصلاة والسلام كان أكبر المصائب عليهم عندما اكتشفوا أنه لم يقتل خفّف وقع الهزيمة في نفوسهم.
* الشيخ: ما سبق من الغم، إذن المعنى أن كل غمّ يُنسي؟
* الطالب: الغم الأقل منه.
* الشيخ: ما هو دونه، وعلى هذا قول الشاعر:
لَعَلَّ عَتْبَكَ مَحْمُودٌ عَوَاقِبُهُ ∗∗∗ وَرُبَّمَا صَحَّتِ الْأَبْدَانُبِالْعِلَلِ
قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ ما الذي فاتهم وما الذي أصابهم؟
* طالب: الذي فاتهم النصر.
* الشيخ: والغنائم.
* الطالب: والغنائم، والذي أصابهم الهزيمة والخذلان.
* الشيخ: تمام. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣] ما معنى خبير؟
* طالب: الخبير أي: يعلم (...).
* الشيخ: إي نعم.
* طالب: الخبير هو العالم ببواطن الأمور.
* الشيخ: هو العالم ببواطن الأمور، نعم، وعِلمه ببواطن الأمور يستلزم علمه بظواهرها من باب أولى.
ما هي الفائدة من ختم الآية بهذا الاسم؟
* طالب: ختم الآية يعني بهذا الاسم.
* الشيخ: بقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾؟
* الطالب: إي، لأن خبر الله عز وجل بحالهم هو الذي يترتّب عليه العقاب والحساب، فهو كالتهديد لهم؛ يعني إذا كان الله خبيرًا بأقوالكم فهو الذي سيحاسبكم ويعاقبكم على ما تعملون به.
* الشيخ: على ما حصل منكم؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ [آل عمران ١٥٤].
﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤] يقولون -هذا ما يخفونه-: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ الأمر هنا واحد الأمور؛ يعني لو كان لنا من الشأن في هذه الغزوة شيء ورُدّ الأمر إلينا ما قُتلنا هاهنا؛ يعني ما خرجنا ولا قُتلنا، وذلك أن النبي عليه الصلاة والسلام استشار الصحابة حين الخروج إلى أُحُد هل يخرجوا أم لا؟ فأشار عليه الشبان بأن يخرج؛ لأنهم أو كثيرًا منهم لم يخرجوا في غزوة بدر، فأرادوا أن يُعوِّضوا عن تخلّفهم عن غزوة بدر بهذه الغزوة، وقال بعض الصحابة: بل نبقى يا رسول الله في المدينة فإن دخلوا علينا قاتلناهم من على السطوح، وكان رأي النبي ﷺ يميل إلى هذا، ولكنه دخل بيته عليه الصلاة والسلام، ثم عزم على أن يخرج، ولبس لأمة الحرب وخرج، فكأنهم أرادوا أن يرجع عن عزيمته، وقالوا: استكرهنا رسول الله ﷺ فقالوا له، فقال: «مَا كَانَ لِنَبِيٍّ لَبِسَ لَأمَةَ الْحَرْبِ أَنْ يَضَعَهَا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوُّهِ»[[أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٣٢٨١) من حديث عروة بن الزبير، وأخرجه في الدلائل (١١٤٢) من حديث الزهري.]] هكذا أو نحوه، فخرج، فالذين قالوا: نبقى في المدينة هم الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾، يعني لبقينا في المدينة ولم نُقتل.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] ﴿قُلْ﴾ -يعني يا محمد- لهؤلاء الذين قالوا: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ أي: بقيتم فيها ولم تخرجوا، ليس في مدينتكم فحسب بل في بيوتكم، في قعر البيت: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ شوف في البيوت فيه اختفاء، لبرز فيه ظهور؛ يعني أن اختفاءكم وبقاءكم في بيوتكم لا يمنع أن تبرزوا إلى مضاجعكم حيث كُتب عليكم القتل.
وقوله: ﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾ فيها قراءتان سبعيتان: ضم الباء وكسرها،﴿فِي بُيُوتِكُمْ﴾، ﴿فِي بِيُوتِكُمْ﴾ ، وفي ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ﴾ ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهُمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهِمِ الْقَتْلُ﴾ كسر الهاء والميم، وضم الهاء والميم، وكسر الهاء مع ضم الميم، ثلاث قراءات: ﴿عَلَيْهِمِ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهُمُ الْقَتْلُ﴾ ﴿عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ثلاث قراءات سبعيّات؛ يعني: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ﴾ وهذه (لو) شرطية، فعل الشرط: ﴿كُنْتُمْ﴾ وجوابه: ﴿لَبَرَزَ﴾.
وقد مر علينا أن (لو) تأتي شرطية، وتأتي للتمني، مثل قوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] يعني: ودّوا أن تدهنوا فتكون مصدرية.
يقول عز وجل: ﴿لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ [آل عمران ١٥٤] كُتب عليهم القتل كتابة قدرية لا كتابة شرعيّة، كذا؟ فهي كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء ١٠٥] هذه كتابة قدرية، أما قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة ١٨٣] فهي كتابة شرعية بمعنى (فُرض).
وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: مكان الاضطجاع؛ لأن الميت يُضجع في قبره، ولكنه اضطجاع إلى أمد، إلى أن يُبعث يوم القيامة، فإن الاضطجاع في القبور ليس هو آخر شيء، ولما سمع أعرابي رجلًا يقرأ قول الله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (٢)﴾ [التكاثر ١، ٢] قال: والله ما الزائر بمقيم، شوف كيف فهم الأعراب! والله ما الزائر بمقيم، فاستدل بهذه الآية على أنه لا بد من مفارقة لهذه المقابر، وذلك في البعث. وقوله: ﴿إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ قلت: محل اضطجاعهم الذي يُدفنون فيه.
﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]. قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ الواو حرف عطف، واللام لام التعليل، ولهذا يجب كسرها، ولا يجوز أن تسكّنها؛ يعني لا يجوز أن تقرأ: ولْيبتلي، بل يجب أن تقول: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾؛ لأن لام التعليل مكسورة بكل حال، بخلاف لام الأمر فإن لام الأمر تُسكّن إذا وقعت بعد حرف العطف: الواو، والفاء، وثُمّ، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ [الحج ٢٩] ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس ٥٨]، أما لام التعليل فإنها مكسورة دائمًا، ولو بعد الواو، أو ثم، أو الفاء، يقول: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ﴾.
الواو حرف عطف فأين المعطوف عليه؟ وليبتلي؟
* طالب: مُقدّر.
* الشيخ: مقدر، وأيش التقدير؟
* الطالب: فعل ذلك؟
* الشيخ: فعل ذلك؟
* الطالب: فعل ما فعل ليتبيّن.
* الشيخ: والواو حرف عطف، لا بد أن يكون معطوف عليه.
* طالب: على كَتب.
* الشيخ: كُتب ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ لا، ما يستقيم.
* طالب: معنى الآية (...) لتعلموا كمال سلطانه.
* الشيخ: لا بد أن يكون..
* طالب: لتعلموا تمام علمه وليبتلي الله ما في صدوركم.
* طالب آخر: أثابكم ذلك الغم.
* الشيخ: هذا على كل حال بعيد؛ يعني بمعنى أن السياق بعيد، وإلا قد قيل به.
* طالب: معطوفة على قوله: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣].
* الشيخ: لا، بعيدة.
* طالب: شيخ، الواو استئنافية.
* الشيخ: لا، يقولون: إن المعطوف عليه مقدّر، التقدير: فعل ما فعل ليتبين لكم ما حصل بسبب عصيانكم وليبتلي، فالمقدّر الآن عِلّة ومعلول لأجل أن يصح عطف العِلّة الثانية على العِلّة التي حُذفت مع معلولها.
وقوله: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ يبتلي بمعنى (يختبر ويمتحن). و﴿مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ هي القلوب؛ لقول الله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج ٤٦].
﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] قوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ﴾ معطوفة على (يبتلي)، والتمحيص بمعنى (التخليص)، محصَّه أي: خلّصه، يُخلّص ما في قلوبكم من كل ما يكون فيه إرادات سيئة كقوله: ﴿مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ﴾ [آل عمران ١٥٢] أو فيه شيء من التسخّط على القدَر أو غير ذلك مما يُفسد ما في القلب.
وقوله: ﴿مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾ إذا قال قائل: ذكرتم أن ما في الصدور هي القلوب، وأن التمحيص أيضًا للقلوب، فيكف كان ذلك؟
نقول: نعم؛ لأن الابتلاء غير التمحيص؛ الابتلاء اختبار، والتمحيص تنقية، ولهذا اختلف التعبير فقال: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، ولم يقل: ما في صدوركم بل قال: يمحص ما في قلوبكم من الأذى الذي يضركم في دينكم؛ لأن كراهة ما وقع أو إرادة ما لا ينبغي إرادته، أين تكون؟ تكون في القلب، ولهذا كان التمحيص على ما في القلب أو كان التمحيص لما في القلب لا للقلب نفسه، والابتلاء للقلب نفسه، يبتلي ما في صدوركم ويمحص ما في القلوب؛ يُنقي، فاختلف الموْرِد، المورد في الأول القلب، وفي الثاني ما في القلب.
﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ الجملة هذه استئنافية لبيان إحاطة علم الله بما في القلب ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧]، وفائدة ختم الآية بها أنه لما بيّن أن الله تعالى قدّر ما قدر لهاتين الحكمتين؛ الابتلاء والتمحيص بيّن أنه بعد ذلك سيعلم ماذا يكون في القلب بعد هذا الابتلاء وهذا التمحيص.
نرجع الآن إلى بيان الفوائد؛ قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤].
* من فوائد هذه الآية: أن الله عز وجل هو الذي يجلب للمرء النوم أو يرفعه عنه؛ لقوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، ولكن الله بحكمته جعل للنوم أسبابًا، فالإنسان مثلًا إذا اضطجع واسترخى أتاه النوم، وإذا انشغل قلبه واهتم لأمر ما فإنه لا يأتيه النوم، وهذا كغيره من الأشياء التي تكون بإرادة الله، ولكن لها سبب.
* ومن فوائد هذه الآية: أنك إذا أَرِقت ولم يأتِك النوم في الليل فالجأ إلى الله عز وجل، الجأ إلى الله، واسأله أن يُذهِب عنك الأرق، وادعُ بما وردَت به السنة من دعاء الأرق المشهور.
* ومن فوائد هذه الآية: أن النعاس قد يكون محمودًا ويعتبر من النِّعم؛ لقوله: ﴿أَمَنَةً نُعَاسًا﴾، قال العلماء: النعاس في الحرب نِعمة، والنعاس في العلم؟
* طالب: نقمة.
* الشيخ: ما نقول: نقمة، لكن نقول: مذموم؛ يعني محمود في الحرب ونِعمة، أما في العلم فإنه مذموم، وكذلك أيضًا في الصلاة، ولكنه إذا غلب على الإنسان فإنه لا يؤاخذ به، إلا أن النبي ﷺ «أمَر الإنسانَ إذا أصابه النُّعاسُ في الصلاةِ أن يَضطجعَ وأن يستريحَ»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤ / ٢١٩) من حديث أنس بن مالك.]] قال:[[متفق عليه؛ البخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦ / ٢٢٢) من حديث عائشة، ولفظه: «إذا نعسَ أحدُكم وهو يصلّي فليرْقُد، حتى يذهب عنهُ النوم، فإنَّ أحدََكم إذا صلّى وهو ناعِس، لا يدري لعلّه يستغفِر فيسبّ نفسه».]] «فلعلَّه يذهب ليدعو لنفسه فيكون الأمر بالعكس».
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن النعاس الذي أصابهم إنما أصاب المؤمنين الخلَّص؛ لقوله: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤].
* ومن فوائد الآية: أنه قد يُوجد في الكُمَّل من المؤمنين شيء من العيوب كالأنانية، فإن قوله: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يدل على أنانيته، وأنهم ليس لهم هَمّ إلا أنفسهم، والذي يليق بالمؤمن أن يكون همه في مثل هذه المواطن نُصرة الإسلام وعِزّة الإسلام، وأن يبيع نفسه لله.
* ومن فوائد هذه الآية: أن الإنسان الذي لا يكون له همّ إلا نفسه في هذه المواطن قد يُبتلى -والعياذ بالله- بهذه البلوى العظيمة، وهي أن يظنوا بالله غير الحق: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد أنواعًا كثيرة من الظن بالله غير الحق؛ منها: أنهم ظنوا أن هذه الهزيمة لا انتصار بعدها، وهذا ظن سوء، كل من ظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة فقد ظن بالله ظن السوء، ومن أراد أن يرجع إلى كلام ابن القيم في زاد المعاد فهو كلام جيد، لم يوجد لا في كتب التفسير ولا في كتب التاريخ.
* ومن فوائد هذه الآية: ذمّ من ظن بالله غير الحق؛ لأن الله ذكر هذا في سياق ذم هؤلاء الذين ليس لهم هَمّ إلا أنفسهم، فإذا كان من ظن بالله غير الحق مذمومًا كان من ظن به ظن الحق محمودًا.
* ومن فوائد الآية: أنه لا يظن أحد بالله ظن غير الحق إلا وهو جاهل؛ لقوله: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ فكل من ظن بالله غير الحق فإنه -بلا شك- جاهل لم يقدر الله حق قدره.
* ومن فوائد هذه الآية: أن هؤلاء أنكروا ما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام من الخروج إلى أُحُد، لكنه على وجه خفي؛ لقولهم: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ لأنه على زعمهم لو كان لهم شيء من الأمر ما قُتلوا.
* ومن فوائد هذه الآية: بيان أن الأمر كله لله؛ الأمر الشرعي والأمر الكوني، كله لله عز وجل، ليس لأحد مع الله أمر، فكل الأمر لله؛ لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه يجب على الإنسان أن يُنكر المنكر بذكر الحق؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ والأمر في قوله: ﴿قُلْ﴾ أدنى أحواله أن يكون للاستحباب.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن النبي ﷺ لا يعلم الغيب؛ لقوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾؛ لأنه لو كان يعلم الغيب لكان يعلم ما يُخفون وإن لم يبدوه، ولكن النبي ﷺ لا يعلم الغيب، لا في حياته ولا بعد مماته، وإذا كان لا يعلم الغيب في حياته فعدم علمه الغيب في مماته من باب أوْلى، وقد صرّح الله بذلك حيث أمره أن يقول: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ﴾ أمره الله أن يعلن هذا، وقد أعلنه، أعلنه عليه الصلاة والسلام على الملأ، لم يكتم شيئًا مما أوحاه الله إليه، ومنه هذا.
* ومن فوائد هذه الآية: التنديد بمن يعترضون على القدر؛ لقوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٥٤].
* ومن فوائد هذه الآية: أن (لو) بعد القَدَر لا تفيد شيئًا؛ لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾.
* ومن فوائدها: أن قضاء الله لا مفرّ منه؛ لقوله: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه قد يكون فيها إشارة إلى أن الشهداء يُدفنون في مكان استشهادهم؛ لقوله: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ أي: في أماكن قتلهم، وهذا إن لم تفده هذه الآية فقد استُفيد من السنة، فإن قومًا من الصحابة حملوا قتلاهم في أُحُد لدفنهم في المدينة فأمر النبي ﷺ بردّهم إلى مصارعهم يُدفنون هناك، فدُفنوا في أُحُد.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الحكمة في أفعال الله، من أين تؤخذ؟ ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾ والنصوص في إثبات حكمة الله لا تُعدّ ولا تُحصى، بل حتى الأمور الكونية التي لا حصر لها كلها تفيد إثبات حكمة الله عز وجل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن العبرة والمدار على القلوب التي في الصدور؛ لقوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ﴾.
وقد بينّا فيما مضى أن أحكام الدنيا على الظواهر وأحكام الآخرة على البواطن، ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إذا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ﴾ [العاديات ٩، ١٠] وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ (٨) يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ [الطارق ٨، ٩]، ولأن النبي ﷺ كان لا يقتل المنافقين وهو يعلم ببعضهم ويقول: «لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤ / ٦٣) من حديث جابر.]] إجراءً لهم على أيش؟ على ظاهرهم؛ ولأنه لو رُجع إلى الباطن في أحكام الدنيا لسادت الفوضى بين الأمة؛ لأن كل إنسان قد يقتل الشخص أو يؤدّبه ويعزّره ويقول: إن قلبه منطوٍ على الكفر والنفاق، ويحصل في هذا من الشر ما لا يمكن أن تعيش الأمة به، ولكن الله بحكمته ورحمته جعل أحكام الدنيا على الظواهر.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله تعالى قد يَبتلي عباده بما ينقّي قلوبهم ويخلّصها من الشوائب؛ لقوله: ﴿وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ﴾، والتمحيص -كما قلنا- هو التنقية.
* ومن فوائد هذه الآية: إثبات علم الله بما في القلوب؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾.
* ويتفرع على هذه الفائدة: التحذير من إضمار ما لا يرضى به الله؛ لأنك إذا أضمرت ما لم يرضَ به الله فسوف يحاسبك عليه وإن كان لا يبدو للناس، فعلى المرء أن يحاسب نفسه دائمًا وينظر ما في قلبه، هل في قلبه الخير وإرادة ما يُرضي الله أو أن الأمر بالعكس؟ فليصحّح الوضع.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ﴾.
* طالب: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ فالمراد من الأمر هنا واحد من الأوامر ولَّا واحد من الأمور؟
* الشيخ: واحد الأمور.
* الطالب: تأتي بمعنى الشأن؟
* الشيخ: من الشأن؛ يعني لو كان النظر مشورة ورأي ما قُتلنا هاهنا.
* طالب: شيخ، قول يعني المفسرين في قولهم في هؤلاء الذين يقولون، ويظنون هو أنهم بعض المؤمنين ولكن في إيمانهم لبس، والقول الثاني: هو أنهم منافقون، ما الراجح؟
* الشيخ: الراجح الأول.
* الطالب: أنهم مؤمنون.
* الشيخ: الراجح الأول أنهم مؤمنون ضعفاء الإيمان؛ لأنه قال في أول الكلام: ﴿وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ﴾ ومثل هذا لا يكون للمنافقين.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، أقول: أحسن الله إليك يعني ما يرجّح أن الذين قالوا هذا الأمر أنهم ضعاف الإيمان أنهم هم الذين حضروا بدرًا، وأشاروا على النبي ﷺ بالبقاء، وأهل بدر ما يمكن أن يصدر منهم نفاق؟
* الشيخ: لا، هم الصحيح أنهم ضعفاء الإيمان، لكن الذين قالوا إنهم منافقون كأنهم استعظموا هذا أن يقع من المؤمنين.
* الطالب: لكن إذا نظرنا إلى الذين قالوا هذا.
* الشيخ: ما نستطيع أن نجزم بأن الذين قالوه هم أهل بدر، قد يكون هم أو غيرهم.
* الطالب: لكن نحن بينا –أحسن الله إليك- في البداية بأن الذي حضروا بدرًا هم الذين أشاروا على النبي ﷺ بالبقاء؟
* الشيخ: نعم، هم الذين أشاروا صحيح، لكن هل أنهم لما رأوا القتال وعزم الرسول ﷺ على ذلك هل يكون هكذا؟ قد لا يكون هذا.
على كل حال ما نجزم أنهم هم الذين حضروا بدرًا، قد يكون الذين حضروا بدرًا لما رأوا النبي ﷺ عزم وصمّم؛ يعني استقامت نيتهم؛ لأن أهل بدر هم من أفضل الصحابة.
* طالب: هل يجوز يا شيخ الحكم على الأشخاص بغلبة الظن؟
* الشيخ: بأيش؟
* الطالب: بغلبة الظن.
* الشيخ: يقول العلماء: يحرم ظن السوء بمسلم ظاهره العدالة، فإذا لم يكن ظاهره العدالة ووُجدت قرائن فلا حرج؛ لأن الله يقول: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾، ثم يقول: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ ولم يقل: اجتنبوا الظن كله، بل قال: كثيرًا منه، ولم يقل: إن الظن إثم، بل قال: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾.
* طالب: شيخ، في الحديث أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٦٩)، ومسلم (١٢٧ / ٢٠١)، من حديث أبي هريرة.]]. قلنا: إن في الآية فائدة: هو أن الإنسان يحب عليه (...)؟
* الشيخ: إي نعم؛ يعني مما يحاسب عليه؛ لأن حديث النفس ما يعتمده الإنسان.
* الطالب: لكن (...) في نفس الوقت.
* الشيخ: إي، لكن ما يعتمده، لو اعتمده صار عملًا، أما مجرد الحديث والهواجس، فتكون ما نفعل، ما هو بشيء.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٥٥) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١٥٦) وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧) وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ (١٥٨)﴾ [آل عمران ١٥٥ - ١٥٨].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾.
يقول الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران ١٥٤] ما المراد بهذا الاستفهام؟
* طالب: إنكاري، استفهام إنكاري.
* الشيخ: ويش معنى الإنكاري؟
* الطالب: يعني يقولون: لو كان لنا من الأمر شيء ما..
* الشيخ: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٤].
* الطالب: نعم، هذا من كلامهم ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
* الشيخ: خلِّ هذه اللي قبلها ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ما المراد بالاستفهام؟
* الطالب: إنكاري؛ يعني ينكرون يقولون: ما لنا من الأمر شيء.
* الشيخ: يعني نفي؟
* الطالب: نفي نعم.
* الشيخ: نفي، إذا كان نفيًا فكيف صحّ أن يُقال: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ لأنه إذا كان نفيًا فقد أقرّوا بأنه ليس لهم من الأمر شيء فيكون الأمر لله.
* الطالب: يعني لا ينفوا، بس يقولون: (...) ما لنا من الأمر شيء، فقال الله سبحانه وتعالى: ﴿الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾.
* الشيخ: لكن إذا جعلتها بمعنى النفي كان قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ لا يصح أن يكون ردًّا عليهم؟
* طالب: هذا إنكار، الاستفهام للإنكار، سببه.
* الشيخ: لكن ويش معنى الإنكار هل معناه النفي كما قال؟
* الطالب: لا، لا، ليس معناه النفي، إنما أنكروا أنه لم يُرجع إليهم فيردّ إليهم الأمر في شأن الحرب.
* الشيخ: إي، يعني كأنما يريدون تبرئة أنفسهم.
ما المراد بالأمر في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ واحد الأوامر، أو واحد الأمور؟
* طالب: الأمر هنا؟
* الشيخ: إي، ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ هل المراد الأمر اللي هو ضد النهي وهو واحد الأوامر أو المراد واحد الأمور؟
* الطالب: واحد الأمور.
* الشيخ: واحد الأمور؟ ما تقولون؟
* طالب: المراد من الأمر عام قدريًّا كان أو كونيًّا.
* الشيخ: يعني يشمل الأمور، واحد الأمور وواحد الأوامر؟
* الطالب: نعم، عام.
* الشيخ: لكن السياق يقتضي أن يكون واحد الأمور.
قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ ما الذي يخفونه؟
* طالب: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾.
* الشيخ: نعم، ما الذي يخفونه؟
* الطالب: يعني إنكارهم على القيادة.
* الشيخ: كيف إنكار أيش؟
* الطالب: الإنكار أنه لم يرد لهم من الأمر شيء ولم يأخذ رأيهم في الحرب.
* الشيخ: ما في الآية بيان لهذا الشيء؟
* طالب: قول الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾.
* الشيخ: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾. إذا كان هكذا فيكف صح أن يقال: إنه يُخفون في أنفسهم؟
* طالب: يعني يخفون في أنفسهم المراد، لا أنهم يخفونه لا يبدونه، وإنما يكون بين هذه الطائفة مجموعة أنكرت على القيادة هذا الشيء، فهم يخفون هذا الأمر في أنفسهم؛ يعني في هذه الطائفة، ولا يظهرونه إلى النبي ﷺ والطائفة الأخرى التي غشيهم النعاس.
* الشيخ: يعني فيما بينهم؟
* الطالب: فيما بينهم.
* الشيخ: فيما بينهم، يخفونه فيما بينهم، ولكنهم يخاطب بها بعضهم بعضًا.
قول الله عز وجل: ﴿لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ﴾ ما المراد بالكتابة هنا الشرعيّة أو الكونيّة؟
* طالب: الكونيّة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences