Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:35–37

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:35–37, continued

* الشيخ: شرعي. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩) إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة ٥٩، ٦٠] إلى آخره، هذا أيضًا إيتاء شرعي.

إذن الرزق إما كوني وإما شرعي، فما كان للانتفاع في الدنيا أو ما كان به قوام الجسد فهو كوني، وما كان به قوام الروح والقلب أو كان بإذن من الشرع فهو شرعي. العلم والإيمان شرعي ولَّا كوني؟

* الطلبة: شرعي.

* الشيخ: هذا شرعي؛ لأن به قوام الروح والقلب.

وقوله: ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾ هذه لا شك أنها عائدة إلى مشيئة الله، الرزق لا يكون إلا بمشيئة الله، ولكن أتحسبون أن المشيئة مطلقة مجردة؟ لا، بل هي مربوطة بالحكمة، يعطي من يشاء لحكمة ويمنع من يشاء لحكمة، والدليل على أن كلما أثبت الله به المشيئة فهو مقرون بالحكمة قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]. فلا يشاء إلا ما اقتضت الحكمة مشيئته.

وقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قلنا: إنه لا بد أن يكون مقرونًا بالحكمة.

﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: بغير مكافئة، يُطعِم ولا يُطعَم، يَرزق ولا يُرزق، ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ [الذاريات ٥٧، ٥٨] بخلاف غيره فإنه قد يُعطي ليُعطى، أليس كذلك؟ أما الله عز وجل فإنه يُعطي لا ليعطى، بل يرزق بغير حساب أي: بلا مكافأة، لا يطلب من أحد مكافأة، وأما الحساب على ما أعطاه الله من الرزق مما اكتسبه، وأين أنفقه، وما أشبه ذلك، فإن هذا سوف يكون، قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر ٨] فصار الحساب المراد به هنا أيش؟ المكافأة؛ يعني لا يحاسب خلقًا ليكافِئوه، ولكن يحاسبهم لينظر أو ليعلم عز وجل ماذا أنفقوا فيما أعطاهم.

في هذه الآيات فوائد وأظننا نبدأ من قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ﴾ ولَّا لا؟

* من فوائد هذه الآيات:

أولًا: تعظيم هذه القصة؛ لأن الله أمر رسوله أن يبينها للناس، إذ إن التقدير: اذكر إذ قالت امرأة عمران.

من فوائدها أيضًا: جواز النذر في الأمر المجهول لقولها: ﴿رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾. فهل يعني ينبني على ذلك أن يقول القائل: لله عليَّ نذر أن أتصدق بما في بطن هذه الشاة، أو هذه البعير وينفذ النذر.

* ومن فوائد الآية: جواز تصدق المرأة بدون إذن زوجها، وجهه؟ أنها نذرت التحرر أو تحرير هذا الولد بدون إذن الزوج، فإن قال قائل: ما دليلكم على أنه بدون إذن زوجها، أفلا يمكن أن تكون استأذنت؟

الجواب: بلى، لكنه لم يُذكر، فإن قال قائل: عدم الذكر ليس ذِكرًا للعدم. فرق بين أن أسكت عن الشيء وبين أن أنفي الشيء؛ نفي الشيء ذكر لعدمه، لكن السكوت عنه ليس ذكرًا للعدم. قلنا: نقول هذا ليس في كل مكان، بل نقول: هذا فيما إذا كان هناك نصوص عامة، ثم ادعى أحد إخراجها أو تقييدها أو ما أشبه ذلك، هذا هو الذي نقول له: عدم الذكر ليس ذكرًا للعدم، وأما إذا جاءت قصة مرسَلة ولم يذكر فيها قيود فالأصل أيش؟

* الطلبة: عدم القيد.

* الشيخ: الأصل عدم القيد، وقد جاءت الشريعة الإسلامية مؤيدة لهذا؛ أي: أن المرأة تتصرف في مالها حرة؛ دليله: «أن الرسول ﷺ لَمَّا خَطَبَ النِّسَاءَ يَوْمَ الْعِيدِ وَقَالَ:«يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ» فَجَعَلْنَ يُلْقِينَ مِنَ الْخَوَاتِمِ وَالْخُرُوصِ فِي ثَوْبِ بِلَالٍ »[[متفق عليه؛ البخاري (٣٠٤)، ومسلم (٨٠) واللفظ للبخاري من حديث أبي سعيد الخدري. ]]. فهل قال النبي ﷺ: استأذن أزواجكن؟ وهل قلن: سنستأذن؟ لا.

خذ أيضًا من القرآن: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء ٤] طبن مَنْ؟

* الطلبة: النساء.

* الشيخ: النساء، كلوه هنيئًا مريئًا؛ إذن المرأة حرة تتصرف، وليس لزوجها أن يمنعها من أي تصرف شاءت، اللهم إلا في مسألة واحدة قد يُقال إنه يمنعها من التصرف مثل أن يشتري لها حُليًّا وثياب زينة تتجمل بهن له، فهنا ربما نقول: إن له أن يمنعها من التصرف في هذا الثياب وهذا الحلي من بيع أو هبة؛ لأن ذلك يضر بمقصوده، أليس كذلك؟

* طالب: بلى.

* الشيخ: فهي الآن إذا باعت هذا الحلي وهذا الثياب الجميل، وخرجت على زوجها ليس شيء من الحلي، وعليها ثياب رديئة خلقة وسخة فهو بين أمرين: إما أن يعاشرها متكرِّهًا لها، وإما أن لا يرضى بهذه الحال، ثم تقول: يلَّا أعطني فيشتري لها، وإذا اشترى لها جاءتها امرأة ثانية تشكو إليها الحال قالت: خذي، تخرج عليه في اليوم الثاني ما عليها شيء، يتسلسل الأمر، ففي هذه الحال قد نقول: إن للزوج أن يمنعها من التصرف فيما أعطاها؛ لأن ذلك مضر به إما ماليًّا وإما متعة.

من فوائد الآية الكريمة: أن الولد يخدم والده من أم أو أب، توافقون على هذا؟

* الطلبة: نعم، إي نعم.

* الشيخ: كيف؟

* الطلبة: لأنها قالت: نذرته.

* الشيخ: لأنها قالت: نذرته محررًا؛ يعني محررًا من الخدمة بحيث لا أستخدمه ولا أستغل حياته.

من فوائد الآية الكريمة: طرد الإعجاب بالنفس، وذلك بأن الإنسان إذا عمل عملًا لا يُدل به على الله يقول: أنا عملت أنا عملت، بل يعمل ويشعر أنه مفتقر إلى الله عز وجل في قبول ذلك العمل، ولهذا قالت: ﴿فَتَقَبَّلْ مِنِّي﴾ وقال إبراهيم وإسماعيل وهما يرفعان القواعد من البيت: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة ١٢٧]. والإنسان إذا علم أنه مفتقر إلى ربه عز وجل في العمل وفي قبول العمل زال عنه الإعجاب، وإذا زال عنه الإعجاب صار حريًّا بأن الله تعالى يقبل منه ويثيبه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم، وقد سبق لنا الكلام على السميع وما يدل عليه من الصفة، وأنه يكون بمعنى استجابة الدعاء، وبمعنى إدراك المسموع، وأما العليم فسبقت أيضًا، العليم هو إدراك الشيء على ما هو عليه، فمن لم يدرك فليس بعالم، ومن أدركه على خلاف ما هو عليه فليس بعالم، والأول: جاهل بسيط، والثاني: جاهل مركب، وأيهما أحسن حالًا؟

* الطلبة: البسيط.

* الشيخ: البسيط، البسيط أحسن حالًا من المركب؛ لأن المركب يجهل، ويجهل أنه يجهل، فيبقى كأنه عالم وهو جاهل، لكن البسيط يقول: أنا ما أعلم جاهل، ونضرب لهذا مثلًا: سأل رجل آخر فقال: أخبرني متى كانت غزوة بدر؟ فقال: على الخبير سقطت ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر ١٤] غزوة بدر كانت في السنة السادسة من الهجرة في شهر ذي القعدة، وأيش تقولون لهذا؟

* الطلبة: هذا جهل مركب.

* الشيخ: هذا جهل مركب، هو يقول: على الخبير سقطت ولا ينبئك مثل خبير؟ وهذا أيضًا من جهله.

* طالب: فليراجع!

* الشيخ: على كل حال هذا جاهل مركب. والثاني سألناه فقال: لا أدري، هذا جاهل بسيط، الثاني: إذا قلنا له إنها في الثانية في رمضان قبل؛ لأنه ليس عنده ما يعارض به، لكن هذاك الأول يعارض يقول: أبدًا، أنا متأكد وأنا خبير بالموضوع.

ويُذكر أن رجلًا يقال له: (توما) ويلقب نفسه بالحكيم، قال فيه الشاعر على لسان حماره، له حمار يركبه:

قَـــــــــالَ حِمَـــــــارُ الْحَكِيـــــــــمِتومَــــــــــــــــــــــــــــا ∗∗∗ لَـــــوْ أَنْصَـــــفَ الدَّهْـــــرُ كُنْـــــتُأَرْكَـــــــــــــبْ؎لِأَنَّنِـــــــــــــــــيجَاهِــــــــــــــــــــــــــــــلٌ بَسِيـــــــــــــــطٌ ∗∗∗ وَصَاحِبِـــــــــــــــيجَاهِــــــــــــــــــــــــــــــلٌ مُرَكَّـــــــــــــبْ

الحمار يقول: لو أنصف الدهر، على كل حال الحمار ما هو طيّب الكلام منه هذا، يقول: لو أنصف الدهر كنت أنا اللي أركب؛ لأنني جاهل بسيط وصاحبي جاهل مركب، ومن جهل (توما) ما أشار إليه الشاعر بقوله:

وَمَـــــــنْ رَامَ الْعُلُـــــــومَ بِغَيْـــــــرِشَيْـــــــــــــــخٍ ∗∗∗ يَضِـــــــلُّ عَـــــــنِ الصِّـــــــرَاطِالْمُسْتَقِيــــــــــــمِ؎وَتَلْتَبِـــــسُ الْعُلُـــــومُ عَلَيْــــــــــهِحَتَّــــــــــــــــى ∗∗∗ يَكُـــــونَ أَضَـــــلَّ مِـــــنْ تومَـــــاالْحَكِيـــــــــــمِ؎تَصَـــــدَّقَ بِالْبَنَـــــاتِ عَلَـــــىرِجَــــــــــــالٍ ∗∗∗ يُرِيـــــــدُ بِــــــــــــذَاكَ جَنَّــــــــــاتِالنَّعِيــــــــــــــــــــمِ

هذا علم ولَّا جهل؟

* الطلبة: جهل.

* الشيخ: جهل، البنات ما يتصدق بهن، البنات يزوجن بشروط معلومة ومهر ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء ٢٤] وأيش بعدها؟ ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ لا بد من المهر.

على كل حال العلم ذكرنا أنه إدراك الشيء على ما هو عليه، علم الله عز وجل واسع شامل، واسع شامل كامل، لم يسبق بجهل ولا يلحقه نسيان، قال الله تعالى على لسان موسى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، ﴿لَا يَضِلُّ﴾ يعني: لا يجهل، ﴿وَلَا يَنْسَى﴾ ما علم، بل هو عز وجل عالم بما يكون لو كان كيف يكون، وعالم بما كان لا ينساه، وشامل لكل شيء، واقرأ -إن شئت- قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام ٥٩] أي ورقة تسقط، ولهذا جاءت (مِن) المؤكدة ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، هذا العموم العظيم والسعة والشمول يدل على كمال الله عز وجل.

ما ثمرة إيماننا بعلم الله وسمعه؟ ثمرة إيماننا بذلك عظيمة إذا آمنا به حق الإيمان، أما الأول فإننا إذا آمنَّا بأنه هو السميع بالمعنيين: الاستجابة والإدراك حذرنا أن نُسمعه ما لا يرضاه؛ لأنه يسمع، فنحذر أن نسمعه ما لا يرضاه، وإذا علمنا أنه سميع بمعنى (مُستجيب) ألححنا عليه في الدعاء، ومن كرمه جل وعلا أنه يحب الملحين في الدعاء، بل يأمر ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠] وينزل آخر الليل يقول: «مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ مَنْ يَسْتَغْفِرْنِي فَأَغْفِرَ لهُ؟»[[متفق عليه؛ البخاري (١١٤٥)، ومسلم (٧٥٨ / ١٦٨) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، اللهم وفقنا. فالحاصل أن هذا من ثمرات الإيمان بالسميع.

﴿الْعَلِيم﴾ إذا آمنت به حق الإيمان خفت من أن يسمع لك قولًا، أو يرى لك فعلًا، أو يعلم منك ما ليس بقول ولا فعل كحديث النفس، تخشى من هذا كله؛ لأن الله يعلمه ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق ١٦، ١٧].

يقول الله عز وجل: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.

من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الأم تتكلف الحمل كما يُشعر به كلمة: ﴿وَضَعَتْهَا﴾ أنها حاملة لها، وهو كذلك لا شك أنها تتكلف بالحمل، وإذا قدرنا أن هذا الطفل الذي في بطنها سيبقى تسعة شهور وهي حاملة له في بطنها في أرق ما يكون من البدن قائمة وقاعدة ومستيقظة ونائمة، فماذا نتصور من التعب؟ ولهذا قال الله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾ [الأحقاف ١٥] ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان ١٤]. ثم مع ذلك هل هو مجمد هذا الطفل في البطن؟ لا، غير مجمد، يتحرك وهي تحس به، ولولا لطف الله بعباده ما استطاعت أن تحمل هذا، ولكن الله عز وجل يعينها.

فيتفرع على هذه الفائدة فائدة أخرى، وهي عظم حق الأم على ولدها؛ لأن من أحسن إليك وأتعبته كان أحق الناس ببرك، ولهذا جعلها النبي عليه الصلاة والسلام أحق الناس بحسن الصحبة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: اعتذار الإنسان لربه أو عند ربه إذا وقع الأمر خلاف ما أراد لقوله: ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ فإن هذا شبه اعتذار لقولها: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾، والأنثى لا تخدم المساجد عندهم؛ فلهذا اعتذرت.

ومن فوائدها: التوسل إلى الله تعالى بربوبيته، من أين يؤخذ؟ ﴿رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه من تمام البلاغة الاحتراز -أو بالسين إن شئت- الاحتراس عن كل موهم لأمر خطأ، الإنسان ينبغي أن يحترس عن كل موهم لأمر خطأ سواء كان في المقال أو في الفعال، من أين يؤخذ؟

* الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.

* الشيخ: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾، على القراءتين، على قراءة الضم واضح ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعْتُ﴾ . قلنا: إن الإنسان يعتذر سواء وقع منه ما يكون في المقال أو في الفِعال، في المقال كما رأيتم، في الفِعال مثل: «قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لَمَّا خَرَجَ بِصَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا يَقْلِبُهَا حِينَ جَاءَتْ إِلَيْهِ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَتَحَدَّثَتْ مَعَهُ فَقَامَتْ، خَرَجَتْ بِاللَّيْلِ فَخَرَجَ بِهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَإِذَا بِرَجُلَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ يَمُرَّانِ فَأَسْرَعَا، فَقَالَ لَهُمَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ». فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ. يعني ما عندنا إشكال في الموضوع حتى تعتذر، فقال: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنِ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خِفْتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا» أَوْ قَالَ: «شَيْئًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٣٥)، ومسلم (٢١٧٥ / ٢٤) من حديث صفية بنت حيي رضي الله عنها.]].

هذا صحيح، لا شك أن أبعد الناس عن سوء الظن هو الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا سيما من أصحابه لا يمكن أن يظنوا به سوء الظن، ومع ذلك خاف عليهم، خاف أن الشيطان يلقي في قلوبهما شرًّا أو شيئًا، وهذا ينبغي للإنسان أيضًا أن يدرأ الغِيبة عن نفسه ما استطاع، لا يقول: أنا ما أبالي بالناس، حسبنا الله ونعم الوكيل، هذا طيب، لكن افعل الأسباب التي تدرأ عنك الشر حتى لا يظن الناس بك سوءًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات التفضيل في أوصاف الله، ها؟

* الطلبة: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.

* الشيخ: ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ خلافًا لمن منع ذلك، وفسر أعلم بعالم؛ لأنه -في الواقع- فر من شيء ووقع في شر منه، إذا قال: عالم، فإنه لم يمنع الاشتراك، لا يمنع الاشتراك؛ لأنه عالم وغيره؟ عالم، فإذا قال: أعلم، مَنع الاشتراك، لأيش؟ لأن اسم التفضيل يقتضي أن يكون المفضل في القمة لا يساويه أحد، أليس كذلك؟

إذن أعلم أوْلى من عالم، بل نقول: إن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ [النحل ٦٠] يعني: الوصف الأكمل ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾ هل تقول: لله المثل العلِي؟ ما يستقيم ﴿الْأَعْلَى﴾. هم يقولون: إذا قلت: أعلم، فإن المقارنة بين الشيئين: العالي والنازل تجعل العالي نازلًا كقول الشاعر:

أَلَـــــمْ تَـــــرَ أَنَّ السَّيْـــــفَيَنْقُـــــصُ قَـــــدْرُهُ ∗∗∗ إِذَا قِيلَ: إِنَّ السَّيْفَ أَمْضَى مِنَالْعَصَا

فنقول: هناك فرق بين اسم التفضيل بين شيئين يشتركان في الوصف أو في أصل الوصف، وبين اسم التفضيل في شيئين لا يشتركان، فالعصا ما فيه مضاء، وَلِهَذَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ مَا قُتِلَ بِهِ مِنَ الصَّيْدِ فَهُوَ وَقِيذٌ حَرَامٌ[[متفق عليه؛ البخاري (٢٠٥٤)، ومسلم (١٩٢٩ / ٣، ٤) بلفظ «إذا أصابَ بِحدّه فَكُلْ، وإذا أصابَ بعرْضِهِ فقَتَلَ، فلا تأكلْ؛ فإنّه وَقِيذٌ» من حديث عدي بن حاتم رضي الله عنه.]]؛ لأنه لا يُنهر الدم ولا فيه مضاء، والسيف فيه مضاء، أنت لو جئت إلى إنسان زمن وإنسان شاب جلد سريع العدو، وقلت: فلان أسرع في عدوه من فلان، من الزمن، ينقص ولَّا ما ينقص؟

* الطلبة: ينقص.

* الشيخ: ينقص؛ لأن الزَّمِن ما عنده عدو، الزَّمِن معناه المشلول اللي ما يقدر يتحرك، يعني يسمونه الناس (محرول) أو (مقصمل) كلمة بمعنى هذا. على كل حال الصواب بلا شك أنه يجوز التفضيل في أوصاف الله ﴿أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾.

* الطالب: شيخ، بعض الناس يخلو بالمرأة وإذا قلنا له: هذا ما يجوز (...).

* الشيخ: سمعتم سؤاله؟ يقول: فيه ناس، يخلو بالمرأة وإذا قلنا له: هذا ما يجوز، قال: قلبي نظيف، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا مَعَ ذِي مَحْرَمٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٣٣)، ومسلم (١٣٤١ / ٤٢٤) واللفظ للبخاري من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.]]. وقال: «مَا خَلَا رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ الشَّيْطَانُ ثَالِثَهُمَا»[[أخرجه الترمذي (٢١٦٥).]]. والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا شيء مشاهَد محسوس حتى لو كان من الناس الملتزمين الطيبين إذا خلا بالمرأة فلا بد أن يُوقع الشيطان في قلبه شيئًا ولو كان نظيفًا، قل له إذا هو قال: قلبي نظيف. نقول: توسَّخ بهذه الخلوة.

* طالب: شيخ، يفهم من الآية أنه يجوز نذر المجهول، إذا نذر الإنسان نذر مجهولٍ، ثم تبين أنه لم يوجد شيء، ولم يأخذ شيئًا، فهل يلزمه بدله؟

* الشيخ: لا، ما يلزمه، لا يلزمه.

* الطالب: تؤخذ من الآية هذه ولَّا؟

* الشيخ: إي نعم؛ لأن هذا حصل واقع.

* طالب: شيخ، حفظكم الله، تكلمنا عن الفوائد، تكلمنا من قبل، شيخ، ما يكون هذا خاص بشريعتهم؟

* الشيخ: سمعتم السؤال؟

* الطلبة: لا، ما سمعنا.

* الشيخ: يقول: الفوائد التي استفدناها من قصة مريم يمكن أن نبطلها بربع كلمة فنقول: هذا خاص، ما هو صحيح. الله عز وجل يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١] عبرة في كل شيء؛ فيما يفعلونه من الشرائع والمعاملات، وفيما يحصل عليهم من عقوبات الله عز وجل، في كل شيء، وإلا وأيش الفائدة من القصة.

* الطالب: من هذا يا شيخ يعني الريبة ما يفعله بعض إخواننا الدعاة.

* الشيخ: أيش، أعد السؤال.

* الطالب: أقول: بعض الدعاة يدخلون إلى أماكن الفجور وأماكن شرب الخمر بنية الدعوة إلى الله، فهل من هذا يا شيخ أنه يجب عليهم أن يدفعوا الريبة؟

* الشيخ: عن أيش؟

* الطالب: أن يدفعوا الريبة عن أنفسهم.

* الشيخ: إيه، لا، هم دخلوا يدعونهم وينهونهم عن المنكر؛ لأنه وأيش معنى ينهون عن المنكر بدون الدخول عليهم؟! لكن لو دخلوا مثلًا أماكن اللهو، ولا رُئي منهم مشاهدة الإنكار، ما رُئي منهم الإنكار يمكن يتهمون، أما ناس دخلوا إلى قوم يشربون الخمر وقال: يا عبادَ الله، اتقوا الله، هذا حرام لا يجوز، ما فيه شيء.

* طالب: ممكن يا شيخ (...).

* الشيخ: نعم، أحسنت إذا خِيف من هذه المفسدة لا يدخل، يكتبون رسائل ولَّا يدخلون في حال ليسوا موجودين ويقولون لصاحب المكان: احذر هذا الشيء.

* طالب: شيخ، أحسن الله إليك، كيف تتصدق الزوجة بطفل، وهو ليس ملكًا لها ملك لزوجها؟

* الشيخ: وأيش قلنا يا جماعة؟

* طالب: استأثر.

* الشيخ: ما هو من حقها أن يخدمها؟

* الطالب: زوجها كذلك من حقه أن يخدمها.

* الشيخ: نعم، لا بأس من حقه أن يخدمها، لكن هي حررته من خدمتها هي، يعني فيما يتعلق بخدمتها حررته، أما ما لا تملكه ما تقدر عليه.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ [آل عمران ٣٨ - ٤١].

* الشيخ: قال: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ إلى آخره، في هذا دليل على استعمال الاحتراس في الكلام، أي: أن الإنسان إذا أتى بكلام يوهم وجب عليه أن يذكر احتراسًا يرفع فيه هذا الوهم من قوله: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ على كلتا القراءتين، وكما يكون الاحتراس بالقول يكون الاحتراس بالفعل أيضًا، مثل أن يظهر الإنسان فعلًا مباحًا حلالًا فيخشى أن يتوهم الناس أنه فعل محرم فيأتي بما يدل على أنه فعل مباح، كما صنع النبي ﷺ حين مر به رجلان وهو يقلب صفية إلا بيتها فقال: «عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ».

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كمال علم الله، وأنه فوق كل علم لقوله: ﴿أَعْلَمُ﴾ فإن اسم التفضيل يدل على اتصاف المفضل في أكمل الصفة التي فُضل بها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يستوي الذكور والإناث ﴿وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، لا في الطبيعة ولا في الأخلاق ولا في المعاملة، بل ولا في الأحكام في بعض الأحيان، الذَّكر ليس كالأنثى، وإذا كان الذكر ليس كالأنثى فالأنثى أيضًا ليست كالذكر.

* ومن فوائد الآية الكريمة:

ومن فوائد الآية الكريمة: تسمية المولود حين يولد؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾ [آل عمران 36]، وهذا هو السُّنَّة أن يسمَّى الإنسان حين يولد إلا إذا لم يتهيأ الاسم فإنه يسمى في اليوم السابع، وبهذا تجتمع الأدلة؛ فإن النبي ﷺ لما ولد إبراهيم قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس بن مالك بلفظ: «وُلِدَ لي الليلةَ غلامٌ، فسمّيتُه باسم أبي إبراهِيم».]]، وفي حديث العقيقة قال: «تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُحْلَقُ وَيُسَمَّى»[[أخرجه أبو داود (٢٨٣٨) والترمذي (١٥٢٢) من حديث سمرة بن جندب.]]، فيكون الجمع بين هذا وهذا أن من كان مهيئًا للاسم من قبل الولادة فالأفضل أن يسميه حال الولادة، ومن لم يهيئ فالأفضل أن يؤجله إلى اليوم السابع.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التسمية تعود للأم.

* طالب: لا.

* الشيخ: لأيش؟

* طالب: لأن هنا ليس (...).

* الشيخ: هي ما قالت: ﴿وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ﴾؟

* طالب: ليس له أب.

* الشيخ: كيف ما له أب، هذا له أب، فيه احتمال، لكن أقرب شيء أن يقال: إن في هذا دليلًا على جواز تصرف الفضول، أي أن الإنسان يتصرف في حق غيره فينفذ إذا وافق عليه الغير، أليس كذلك؟

* الطلبة: بلى.

* الشيخ: أنتم عرفتم تصرف الفضول، مثلًا رجل باع ساعة رجل بدون إذنه فأجازه صاحب الساعة ووافق على البيع، نقول: هذا البيع صحيح؛ لأنه أجازه، فهنا يحتمل أن الاتفاق كان جاريًا بين الأم والأب في التسمية، أو أن الأم رأت أن الأب لا يعارض فسمّت، وإلا فالأصل أن التسمية تكون للأب؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وُلِدَ لِي وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[سبق تخريجه.]]، ولكن الأفضل أن لا يتنازع الأبوان في تسمية الولد، وأن يكون الاتفاق بينهما، أحيانًا تصر الأم أن يسمى ولدها بفلان أو ابنتها بفلانة، وأحيانًا يصر الأب على عكس ذلك، والذي ينبغي أن لا يكون هذا موضع نزاع بينهما، وأن يتفقا على الاسم، فإذا اختلفا يُرجع إلى أفضل الأسماء، لو قالت الأم: أنا أريد أن يسمى ابني على اسم جده واسم جده ناصر، وقال الأب: أنا أحب أن يسمى بعبد الله، فالحق للأب وأيضًا جانبه أرجح؛ لأن «أَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ»[[أخرجه مسلم (٢١٣٢ / ٢) والترمذي (٢٨٣٣) من حديث ابن عمر واللفظ له.]] ولكن عند النزاع وعدم المرجِّح من حيث التسمية لا شك أن الحق للأب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه بالله عز وجل من الشيطان الرجيم ومن شر الخلق؛ لقولها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: جواز الدعاء للمعدوم، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ لأن ذريتها لم تأت بعد، فهي امرأة صغيرة طفلة، لكن يجوز أن يقال: أصلحك الله وذريتك، غفر الله لك ولذريتك، وما أشبه ذلك.

هل يقال: إن في هذه الآية كرامة لامرأة عمران؟

* طالب: إي نعم.

* الشيخ: نعم، كيف؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: لا غير هذا، من قوله: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؛ فإنها توقعت أن يكون لها ذرية، فصار لها ذرية، توقعت أن يكون لها ذرية فصار لها ذرية وهو عيسى عليه الصلاة والسلام، وإلا فقد يقال: كيف تقول: ﴿وَذُرِّيَّتَهَا﴾؟ هل هي على علم بأن هذه الطفلة ستبقى وسيكون لها أولاد؟ ليست على علم بلا شك، لكن كونها تقول هكذا جازمة بذلك فيأتي الأمر فيقع على حسب ما توقعت هذا نوع من الكرامات.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الشيطان عدو لبني آدم، حيث يطلب الإنسان من الله عز وجل أن يعيذه منه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى على كل شيء، ومن ذلك الإجارة من الشيطان، وإلا لكان الاستعاذة به من الشيطان عبثًا.

ثم قال الله عز وجل: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: أن الله عز وجل سميع قريب مجيب؛ لأنها دعت فسمعها الله، ولأنها دعت فأجابها الله، وفي القرآن الكريم: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦].

* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الرب، وجهه؟

* طالب: (...) الرد على الملاحدة.

* الشيخ: وأيش لون الرد على الملاحدة وأين الملاحدة؟

* الطالب: قولها إنك..

* الشيخ: لكن من ذكر الرد على الملاحدة؟

* الطالب: أنت الذي ذكرت.

* الشيخ: أنا؟

* الطالب: وجه الرد على الملاحدة لأنهم ينكرون وجود الله، فقالت: إنك سميع الدعاء، فلا يسمع الدعاء إلا موجود.

* الشيخ: أنا قلت هكذا؟

* الطالب: نعم.

* الشيخ: أنا قلت فيه الرد على الملاحدة لقوله: إن ربي سميع الدعاء؟

* الطالب: قلت لنا: فيه رد على الملاحدة الذين ينكرون وجود الله ما قلت (...).

* الشيخ: طيب، من أين يؤخذ هذا؟

* الطالب: قولها إنك أنت سميع الدعاء.

* الشيخ: ما.. هذا سبق فين؟

* الطالب: ما قلت (...).

* الشيخ: لكن من أين؟ ها الآن أقول.

* الطالب: نأخذ (...) قولها: إنك أنت سميع الدعاء.

* الشيخ: ما ذكرت فيما قالت: ﴿سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، فيه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

* الطالب: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

* الشيخ: سبق هذا في درس مضى وأخذنا فوائده.

* الطالب: إي نعم نأخذ من قولها: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.

* الشيخ: لا إله إلا الله.

* طالب: شيخ.

* الشيخ: نعم؟

* الطالب: من قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا﴾.

* الشيخ: من قوله: ﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ﴾؛ لأنها لما دعت قال: ﴿فَتَقَبَّلَهَا﴾، والفاء هذه عاطفة تدل على السببية وعلى الترتيب والفورية.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل منَّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن، والنبات الحسن، فصار في ذلك تنمية لأخلاقها ولجسمها وبدنها.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن تطور الإنسان في حياته بأمر الله؛ لقوله: ﴿أَنْبَتَهَا﴾، وما الغذاء والعناية بالطفل إلا سبب، والله تعالى هو المسبب وهو المكوِّن للإنسان والمنبت له.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير فيكون ذلك من أسباب إعاذته من الشيطان الرجيم؛ لقوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: إثبات الحضانة للطفل، الدليل؟ قوله: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾، هل يؤخذ من ذلك أن الكفالة تكون للأب دون الأم؟ الجواب: ليس بظاهر؛ لأنه قد يراد بالكفالة هنا كفالة التأديب والتربية وإيجاد النفقة دون القيام عليه بالحَضن، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام لأم طفل: «أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ مَا لَمْ تُنْكَحِي»[[أخرجه أبو داود (٢٢٧٦) من حديث عبد الله بن عمرو. ]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذه الطفلة صارت من العابدات القانتات؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد ييسر للإنسان من الرزق ما لا يكون في حسبانه؛ لقوله: ﴿قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن لكل ضَعف لطفًا، فهذه المرأة الضعيفة التي منّ الله عليها بالاشتغال بالعبادة يسر الله لها من يأتيها بالرزق.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأشياء تضاف إلى الله وإن كان لها سبب؛ لقوله: ﴿هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإضافة الأشياء إلى أسبابها ليست إلا مجرد إضافة مسبَّب إلى سببه لا إلى موجِده، وإلا فإن الموجِد هو الله عز وجل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء لا يعلمون الغيب؛ لقوله: ﴿يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا﴾.

ومن فوائدها: إثبات أن الله عز وجل يرزق في غير مكافأة ولا انتظار لمكافأة؛ لقولها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском