Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:35–37
3:35–37Page 54
إِذۡ قَالَتِ ٱمۡرَأَتُ عِمۡرَٰنَ رَبِّ إِنِّي نَذَرۡتُ لَكَ مَا فِي بَطۡنِي مُحَرَّرٗا فَتَقَبَّلۡ مِنِّيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٣٥
[Mention, O Muḥammad], when the wife of ʿImrān said, "My Lord, indeed I have pledged to You what is in my womb, consecrated [for Your service], so accept this from me. Indeed, You are the Hearing, the Knowing."
فَلَمَّا وَضَعَتۡهَا قَالَتۡ رَبِّ إِنِّي وَضَعۡتُهَآ أُنثَىٰ وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا وَضَعَتۡ وَلَيۡسَ ٱلذَّكَرُ كَٱلۡأُنثَىٰۖ وَإِنِّي سَمَّيۡتُهَا مَرۡيَمَ وَإِنِّيٓ أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيۡطَٰنِ ٱلرَّجِيمِ ٣٦
But when she delivered her, she said, "My Lord, I have delivered a female." And Allāh was most knowing of what she delivered, and the male is not like the female. "And I have named her Mary, and I seek refuge for her in You and [for] her descendants from Satan, the expelled [from the mercy of Allāh]."
فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٖ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنٗا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّاۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيۡهَا زَكَرِيَّا ٱلۡمِحۡرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزۡقٗاۖ قَالَ يَٰمَرۡيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَاۖ قَالَتۡ هُوَ مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٍ ٣٧
So her Lord accepted her with good acceptance and caused her to grow in a good manner and put her in the care of Zechariah. Every time Zechariah entered upon her in the prayer chamber, he found with her provision. He said, "O Mary, from where is this [coming] to you?" She said, "It is from Allāh. Indeed, Allāh provides for whom He wills without account."
ثم قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران ٣٥] يعني: اذكر إذ قالت، وهذا التركيب موجود في القرآن كثيرًا، وإنما حذف العامل لدلالة السياق عليه، وتلك قاعدة مشهورة عند النحويين أشار إليها ابن مالك في الألفية فقال:
وَحَـــــذْفُ مَــا يُعْلَـــــمُ جَائِـــــزٌكَمَــــــــــا ∗∗∗ تَقُـــــولُ: زَيْـــــدٌ، بَعْـــــدَ مَـــــنْعِنْدَكُمَـــــا؟
فهنا العامل المحذوف معلوم بالسياق، اذكر إذ قالت، يعني: اذكر هذه الحال التي صدر فيها هذا القول من امرأة عمران ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾. مَن امرأة عمران؟
هي أم مريم؛ يعني جدة عيسى بن مريم. ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ [آل عمران ٣٥].
﴿رَبِّ﴾ منادى حذفت منه ياء النداء، وأصله: يا ربي، ولكن تحذف ياء النداء في مثل هذا التركيب اختصارًا لكثرة استعماله، وحذف منه ضمير المتكلم الياء، وأصله: ربي إني، حُذفت تخفيفًا.
وقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ﴿نَذَرْتُ﴾ بمعنى: التزمت أن يكون ما في بطني محررًا من خدمتي وتقيده بها ليكون خادمًا للمسجد؛ المسجد الأقصى، وكان من عادتهم أن يفعلوا ذلك؛ أي أن الإنسان منهم ينذر ولده ليكون قائمًا بخدمة المسجد الأقصى تعظيمًا له، فتقول: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. وقولها: ﴿مَا فِي بَطْنِي﴾ اسم موصول يفيد العموم، فيشمل ما لو وضعت واحدًا أو اثنين، وذكرًا أو أنثى.
فإذا قال قائل: كيف تقول إنه يشمل ما لو وضعت اثنين وهي تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ ومحررًا واحد، ولم تقل: محررين؟
فالجواب: أن الأسماء الموصولة المشتركة -أي: التي تصلح للمفرد وغيره- يجوز فيها مراعاة لفظها بالإفراد، ومراعاة معناها بالإفراد إن كان مرادًا بها المفرد، والتثنية إن كان مرادًا بها المثنى، والجمع إن كان المراد بها الجمع مذكرًا كان أو مؤنثًا، وعليه فلا يمنع أن يكون قولها: ﴿مُحَرَّرًا﴾ أن يكون شاملًا لما تضعه ولو كانوا أكثر من واحد؛ لأنه أفرد باعتبار أيش؟ باعتبار اللفظ، وكذلك (مَن) الشرطية يجوز فيها مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى، ألم تروا إلى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ﴾ [التغابن ٩] باعتبار أيش؟
الإفراد هنا باعتبار اللفظ ﴿يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ ذكره باعتبار اللفظ. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ باعتبار المعنى.
﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾ [الطلاق ١١] باعتبار اللفظ.
تقول: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي﴾ عام يشمل كل ما في بطنها من ذكور أو إناث، واحد أو متعدد، ﴿مُحَرَّرًا﴾ من أيش؟ من قيد خدمتي إلى خدمة المسجد الأقصى.
﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ يعني: تقبل مني هذا التقرب إليك بنذر هذا الحمل الذي نذرته ليقوم بخدمة بيتك.
﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ هذه الجملة استئنافية للتعليل؛ يعني أني سألتك أن تتقبل مني؛ لأنك السميع العليم، السميع تشمل هنا سمع الإدراك وسمع الإجابة، يعني أنك تسمع دعائي وتستجيبه، وقد مر علينا أن السميع من أسماء الله يتضمن سمع الإدراك وسمع الإجابة، وأن (سمع) تأتي بمعنى (استجاب) كما في قول المصلي: سمع الله لمن حمده، أي: استجاب، فهنا ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أيهما أنسب الإدراك أو الاستجابة؟
* الطلبة: الاستجابة.. يشمل الأمرين.
* الشيخ: يشمل الأمرين، لكن فائدة الداعي بماذا؟ بالاستجابة.
وقولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ﴾ يعني: السامع لدعائي المستجيب له العليم بما يكون صالحًا، وبكل شيء، لكن ذِكر العلم هنا؛ لأن الإنسان قد يسأل الشيء وليس من صالحه حصوله فيسند الأمر إلى علم الله عز وجل.
ومن المعلوم أن الداعي إذا دعا فإنه يحصل له واحد من أمور ثلاثة؛ إما أن يستجيب الله له الدعاء، وإما أن يدخر له ذلك يوم القيمة، فيعطيه مثل ما دعا به، وإما أن يصرف عنه من السوء ما هو أعظم، هذا بالإضافة إلى أن الدعاء نفسه عبادة يُثاب عليه الإنسان. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا﴾ ولم يقل: فلما وضعته، مراعاة لأيش؟
* الطلبة: مراعاة للمعنى.
* الشيخ: مراعاة للمعنى؛ لأنها وضعت أنثى، فلما وضعتها، وكان قد نذرته محررًا بناءً على أنه ذكر، لما وضعتها اعتذرت لربها ﴿قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ [آل عمران ٣٦]، وهذا اعتذار منها إلى الله أنها وضعتها أنثى، والأنثى ليس من العادة أن تخدم المسجد فكأنها تعتذر من الله عز وجل من هذا النذر.
قال: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ وفي قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ قراءة سبعية، ونفسرها على الوجهين؛ أما قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فقد علمتم أن الغرض من هذه الجملة أيش؟
* الطلبة: الاعتذار.
* الشيخ: الاعتذار لا إخبار الله بما وضعت؛ لأنه عالم عز وجل، هو الذي خلقها وهو الذي وضعت بإذنه وأمره، فالأمر لا يخفى عليه، لكن ذكرتها اعتذارًا، وعلى هذا فنقول على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ تكون الجملة من باب الاحتراس حتى لا يُظن بها أنها تعتقد أن الله لم يعلم، فقالت: رب إني وضعتها أنثى، والله أعلم بما وَضَعْتُ، فلست أخبر الله بأمر يخفى عنه، بل إني أؤمن بأنه عالم بما وضعت، هذا على قراءة ضم التاء، أما على قراءة السكون: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالكلام من الله، وفيه دفاع عن هذه المرأة بأن الله تعالى يعلم أنها لم تقل: ﴿إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ إخبارًا منها لله؛ لأنه سبحانه وتعالى زكَّاها بقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. هذا من وجه، من وجه آخر: ليبين عز وجل أن قولها: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ لا يعني أن الله لا يعلم بما وضعت، بل هو عالم وإن قالت: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.
و(أعلم) اسم تفضيل يدل على أن المفضل زائد على المفضل عليه في هذا الوصف، كما لو قلت: فلان أكرم من فلان معناه: أن هذا المفضل -وهو فلان- زائد في الكرم على المفضل عليه، فـ(أعلم) هنا يعني أعلم من كل أحد بما وضعت، ففيه إثبات العلم لله عز وجل مع الزيادة، وبهذا التقرير نعلم ضَعف قول من قال: إن اسم التفضيل هنا بمعنى اسم الفاعل، وأن معنى قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أي: والله عالم بما وضعت، فإن هذا القول لا شك قصور، قصور في تفسير كلام الله؛ لأن إثبات العلم بلا تفضيل أنقص من إثبات العلم مع التفضيل، أليس كذلك؟
* الطلبة: بلى.
* الشيخ: لأنك إذا قلت: فلان عالم لا يمنع أن سيكون غيره مساويًا له في العلم، لكن إذا قلت: فلان أعلم من فلان صار فاضلًا غيره بالعلم، وغيره مفضولًا، ولا أعلم -سبحان الله- كيف يفر بعض العلماء من إثبات المفاضلة بين الله سبحانه وتعالى وبين خلقه مع أن المفاضلة لا تدل على أي نقص، بل اللفظ الذي يقتضي المشاركة هو الذي قد يحتمل النقص والمماثلة، لكن اللفظ الدال على المفاضلة ليس فيه نقص بوجه من الوجوه، فالله أعلم من كل أحد، سواء كان هذا العلم مقيدًا أو مطلقًا.
وقوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فيه بحث؛ وهو أن (ما) اسم موصول، واسم الموصول يحتاج إلى عائد، فأين العائد؟ ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ أو: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ . السؤال مرة ثانية: إلى أين ذهبت في فكرك؟
* الطالب: (...) وضَعَتْ و(وَضَعْتُ) قراءة (...).
* الشيخ: إيه، يعني العائد محذوف، ضمير مفعول به محذوف، التقدير: ما وضَعْتُه أو بما وضَعَتْه على القراءتين.
قال الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ ليس الذكر كالأنثى، هل هذا من كلامها أو من كلام الله؟
أما على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ فالظاهر أنه من كلام الله، أن كونه من كلام الله أرجح؛ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله.
وأما على قراءة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ فإن كونه من كلامها أرجح لئلا تتشتت الجمل، ولنقرأ الآية: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ تكون الآن متسقة متناسقة، لكن إذا جعلنا ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ من كلام الله صار قوله: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ متسقًا مع قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، ومن ثم اختلف العلماء هل هذه الجملة من كلام الله أو من كلام امرأة عمران؟
ونحن نقول: الاحتمال موجود، يعني احتمال الوجهين موجود بكل حال، لكن على قراءة: ﴿بِمَا وَضَعْتُ﴾ يترجح أنه من كلام من؟ امرأة عمران، وعلى قراءة: ﴿بِمَا وَضَعَتْ﴾ يترجح أنه من كلام الله عز وجل.
على كل حال في هذه الجملة بيان أن الذكر لا يماثل الأنثى، وكأن الإنسان يحدث نفسه ويقول: إن مقتضى الحال أن تكون العبارة: وليس الأنثى كالذكر؛ لأن العادة أن الأدنى هو الذي يُشبَّه بالأعلى، فهنا: ليس الأنثى كالذكر، أقرب إلى بادئ الرأي من: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾.
ولهذا ادعى بعض العلماء أن في التشبيه قلبًا، أن في التشبيه قلبًا، والتشبيه المقلوب أسلوب من أساليب اللغة العربية، ولا سيما عند الشعراء في العصور الوسطى حتى إن بعضهم يبالغ في التشبيه المقلوب حتى يقول:
وَبَــــــــــدَا الصَّبَــــــــــاحُكَــــــــــأَنَّ غُرَّتَـــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَجْــــــــــهُ الْخَلِيفَــــــــــةِحِيــــــــــنَ يُمْتَـــــــــــــــدَحُ
الصباح الذي يملأ الأفق ويضيء الدنيا كأن غرته (بياضه) وجه الخليفة إذا امتدح، وأيش بياض الخليفة؟ يعني بياض وجهه. هذا من المبالغة الكريهة في الواقع، المهم أن بعضهم قال: إنه على تشبيه المقلوب، وبعضهم قال: إنه تشبيه على أصله ووضعه، فليس الذكر كالأنثى، وشرف الذكر على الأنثى يُعلم من أدلة أخرى، ومن قرائن أخرى، ولكن ليس الذكر في خدمته لبيت المقدس كالأنثى، أرفع (ولَّا) أدنى؟ أرفع.
* طالب: ما يفتح لنا أخبار (أبو مريم)؟
* الشيخ: أبو أيش؟
* الطالب: (...) أبو مريم.
* الشيخ: بينهما أزمنة متطاولة، وقد أورد هذا على الرسول ﷺ، قيل: مريم ابنت عمران، وهارون، لا، في قوله: ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ [مريم ٢٨]. فقال: إنما كانوا يسمون بأنبيائهم. امرأة مريم بنت عمران لا يمكن أن تكون أختًا لموسى بن عمران؛ لأن الرسول يقول: هارون ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ «أَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمَّوْنَ بِأَسْمَائِهِمْ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٥ / ٩) بلفظ: «إِنّهم كانوا يسمّون بأنبيائِهم والصالحينَ قَبلَهُم» من حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه.]] يعني وبينهم أزمنة كثيرة، وموسى بن عمران.
* الطالب: إي نعم، هي أخت هارون، بنت هارون، أخت هارون.
* الشيخ: أخت هارون غير أخت موسى.
* طالب: شيخ، أم مريم عليها السلام لما نذرت هل هناك سبب (...) الأنثى هكذا؟
* الشيخ: أبدًا، رغبة منهم في خدمة المسجد.
* الطالب: شيخ، قلنا: إنه العالمين (...) شيخ، وذكرنا كذلك أنه أشكل في قول الله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ من الدرس هذا؟
* الشيخ: إيه، نحن استشكلنا هذا؟
* الطالب: فضيلة الشيخ، لأنه هنا (...) الخلق (...).
* الشيخ: أحيانًا العام يخصصه قرينة الحال أو قرينة المقال؛ يعني قد تكون قرينة حالية أو لفظية، إن كانت لفظية فهي قرينة مقال، وإن كانت حالية فهي قرينة الحال، الله ذكر أنه فضل بني إسرائيل على العالمين، ومعلوم أن أمة محمد أفضل منهم، قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [الدخان ٣٢]، فالمراد على عالمي زمانهم.
* * *
* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٣٦ - ٣٩].
* الشيخ: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ يعني ليس الذكر مساويًا للأنثى، وإذا انتفت مساواة الذكر للأنثى انتفت مساواة الأنثى للذكر؛ لأن التساوي يكون بين شيئين، فإذا انتفت المساواة في أحدهما لزم أن تكون منتفية في الآخر، فلا سواء بين الذكر والأنثى، بل لكل واحد منهما ميزاته وخصائصه؛ الأنثى تفوق الرجل في شيء، والرجل يفوق الأنثى في شيء، لكن الغالب أن الصالح لخدمة المساجد هو الرجل؛ لأنه أقوى وأذكى وأعقل وأدوم في العمل، الأنثى إذا حاضت مثلًا ما تستطيع أن تخدم المسجد؛ لأنها سوف تخرج منه ما تجلس، هذا إن كانت شريعتهم كشريعتنا، وأيضًا الأنثى لا تتحمل من الأعمال ما هو مشق، بل هي أضعف من الرجل، وإن كانت قد يكون عندها من الجلَد والصبر أكثر من مما عند الرجل في معاناة الأشخاص لا في معاناة المصائب، فإن المرأة في معاناة المصائب أدنى بكثير من الرجل كما هو معروف، قال: ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ تقولها من؟ تقولها أمها: إني سميتها مريم، وهذا الاسم إما أن يكون مشهورًا عندهم أو أنها اختارته لأمر يريده الله عز وجل.
على كل حال لا أستطيع أن أعلل لماذا اختارت هذا الاسم؛ لأن هذه قضية عين، والله أعلم ما هو السبب أنها اختارت هذا الاسم. قالت: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ﴾ أعيذها أي: أستجير بك لها؛ لأن الاستعاذة معناها الاستجارة، الاستعاذة: الاستجارة من أمر مكروه، ولهذا نستعيذ بالله من الشيطان الرجيم، ونستعيذ بالله من عذاب جهنم وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، وفتنة المسيح الدجال، قالوا: -أي أهل اللغة- العياذ من المكروه، واللياذ في رجاء المحبوب، اللياذ في رجاء المحبوب، وأنشدوا على ذلك قول الشاعر:
يَــا مَـــــــــنْ أَلُــــــــوذُ بِــــــــهِفِيمَــــــــا أُؤَمِّلُـــــــــــــــــــهُ ∗∗∗ وَمَـــــــــنْ أَعُـــــــــوذُ بِـــــــــهِمِمَّـــــــــا أُحَـــــــــــــــاذِرُهُ؎لَا يَجْبُـــــرُ النَّـــاسُ عَظْمًـــــا أَنْــتَكَاسِــــــرُهُ ∗∗∗ وَلَا يُهِيضُـــــونَ عَظْمًــــــا أَنْــــتَجَابِـــــــــرُهُ
هو يخاطب ملكًا من الملوك، وهذا الوصف لا يليق إلا بالله عز وجل، لكن الشعراء يتبعهم الغاوون. إذن أعيذها بك من الشيطان الرجيم يعني: أستجير بك لها من الشيطان الرجيم، والشيطان هو أبو الجن كما قال الله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ [الكهف ٥٠].
وهنا نقول: شيطان من (شَطَن) أو من (شاط)؟
قولان؛ فمنهم من قال: إنه من (شَطَن) أي: بعد، ومنهم من قال: من (شاط) أي: غضب؛ لأن طبيعة الشيطان الغضب والسرعة وعدم التأني، وهو أيضًا قد بعد من رحمة الله، ولكن الظاهر أنه من (شَطَنَ)، وأن النون أصلية؛ ولذلك لا يمنع من الصرف. وقوله: ﴿الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ الرجيم: بمعنى المرجوم، وأصل الرجم القذف بالحجارة، ومنه: رجم الزاني، وعلى هذا فيكون في الكلام استعارة؛ أي: أننا استعرنا الرجم بالحجارة الدال على إبعاد المرجوم للمبعد المطرود، فالرجيم هنا (فَعِيل) بمعنى (مَفْعول) أي: مطرود مبعد عن رحمة الله عز وجل. ومن العلماء من قال: إن الرجم يأتي بمعنى الطرد حقيقة لا استعارة. وعلى كل حال، فإذا اتضح المعنى فسواء كان الرجم استعارة أو كان أصليًّا حقيقة.
﴿مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ وإنما استعاذت بالله لها من الشيطان الرجيم؛ لأن الشيطان الرجيم مبعد عن رحمة الله، والمبعد عن الرحمة يريد أن يبعد كل إنسان عن الرحمة لا سيما بنو آدم؛ لأن بني آدم أعداء للشيطان، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر ٦]، فهو عدو، والعدو لا يريد من عدوه إلا ما فيه هلاكه، ولهذا استعاذت بربها عز وجل لهذه الأنثى من الشيطان الرجيم لئلا يغويها ويضلها، قال الله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ [النساء ٦٠].
يقول: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ لم يكن لها ذرية إلا واحد، مَنْ؟
* الطلبة: عيسى بن مريم.
* الشيخ: عيسى بن مريم، وهل لعيسى ذرية؟ الله أعلم، قد يكون له ذرية، وقد لا يكون، لكن مهما كان هي قالت: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾ بناءً على أي شيء؟ بناء على الأصل والغالب، الأصل والغالب أن الأنثى تتزوج ويكون لها ذرية، ولكن الله سبحانه وتعالى أراد لهذه المرأة شيئًا آخر.
قال الله تعالى: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾. (تقبَّل) قال أهل اللغة: بمعنى قَبِل، ولهذا قال: قَبول، ولم يقل: تَقَبُّل، فتقبلها بقبول، ولم يقل: بتقبل، والمصدر الموافق لتقبلها: (تقبُّل)، أما (قبول) فهو في هذا الموضع اسم مصدر وليس بمصدر كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ [نوح ١٧] ولم يقل: إنباتًا، لكن هل (تقبَّل) و(قبِل) بمعنى واحد، أو أن في (تقبَّل) شدة عناية ومبالغة؟
قولان، وما أكثر القولين؛ قول: أن (تقبل) بمعنى قبل، كتعجب بمعنى عجب، وتبرأ بمعنى برئ، تقول: تبرأ من فلان بمعنى برئ منه، وقول ثان: أن (تقبل) أبلغ من (قبل)، وعلَّلوا ذلك بعلة الغالبية؛ وهي أن الغالب أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، كيف زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى؟ يعني إذا جعلت البيت طابقين صار أكثر من الطابق الواحد؟ نعم، هو صحيح، الطابق الواحد يسع مئة نفر مثلًا، الطابقين؟
* الطلبة: مئتين.
* الشيخ: مئتين، لكن هم لا يريدون هذا، يريدون أن زيادة بنية الكلمة تدل على زيادة معناها، وهذا -كما مر علينا كثيرًا- ليس مطردًا بل هذا هو الغالب، وقد يكون الأمر بالعكس، كنَمل ونملة، وشَجَر وشجرة، وبَقَر وبقرة، أيهم أكثر؟ الزائد أو الناقص؟
* الطلبة: الناقص.
* الشيخ: الناقص أكثر. ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾ الرب: بمعنى الخالق المالك المدبر، هذا رب بالنسبة لله عز وجل، إذا أضيفت الربوبية إلى الله عز وجل فهذا معناها؛ أنه الخالق فلا خالق غيره، المالك فلا مالك غيره، المدبر فلا مدبر غيره، وهذا النفي باعتبار الإطلاق، فلا خالق على سبيل الإطلاق إلا الله، وإذا أضيف الخلق إلى غيره فإنما هو باعتبار التغيير والتصيير لا باعتبار الأصل، فخلق الباب من الخشبة ليس أصليًّا، بل هو تغيير وتصيير، صيَّر الخشبة بابًا فخلقه، لكن أصل هذه الخشبة من الذي خلقه؟ الله عز وجل، ولا يستطيع أحد من الخلق أن يخلق خشبة واحدة ولا غصن شجرة، المالِك على الإطلاق، وإضافة الملك لغير الله إضافة جزئية وإلا فقد قال الله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ [المؤمنون ٦]، فأضاف الملك إلى الإنسان، وقال تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ﴾ [النور ٦١] فأضافه أيضًا إلى الإنسان، لكن هذا الملك مقيد غاية التقييد. المدبِّر كذلك، التدبير على الإطلاق هو لله عز وجل، أما الإنسان فإنه وإن أضيف إلى التدبير فهو تدبير خاص محصور، على كل حال الرب المضاف إلى الله أيش معناه؟ الخالق المالك المدبر. ربوبية الله نوعان: عامة وخاصة، ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ وما فيهن، هذه عامة، خاصة: ﴿رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ﴾ [الأعراف ١٢٢] وهنا ﴿رَبُّهَا﴾ من العامة ولَّا الخاصة؟
* الطلبة: الخاصة.
* الشيخ: الخاصة، من الخاصة، واعلم أن كل خاص من الربوبية والمعية والسمع والبصر وما أشبه ذلك ممن قال العلماء إنه ينقسم إلى عام وخاص أن الخاص يتضمن العام والعكس، فكل من كان الله ربه على وجه الخصوص فهو ربه على وجه العموم، وكل من كان الله معه على وجه الخصوص فهو معه على وجه العموم، وكل من سمعه الله على وجه الخصوص فقد سمعه على وجه العموم، وهلم جرًّا، وهنا أضاف الربوبية إلى مريم؛ لأنه عز وجل تقبلها هذا القبول الحسن ﴿بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾ والقبولُ من الله الحسَنُ أنه سبحانه وتعالى يسرها لليسرى، وسهل أمرها، وجعلها من خيرة نساء العالمين حتى ألحقها بالرجال في صلاحهم فقال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم ١٢]. وتأمل أنه قال: ﴿مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ ولم يقل: من القانتات؛ لأنه كما جاء في الحديث: «كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٤١١) ومسلم (٢٤٣١ / ٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه.]]. ولم يكمل من النساء إلا عدد قليل لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة.
إذن نقول: إن هذا القبول هو ما حصل لها من الرفعة عند الله عز وجل وتيسير الأمور والذكرى الحسنة وغير ذلك مما أفاض الله عليها من نعمه.
﴿وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ هذا ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ قد يعود إلى المعنى، وقد يعود إلى الحس، قد يعود إلى المعنى فيكون ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ يعني في كمال الآداب والعفة والحشمة وغير ذلك، وقد يكون ﴿أَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ باعتبار الجسم يعني بمعنى أنه نمَّاها تنمية جيدة لم يتعثر فيها جسمها حتى إن بعضهم -ولعلها من الإسرائيليات- قال: إنها تنمو في العام ما ينموه غيرها في عامين. فالله أعلم، إنما يكفي من ذلك أن الله أنبتها نباتًا حسنًا، لو لم يكن من ذلك إلا أنه سلَّمها من الأمراض المؤذية المتعبة لكان هذا كافيًا، المهم أن الله سبحانه وتعالى تقبلها بقبول حسن، وأنبتها نباتًا حسنًا معنويًّا وحسيًّا.
﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هذا أيضًا من التيسير، أن الله يسر لها من يكفلها من الرسل، ولا شك أن الإنسان إذا كان عند كافل مستقيم صالح كان هذا من أسباب صلاحه واستقامته، وإذا كان عند فاسق كان بالعكس، ولهذا قال العلماء: لا يجوز أن يُترك المحضون -الطفل المحضون- بيد شخص لا يصونه ولا يصلحه.
قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ هذه القراءة المعروفة اللي في المصحف، وتكون (كفَّل) ناصبة لمفعولين، أحدهما: (الهاء)، والثاني: (زكريا)، وهذا الفعل من أخوات (كان) ولَّا من أخوات (كسا)؟
* الطلبة: كسا.
* الشيخ: ما الذي أعلمكم بأنه من أخوات (كسا)؟
* الطلبة: نصب مفعولين ليس أصلهما المبتدأ والخبر.
* الشيخ: ولكن اسمحوا لي، هذا ليس أصلهما المبتدأ والخبر، فإذا وجدت فعلًا ناصبًا مفعولين لا يصح أن يكون مبتدأ وخبرًا فاعلم أنه من باب (كسا)، وهنا لو قلت: هي زكريا، يستقيم المعنى ولَّا لا؟
* الطلبة: لا يستقيم.
* الشيخ: لا يستقيم. وفي قراءة: ﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّاء﴾ والفرق بينهما: أن القراءة الأولى بألف مقصورة والثانية بألف ممدودة.
فيها قراءة ثالثة: ﴿وكَفَلَها زَكَرِيَّا﴾ ﴿كَفَلَهَا﴾ على أن زكريا فاعل.
في قراءة رابعة: ﴿وكَفَلَهَا زَكَرِيَّاءُ﴾ على أنه فاعل أيضًا، لكن الفرق بين هذه والتي قبلها أيش؟ القصر والمد، فصار زكريا الآن تمد وتقصر، وكفل تخفف وتشدد، والإعراب على حسب الوضع.
﴿كَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ وهنا سؤال هل زكريا منصرف أو غير منصرف؟
* الطلبة: غير منصرف.
* الشيخ: إيه ممنوع من الصرف، لماذا؟
* الطلبة: للعلمية والعجمة.
* الشيخ: للعلمية والعجمة، ما رأيكم لو وُجدت العجمة بدون علمية؟ ينصرف؟
* طالب: نعم، ينصرف.
* الشيخ: عجمة بدون علمية ينصرف؟
* الطالب: نعم ينصرف، كيف؟
* الشيخ: تكون كلمة أعجمية لكن ما هي علم؟
* الطالب: ينصرف.
* الشيخ: لأنه لا بد من علتين: العلمية والعجمة، ولهذا قال عليّ لشريح: قَالُونٌ، فَنوَّن، ومعنى قالون: (جيِّد) في اللغة الرومية.
إذن نقول: زكريا علم أعجمي فهو ممنوع من الصرف. ما معنى ﴿كفَلَها﴾ أي: صار كافلًا لها. ﴿وَكفَّلَهَا﴾ أي: جعل كفيلها زكريا.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ أو ﴿زَكَرِيَّاءُ﴾ ؟
* الطلبة: قراءتان.
* الشيخ: قراءتان. ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّاءُ الْمِحْرَابَ﴾ ، ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ [آل عمران ٣٧]. كلما دخل المحراب عليها، والمحراب (مِفْعَال) من الحرب، وهو مكان العبادة، وليس المحراب هو طاق القبلة كما هو عند الناس، ورأيت في بعض المساجد مكتوب على طاق القبلة على القوس: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ فيجعلون الإمام مريم وهم لا يشعرون، ويخطئون أيضًا في اللفظ؛ لأن المحراب قلت: مكان العبادة، سواء كان طاقًا، وسواء كان مقوسًا، أو مربعًا أو حجرة؛ حتى الحجرة التي يتعبد فيها الإنسان محراب، ولهذا قال الله تعالى في قصة داود: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ [ص ٢١] يعني (...) المحراب: مكان يتعبد فيه، قالوا: فهو (مِفْعال) من الحرب، وسمي بذلك؛ لأن المتعبد فيه يحارب مَنْ؟
* الطلبة: الشيطان.
* الشيخ: الشيطان؛ ولذلك سمي مِحرابًا.
﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾ وهي امرأة منقطعة للعبادة دائمًا في محرابها ويجد عندها رزقًا، والرزق هنا ما يقوم به البدن؛ يعني رزقًا تأكله ليقوم بدنها وتحفظ حياتها، هذا الرزق ما هو؟
قال بعض المفسرين وهو من الإسرائيليات: «يجد عندها فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء »[[أخرجه الطبري في التفسير (٥ / ٣٥٦) من حديث ابن عباس موقوفًا بلفظ: وَجَدَ عندَهَا ثِمارَ الجنّةِ، فاكِهَةَ الصَّيْفِ في الشّتَاءِ وفاكِهَةَ الشّتَاءِ في الصَّيْف.]]. وسبحان الله، ما هذا الداعي هذا؟! إذا وجد عندها فاكهة الصيف في الصيف أو فاكهة الشتاء في الشتاء وهي امرأة متعبدة منقطعة للعبادة فهو آية، لأيش نروح نجيب البرتقال وقت القيظ، والعنب وقت الشتاء؟! ما هو لازم، فلذلك نقول: كلمة رزق ما يقوم به البدن، وليكن فاكهة أو طعامًا أو تمرًا، أو أي شيء آخر. المهم أنه يجد عندها رزقًا تتقوت به، وهذا من الآيات، كيف امرأة متعبدة منقطعة للعبادة يوجد عندها الرزق؟!
﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾ أي من أين لك هذا؟! وخاطبها بقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ إشارة إلى أنها في حال لا تقتضي أن يكون عندها ذلك؛ لأنها امرأة لا تكتسب، امرأة منقطعة للعبادة، والمنقطع للعبادة ولو كان ذكرًا قد لا يتيسر له الرزق، ولهذا ناداها باسمها قال: ﴿يَا مَرْيَمُ﴾ يعني انتبهي أيتها الأنثى، كيف يجيكِ هذا الرزق؟! ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾، فكان جوابها جوابًا عجيبًا: ﴿قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾. وكلمة ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لا يلزم أن يكون الله تعالى ينزلها من السماء إليها، بل قد يكون ذلك بتسخير الله لها من يأتي لها بذلك الرزق، ولا يلزم أن يكون ينزل من السماء أو يأتي به جبريل، قال الله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ [النحل ٩٦] فيمكن أن هذا الرزق يأتيها على حسب الطبيعة، لكن أيضًا تسخير الله لها من يأتيه بها لا شك أنه من معونة الله وكرامة الله لها.
* طالب: شيخ، زكريا هل هو من محارِم مريم عليها السلام؟
* الشيخ: ما هو بالظاهر، الظاهر أنه ما هو من محارمها، لكنه زوج أختها.
* الطالب: زوج الأخت (...) في شريعتهم؟
* الشيخ: لا، ما أعرف عن شريعتهم، ما هو يحيى بن زكريا وعيسى رآهما النبي عليه الصلاة والسلام ليلة المعراج وقال: «هُمَا ابْنَا الْخَالَةِ»[[أخرجه البخاري (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة.]].
* طالب: شيخ، قلنا يا شيخ: إن امرأة عمران لما وضعتها قالت: ربي إني وضعتها أنثى، فيكون هذا فيه من الإلزام أن المرأة يعني ما هي مثل الرجل في القيام على المسجد، طيب المرأة يا شيخ، يعني هل يجوز لها أن (...)؟
* الشيخ: أولا أن الحديث الذي أشرت إليه اختلف فيه الرواة، فبعضهم قال: إنه رجل، وبعضهم قال: إنها امرأة، ومعلوم أن خدمة المرأة للمسجد متهيئة أكثر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأن الرجال مشتغلون بتحصيل الرزق، ولو أن أحدًا من الرجال خدم المسجد لكان أقوى منها خدمة، لكن كما قلت لكم في أثناء الدرس اليوم: المرأة قد تكون أصبر من الرجل من وجه آخر؛ لأن عندها من الجلد أكثر مما عند الرجل، الرجل قوي وده كل شيء يتم بسرعة، والمرأة ربما تعطي مهلة أكثر.
* الطالب: يا شيخ، بالنسبة للمحراب يعني إذا كان داخل المسجد؟
* الشيخ: وأيش المحراب داخل المسجد؟! اللي عندنا داخل المسجد؟
* الطالب: لا يا شيخ، يعني: اللي يقدر صاحب (...) أن يطلع (...) المحاريب، هل يقصد هذا؟
* الشيخ: إي نعم، يقصد هذا.
* الطالب: كانت أولًا بالبيوت أو بالمساجد؟
* الشيخ: لا لا، كانت في المساجد وليست أيضًا من عهد قديم، في عهد الرسول ﷺ ما فيه محاريب، فيه منبر، وما فيه محاريب.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، بعضهم الآن يا شيخ يبدع المحاريب، يقولون: إنها بدعة؟
* الشيخ: ما هو صحيح؛ لأن بعض الناس لا يفهمون معنى البِدعة من السنة؛ لأنهم لا يفرقون بين الوسيلة وبين ما قُصد بعينه، فالمسلمون الذين أقروها من مئات السنين علماء أجلاء أبعد عن البدعة من هؤلاء، عرفوا أنهم لم يتخذوها ليتعبدوا لله باتخاذها، لكن ليدلوا المسلمين على اتجاه القبلة، لو أن عاميًّا دخل ولا في المسجد محراب وين يتجه؟ وأنا رأيت بعيني أول ما جاءت الفرش في الرياض؛ الفرَّاش الذي فرشها كان فيها في الأول صورة محاريب، أما تذكرون؟
* الطلبة: موجودة إلى الآن. إلى الآن موجودة.
* الشيخ: فيها صورة محاريب، فرشها الفراش وجاء وجه المحراب خلف القبلة بالعكس، فدخل الرجل وشاف المحراب ما راح قبلة المسجد، كبر وخلّى يصلي وراءها، إذن فيها فائدة، فهي مقصودة لغيرها لا لذاتها، المسلمون لا يقولون: فعلناها اتباعًا لرسول الله ﷺ، أو فعلناها تقربًا إلى الله، يقولون: فعلناها ليستدل بها الجاهل على القبلة.
* * *
* طالب: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٨ - ٤١].
* الشيخ: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ إن الله يرزق، الرزق بمعنى العطاء، والعطاء ينقسم إلى قسمين: عطاء كوني، وعطاء شرعي؛ فالعطاء الكوني ما يرزق الله به سائر الحيوان؛ الإنسان والحيوان؛ الحلال والحرام، هذا عطاء أيش؟
* الطلبة: كوني.
* الشيخ: كوني، لا يختص بالمؤمنين ولا بالطيب من الرزق، والثاني: العطاء الشرعي، وهو ما يعطاه المؤمن من الرزق الحلال، وهو الرزق الخاص الذي ليس فيه تبعة، ويشمل أيضًا العطاء الشرعي ما ثبت إعطاؤه بمقتضى الشرع كإعطاء الفقراء من الزكاة مثلًا، وإعطاء الغانمين من الغنيمة، فهذا إيتاء شرعي، دليله قوله تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر ٧]. إيتاء هنا هذا الإيتاء شرعي وإلا كوني؟
* الطلبة: شرعي.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences