Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:153–154
3:153–154Page 69
۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣
[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.
ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤
Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.
ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿إِذْ﴾: هذه ظرف، والظرف لا بد له من متعلق، فما متعلق ﴿إِذْ﴾؟
متعلق ﴿إِذْ﴾ على أرجح الأقوال محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون، هذا أحسن ما قيل فيها، ولَّا بعضهم قال: إنها متعلقة بما قبلها ولقد عفا عنكم حين تصعدون، وبعضهم قال: ثم صرفكم عنهم حين تصعدون، ولكن الأقرب أن المتعلق محذوف، التقدير: اذكروا إذ تصعدون حتى تكون هذه الحال دائمًا على أذهانكم.
وقوله: ﴿تُصْعِدُونَ﴾ بضم التاء، وهي غير تَصعدون بفتحها، لأن الصعود الرقي إلى أعلى؛ كما قال تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر ١٠] وأما الإصعاد فهو السير هربًا في أرض مستوية، يقال: أَصْعَدَ أي: ذهب هاربًا أو مسرعًا في الأرض، وهذا هو الذي حصل للصحابة رضي الله عنهم، ومنهم من صعد الجبل، لكن المراد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ﴾ أي: أيش؟ تهربون سراعًا في أرض مستوية، لماذا؟ لأن أصعد مأخوذ من الصعيد، والصعيد: وجه الأرض، كما قال تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء ٤٣].
قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ أي: لا تعكُفون أو تلتفتون إلى أحد، ولم يقل: ولم تلتفتوا؛ لأن اللَّيَّ أبلغ، اللَّيُّ: الانعطاف على الشيء، هم لا يلوون على أحد هربًا خوفًا من قتل الكفار إياهم، فكانوا لا يلوون أحد هربوا، وتصور المشهد كيف كان، حوالي سبع مئة نفر من خيار المؤمنين يهربون، لا يبقى مع الرسول عليه الصلاة والسلام إلا نفر قليل.
وانظر أيضًا قال: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الرسول ﷺ في أخريات القوم هو الذي يلي الأعداء في الأخر، يدعوكم؛ يا عباد الله، كروا، ارجعوا. ولكن لشدة الأمر لا يلوون على أحد، وهذه قضية عظيمة، ولكن الله سبحانه تعالى قد عفا عنهم، قد عفا عنهم ولم يؤاخذهم بما جرى.
﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ﴿أُخْرَاكُمْ﴾ يعني: الآخر منكم؛ لأن من عادة النبي صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أُخْرَيَاتِ القوم، ليس كالملوك يأخذ الصدر، بل هو كالراعي يكون في الآخر يتفقد الرعية، إنسان يحتاج، إنسان تتخلف بعيره، يتخلف فرسه فيساعده، كما في قصة جابر رضي الله عنه، جابر لما رجعوا في سيرهم كان على جمل قد أعيا -ويش معنى أعيا؟ تعب ما يمشي- قال: فلحقني النبي عليه الصلاة والسلام، شوف هذا جمل تعبان بيصير في آخر الناس. ويقول: لحقني النبي -معناه أنه وراه أيضًا، وراء هذا الجمل التعبان- فلحقني فدعا للجمل وضربه، ضرب الجمل ضربًا عاديًّا ودعا له، فسار سيرًا لم يسر مثله قط، الجمل -سبحان الله- هو بالأول تعبان ما يمشي إلا قليلًا، حتى كان جابر يرده في خطامه يسبق القوم، آية من آيات الله وآيات الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم قال له: «بِعْنِيهِ»، الرسول ﷺ طلب من جابر أن يبيعه عليه، «بِعْنِيهِ بِأُوقِيَّةٍ»، الأوقية كم؟ أربعون درهمًا أو خمسون درهمًا، ولكنه أبى، قال: ما أبيعه. شوف بالأول بيسيبه، يتركه والآن يساوم ها النبي عليه الصلاة والسلام (...) يبيع عليه، قال: «بِعْنِيهِ»، فبعته، باعه على النبي ﷺ، لكنه استثنى أن يحمله إلى المدينة، فأعطاه النبي ﷺ شرطه، ثم لما وصل المدينة وأتى إلى النبي ﷺ عند باب المسجد قال له: «صَلَّيْتَ؟». قال: لا. قال: «ادْخُلْ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ»؛ لأن السنة للمسافر إذا قدم بلده أن يبدأ قبل كل شيء بالمسجد يصلي فيه ركعتين، ثبت هذا من فعل الرسول وأمره عليه الصلاة والسلام، وهذه سنة تفوت كثيرًا من الناس، ثم أعطاه الدراهم، وجابر يريد أن يعطيه الجمل، فقال النبي ﷺ:« «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ، خُذْ جَمَلَكَ وَدَرَاهِمَكَ، فَهُوَ لَكَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٩٧)، ومسلم (٧١٥ / ١٠٩) من حديث جابر بن عبد الله.]]، هذا غاية ما يكون من الكرم، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يقصد أن يتصدق عليه، بعض العلماء رحمهم الله قالوا: إن الرسول ﷺ أراد أن يتصدق عليه بثمن الجمل ففعل هذه الحيلة، هذا خطأ غلط، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام أراد أن يعرف كيف كان غلاء هذا الجمل في قلب جابر بعد أن كان عنده رخيصًا يريد أن يسيبه فطلب منه البيع، وإلا فالذي يظهر من قوله: «أَتُرَانِي مَاكَسْتُكَ لِآخُذَ جَمَلَكَ» أن الرسول ﷺ لم يرد الشراء من الأصل، ولكنه أراد أن يعلم ما عند جابر رضي الله عنه.
* طالب: شيخ -أحسن الله إليك- قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ﴾ و(ثم) -حسب ما هو معلوم لديك- أنها للترتيب مع التراخي، وهم قد فشلوا من قبل وعصوا؟
* الشيخ: لا، الصرف بعد العصيان.
* الطالب: إي: هم لما فشلوا وعصوا وكذا انصرفوا.
* الشيخ: صرفهم الله.
* الطالب: صرفهم الله، ثم قال: ثم صرفكم الله يعني نحن قلنا: إن هذا الصرف كان عن إقبال شديد، فكيف يكون الصرف بعد إقبال شديد مع أنهم..؟
* الشيخ: إي، هم أقبلوا شديدًا ما هو على النظام اللي أمرهم الرسول، أقبلوا شديدًا من أجل القضاء على المشركين، ما هو عن الذين عصوا فقط، الكلام عن الجميع.
* الطالب: يعني بعضهم كان مقبلًا؟
* الشيخ: ما فيه شك، الصحابة -قبل أن ينزل هؤلاء- مقبلون يجمعون الغنائم، وهؤلاء هاربون، الكفار هربوا حتى إن النساء شوهدن يصعدن الجبال وسوقهن بارزة قد رفعن ثيابهن.
* الطالب: يعني على هذا تكون ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ﴾ هذه في رماة الجبل؟
* الشيخ: نعم، في رماة الجبل، و﴿صَرَفَكُمْ﴾ للعموم.
* طالب: (ثم) في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾ للعطف، عطف على أيش؟ ﴿ثُمَّ صَرَفَكُمْ﴾؟
* الشيخ: ﴿إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ الظاهر أنها معطوفة على ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ ثم صرفكم.
* الطالب: وفي كتاب الجمل (...) ثم عطف على الجواب، على جواب الشرط (...).
* الشيخ: يصلح، أقول: يجوز.
* الطالب: فيكون هذا جوابًا للشرط.
* الشيخ: لا، يكون هذا ما هو جواب الشرط، جواب الشرط محذوف وهذا من جملته.
* الطالب: يعني من جملته.
* الشيخ: إي نعم
* طالب: ما الفرق بين العفو والغفور؟
* الشيخ: العفو إذا لم يكن مقرونًا بالمغفرة تدخل فيه المغفرة؛ لأنه عفو عن المجازات، وأما إذا قيل: عفو غفور صار العفو عن ترك الواجبات، والمغفرة لفعل المحرمات.
* طالب: شيخ، العفو قلنا: قسمين مذموم ومحمود، القسم المذموم اللي هو عن غير قدرة (...) قسمين: كالرجل مثلا يعفو عن حقه حتى يوم القيامة، (...) مع كونه لا يستطيع؟
* الشيخ: هذا قد يدخل في القسم الأول؛ لأنه يوم القيامة قادر سيعطى حقه كاملًا.
* طالب: شيخ، بالنسبة لقوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ قلنا: إن التوبيخ علشان يكون بطريقة لينة لم يذكر المفعول الله سبحانه وتعالى؛ ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾، ما يقال يا شيخ: إنه (وَعَصَيْتُمْ) أمر الرسول (...) خاصة إذا قلنا: إن الأمر هنا واحد الأمور؟
* الشيخ: ما فيه أمر هنا، ما فيه أمر لا واحد أمور ولا واحد أوامر.
* الطالب: نازعوا الأمير.
* الشيخ: لا، تنازعوا فيما بينهم وعصوا الرسول عليه الصلاة والسلام أو عصوا الله أيضًا؛ لأن من عصى الرسول فقد عصى الله.
* طالب: اللي خالف الأمر من الصحابة قليل، والذنب عم الجميع؟!
* الشيخ: لأنه قال: ﴿عَصَيْتُمْ﴾ واللي عصوا أقل من خمسين؟
الجواب: أننا كررنا أن فعل الجماعة من طائفة قد ينسب إلى جميع الطائفة، حتى إن بني إسرائيل يلومهم الله عز وجل على شيء فعله أسلافهم؛ لأنهم طائفة واحدة: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى﴾ يخاطب اللي في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾ [البقرة ٥٥] (...).
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: بدون واو (سارعوا).
* الشيخ: بدون واو (سارعوا).
هل يرد هذا على قول أهل العلم: إن من أنكر حرفًا من القرآن فهو كافر؟
* الطالب: لا يرد.
* الشيخ: لا يرد، لماذا؟
* الطالب: قول أهل العلم محمول على إذا ما لم يرد به النص.
* الشيخ: نعم، إذا ما لم يكن قراءة، وعلى هذا لو قرأ الإنسان: وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون سارعوا إلى مغفرة
* الطالب: فإن هذا يجوز.
* الشيخ: فلا بأس لأنه قراءة، تمام.
* * *
* طالب: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٥٣) ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾ [آل عمران ١٥٣، ١٥٤ ].
* الشيخ: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
قال الله تبارك وتعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ﴾ ما معنى ﴿تُصْعِدُونَ﴾؟
* طالب: يعني: تسيرون في الأرض هربًا.
* الشيخ: نعم، وما الفرق بينها وبين: تَصعدون؟
* الطالب: تَصعدون بمعنى: ترقوا إلى الأعلى، يعني ترقى إلى الأعلى.
* الشيخ: يعني: تصعد الجبل مثلًا، تصعد شيئًا مرتفعًا. والمراد الأول؟
* الطالب: نعم، المراد هو الأول.(...).
* الشيخ: نعم أحسنت، قوله تعالى: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ الجملة في موضع؟
* طالب: حال.
* الشيخ: لكن في موضع أيش؟ الحال لها موضع من الإعراب.
* طالب: موضع نصب.
* الشيخ: في موضع نصب على الحال، قوله تعالى: ﴿يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾؟
* طالب: أي: في آخركم.
* الشيخ: بماذا يدعوهم؟
* الطالب: يدعوهم؛ ليعودوا إليه لأنهم هربوا رضي الله عنهم.
* الشيخ: ليعودوا إليه، يقول: «إِلَيَّ يَا عِبَادَ اللَّهِ، إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ»[[أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب بلفظ "فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم".]]. قال الله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ﴿أَثَابَكُمْ﴾: الفاعل هو الله عز وجل، ومعنى: ﴿أَثَابَكُمْ﴾ أعطاكم ثوابًا.
و﴿غَمًّا﴾: هو الثواب الذي أعطاهم الله، فهو المفعول الثاني لأثابكم.
والثواب: هو المجازاة على العمل إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، حتى الإثابة على الشر تسمَّى ثوابًا؛ يعني: حتى الجزاء على الشر يسمى ثوابًا؛ قال الله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المطففين ٣٦]، لكن إذا قُرِنَ الثواب بالعقاب صار العقاب الجزاء على السيئات، وصار الثواب الجزاء على الحسنات، وأمثال هذا في اللغة كثير، تكون الكلمة لها معنى إذا أُفْرِدَت ولها معنى إذا قُرِنَت بغيرها.
وقوله: ﴿أَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ ﴿غَمًّا﴾: مفعول ثان لأثابكم.
﴿بِغَمٍّ﴾ (الباء) هنا قيل: إنها للمصاحبة، وقيل: إنها للبدل، وقيل: إنها بمعنى على، ولكل وجهة نظر؛ فأما الذين قالوا: للمصاحبة فقالوا: إن معناها أثابكم غمًّا مصحوبًا بغمٍّ، يعني مقترنا به لم يفصل بينهما فاصل، غموم متتابعة.
والذين قالوا: إنها بمعنى على قالوا: أصابكم غمًّا على غم، ولا يلزم أن تكون متتابعًا.
والذين قالوا: إنها للبدل والعوض يقولون: معناها أصابكم غمًّا بغم بدلًا عن الغم الذي حصل منكم.
وإذا تأملنا وجدنا أن الآية الكريمة تحتمل كل المعاني الثلاثة كما سيتبين إن شاء الله من تفسير الغم ما هو، والقاعدة في التفسير أن الآية إذا كانت تحتمل أكثر من معنى وليس بينهما منافاة فإنها تحمل على ما تحتمله من المعاني؛ لأن هذا هو بلاغة القرآن، فما هي الغموم التي أصابتهم؟
نحن نعرف أن المسلمين في أحد أصيبوا بمصائب عظيمة؛ أولًا: كان النصر لهم في أول النهار ثم كان عليهم في آخر النهار، وهذا لا شك أنه يُحْدِثُ غمًّا عظيمًا؛ لأنه بعد أن تفرح النفوس بالنصر ثم تنتكس يكون هذا أشد عليها مما لو كانت الانتكاسة لم تسبق بنصر، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: ثانيًا: قتل منهم شهداء، قتل منهم شهداء من شجعانهم مثل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، وهذا لا شك أنه يفت في أعضادهم.
ثالثًا: تأخر ثلث الجيش تقريبًا من أثناء الطريق، وهم المنافقون الذين انخزل بهم عبد الله بن أُبَيٍ المنافقُ.
رابعًا: أُشِيع أن النبي ﷺ قُتِل، وماذا تكون نفوس المؤمنين إذا أشيع أن إمامهم وقائدهم ﷺ قد قتل؟ نعم تكون عظيمة تضيق عليهم الأرض بما رحبت.
خامسًا: أن الرسول عليه الصلاة والسلام أصيب يوم أحد كُسِرَت رَبَاعِيَتُه وشُجَّ وجهه وأصابه من الضعف والوهن ما لم يصبه من قبل، فالغموم كثيرة.
وهذه الغموم إذا قلنا: إن الباء بدلية يكون معناها أنكم أصابكم غم بسبب ما أصبتم الرسول ﷺ به من الغم؛ لأن نزولهم من الجبل الذي جعلهم النبي ﷺ فيه لا شك أنه يحزن الرسول عليه الصلاة والسلام، قائد مرتب للجيش أمرهم بأن لا يدعوا المكان مهما كان الأمر ثم يخالفون.
طاعة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الباب واجبة من وجهين:
أولًا: أنه شرع، إن أمره شرع -عليه الصلاة والسلام-.
وثانيًا: من جهة أنه ولي الأمر، قائد، مخالفة القائد ولو لم يكن رسولًا تعتبر شديدة في نفسه، فكما أنه حصل للنبي ﷺ منهم غم أصابهم الله بغموم، واضح؟
أما على القول: بأنها للمصاحبة فالأمر ظاهر؛ لأنها غموم متلاحقة في غزوة واحدة، وأما كونه غمًّا على غم فكذلك أيضًا، كلما فاء غم أتى غم آخر؛ ولهذا قال: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ اللام هنا للتعليل والمعلل قوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ﴾ أي: أثابكم غمًّا بغم من أجل أن لا تحزنوا على ما فاتكم ولا ما أصابكم، كيف ذلك؟
لأن الغم الأكبر ينسي الغم الأصغر، فمثلًا إذا فاتهم النصر هذا غم، غم بلا شك، لكن إذا قتل نبيهم عليه الصلاة والسلام هذا أشد، فلما أشيع أنه قتل نسوا الغم الأول ولم يحزنوا عليه؛ لأنهم أصيبوا، فإذا جاء الفرج وتَبَيَّن أن الرسول عليه الصلاة والسلام قد بقي زالت الغشاوة كلها، واضح؟
فيكون هذا من لطف الله بهم أنه يصيبهم بمصائب تنسيهم المصائب الأولى ثم بعد ذلك تنفرج، وهذا من حسن ربوبية الله عز وجل وعنايته بالصحابة والنبي ﷺ؛ ولهذا قال: ﴿لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ من أين؟ من النصر والغنيمة.
﴿وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾ من الخذلان وفقد الغنيمة، فهذه من حكمة الله عز وجل، هذا هو الصواب في معنى الآية الذي لا تحتمل غيره.
وأما قول الجلالين رحمه الله: إن (لا) زائدة هنا، والمعنى: لكي تحزنوا على ما فاتكم وما أصابكم، فهذا قول بعيد جدًّا، بل إن الله عز وجل يحب من المؤمنين أن لا يحزنوا ويسليهم إذا وجدت أسباب الحزن؛ قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة ١٠] هذه تسلية، فيكف يأمرهم الله أو فكيف يفعل الله شيئًا من أجل أن يحزنوا؟! هذا بعيد جدًّا، لكن المعنى اللي ذكرناه أظنه واضحًا جدًّا؛ أن هذه الغموم التي أصابتهم من أجل أن ينسي بعضها بعضًا فلا يحزنوا على ما أصابهم ولا ما فاتهم، وحينئذ إذا انكشف الكل صار له طعم لذيذ في النفوس.
يقول عز وجل: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿خَبِيرٌ﴾ مأخوذ من الخُبْر وهو العلم ببواطن الأمور، ومنه سمي الزارع خبيرًا؛ لأنه يدفن الحب ويخفيه، فالأصل أن هذه المادة تدل على الخفا، فالخبير هو العليم ببواطن الأمور، والعليم ببواطن الأمور عليم بظواهر الأمور من باب أولى.
وقوله: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ ﴿بِمَا﴾ أي: بالذي ﴿تَعْمَلُونَ﴾ من خير وشر، فعل، قول، وسوسة في النفوس، لكن هنا قال: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ لأن المراد بالخِبرة هنا: ما يترتب عليها من الحساب، فهي جملة خبرية تفيد التهديد؛ لأن الله عز وجل لا يحاسب إلا على العمل، أما حديث النفس فلا يحاسب عليه، لو حدث الإنسان نفسه بفعل المعاصي أو ترك الواجبات ثم لم ينفذ فإنه لا يحاسب، ولهذا قال: ﴿خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: تذكير المؤمنين بما جرى منهم من المخالفة؛ حيث قال: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى﴾ هذا على القول بأن ﴿إِذْ﴾ أيش؟ متعلقة بمحذوف تقديره: اذكر، أما على القول بأنها متعلقة بـ(عفا) فيستفاد منها تذكير المؤمنين بنعمة الله عليهم في عفوه عنهم حين أيش؟ أصْعَدوا.
* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: التوبيخ اللطيف في قوله: ﴿وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ فإن الشجاعة تمنع أن يقع من الإنسان مثل هذه الحال يهرب ولا يلوي على أحد والرسول يدعوه يقول: «إِلَيَّ يَا عِبَادَ الله»[[ أخرجه البخاري (٣٠٣٩) من حديث البراء بن عازب بلفظ "فلما أتوهم صرفت وجوههم فأقبلوا منهزمين، فذاك إذ يدعوهم الرسول في أخراهم".]]، ففيها توبيخ أيش؟ توبيخ لطيف للصحابة مما جرى منهم.
* ومن فوائد هذه الآية: حسن رعاية النبي ﷺ لأمته في قيادته العظيمة، حيث يكون في أخريات القوم، وهذا شأنه صلوات الله وسلامه عليه أن يكون في أخريات القوم من أجل أن يتفقدهم، إنسان يتأخر، إنسان يحتاج، يتفقدهم، وليس كالملوك الذين يتقدمون الناس بل هو يتأخر، وقصة جمل جابر ليست ببعيدة؛ حيث كان النبي عليه الصلاة والسلام في أخريات القوم فلحق جابرًا وكان معه جمل قد أعيا فلحقه النبي عليه الصلاة والسلام وضربه ودعا له ومشى الجمل، مما يدل على أن من أهداف النبي عليه الصلاة والسلام للتأخر مثل هذه الحال.
* ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته، بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات، من أين تؤخذ؟ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾؛لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة.
* ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل وعدله في إثابته عباده؛ لقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ والعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى على؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضا يخفف بعضها بعضا.
* ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة، إثبات حكمة الله عز وجل في أفعاله، من قوله: ﴿لِكَيْلَا﴾ فإن اللام هنا للتعليل.
ومن فوائد هذه الآية: أنه ينبغي للقائد أن يكون ذا شجاعة في قيادته، بحيث يثبت ويدعو إلى الثبات، من أين تؤخذ؟ ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣]؛ لأنه لو لم يثبت وهرب معهم لم يكن صالحًا للقيادة.
* ومن فوائد الآية: إثبات رسالة النبي ﷺ في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: حكمة الله عز وجل وعدْله في إثابته عباده؛ لقوله: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ﴾ [آل عمران ١٥٣] والعدل ظاهر جدًّا إذا جعلنا الباء للبدل، والحكمة ظاهرة إذا جعلناها للمصاحبة أو بمعنى (على)؛ لأن هذه الغموم التي يتلو بعضها بعضًا يخفّف بعضها بعضًا.
* ومن فوائد الآية: إثبات الحكمة؛ إثبات حكمة الله عز وجل في أفعاله، من قوله: ﴿لِكَيْلَا﴾ فإن اللام هنا للتعليل.
وهذه المسألة أعني إثبات الحكمة لله في أفعاله وأحكامه الشرعية ينفيها مَن؟ الجهمية، ينفونها، بل والأشعرية أيضًا ينفونها، ويقولون: إن أفعال الله لا تُعلّل؛ لأنها لو عُلِّلت لكان يفعل لغرض؛ ولأنها لو علّلت لصح أن يتوجّه السؤال إليه عنها فيقال: لِمَ فعلتَ؟ والله سبحانه وتعالى لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، وقد بينا -فيما سبق- أن نفي العلة أو نفي الحكمة في أفعال الله يُعد تنقُّصًا لله عز وجل؛ لأنه إذا انتفت الحكمة في أحكامه الشرعية أو القدريّة صارت أحكامه عبثًا ولَعِبًا، وقد أبطل الله تعالى ذلك في عدة آيات أشدّها قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يحب من عباده أن لا يحزنوا؛ لأنه قدر الغم بالغم من أجل أيش؟ أن لا يحزنوا، وذلك لأن الحزن يحدث للإنسان انقباضًا، انقباضًا ربما يمنعه عن كثير من المصالح، وربما يُحدث له عُقدًا نفسية، والإنسان ينبغي أن يعوِّد نفسه على انشراح الصدر وانبساط النفس بقدر ما يستطيع؛ لأنه لا شك أن الإنسان إذا كان صدره منشرحًا ونفسه منبسطة أنه يكون مستريحًا قابلًا للتفهّم والتفهيم، وإذا كان محزونًا تجده لا يحب أن يكلّمه أحد فضلًا عن أن يكون له تفهيم أو فهم.
* ومن فوائد الآية: التربية العظيمة للعباد؛ وهي أن لا يحزنوا على ما فاتهم، إذا فاتك خير تظنه خيرًا لنفسك فقل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، وكذلك إذا أصابك ما تكره قل: قَدَرُ الله وما شاء فعل، واعلم أن الحزن لا يرد الفائت أبدًا، وإنما يزيد الإنسان بلاءً.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات علم الله عز وجل الواسع لكل معلوم؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران ١٥٣].
* ومن فوائدها: وجوب الحذَر من المخالفة؛ مخالفة الله عز وجل، وجهه: أنه إذا كان خبيرًا بعملنا فإن ذلك يوجب لنا أن لا نخالفه؛ لأننا إن خالفناه عَلِم، إذا خالفناه علم، وإذا عَلِم فسوف يحاسبنا.
* ومن فوائد الآية: الردّ على الجبريّة، من قوله: ﴿تَعْمَلُونَ﴾ ووجه ذلك: أنه أضاف العمل إليهم، والجبرية يقولون: إن الإنسان لا يعمل، لا يفعل شيئًا باختياره.
* ومن فوائدها: الردّ على غُلَاة القدرية، من قوله: ﴿خَبِيرٌ﴾؛ لأن غلاة القدرة يُنكرون علم الله بفعل العبد، ويقولون: إن الله عز وجل لا يعلم أفعال العبد، لكن إذا فعلها عَلِم بها.
ثم قال عز وجل: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤]. ﴿ثُمَّ﴾ للترتيب بمهلة، ﴿أَنْزَلَ﴾ مَن؟ الله عز وجل.
﴿أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ﴾ المراد بالغمّ هنا جنس الغم، فيشمل الغمّ بعد الغم، كل الغموم السابقة: ﴿مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ ﴿أَمَنَةً﴾ يجوز في إعرابها وجهان:
الوجه الأول: أن تكون مفعولًا لأجله.
والثاني: أن تكون مفعولًا به لـ﴿أَنْزَلَ﴾، فعلى الوجه الأول يكون: ﴿نُعَاسًا﴾ مفعول ﴿أَنْزَلَ﴾، وعلى الثاني يكون: ﴿نُعَاسًا﴾ بدلًا أو عطف بيان من ﴿أَمَنَةً﴾.
و﴿أَمَنَةً﴾ بمعنى (أمْن)؛ يعني أنزل عليكم من بعد الغم أمنًا، أمنة وأمن بمعنى واحد، ما هذا الأمن؟ قال: ﴿نُعَاسًا﴾ والنعاس مُقدّمة النوم، وهو دليل على طمأنينة القلب؛ لأن الخائف ينعس ولّا لا؟
* طالب: لا ينعس.
* الشيخ: ويش يفعل؟
* الطالب: يموت في اليوم ألف موتة.
* الشيخ: لا حول ولا قوة إلا بالله! نعم، الخائف لا يمكن أن ينعس؛ لأن قلبه يرجف، مضطرب، لكن الآمِن المطمئن ينعس، ولهذا قال: ﴿نُعَاسًا﴾.
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤]، وفي قراءة: ﴿تَغْشَى طَائِفَة مِنْكُمْ﴾ فإذا كانت القراءة: ﴿تَغْشَى﴾ فالضمير يعود على ﴿أَمَنَةً﴾، وإذا كانت القراءة: ﴿يَغْشَى﴾ فالضمير يعود على ﴿نُعَاسًا﴾.
﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ أي: يصيب طائفة، والغشيان في الأصل التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ [البقرة ٧] وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف ٥٤] لكن قد يُراد به مجرد الإصابة، وقد يُراد به مع الإصابة أنه إذا غشيهم يعني شملهم جميعًا: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ﴾ الخطاب للمؤمنين.
﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] يعني فلم يغشهم النعاس، لماذا؟ لأن أنفسهم قد أهمّتهم أوقعتهم في الهمّ، أوقعتهم في الهم؛ لأنهم يقولون: ما ندري ما يكون؟! ويُخَمِّسون ويُسَدّسون، والذي هكذا حاله لا يأتيه النوم ولا يقربه النعاس، ولهذا قال: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾. وطوى ذِكر ترْك عدم النعاس، طوى ذكره؛ لأنه يُعلم من حالهم، فإذا كانت قد أهمّتهم أنفسهم فإنه لا يمكن أن ينعسوا.
يقول: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [آل عمران ١٥٤] جملة ﴿يَظُنُّونَ﴾ يجوز أن تكون خبرًا ثانيًا لقوله: ﴿وَطَائِفَةٌ﴾.
أين الخبر الأول؟ جملة: ﴿قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ يعني وطائفة أهمّتهم أنفسهم، وكذلك يظنون بالله غير الحق، ويجوز أن يكون ﴿يَظُنُّونَ﴾ في موضع نصب على الحال من الضمير في ﴿أَهَمَّتْهُمْ﴾؛ يعني أهمتهم حال كونهم يظنون بالله غير الحق؛ يعني يظنون بالله سبحانه وتعالى ظنًّا غير ظن الحق، فما هو هذا الظن؟ يظنون أشياء كثيرة، يقولون مثلًا: هل لنا من الأمر من شيء؟
* طالب: ليس سمع فيه (...).
* الشيخ: أيش؟
* الطالب: يتحرك مع الأذن.
* الشيخ: أهمتهم، الهاء؟
* الطالب: أنفسهم.
* الشيخ: الهاء اللي بعد التاء. ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران ١٥٤]، يظنون مثلًا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قُتل حقيقة، وأنه لا نصر للإسلام بعد هذه الهزيمة، وأن الدولة ستكون للكافرين، وما أشبه ذلك من الظنون الفاسدة، ولا شك أن هذا ظن مبنيّ على الجهل، ولهذا قال: ﴿غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾، فبدأ ببطلان هذا الظن أولًا، ثم بيّن أنه صادر عن جهل، ولهذا قال: ﴿ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ أي: ظن أهل الجهل؛ لأن من عرف الله عز وجل بأسمائه وصفاته وأحكامه لا يمكن أبدًا أن يظن به هذا الظن؛ أن الله يديل الباطل على الحق، وأن الله لا ينصر رسوله، لا يظن هذا الظن إلا من لا يعرف الله عز وجل، ولهذا قال: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [آل عمران ١٥٤].
جملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ يصح أن تكون خبرًا ثانيًا أو ثالثًا؟ ثالثًا لطائفة، ويصح أن تكون حالًا من ﴿يَظُنُّونَ﴾ من الواو في ﴿يَظُنُّونَ﴾ يظنون حال كونهم قائلين.
وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ بألسنتهم أو بقلوبهم؟
* طلبة: بقلوبهم.
* طلبة آخرون: يحتمل.
* الشيخ: نعم، يَحتمل الأمرين، يَحتمل أنهم يقولون في أنفسهم، ويحتمل أنهم يقولون بألسنتهم؛ يعني يقول بعضهم لبعض: هل لنا من الأمر من شيء؟ وأيهما أقرب؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: ما هو الثاني؟
* طالب: شيخنا، الثاني أقوى، وهو أنهم يقولون بألسنتهم، يقول بعضهم لبعض.
* الشيخ: نعم، ما وجه قوّته عندك؟
* الطالب: وجه قوّته أنه منتشر بينهم؛ يعني أنهم يريدون أن ينشروا هذا فيما بينهم، فأراد الله أن يفضحهم، وأن يبيّن لحديث أحد الصحابة -أظنه طلحة- لما قال: إني كنت أنعس كما في الآية، فسمعت صوت أحدهم وما أتبعه وشيء، وكذا يقول هذا القول، يقول: ما لنا من الأمر من شيء.
* الشيخ: إي نعم، طيب هذا، لكن هناك دليل من الآية؟
* الطالب: قوله: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤].
* الشيخ: لا.
* طالب: يقولون: الأصل فيها أنه يكون باللسان.
* الشيخ: نعم، أحسنت، الأصل في القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، وإذا كان قول النفس لا بد أن يُقيّد، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة ٨] واضح؟ أجيبوا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: فإذن تكون الآية دالّة على أن هذا القول صادر منهم بألسنتهم. واضح؟
إذا قال قائل: أنتم تقولون: إن القول إذا أُطلق فهو قول اللسان، فكيف تجيبون عن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح ١١]؟
* طالب: من باب التأكيد.
* الشيخ: من باب التأكيد، وليقابل قوله: ﴿مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿هَلْ﴾ هنا للاستفهام، لكن هل المراد بالاستفهام الإنكار كأنهم يقولون: هل نحن رُوجعنا؟ هل شاوَرونا؟ أو أنهم ينفون أن يكون الاستفهام للنفي؟ يعني يقول: ليس لنا من الأمر شيء، ننظر ما الذي يؤيّده سياق الآية: ﴿يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ [آل عمران ١٥٤]؟ هل يؤيد أن (هل) بمعنى (ما)، أو أن هل بمعنى الإنكار؟ أي أنهم يُنكرون أنه لم يُرجع إليهم بشيء؟
* طلبة: الثاني.
* الشيخ: سياق الآية يدل على الثاني، وأن هؤلاء أخذوا على القيادة في هذه الغزوة، أخذوا عليها أنها لم تراجعهم، وقالوا: هل لنا من الأمر من شيء؟ فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾. ويؤيد هذا أيضًا قوله: ﴿يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران ١٥٤]؛ يعني لو كان لنا من الأمر شيء ما حصلت هذه الهزيمة، إلى آخر الآيات، فالظاهر أن الاستفهام هنا ليس للنفي كما ذهب إليه بعض المفسرين، ولكن معناه الإنكار، الإنكار على القيادة أنها لم تراجعهم في هذا الأمر.
يقولون: ﴿هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الأمر هنا واحد (الأمور) أو واحد (الأوامر)؟
* طلبة: الأول.
* طالب: واحد (الأمور).
* الشيخ: الأول؛ يعني هل لنا من أمور الحرب شيء؟ ليس لنا، ما وجّه إلينا شيء من أمر الحرب، فكأنهم يريدون أن يتنصّلوا مما حصل، ويقول: لأنا ما رُوجعنا ولا رُجع إلينا ولا أُخذ رأينا.
قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿كُلُّهُ﴾ و﴿كُلَّهُ﴾ أيهما أرجح؟
* طالب: الظاهر ﴿كُلُّهُ﴾ لأنه خبر.
* الشيخ: لا، الخبر لله لا شك.
* الطالب: الظاهر ﴿كُلَّهُ﴾؛ لأنه تأكيد الأمر.
* طالب آخر: النصب يا شيخ.
* الشيخ: النصب؟
* الطالب: إي نعم، الأمر كله لله.
* الشيخ: نعم، هو كما قال: توكيد.
* الطالب: لا، ليس توكيدًا، وإنما نعم توكيد.
* الشيخ: أنا أقول: كلاهما راجح؛ لأنهما قراءتان سبعيّتان، فإذا كانت: ﴿كُلَّهُ﴾ صارت (كُلَّ) منصوبة على التوكيد؛ توكيد الأمر ﴿إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ وعلى قراءة الرفع تكون ﴿الْأَمْرَ﴾ اسم (إنّ)، و(كُلُّ) مبتدأ، و(لله) خبر، والجملة من المبتدأ والخبر خبر (إنّ).
على كل حال: ﴿الْأَمْرَ﴾ هنا: ﴿الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ﴾ يشمل الأمر الكوني والأمر الشرعي، فالأمر لله عز وجل كلّه، هو الذي يتصرّف في عباده كما يشاء حسب ما تقتضيه الحكمة، سواء كان هذا الأمر كونيًّا وهو الذي يقول الله فيه: كن فيكون، أو شرعيًّا وهو الأمر الموجّه لمن؟ للعباد، افعلوا أو لا تفعلوا، كُلّه لله كما أن الحكم كلّه لله.
قال الله تعالى: ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ﴾ [آل عمران ١٥٤]. ﴿يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: يُضمرون في نفوسهم ما لا يبدونه للرسول ﷺ، ولكن الله يعلمه، وهذا يُعدّ لا شك مما جرى من الصحابة رضي الله عنهم، وهو أمر لو تركوه لكان أفضل، لو كانوا يُصرّحون للرسول عليه الصلاة والسلام ويصارحونه لكان خيرًا من كونهم يتكلمون فيما بينهم ويخفونه عن رسول الله ﷺ، وهذا ليس لجميع الصحابة، لمن؟ لطائفة.
* طالب: المنافقون.
* الشيخ: لا، لطائفة منهم؛ لأن المنافقين كلهم رجعوا قبل أن يصلوا إلى أُحُد، إن بقي فقد بقي ناس قليلون، لكن ظاهر الآية حيث قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] أن هذه الطائفة من المؤمنين، مع أنه ربما يقول لي قائل: بل إن الآية تدل على أن هذه الطائفة ليست من المؤمنين؛ لأنه قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ ولم يقل: وطائفة منكم، لكن الذي يُرَجّح الأول: التقسيم؛ لأنه قال: ﴿يَغْشَى طَائِفَةً﴾ ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ﴾ والمفسرون مختلفون في ذلك على قولين:
القول الأول: أن هذه الطائفة طائفة من المنافقين.
والقول الثاني: أنها طائفة من المؤمنين لكنهم ضعاف الإيمان.
* طالب: شيخ، في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ [آل عمران ١٥٣] يعني هل كان في مقدمة الجيش ولَّا.. ؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: يعني لما قابلهم كان أقرب للمسلمين من المشركين؟
* الشيخ: الرسول إي نعم؟
* طالب: ما في القرآن يا شيخنا، لكن قد..
* الشيخ: لا لا، بعد أن فرّوا صار في المؤخّرة.
* الطالب: رجع يعني؟
* الشيخ: لا، هو مكانه، الآن تصوّر الآن أنهم الآن في منطقة فهربوا منها، والرسول باقٍ ويش صار؟ صار في أخراهم.
* طالب: شيخ، ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ [آل عمران ١٥٤] يقال: إنهم لم يصبهم النعاس؛ لأنهم أهمّوا أنفسهم لم يهمّوا الرسول ﷺ، وطوى هذا لم يذكره.
* الشيخ: كيف؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences