Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:169–175

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:169–175, continued

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات عدل الله عز وجل، وذلك بعدم إضاعته أجر المؤمنين. والآيات في هذا المعنى كثيرة.

* ومن فوائدها: فضيلة الإيمان، وأنه سبب للحصول على الثواب والأجر.

3:172–173Page 72

ٱلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِ مِنۢ بَعۡدِ مَآ أَصَابَهُمُ ٱلۡقَرۡحُۚ لِلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ مِنۡهُمۡ وَٱتَّقَوۡاْ أَجۡرٌ عَظِيمٌ ١٧٢

Those [believers] who responded to Allāh and the Messenger after injury had struck them. For those who did good among them and feared Allāh is a great reward -

ٱلَّذِينَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُواْ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِيمَٰنٗا وَقَالُواْ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِيلُ ١٧٣

Those to whom people [i.e., hypocrites] said, "Indeed, the people have gathered against you, so fear them." But it [merely] increased them in faith, and they said, "Sufficient for us is Allāh, and [He is] the best Disposer of affairs."1

قال الله تعالى ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾: يحتمل أن تكون بدلًا مما سبق أو نعتًا، ويحتمل أن تكون مبتدأ، فعلى الثاني يكون خبرها جملة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾.

يقول: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ استجابوا بمعنى: أجابوا وانقادوا لله والرسول حينما دعاهم النبي عليه الصلاة والسلام إلى الغزوة مرة أخرى بعد أحد، لما قيل له: إن المشركين أرادوا الكَرة على المسلمين، لما علموا بالجراح الذي أصاب المسلمين والوهن والضعف، وقفوا في حمراء الأسد وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد وأصحابه؟ الآن هم في أقرب ما يكون للقضاء عليهم. فأمرهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يستعدوا للقتال، فاستجابوا لله والرسول، مع ما أصابهم من الجراح والتعب النفسي والتعب البدني؛ لأنه استُشهد منهم سبعون من ثلاثمائة وثلاثين، جمع كبير.. لا، قصدي من سبعمائة وستين تقريبًا؛ لأنهم كانوا حوالي ثلاثة آلاف، الذين خرجوا لأُحد ورجع منهم ثلث العسكر، من ألفين، السبعون من الألفين لا شك أنهم عدد كبير، فهم أصيبوا بالقرح البدني والنفسي، والنبي عليه الصلاة والسلام أيضًا جُرح وكُسرت رَبَاعِيَتُه، وحصل ما حصل من الأمور التي لا نشعر بها الآن ونحن نصورها بأفكارنا، لكن لو كنا نشاهدها عين اليقين لكان الأمر فظيعًا جدًّا.

هؤلاء الذين ﴿أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾، وفي قراءة: ﴿الْقُرْحُ﴾ ، هؤلاء ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ الذين أحسنوا منهم بالاتباع، واتقوا بترك المخالفة لهم ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ يعني: كثير واسع، أجر عظيم: كثير واسع.

ثم قال: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ هذه أيضًا بدل مما سبق، أو عطف بيان، أو صفة، وهي الأقرب؛ وذلك لأن البدل لا يراد به البدل والمبدل منه، وإنما يراد به البدل الثاني، بخلاف النعت فإنه يراد به المنعوت والنعت، ولهذا نقول: إن البدل هنا ضعيف؛ لأنه لو كان المراد البدل لسقط الوصف السابق، كما قال ابن مالك في الألفية:

التَّابِعُ الْمَقْصُودُ بِالْحُكْمِ بِلَا ∗∗∗ وَاسِطَــــــةٍ هُــــــوَ الْمُسَمَّـــــىبَـــــدَلَا

﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ القائل رجل جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام وقال له: إن أبا سفيان قد جمع لك، يريد الكرة عليك[[أخرجه الطبري في التفسير (٢ / ٣٨٨) من حديث ابن عباس.]]، ﴿فَاخْشَوْهُمْ﴾: احذروهم، اتقوهم، وما أشبه ذلك. فماذا قالوا؟ ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾. سبحان الله! المؤمن عند المصائب يزداد إيمانًا، لما أحاط الأحزاب بالمدينة قال المؤمنون: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فازدادوا إيمانًا، هنا أيضًا لما قيل لهم: إن الناس قد جمعوا لكم زادهم إيمانًا بالله واعتمادًا عليه وتوكلًا عليه ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾: ﴿حَسْبُنَا﴾ يعني كافينا، ﴿اللَّهُ﴾ الله جل جلاله.

وهذه الجملة: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ فيها مبتدأ وخبر، لكن الخبر فيها مقدم، والتقدير: الله حسبنا، ويجوز أن يكون (حسبنا) مبتدأ و(الله) خبرًا، لكن المعروف أن المحكوم عليه هو المبتدأ، والمحكوم به هو الخبر، وعلى هذا فيكون (حسبنا) خبرًا مقدمًا و(الله) مبتدأ مؤخرًا.

﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ أي: كافينا، ولو جمع لنا الناس، فإننا لا نخشاهم وإنما نخشى الله عز وجل، وهو كافينا.

﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ نعم: فعل إنشاء يُقصد به المدح، وفاعله لا بد أن يكون مُحَلًّى بـ(أل) أو مضافًا لما حُلي بـ(أل)، ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾ [النحل ٣٠] هذه مضافة لمُحَلًّى بـ(أل)، وهنا ﴿نِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ الفاعل فيها مُحَلًّى بـ(أل)، وتحتاج إلى فاعل وإلى مخصوص، والغالب أن المخصوص يكون محذوفًا، والتقدير في هذه الآية: ونعم الوكيل هو.

﴿الْوَكِيلُ﴾ ليس المراد بالوكيل هنا المتوكل عن غيره، ولكن المراد المدافع عن غيره؛ لأن الله عز وجل لا يتوكل عن أحد، بل بيده الأمر كله، فيكون المراد بالوكيل هنا من؟ المدافع.أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إلى آخره [آل عمران: ١٧٢].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضيلة الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح. وقد بيّنّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أُحد ندموا على ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد ونسبي ذراريهم. ثم تركوا ذلك، عدلوا وقالوا: في العام القادم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن (...) ﷺ أمر لله؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾. ومعلوم أنه لم ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما الذي أمرهم الرسول ﷺ.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المصائب محك لمعرفة الرجال؛ وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أحد كانت محكًّا للصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لولا فضلهم وميزتهم على الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم القرح.

يعني نقول: سُنّة فات محلها؟ القاعدة إن السُّنة إذا فات محلها سقطت، خير إن شاء الله.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ [آل عمران ١٧٢].

قال الله عز وحل: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ﴾ إلى آخره.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان فضيلة الصحابة رضي الله عنهم؛ وأنهم بما معهم من الأعمال نالوا خيرية هذه الأمة؛ لأنهم استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح؛ وقد بينّا في التفسير أن أهل مكة المشركين لما انصرفوا من أُحُد ندموا على ما حصل، وقالوا: لماذا لا نرجع ونقضي على محمد ونسبي ذراريهم؟ ثم تركوا ذلك، عدلوا وقالوا: في العام القادم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن أمر الرسول ﷺ أمر لله؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ومعلوم أنه لم ينزل الوحي بأمرهم بالخروج إلى المشركين، وإنما الذي أمرهم الرسول ﷺ.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المصائب محكّ لمعرفة الرجال؛ وذلك أن هذه المصيبة التي حصلت في أُحُد كانت محكًّا للصحابة رضي الله عنهم؛ لأنه لولا فضلهم وميزتهم على الخلق ما خرجوا بعد أن أصابهم القرح.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن ما عملوه فهو من الإحسان؛ لقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ولم يقل: لهم أجر؛ بل قال: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ﴾ ويحتمل أن يكون هذا القيد قيدًا تخصيصيًّا؛ يعني أن الذين استجابوا لله والرسول منهم من أحسن واتقى، ومنهم من حصل منهم بعض الخلاف، مثل الرماة الذين جعلهم النبي عليه الصلاة والسلام على الجبل، فإنهم -عفا الله عنهم- لم يحصل منهم إحسان كما ينبغي ولا تقوى.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة الإحسان والتقوى؛ لقوله لهم: ﴿أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران ١٧٢] وقد بيّن الله سبحانه وتعالى شيئًا من أجر الإحسان والتقوى فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل ١٢٨].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأنه لا شك أن التقوى والإحسان من أعظم عمل العبد فكان ثوابها عظيمًا.

ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ﴾ [آل عمران ١٧٣] ﴿الَّذِينَ﴾ هذه عطف بيان.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: بيان أن المؤمن كلما ضاقت عليه المصائب فإنه يلجأ إلى ربه، ويزداد إيمانًا به؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] فالمؤمن كلما أصابته النكبات والمصائب ازداد إيمانًا بالله ومعرفة به.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: جواز إرادة الخصوص بلفظ العموم، وأن هذا أسلوب لغوي لا يخرج به الإنسان عن قواعد اللغة العربية؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ﴾، والقائل واحد: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾ والجامع لهم بعض من الناس.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المؤمن حقًّا لا يهمه أن يجمع له أعداء الله؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ﴾.

* ومن فوائدها: أن الحسْب هو الله وحده ولا أحد معه؛ لقوله: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ﴾ ولم يقولوا: حسبنا الله ورسوله، بل قالوا: حسبنا الله وحده؛ فالله وحده هو الحسب كما أنه وحده المتوكّل عليه؛ وبهذا نعرف أن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال ٦٤] أن (مَنْ) في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ معطوفة على الكاف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ وليس معطوفة على لفظ الجلالة، حسبك الله؛ لأنها لو عُطفت على لفظ الجلالة لكان المعنى أن الله حسبك ومن اتبعك من المؤمنين حسبك؛ وليس الأمر كذلك، وإنما حسْبه وحسْب من اتبعه هو الله عز وجل.

* ومن فوائدها: الثناء على الله عز وجل بكونه وكيلًا لعباده أي: حسيبًا لهم، عمدة لهم؛ لقوله: ﴿وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾.

* ومن فوائدها: إثبات اسم الوكيل لله؛ لأن تقدير الآية: ونعم الوكيل هو؛ وقد ذكر الله تعالى في آية أخرى أنه على كل شيء وكيل؛ فالوكيل من أسماء الله، ومعناه المتكفّل بشؤون عباده، وليس معناه القائم بالأمر نيابة عنهم؛ لا، بل معناه المتكفل بأيش؟ بشؤون العباد.

3:174Page 73

فَٱنقَلَبُواْ بِنِعۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَفَضۡلٖ لَّمۡ يَمۡسَسۡهُمۡ سُوٓءٞ وَٱتَّبَعُواْ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَظِيمٍ ١٧٤

So they returned with favor from Allāh and bounty, no harm having touched them. And they pursued the pleasure of Allāh, and Allāh is the possessor of great bounty.

ثم قال تعالى: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [ آل عمران ١٧٤].*

قوله: ﴿فَانْقَلَبُوا﴾ أي: هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول وخرجوا بأمر النبي ﷺ لقتال هؤلاء الكفار الذين بلغهم عنهم أنهم مجمعون على الكرّة على المسلمين خرجوا، فلما بلغوا ما بلغوا من الطريق، بلغوا حمراء الأسد، وجدوا المشركين قد ذهبوا؛ لأن المشركين صرفهم الله، وقالوا: نرجع في العام القادم؛ يقول عز وجل: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ انقلبوا؛ يعني عائدين إلى المدينة بعد أن وصلوا إلى حمراء الأسد. ﴿انْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ ما هذه النعمة؟ النعمة أنهم سلموا من ملاقاة العدو، ولم يحصل حرب؛ لماذا؟ لأن العدو مضى في سبيله ولم يرجع، وأما قوله: ﴿وَفَضْلٍ﴾ ففُسّرت بأن المراد به فضل الجهاد، وأن الله كتب لهم بهذا الخروج أجر غزوة كاملة فسلموا من الحرب ونالوا ثواب المجاهدين.

وقوله: ﴿لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ أي: لم يصبهم ما يسوءهم لا من جهة عدوهم ولا من جهة أحوالهم، بل كانوا على أحسن ما يرام ذهابًا ورجوعًا.

﴿وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ فيها قراءتان: ﴿رِضْوَانَ﴾ و﴿رُضْوَان﴾ بضم الراء وكسرها؛ ومن اتبع رضوان الله؛ اتبعوا ما يرضي الله عز وجل، بماذا؟ بالاستجابة للرسول ﷺ، بالاستجابة لله ورسوله؛ فإن الاستجابة لله ورسوله سبب لرضا الله عز وجل، أسأل الله أن يجعلني وإياكم ممن يرضى الله عنهم.

﴿وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ ﴿ذُو فَضْلٍ﴾: بمعنى (صاحب)، ﴿فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ على العباد في الدنيا والآخرة، ومنه أن تفضّل على هؤلاء بأن انقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء.

* من فوائد هذه الآية الكريمة: فضيلة هؤلاء الذين استجابوا لله والرسول بما أصابهم من الثواب.

* ومنها: أن الإنسان إذا عمل العمل وسعى فيه ولم يكمله كُتب له أجره كاملًا، ولهذا شواهد؛ منها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء ١٠٠].

* ومنها: قول النبي ﷺ: «مَنْ مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كُتِبَ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ صَحِيحًا مُقِيمًا»[[أخرجه البخاري (٢٩٩٦) عن أبي موسى الأشعري. ]] فالإنسان إذا سعى في العمل، ولكنه لم يدركه فإنه يُكتب له أجره كاملًا، حتى طالِب العلم لو مات قبل أن يدرك ما يريد من العلم فإنه يُكتب له ما نوى؛ لأنه شرع فيه وعمل ما يقدر عليه، فيناله الأجر.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الرضا لله؛ من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿رِضْوَانَ اللَّهِ﴾ والرضا صفة من صفات الله الحقيقية، وهي من الصفات أيش؟ الفعليّة، لماذا؟ لأن القاعدة عند السلف أن كل ما يتعلق بمشيئة الله من الصفات فهو صفة فعلية، والرضا يتعلق بالمشيئة، كل صفة معلّقة بسبب فإنها -بلا شك- تتعلق بالمشيئة؛ فرضوان الله معلّق بأيش؟ بفعل ما يرضيه؛ وعلى هذا فتكون هذه الصفة متعلّقة بمشيئته.

أرأيتم ماذا يفسّر أهل التعطيل رضا الله؟ يفسرونه بالثواب؛ لأن الثواب شيء منفصل بائن عن الله، ما هو من صفاته، مخلوق مفعول؛ أو يفسرونه بأيش؟ بإرادة الثواب؛ لأنهم يثبتون الإرادة؛ أما الرضا نفسه فإنهم لا يثبتونه؛ ولا شك أن هذا؛ أعني تفسير الرضا بإرادة الثواب أو بالثواب نفسه، لا شك أنه تحريف للكلم عن مواضعه؛ ويا سبحان الله كيف يثبت الله لنفسه أنه رضي ونحن نقول: لا؛ رضي يعني أثاب، أو رضي يعني أراد أن يثيب؛ أنحن أعلم بالله من نفسه؟! أبدًا والله ما نحن أعلم؛ إذن نحن نثبت الرضا لله حقيقة، وأنه صفة من صفاته الفعلية التي تتعلق بمشيته؛ ولكن هل رضاه كرضانا؟ لا؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى ١١] فكما أن سمعه وبصره وحياته وعلمه وقدرته لا تماثلها قدر المخلوقين، وكذلك هو لا يماثل المخلوقين، فكذلك الرضا والفرح والعجب وغيره.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات اتصاف الله عز وجل بالفضل العظيم؛ العظيم في كميته، العظيم في كيفيته؛ أما في كميته فإن الله يقول: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [النحل ١٨] وجعل جزاء الحسنة عشرًا إلى سبع مئة إلى أضعاف كثيرة؛ وأما في كيفيته فقد قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧].

3:175Page 73

إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ يُخَوِّفُ أَوۡلِيَآءَهُۥ فَلَا تَخَافُوهُمۡ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١٧٥

That is only Satan who frightens [you] of his supporters. So fear them not, but fear Me, if you are [indeed] believers.

ثم قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران ١٧٥] ﴿إِنَّمَا﴾ أداة حصر، والحصر عند العلماء إثبات الحكم للمحصور فيه ونفيه عما سواه؛ إذن فهو بمنزلة نفي وإثبات، وله طرق؛ يعني الحصر ليس له طريق واحد فقط؛ له طرق:

منها: (إنما)، ومنها: تقديم ما حقّه التأخير، ومنها: النفي والإثبات، مثل: لا قائم إلا زيد؛ ومنها: إذا كانت الجملة اسمية معرفًا طرفاها، وهذا معروف في كتب البلاغة.

﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ يعني ما الشيطان إلا مخوّف لأوليائه؛ وقوله: ﴿ذَلِكُمُ﴾ تضمّن إشارة؛ أي: مشارًا إليه، ومخاطبًا، تضمن إشارة ومخاطبًا؛ الإشارة (ذا) والخطاب (الكاف)؛ الإشارة بحسب المشار إليه، والكاف بحسب المخاطَب.

فإذا طلبنا من خالد النزال أن يشير إلى جماعة مخاطبًا جماعة من الذكور؟ أن يشير إلى جماعة من الذكور مخاطبًا جماعة من الذكور؟

* الطالب: أولئك؟

* الشيخ: أولئك؟ لا.

* الطالب: أولئكم.

* الشيخ: أولئكم؛ لأن المشار إليه جماعة (أولاء)؛ والمخاطب جماعة تأتي بالميم كذا؟

وإذا طلبنا من خليل أن يشير إلى جماعة ذكور مخاطبًا جماعة إناث؟ عبد الملك، أن يشير إلى جماعة ذكور مخاطبًا جماعة إناث؟

* الطالب: أولئكنّ.

* الشيخ: أولئكنّ، هكذا يقولون، صح؟

* الطالب: نعم، صحيح.

* الشيخ: صحيح، (أولاءِ) المشار إليه جماعة ذكور؛ (كُنّ) النون للنسوة، أولئكن.

* طالب: النون مسهّلة يا شيخ؟

* الشيخ: لا، لا، مشددة طيب إذنْ معناه لازم نأخذ تمارين ما دام المسألة هكذا؟

أشر إلى اثنين مخاطبًا اثنتين؟

* الطالب: اثنين؟ ذلكما.

* الشيخ: أيش؟

* الطالب: ذلكما.

* الشيخ: ذلكما. خطأ.

* طالب: ذانكما.

* الشيخ: ذانكما صح؟ (ذان) هذه مثنى، و(الكاف وميم ألف) مثنى مخاطب. أشر إلى جماعة نسوة مخاطبًا جماعة نسوة؟

* طالب: أولات.

* الشيخ: كيف أولات؟ منين جبتها؟! لا تتعجل.

* طالب: ذلكن.

* الشيخ: كيف؟ ويش المطلوب؟

* الطالب: نسوة تخاطب مجموعة نسوة؟

* الشيخ: طيب، مشيرًا إلى نسوة تخاطب جماعة نسوة؟

* طالب: أولئكن.

* الشيخ: ويش تقولون؟

* طلبة: صحيح.

* الشيخ: صحيح، أولئكن. يلّا أشِر إلى مثنى مؤنث مخاطبًا جماعة ذكور؟

* طالب: تينكم.

* الشيخ: أيش تينكم؟! لماذا نصبت تين؟

* الطالب: تان.

* الشيخ: تانِكم صحّ؟ صحيح.

* طالب: لا يا شيخ.

* الشيخ: لا، صحيح.

* الطالب: مثنى مؤنث..

* الشيخ: مثنّى مؤنث إي (تان)، مخاطَب جماعة ذكور، صح. على كل حال انتبهوا يا جماعة، اسم الإشارة يراعى به أيش؟

* طالب: المشار..

* الشيخ: لا، يُراعى به المشار إليه، والكاف يراعى بها المخاطَب؛ في اللغة العربية ثلاث لغات؛ اللغة الأولى: أن يراعى المخاطَب إفرادًا وتثنية وجمعًا مذكرًا ومؤنثًا؛ فتقول: (ذلكَ) مخاطبًا رجلًا واحدًا، (ذلكِ) امرأة واحدة، (ذَلِكما) مخاطبًا الاثنين ذكورًا أو إناثًا، (ذلكُنّ) مخاطبًا جماعة نسوة، (ذلكُم) مخاطبًا جماعة ذكور؛ فالكاف تتبع المخاطَب، اسم الإشارة يتبع المشار إليه.

أنا قلت: في اللغة العربية بالنسبة للكاف: ثلاث لغات؛ الأولى: أن يُراعى المخاطَب في الكاف، وتحول إلى حسب المخاطب.

الثاني: أن تكون بالكاف المفردة مفتوحة في المذكر مكسورة في المؤنث؛ فتقول مخاطبًا جماعة ذكور: (ذلكَ)، مخاطبًا اثنين: (ذلكَ)، مخاطبًا واحدًا: (ذلكَ)؛ في النسوة كاف مفردة لكن مكسورة، تقول: (ذلكِ) تخاطب امرأة واحدة، (ذلكِ) تخاطب امرأتين، (ذلكِ) تخاطب جماعة نسوة؛ هذه كم لغة؟ لغتان.

الثالثة: فتح الكاف مطلقًا؛ فتقول لأي واحد تخاطبه تقول: (ذلكَ)؛ وهذا باعتبار المبتدئين أسهل، افتح الكاف وإذا غلطك أحد قل: هذه لغة.

يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ﴾ ويش راعى هنا؟ راعى في اسم الإشارة المشار إليه وهو الشيطان واحد، وراعى في الكاف الجماعة المخاطَبين فقال: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ ﴿الشَّيْطَانُ﴾ يجوز في إعرابها وجهان:

الوجه الأول: أن تكون خبرًا لمبتدأ (ذا).

والثاني: أن تكون بدلًا منه أو عطف بيان؛ فعلى الأول يكون جملة: ﴿يُخَوِّفُ﴾ في موضع نصب على الحال؛ وعلى الثاني تكون جملة ﴿يُخَوِّفُ﴾ خبر المبتدأ، وكلاهما صحيح؛ فالشيطان يخوف أولياءه.

وقوله: ﴿يُخَوِّفُ﴾ هي معروف أنها تنصب مفعولين، تنصب مفعولين بالتحويل؛ أين المفعول الأول؟ المفعول الأول محذوف، وتقديره: يخوفكم أولياءه؛ وأولياء هنا هي المفعول الثاني، وليس المعنى أنه يُخوّف أولياءه، المعنى أنه يخوف الناس من أوليائه، فيكون المعنى يكون على هذا المفعول الأول محذوف، والثاني هو الموجود، والتقدير: يخوفكم أولياءه، أي: يُعظمهم في صدوركم حتى تخافوهم، وتتركوا الجهاد، وتتركوا الدعوة؛ لأنكم تخافون منهم بسبب تخويف الشيطان.

وقوله: ﴿أَوْلِيَاءَهُ﴾ مَنْ أولياؤه؟ أولياء الشيطان كل مجرم وفاسق وملحد وكافر، هؤلاء هم أولياء الشيطان، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [المجادلة ٢٢] لا، قبلها يقول الله عز وجل: ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [المجادلة ١٩]، فكل كافر ملحد فاجر فهو من أولياء الشيطان.

وقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ أي: لا يؤثّر فيكم تخويفه فتخافون منهم. ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ لا تخافوهم فيؤثّر عليكم هذا بترك الجهاد. ﴿وَخَافُونِ﴾ فلا تتأثّروا بهم وجاهدوا ولا يهمنكم.

﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ هذه ﴿إِنْ﴾ شرطية، وقد مر علينا أن لعلماء العربية فيها وجهين: الوجه الأول: أنها جملة شرطية لا تحتاج إلى جواب؛ لأنه مفهوم مما سبق، وهذا اختيار ابن القيم رحمه الله.

والثاني: أنها تحتاج إلى جواب، وأن جوابها محذوف معلوم مما سبق، أي: فلا تخافوهم إن كنتم مؤمنين فلا تخافوهم.

* في هذه الآية الكريمة: بيان شدة عداوة الشيطان لبني آدم، حيث يرعبهم ويخوّفهم بأوليائه.

* ومن فوائدها: أن الشيطان يدافع عن أوليائه؛ بل يهاجم بهم؛ لقوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾.

* ومن فوائدها: أنه يجب على المؤمن ألا يخاف من أولياء الشيطان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

فإن قال قائل: الخوف أمر طبيعي يعتري الإنسان عندما يرى ما يخاف أو يسمع به ولا يستطيع مدافعته؟

فالجواب عن ذلك أن يقال: بل يستطيع مدافعته بأن يشق طريقه الذي أوجب الله عليه، ولا يهتم بأحد، وإلا فمن المعلوم أن طبيعة الإنسان الخوف مما يكره؛ لكن نقول: امضِ لسبيلك ولا تلتفت، فقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ أي: لا يؤثر خوفهم فيكم شيئًا.

﴿وَخَافُونِ﴾ لأنكم إن تركتم الجهاد عذّبتكم.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه كلما قوي إيمان الإنسان بالله قوي خوفه منه؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أنه كلما قوي الإيمان بالله قوي الخوف منه وضعف الخوف من أولياء الشيطان؛ لقوله: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

ثم اعلم أن العلماء رحمهم الله قالوا: إن الخوف ينقسم إلى أقسام:

الخوف الأول: خوف العبادة؛ وهو خوف السر الذي يخاف الإنسان فيه شيئًا خفيًّا، كخوفه من الولي الميت أو من الشيطان أو ما أشبه ذلك؛ وهذا عبادة، ولا يجوز إلا لله عز وجل.

الثاني: خوف طبيعي يعتري الإنسان بسبب وجود ما يُخاف منه؛ وهذا لا يلام عليه العبد إلا أن يكون سببًا في ترك واجب أو وقوع في محرّم، وإلا فإن العبد لا يلام عليه، وقد وقع من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال الله عن موسى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ [القصص ١٨] وقال سبحانه وتعالى يخاطب موسى حينما ألقى عصاه، فإذا هي حيّة تسعى قال: ﴿خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾ [طه ٢١] وقال عن موسى حينما اجتمع السحرة له، قال: ﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى﴾ [طه ٦٧] وقال عن إبراهيم لما جاءته الملائكة ولم يأكلوا قال: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ [هود ٧٠]، والآيات في هذا كثيرة؛ فالخوف الطبيعي من طبيعة الإنسان ولا يلام عليه العبد إلا أيش؟ إذا تضمن ترك واجب أو فعل محرّم.

القسم الثالث: خوف الجبناء، وهذا هو المشكل؛ الجبان يخاف من كل شيء حتى لو حركت الريح سعفة لقال: هذا صوت مدافع، لماذا؟ لأنه جبان؛ ولهذا لا يأتيه النوم كما قال تعالى فيما سبق: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران ١٥٤] هذا القسم الثالث يجب على المؤمن أن يطارده ما أمكن؛ لأن المؤمن ليس بجبان، المؤمن قويّ، ومن أكبر أسباب دفعه أن يذكر الإنسان ربه عز وجل، فإن بذكر الله تطمئن القلوب، وتزول الكروب، وينشرح صدر المرء، ويزول عنه الخوف والرعب والذعر؛ فهذه أقسام الخوف؛ كم؟ خوف عبادة، وخوف طبيعة، وخوف جُبن.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الخوف من مقتضيات الإيمان ومستلزماته؛ لقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском