Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:195–198

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:195–198, continued

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجنة فيها عدة أنهار، وهي مجملة هنا مفصّلة في سورة القتال، فهي في سورة القتال مفصّلة على أنها أربعة: ﴿أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الجزاء مثوبة لهم من الله، فلله فيه المنة عليهم، وليس لهم المنة على الله بعملهم؛ لقوله تعالى: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ولو شاء الله لم يثبهم، ولو شاء الله لأثابهم دون ذلك، ولكنه بفضله جعل الثواب لهم هذا الثواب العظيم: ﴿ثَوَابًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى عِظم هذا الثواب، من أين تؤخذ؟ الإشارة إلى عظم هذا الثواب؟ من قوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وذلك لأن العطية تعظم بحسب معطيها، والهبة تعظم بحسب واهبها، فإذا كان ذلك من عند الله كان هذا دليلًا على أنه ثواب عظيم؛ لأن الثواب من العظيم عظيم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يُتلقّى حسن الثواب إلا من الله؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ﴾ وحده ﴿حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ فلا تذهب تتلقّى الثواب من عنده؛ لأنه مهما أتاك من ثواب الخلق فإنه لن يكون مثل ثواب الله، فحُسن الثواب إنما هو عند الله وحده.

وفي هذه الجملة تأكيد لعِظم هذا الثواب؛ لأنه لما قال: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ استفدنا منه عِظم الثواب، فإذا قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾ استفدنا أيضًا فائدة تأكيد ما سبق، أن هذا الثواب ثواب عظيم، وأنه أحسن مثوبة يُثاب بها الإنسان: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ﴾.

* هل يستفاد من هذه الآية الكريمة عُلوّ الله؟ نعم، ذهب بعض العلماء أنه كلما جاءت العندية فهي دليل على العلوّ، ولكنها في بعض المواضع ليست واضحة، في بعض المواضع واضحة، مثل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأعراف ٢٠٦] ومثل قوله: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء ١٩] فهنا الفوقية واضحة، لكن في مثل هذه الآية ليست ظاهرة جدًّا.

3:196–197Page 76

لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي ٱلۡبِلَٰدِ ١٩٦

Be not deceived by the [uninhibited] movement of the disbelievers throughout the land.

مَتَٰعٞ قَلِيلٞ ثُمَّ مَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٩٧

[It is but] a small enjoyment; then their [final] refuge is Hell, and wretched is the resting place.

ثم قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ هذه شرحناها ولَّا لا؟ قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.

﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ لا يخفى أن ﴿لَا﴾ في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ ناهية، ولكن سيقول قائل: كيف تكون ناهية والفعل مفتوح ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؛ لأن النون هي آخر الفعل؟

والجواب على هذا: أنه إذا اتصلت نون التوكيد بالفعل المضارع صار مبنيًّا على الفتح، إذا اتصلت به لفظًا وتقديرًا صار مبنيًّا على الفتح، فإن اتصلت به لفظًا لا تقديرًا لم يكن مبنيًّا مثل: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر ٨] فهنا نون التوكيد متصلة بالمضارع، لكن لفظًا لا تقديرًا، وإذا لم تتصل به لم يُبنَ إلا إذا اتصلت به نون النسوة، فالمضارع يُبنى في حالين: إذا اتصلت به نون النسوة أو نون التوكيد لفظًا وتقديرًا.

وقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾ الخطاب هنا يحتمل أن يكون للرسول ﷺ، ويحتمل أن يكون لكل من يتأتى خطابه، والقاعدة عندنا في التفسير أنه إذا كانت الآية تحتمل معنيين متباينين، لكن لا يتناقضان حملت عليهما جميعًا، وإذا احتملت معنيين أحدهما أعم حملت على الأعم؛ لأن الأخص يدخل في الأعم ولا عكس، فهنا إذا قلنا: إن الخطاب خاص بالنبي ﷺ أخرجنا عنه بقية الأمة، وإذا قلنا: إن الخطاب عام لكل من يتأتى خطابه صار شاملًا للرسول ﷺ ولغيره، وعلى هذا فيكون الخطاب هنا عامًّا؛ يعني لا يغرنك أيها الرائي الذي ترى تقلُّب الكفار في البلاد، لا يغرك هذا.

وقوله: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ التقلّب يعني التردد، أي: ترددهم في البلاد وتقلبهم من بلد إلى آخر، وتقلّبهم في التجارات وفي أنواع الصناعات وفي غيرها مما فتح الله عليهم، فهذا لا يغرّك، ووجه الغرور الذي قد يحصل هو أن الإنسان قد يغتر بهذا الذي أعطاهم الله عز وجل فيصنع مثل صنيعهم، أو يظن أن إعطاء الله إياهم هذا الشيء دالّ على أنه لا يُنكر ما هم عليه، ولو أنكر ما هم عليه لم يمكّنهم من التقلب في البلاد، وعلى هذا فيكون وجه الغرور من وجهين؛ فيكون الغرور من وجهين:

الوجه الأول: ظن أن ما هم عليه حق؛ لأنه يقول: لو كان باطلًا ما مكنهم الله تعالى من هذا التقلب.

الثاني: أن يفعل مثل فعلهم، كما انخدع كثير من الناس اليوم، حيث ظنوا أن الكفار وصلوا إلى ما وصلوا إليه من أجل تحللهم من دينهم والعياذ بالله، فصار يرى أن الالتزام بالدين سبب للتأخر والتقهقر، إذن وجه الغرور يتجه أو له وجهان.

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، وجهه؟

* الطالب: بعض الناس (...).

* الشيخ: أن الله مكّنهم من هذا التقلّب، ولو كان ما هم عليه باطلًا لم يمكّنهم، طيب الثاني؟

* طالب: الثاني هو (...).

* الشيخ: لا، هذا هو الأول.

* طالب: أن يفعل مثل فعلهم.

* الشيخ: أن يفعل مثل فعلهم ظنًّا منه أن ما فعلوه هو سبب لهذا التقلّب والاتساع في التجارات وغيرها، والحقيقة أن هذا لا يغرّ المؤمن؛ لأن الله قال في كتابه: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ [آل عمران ١٧٨] ويقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ [الأعراف ١٨٢، ١٨٣] فلا تغتر، هذا ليس إلا زيادة حسرة في ما عليهم.

وقوله: ﴿تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ البلاد مفرد أو جمع؟

* طالب: جمع.

* الشيخ: والمفرد؟

* طلبة: بلد.

* الشيخ: بلد، إذن البلاد جمع، والمفرد بلد، ويُجمع البلد أيضًا على (بلدان). في البلاد، كيف التقلب في البلاد؟ يذهبون من هذا البلد إلى هذا البلد يتنقّلون في أمن وطمأنينة، يتجرون ويربحون كلما حملت التجارة من بلد إلى آخر، فيغترّ الإنسان بذلك.

قال: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ﴿مَتَاعٌ﴾ خبر المبتدأ المحذوف، والتقدير: هو متاع، هو أي: تقلبهم متاع قليل، والمتاع ما تكون به المتعة، سواء كانت متعة نفسيّة أو متعة جسدية، وكل متعة أُضيفت إلى الدنيا أو إلى الكفار فهي متعة أيش؟ جسدية؛ متعة جسدية كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ [محمد ١٢]. فقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر المبتدأ المحذوف، والمتاع ما تحصل به المتعة، والمتعة نوعان: متعة قلبية روحية، وهذه لا تكون إلا للمؤمن، يتمتع بذكر الله، وبما أنعم الله عليه من الإيمان، ومتعة جسدية يشترك فيها الإنسان والبهائم وهي ما يحصل للجسد من اللذة والنعيم وغير ذلك، يقول: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ﴿قَلِيلٌ﴾ قليل في زمنه أو قليل في كميته أو في كيفيته؟ في كل شيء، الزمن قليل محدود، وهو عمر الإنسان، ذلك العمر المجهول الذي لا يدري الإنسان متى ينتهي، قليل أيضًا في الكمية؛ لأن الإنسان لا يملك كل شيء، قليل في الكيفية؛ لأن الإنسان قد يُحرم التمتع في هذه الدنيا بأمراض تعتريه ولا يتمتع بها، قد يُحرم بفقد بعض الأشياء. والله أعلم.

* * *

* طالب: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٢٠٠)﴾ [آل عمران ١٩٨ - ٢٠٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ ﴿لَا﴾ هنا ما أعرابها؟

* طالب: ناهية.

* الشيخ: نافية؟

* الطالب: ناهية.

* الشيخ: طيب، كيف نُصب الفعل معها وهي ناهية، والناهية تجزم؟!

* الطالب: هذه النون اتصلت بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة، ونون التوكيد.. فهو مبني على الفتح.

* الشيخ: فهو مبني لا مُعرب، ولهذا نقول: (يَغُرَّنّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم. كذا؟ الخطاب في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؟

* طالب: يكون للنبي والناس..

* الشيخ: لو قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن؟

* الطالب: ويصح أيضًا أن يكون الخطاب للمؤمنين.

* الشيخ: لكن لو قال قائل ثانٍ؟

* الطالب: نقول: إن هذا خاص، والعام مُقدّم على الخاص.

* الشيخ: نعم، نقول: هذا محتمل، لكن حمله على العموم أولى لدخول الخصوص فيه.

قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾..

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨) وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩٩) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران ١٩٨ - ٢٠٠].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران ١٩٦] (لا) هنا ما إعرابها؟

* طالب: (لا) ناهية.

* الشيخ: نافية؟

* الطالب: ناهية.

* الشيخ: طيب، كيف نُصِبَ الفعل معها وهي ناهية، والناهية تجزم؟

* طالب: اتصلت بالفعل المضارع نون التوكيد الثقيلة فهو مبني على الفتح.

* الشيخ: فهو مبني لا معرب؛ ولهذا نقول: (يَغُرَّنَّ) فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم. الخطاب في قوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ﴾؟

* طالب: للنبي والناس أجمعين.

* الشيخ: لو قال قائل: الخطاب للنبي ﷺ؛ لأنه هو الذي نزل عليه القرآن؟

* طالب: ويصلح أيضًا الخطاب للمؤمنين.

* الشيخ: لكن لو قال قائل: الثاني؟

* طالب: نقول: هذا الخاص، والعام مقدم على الخاص.

* الشيخ: نقول: هذا محتمل لكن حمله على العموم أولى لدخول الخصوص فيه.

قوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ ما هو المتاع القليل اللي ذكر؟

* طالب: المتاع القليل يشمل المتاع الجسدي والحسي.

* الشيخ: لكن ما هو المتاع؟ ما أسأل عن معنى المتاع.

* طالب: المتاع ما يكون به المتعة.

* الشيخ: ما يكون به المتعة، والمراد بالمتاع القليل: تقلبهم في البلاد، تقلبهم في البلاد متاع قليل. نحن قلنا: إنه قليل في؟

السؤال: قليل في إيه؟

* طالب: قليل في الكمية وفي الكيفية.

* الشيخ: وغير؟ لا، غير فيه، نحن ذكرنا غيرها؟

* طالب: في المدة.

* الشيخ: قليل في زمنه، كميته، في كيفيته.

ما معنى قوله: ﴿مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾؟

* طالب: ما أخدناه.

* الشيخ: قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يعني: ثم بعد هذا المتاع القليل مأواهم جهنم، وأتى بـ(ثم) و(إن) كانت دالة على التراخي للإشارة إلى أنه مهما طالت بهم المدة في هذه الحياة فإن مآلهم هذا المآل الخبيث، والعياذ بالله.

والمأوى: بمعنى ما يأوي إليه الإنسان فهو اسم مكان، اسم مكان أي: المصير الذي يصيرون إليه هي جهنم، وجهنم اسم من أسماء النار -أعاذنا الله وإياكم منها- وسميت بذلك قيل: لأنها مشتقة من التجهم أو من الجهمة وهي السواد، وقيل: إنه اسم أعجمي وأصله كهنام لكن عُرِّب إلى جهنم وهو اسم من أسماء النار فهو غير مشتق، وأيًّا كان فهو اسم من أسماء النار.

﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (بئس) فعل من أفعال الذم يرفع الفاعل، وله فاعل وله مخصوص، فالفاعل هو المهاد والمخصوص محذوف، والتقدير: وبئس المهاد هي، وإنما احتاج النحويون إلى هذا التقدير لأن المهاد غير النار، والذم لأي شيء؟ للنار، فكان لا بد من ذكر مخصوص بالذم غير فاعل الفعل، والمخصوص بالذم هو الضمير المحذوف، أي: وبئس المهاد هي، هذا ما قدره الفقهاء. والمهاد: ما يكون مهدًا للإنسان؛ أي: مقرًّا له، ومنه قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ [طه ٥٣] مهدًا: أي مقرًّا تستقرون فيه.

* في هذه الآية الكريمة من الفوائد:

* أولًا: نهي الإنسان أن يغتر بما أوتي الكفار من النعم والرفاهية؛ لقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن ما يعطيه الله العبد من الرخاء وسعة الرزق والانطلاق في الأرض يمينًا وشمالًا ليس دليلًا على رضاه عن العبد، وإنما المقياس برضا الله عن العبد هو اتباع العبد لشرع الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يستدرج المرء بإغداق النعم عليه فتنة له؛ كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء ٣٥] ووجه ذلك أن الله مكن هؤلاء الكفار من التقلب في البلاد كما يشاؤون فتنة لهم ليستمروا على ما هم عليه، فيكون ذلك شرًّا -والعياذ بالله- كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يضيق الله عليه في الرزق أحيانًا ليرجع إليه بخلاف الكافر، وإنما قلت ذلك لئلا يقول قائل: أفليس قد قال الله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف ٩٦]؟

نقول: إن المؤمنين هم الذين يبتلون بالضراء من أجل أن يرجعوا إلى الله عز وجل؛ ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، أما الكفار فقد تُمَهَّد لهم الدنيا ويُعْطَون ما يريدون، وتكون جنتهم دنياهم بخلاف المؤمنين.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن الدنيا مهما أُعْطِي الإنسان فيها من نعيم فإنها متاع قليل، قليل في زمنه، في كميته، في كيفيته، لكن الآخرة بالعكس؛ قال النبي ﷺ: «لَمَوْضِعُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا»[[أخرجه البخاري (٣٢٥٠) من حديث سهل بن سعد. ]] الله أكبر، موضع السوط، السوط متر أو متر وقليل خير من الدنيا وما فيها، ليست الدنيا الحاضرة عندك فقط، خير من كل الدنيا من أولها إلى آخرها وما فيها وهو موضع السوط، وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧) إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى ١٦ - ١٩].

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: الحذر من لعب أعداء المسلمين بالمسلمين، حيث يُغْرُونهم بوسائل الترفيه، ويفتحون لهم وسائل الترفيه ليلهوهم عما خلقوا له من عبادة الله، وعما ينبغي أن يكونوا عليه من العزة والكرامة، فإن هذه الوسائل الترفيهية هي في الحقيقة حب مسموم للدجاج، والحب المسموم للدجاج تغتر به، تجد حبًّا منتفخًا لينًا فتفرح به وتأخذه بطرف زقومها وتبتلعه بسرعة ولكنه يقطع أمعاءها، فهكذا أعداؤنا فتحوا علينا أبواب الترفيه من كل ناحية من أجل أن ننغمس في هذه الرفاهية ويكون ليس لنا هم إلا الرفاهية، وننسى ما خلقنا له من عبادة الله، وننسى ما ينبغي لنا أن نكون عليه من العزة والكرامة والمصالح، تؤخذ من هذه الآية: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا يمكن للكافر أن يدخل الجنة؛ لقوله: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ لا يمكن أن تكون مأواهم الجنة أبدًا؛ لأنهم كفار.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هذا النعيم الذي يدركونه في الدنيا سوف يُنْسَى، بماذا ينسى؟ بهذا المأوى السيِّئ، إذا كان المأوى هو النار نسوا كل شيء، كما جاء في الحديث: أنه «يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا » -يعني أكثرهم نعمة ورفاهية-« فَيُغْمَسُ بِالنَّارِ غَمْسَةً وَاحِدَةً فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: لَا مَا رَأَيْتُ خَيْرًا قَطُّ»، لماذا؟ لأنه نسيه، هذه الغمسة الواحدة تنسيه كل ما حصل له في الدنيا من نعيم؛ لأنه يؤتى بأنعم أهل الدنيا «وَيُؤْتَى بِأَبْأَسِ أَهْلِ الدُّنْيَا » -أي أشدهم بأسًا- «فَيُغْمَسُ فِي الْجَنَّةِ غَمْسَةً فَيُقَالُ: هَلْ رَأَيْتَ شَرًّا قَطُّ؟ فَيَقُولُ: مَا رَأَيْتُ شَرًّا» »[[أخرجه مسلم (٢٨٠٧ / ٥٥) من حديث أنس بن مالك.]]، لأنه نسيه بهذا النعيم الذي هو لحظة، كل ما حصل له في الدنيا من بئس وفقر وأذى.

وهذه الحقائق نحن نؤمن بها لكن الغفلة تستولي علينا وكأنها لم تأت، كأنها لم تكن، نكون في سكرة -نسأل الله العافية وأن يوقظ قلوبنا بذكره- نكون في سكرة وإلا لو رجعنا إلى هذه الحقائق وتمشينا على مقتضاها لحصل لنا خير كثير، السكرة بمحبة الدنيا وإيثارها على الآخرة تنسينا هذا.

الصحابة رضي الله عنهم بالصدمة التي حصلت لهم بموت النبي عليه الصلاة والسلام نسوا آيات من القرآن، نسوا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران ١٤٤] حتى جاء صديق هذه الأمة وأثبتها جأشًا عند الصدمات أبو بكر وتلاها على المنبر، وكأنها لم تكن نزلت.

فأقول: إننا في الحقيقة ننسى هذه الحقائق ولا نشعر بها ولكن سيأتي الوقت الذي يشعر الإنسان بها، إذا حل الأجل تمنى الإنسان أنه استغل وقته بطاعة الله، ولكن أنى له ذلك لا يمكن أن يؤخر لحظة واحدة عن الوقت المقدر، فنسأل الله أن يبارك لنا ولكم في أعمارنا.

يقول الله عز وجل: ﴿ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾.

* من فوائد الآية الكريمة: قبح أو بيان قبح هذا المأوى؛ لأن الله أثنى عليه بأسوأ الثناء فقال: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وهذا يدل على قبح مأوى أهل النار، نسأل الله لنا ولكم السلامة منها.

3:198Page 76

لَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ لَهُمۡ جَنَّٰتٞ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا نُزُلٗا مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِۗ وَمَا عِندَ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لِّلۡأَبۡرَارِ ١٩٨

But those who feared their Lord will have gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein, as accommodation from Allāh. And that which is with Allāh is best for the righteous.

ثم قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره، وهنا قد يقول قائل: ما وجه مجيء الاستدراك في هذه الآية: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؟ لأن الاستدراك إنما يكون فيما يتوقع دخوله فيما سبق؛ فأنت مثلًا (...) القوم لكن فلان لم يقم، ممن يتوقع أن يكون فيهم قائم، فهنا: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ ما وجه الاستدراك؟

وجه الاستدراك أن الذين اتقوا ربهم لو حصل لهم من الدنيا مثل ما حصل لهؤلاء الكفار لم يكن ذلك حائلًا بينهم وبين ما عند الله؛ يعني: قد يحصل تقلب المؤمنين في البلاد كتقلب الكفار، أليس كذلك؟ فهل يكون مأوى المتقين كمأوى الكافرين؟ لا؛ ولهذا قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ فالاستدراك هنا من ألطف ما يكون؛ لئلا يظن الظان أن الله لو مكن للمؤمنين أن يتقلبوا في البلاد تقلب الكفار لفاتهم ما عند الله، فبين أنه لن يفوتهم، قال: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾.

﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ والتقوى تمر بنا كثيرًا وأحسن ما فسرت به أنها: اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا أجمع ما قيل في التقوى، اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.

وقوله: ﴿الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ ولم يقل: اتقوا الله، إشارة إلى أن ربوبية الله لهم ربوبية خاصة أعانهم فيها على التقوى ووفقهم لها فكانت ربوبيته لهم ربوبية خاصة بهم، (...) ربوبيته لبعض الأنبياء مثل: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] فهي ربوبية خاصة لا يشركهم فيها أحد.

﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ إلى آخره. إذا رجعنا إلى الإعراب بعد معرفة المعنى نقول: (لكن) حرف استدراك، عاملة ولَّا غير عاملة؟ غير عاملة، و﴿الَّذِينَ﴾ مبتدأ و﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ﴾ مبتدأ وخبر، والمبتدأ والخبر خبر المبتدأ الأول.

﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ (جنات) جمع (جنة) وأصلها البستان الكثير الأشجار؛ سمي بذلك؛ لأنه يجن من كان فيه أي يستره، ولكننا لا نفسر (جنات) أو (جنة) التي في القرآن والتي يريد الله بها جنة الخلد لا نفسرها بهذا التفسير عند العامة؛ لأنك لو فسرتها هذا التفسير عند العامة لنزلت رغبتهم في الجنة نزولًا كثيرًا، لقالوا: البستان الفلاني أحسن منها، فيه أشجار وفيه نخيل وفيه كذا وفيه كذا. لكننا نقول عند العامة: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وأعتقد أنك لو فسرتها عند عجوز من عجائزنا فقلت: الجنة البستان الكثير الأشجار والنخيل لمالت عليك، هذه؟ ما هي الجنة هكذا؟ لأنها تتصور الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، وإذا قلت: هي البستان الكثير الأشجار والنخيل ويش تتصور؟ كل رآها، كل يعرفها، لهذا أنا أقول: ينبغي لطالب العلم أن يفسر القرآن بمعناه، ولكن إذا خاف فتنة فنفسره بما يوافق العقول ولا يخالف النصوص، فإذا قلت عند العامة: الجنة هي الدار التي أعدها الله تعالى للمتقين، وفيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. فالتفسير هذا صحيح.

لكن عندما تتكلم مع طالب علم يقول: ما معنى الجنة، ولماذا سميت بهذا؟ نأتي إلى المادة (الجيم والنون) نجد أنها كلها تدل على الاستتار، فتقول: هي في الأصل البستان الكثير الأشجار. ولنا أن نقول: إن الجنة في الأصل هي هذا المعنى، لكن نُقِلَت شرعًا إلى الدار التي أعدها الله للمتقين، كما نُقِلَتْ الصلاة والزكاة والحج والعمرة إلى معناها الشرعي.

﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ سبق لنا أن قوله: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ يدل على علو قصورها وأشجارها، وأن الأنهار أربعة، وأنها تجري بلا أخدود وبلا شَقٍّ ساقي، تجري حيث شاء صاحبها، خليج منه أو إلى ساق منه يتجه حيث يشاء، وفي ذلك يقول ابن القيم في النونية:

أَنْهَارُهَا مِنْ غَيْرِ أُخْدُودٍ جَرَتْ ∗∗∗ سُبْحَانَ مُمْسِكِهَا عَنِ الْفَيَضَانِ

أسأل الله أن يجعلني وإياكم من أهلها.

يقول: ﴿مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الخلود هو البقاء أي: باقون فيها، إلى متى؟ أبدًا، كما قال الله تعالى في آيات أخرى متعددة: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء ٥٧].

﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ﴿نُزُلًا﴾: هذه منصوبة على الحال، أي: حال كون هذه الجنات نزلًا.

فإذا قال قائل: كيف (...) وصاحبها نكرة، لأن (جنات) نكرة، والحال لا تأتي من النكرة لا بد أن يكون صاحبها معرفة؟

فالجواب على ذلك أن نقول: صاحبها نكرة لكنه خصص بالنعت: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ والنكرة المخصصة تأتي من الحال كما تأتي من المعرفة.

الثاني يقول قائل: (...) لا جامد، والنزل وهو اسم لما يقدم للضيف من الطعام جامد وليس بمشتق؟

فالجواب: أنه قد تأتي الحال جامدة لكنها مؤوَّلة بالمشتق، يعني أنهم مكرمون بهذا النزل.

وقوله: ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: أن هذا النزل ليس من فلان أو فلان، من عند أكرم الأكرمين وأجود الأجودين وهو الله، والنزل من الأكرم يكون عظيمًا وكريمًا وكثيرًا.

قال: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ (ما) اسم موصول ولا يمكن أن تكون نافية؛ لأن المعنى يفسد كثيرًا، لو قلت: (ما) نافية صار المعنى: ليس عند الله خيرٌ للأبرار. وهذا كذب، فهي (ما) الموصولة؛ يعني: والذي عند الله خير، فتكون مبتدأ و(خير) خبره، يعني: وما عند الله خير مما ذكر من وصف الجنات، وهذا كقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥] ففي الجنة أكثر مما يتمناه الإنسان وأكثر مما يتصوره، وهو النظر إلى وجه الله عز وجل، فإن النظر إلى وجه الله أعظم ما يكون من النعيم؛ ولهذا سماه الله زيادة في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦] فقد فسر أعلم الخلق بكلام الله وهو النبي ﷺ الزيادة بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه أحمد (١٨٩٣٥)، والنسائي في السنن الكبرى (١١١٧٠) من حديث صهيب. ]].

﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَار﴾ والأبرار جمع بَر، والبر (...) الخير، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور ٢٨] أي: كثير الخيرات، فالأبرار جمع بر وهم كثيرو الخيرات؛ وذلك بفعلهم ما أمر الله به وتركهم ما نهى الله عنه، ويأتي -إن شاء الله- ذكر فوائد هذه الآية.

* طالب: (...) (نزلًا) مصدرًا لفعل محذوف؛ يعني تنزلهم نزلًا.

* الشيخ: لا؛ لأن النزل هذا لما يقدم للضيف، ما هو من الإنزال.

* طالب: يعني: هم اشتقوا منه.

* الشيخ: لا ما يستقيم.

* طالب: (...)

* الشيخ: ما تقولون في الجواب على هذا؟ يقول: المعروف أن النزل أول ما يقدم للضيف لا يستمر؟

فالجواب على هذا أن نقول: إن الله جعل الجنة كلها، ومعروف أن النزل الذي يقدم للضيف أول ما يقدم يكون من أطيب شيء وأكرم شيء، فكأن الجنة كلها بمنزلة النزل، يعني لا يختلف آخرها عن أولها، بخلاف نُزُل الضيافة في الدنيا، الضيف أول ما يأتي أول يوم تجعل عنده طعامًا طيبًا، وثاني يوم أقل شوي، هذا الواقع، ثالث يوم أقل، ورابع يوم نقول: في أمان الله. فالنزل معروف أنه أول يوم أحسن شيئًا، فجعل الله هذه الجنة كلها نزلًا فلا يختلف آخرها عن أولها.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: يصح هذا، لكن لما ذكر الجنات ذكر أن ما عند الله خير من ذلك، فإذا كانت الجنات خيرًا من الدنيا وما فيها، فاللي خير من الجنات يكون أشد.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: لا، هذا يؤخذ من آيات أخرى، لكن ما هو الخير اللي هو خير من الجنات؟ قلنا: بَيَّنَها الله في آية أخرى.

* طالب: (...).

* الشيخ: أيش معناها؟

* * *

قال الله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران ١٩٨]. ما فائدة هذا الاستدراك؟

* طالب: لئلا يظن ظان أن من حصل له ما حصل للكفار من التقلب في البلاد، أن يكون مآله مثل مآلهم فاستدرك الله عز وجل حتى..

* الشيخ: أن يكون مآل المتقين مثل مآل الكفار.

قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾، ماذا تعرب: ﴿مَا عِنْدَ اللَّهِ﴾؟

* طالب: (...).

* الشيخ: اسم موصول، طيب، هي مبتدأ أين خبرها؟

* طالب: ﴿خَيْرٌ﴾.

* الشيخ: ﴿خَيْرٌ﴾ طيب، من الأبرار؟

* طالب: (...)

* الشيخ: جمع أيش؟

* طالب: بَر.

* الشيخ: وهو كثير الخير.

هل من أسماء الله البر؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، الدليل؟

* طالب: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ [الطور ٢٨].

* الشيخ: قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ إلى آخره.

* فيها فوائد منها: أن المتقين وإن تقلبوا في البلاد فليس مآلهم كمآل الكافرين؛ لقوله: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾.

* ومنها: فوائد التقوى، وأن من فوائدها ما حصل لهؤلاء المتقين من النزل العظيم عند الله عز وجل؛ وهي هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار.

* ومنها: أن هؤلاء المتقين ثوابهم عند الله عز وجل أكثر بكثير مما يعطى هؤلاء الذين يتقلبون في البلاد؛ لأن الله قال في المتقلبين: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾، أما هؤلاء فقال: ﴿لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ دائمًا وأبدًا.

* ومنها: عظم هذا الجزاء والثواب الذي يحصل لهم؛ لأنه نزل من عند أكرم الأكرمين وهو الله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.

* ومنها: ما استنبطه بعض أهل العلم من أن قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ يفيد العلو؛ وذلك لأنه لا يمكن أن يفيد السفل؛ لأن ذلك نقص يُنَزَّه الله عنه، فتعين أن يكون ذلك في العلو: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾.

* ومنها: أن الجزاء من جنس العمل، فإن هؤلاء لما كانوا بررة كثيري الخيرات كان لهم عند الله عز وجل هذا النزل العظيم.

* ومن فوائدها: أن في الجنات أنهارًا، أنهارًا عظيمة تجري من تحت غرفها وأشجارها؛ لقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [البقرة ٢٥].

* ومن فوائدها: أن مَن منَّ الله عليه بالتقوى فإن ذلك من مقتضى ربوبية الله تعالى الخاصة؛ حيث قال: ﴿اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ فتخصيص الربوبية هنا بهؤلاء المتقين هو من باب الربوبية الخاصة.

وقد مر علينا كثيرًا أن ربوبية الله عز وجل لخلقه نوعان: عامة، وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، والخاصة هي الخاصة بالمؤمنين. كما أن العبودية أيضًا نوعان: عامة وهي التي لجميع الخلق، كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آَتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣]، وخاصة وهي عبودية الله عز وجل للمؤمنين، كما قال الله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان ٦٣] وهذه الخاصة منها ما هو أخص، كما في عبودية الرسل فهي أخص من العبودية العامة للمؤمنين المتقين؛ قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان ١].

وعلى هذا ففي العبودية عموم مطلق وعموم نسبي؛ فالعموم المطلق هو الذي يشمل جميع من في السماوات والأرض، والنسبي هو عموم عبودية المؤمنين، فإنه عام بالنسبة لعبودية الرسل خاص بالنسبة للعبودية المطلقة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: هذه الجنات التي تجري من تحتها الأنهار إذا كانت نزلًا وهو ما يقدم للضيف من الكرامة فما بالك بما يكون بعد هذا؟ سيكون خيرًا كثيرًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском