Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:38–41

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:38–41

3:38–41Page 55

هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥۖ قَالَ رَبِّ هَبۡ لِي مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةٗ طَيِّبَةًۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٨

At that, Zechariah called upon his Lord, saying, "My Lord, grant me from Yourself a good offspring. Indeed, You are the Hearer of supplication."

فَنَادَتۡهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٞ يُصَلِّي فِي ٱلۡمِحۡرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحۡيَىٰ مُصَدِّقَۢا بِكَلِمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدٗا وَحَصُورٗا وَنَبِيّٗا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ٣٩

So the angels called him while he was standing in prayer in the chamber, "Indeed, Allāh gives you good tidings of John, confirming a word1 from Allāh and [who will be] honorable, abstaining [from women], and a prophet from among the righteous."

قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَقَدۡ بَلَغَنِيَ ٱلۡكِبَرُ وَٱمۡرَأَتِي عَاقِرٞۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ ٤٠

He said, "My Lord, how will I have a boy when I have reached old age and my wife is barren?" He [the angel] said, "Such is Allāh; He does what He wills."

قَالَ رَبِّ ٱجۡعَل لِّيٓ ءَايَةٗۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمۡزٗاۗ وَٱذۡكُر رَّبَّكَ كَثِيرٗا وَسَبِّحۡ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِبۡكَٰرِ ٤١

He said, "My Lord, make for me a sign." He said, "Your sign is that you will not [be able to] speak to the people for three days except by gesture. And remember your Lord much and exalt [Him with praise] in the evening and the morning."

ثم قال الله عز وجل: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ [آل عمران 38]، وهذا مبتدأ الدرس.

﴿هُنَالِكَ﴾ هذه اسم إشارة إلى المكان، واللام يقولون: إنها للبعد، والكاف حرف خطاب، يعني: في ذلك الزمن، والإشارة هنا يحتمل أن تكون للزمن، أي في ذلك الزمان، أو في المكان الذي هو محراب مريم. ﴿هُنَالِكَ﴾ أي: في ذلك المكان وفي ذلك الزمان. ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾، و﴿زَكَرِيَّا﴾ فيها قراءتان: المد والقصر؛ ﴿زَكَرِيَّاءُ رَبَّهُ﴾ هذا مد، ﴿زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾ هذا القصر.

﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿هَبْ لِي﴾: أعطني، والهبة هي التبرع بالشيء بلا عوض، لكن قال العلماء: إن هناك هبة وهدية وصدقة، كم؟ ثلاثة أشياء، فالصدقة: ما أريد به ثواب الآخرة، والهدية: ما أريد به التودد والتقرب بين المهدِي والمهدَى إليه، والهبة: ما قُصِد به مجرد انتفاع الموهوب له، وهنا ﴿قَالَ رَبِّ هَبْ لِي﴾ أي: أعطني عطاء بلا ثمن.

﴿مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾، ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: من عندك، وأضافه إلى عندية الله عز وجل ليكون أبلغ وأعظم؛ لأن هدية الكريم أكرم. وقوله: ﴿ذُرِّيَّةً﴾ بمعنى: مذروءة أي: مخلوقة، وقوله: ﴿طَيِّبَةً﴾ أي: طيبة في أقوالها وأفعالها وكذلك في أجسامها، فهو متناول للطيب الحسي والطيب المعنوي.

﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ أي: مجيبه، والدعاء هو سؤال العبد ربه حاجته إما بجلب منفعة وإما بدفع مضرة.

قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾، وفي قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، فأما على قراءة الجمع: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ فالتأنيث في الفعل ظاهر؛ لأن ﴿الْمَلَائِكَةُ﴾ جمع وكل جمع يجوز تأنيث فعله، كل جمع إلا جمع المذكر السالم فإنه لا يؤنث إلا نادرًا جدًّا، فمثال التأنيث في الجمع ولو للمذكر قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ﴾ [البقرة ٢٥٣]، فالرسل هنا مؤنث، ما الدليل؟ الإشارة بالتأنيث، بصيغة التأنيث، وقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ [الحجرات ١٤] قالت الأعراب، ولم يقل: قال الأعراب؛ لأنه جمع، وأما جمع المؤنث السالم فيجب تأنيثه، وجمع المذكر السالم يجب تذكيره، ولهذا قال ابن مالك رحمه الله:

وَالتَّــاءُ مَعْ جَمْــعٍ سِــوَى السَّالِــــمِمِــــنْ ∗∗∗ مُذَكَّــــرٍ كَالتّــــَاءِ مَــــعْ إِحْــــدَىاللَّبِــــــــنْ

المعنى أن التاء مع الجمع كالتاء مع إحدى اللبِن، ما هي إحدى اللبن؟ لبنة، فلبنة مؤنث لكن تأنيثها مجازي، فيجوز في فعلها التذكير والتأنيث، فتقول: انكسرت اللبنة، وانكسر اللبنة، وظاهر كلامه حتى جمع المؤنث السالم لا يجب تأنيثه، والصحيح أنه يجب تأنيث المؤنث السالم، فالسالم من مذكر أو مؤنث حسب (...)، المذكر يجب تذكيره والمؤنث يجب تأنيثه، وما عدا ذلك من الجموع يجوز فيه التذكير والتأنيث.

فهنا ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ليس في تأنيث الفعل إشكال، لماذا؟ لأنه جمع؛ لأن الفاعل جمع، لكن على قراءة: ﴿فَنَادَاهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ ، هل فيه إشكال؟ نقول: لا إشكال فيه أيضًا، لا إشكال فيه، لماذا؟ لأن الملائكة جمع تكسير، وجمع التكسير يجوز فيه التذكير والتأنيث، فتقول: قام الرجال وقامت الرجال، ويمكن أن يراد بالملائكة واحد وهو جبريل ناداه، وعبّر عنه بالجمع باعتبار الجنس؛ لأنه واحد منهم.

﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، جملة ﴿وَهُوَ قَائِمٌ﴾ في محل نصب على الحال، الحال من الضمير الهاء في قوله: ﴿نَادَتْهُ﴾، وقوله: ﴿قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، (المحراب) مكان الصلاة أو مكان العبادة، وسمي بذلك لأنه مكان حرب الشياطين؛ فإن العبادة حرب للشياطين، وليس المراد بالمحراب طاق القبلة كما يظنه بعض الناس فيفسر الآية به، ويقول: إن هذه المحاريب موجودة من قديم الزمان، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾، وإلى قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، ولكن هذا ليس بصحيح.

﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿أَنَّ﴾ قراءة بالفتح وقراءة بالكسر، فأما على قراءة الكسر ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾ ؛ فلأن النداء قول، ومقول القول إذا صُدِّر بـ (إنّ) يجب فيه كسر (إن)، كقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم ٣٠] ولا يجوز أن تقول: قال: أني عبد الله، كذا؟ طيب. وأما على قراءة الفتح فهي على تقدير حرف الجر: فنادته الملائكة بأن الله يبشرك، أي: ببشرى، بشرى الله تعالى بهذا الابن يحيى.

وَأيضًا في قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ﴾ قراءتان ﴿يَبْشُرُكَ﴾ و﴿يُبَشِّرُكَ﴾، وكلاهما سبعيتان، فصار في هذه الآية في ثلاث كلمات منها كل كلمة فيها قراءتان:﴿فَنَادَتْهُ﴾، ﴿فَنَادَاهُ﴾ ، ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ ، ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ ، نعم، والبَشارة الإخبار بما يسُرّ، وسميت بذلك لتأثر البشرة بالخبر؛ لأن الإنسان إذا بُشِّر بما يسره يفرح ويظهر ذلك على وجهه، ألم تر إلى وجه النبي ﷺ حين دخل مُجَزِّزٌ المدلجي على أسامة بن زيد وزيد بن حارثة وعليهما كساء لم يَبْدُ منه إلا أقدامهما، فنظر إلى أقدامهما وقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض، فدخل النبي عليه الصلاة والسلام على عائشة تبرق أسارير وجهه[[متفق عليه البخاري (٣٥٥٥)، ومسلم (١٤٥٩ / ٣٨) من حديث عائشة.]]، تأثر، بماذا؟ بالخبر السارّ، طيب، إذا قال قائل: إن قلتم هكذا فاجعلوا الإخبار بما يسوء بُشرى؛ لأن البشرة تتأثر بذلك، الرجل إذا أخبرته بما يسوؤه التفع وجهه وتغيّر فسمِّها بشرى؟ فما الجواب؟ نقول: هذا قد يطلق عليه، أي الخبر بما يسوء قد يطلق عليه بشارة، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [النساء ١٣٨]؛ لأن هذا يؤثر في البشرة.

* طالب: شيخ، ما (...) مريم (...) بأنها نذرتها ثم (...)؟

* الشيخ: مريم يعني أن أباها مات قبل أن تولد؟

* الطالب: أيوه لأنها نذرتها ولم (...).

* الشيخ: والله ما هو ببعيد.

* الطالب: بعدين سمتها.

* الشيخ: وأيضًا كفلها زكريا، إي نعم، فهذا جيد أن والدها كان غير موجود، نعم، لا يؤخذ منها، وحينئذ يزول الإشكال.

* طالب: مريم كم عمرها كان؟

* الشيخ: عمرها متى؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: والله لا بد يمكن المؤرخون يذكرون ذلك، ولكن الظاهر أنها كبيرة شابة؛ لأنها حملته فانتبذت به مكانًا قصيًّا.

* الطالب: متوسطة العمر.

* الشيخ: الله أعلم، لكنها لا شك أنها كبيرة نشيطة، لا وصلت إلى حد الكبر ولا إلى الصغر الذي لا تستطيع الحمل.

* طالب: شيخ، (...)، أقول إذا ذكرتم بأن الاسم إذا كان مهيأ فإنه حين الولادة، وإذا لم يكن مهيأ ففي اليوم السابع، وأحسن الله إليكم فإذا تهيأ بعد الولادة بيوم أو يومين فهل يسمى في الحال ولّا..؟

* الشيخ: لا، الأحسن يؤجل.

* الطالب: إلى حين السابع؟

* الشيخ: نعم.

* طالب: شيخ، جزاك الله خيرًا، بالنسبة للقراءات يعني هل يجوز يخلط بين قراءتين في آن واحد، في وقت واحد يعني؟

* الشيخ: إن كان هذا على سبيل التعليم فلا شك أنه جائز، على سبيل التعليم، وإن كان على سبيل القراءة فمن العلماء من أجاز ذلك ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنهم من لم يجز وقال: إذا قرأت على قراءة واحد من القراء فاستمِر عليه، لكن الذي يظهر أن القرآن شيء واحد، وأنه يجوز أن تقرأ بقراءة واحد، والحرف الثاني بقراءة آخر.

* الطالب: يعنى في وقت واحد؟

* الشيخ: إي ما فيه بأس، نعم؟ لا قصدك فيه يعني بمعنى أنك تردد الكلمة مرتين؟

* الطالب: لا لا، يعني يقرأ..

* الشيخ: مثلًا تقرأ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ﴾ و﴿أَنَّ اللَّهَ يَبْشُرُكَ﴾ كذا؟

* الطالب: لا لا، يعني يقرأ الآية بقراءة مثلًا حفص والآية الثانية بقراءة قارئ آخر الآية التي تليها.

* الشيخ: في نفس الوقت أو التي تليها الآية الثانية؟

* طالب: الآية التي تليها.

* الشيخ: لا بأس، هذه اللي فيها الخلاف، هذا هو اللي فيه الخلاف.

* طالب: شيخ ما يمكن يستدل بقوله سبحانه تعالى: ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ بأن هذه الآية مؤيدة لقصة تنازع جعفر وعلي بن أبي طالب.

* الشيخ: كيف ذلك؟

* الطالب: لما تنازعوا في ابنة.. فأيد الرسول ﷺ أعطاها جعفر لأن خالتها (...)، وخالة مريم تحت زكريا؟

* الشيخ: بس هل في هذا نزاع؟ ما نعرف هل في هذا نزاع أو لا.

* الطالب: يمكن يعني..

* الشيخ: ما نقدر نقول فيه نزاع وهو ما ذُكِر في القصة، والظاهر كما ذكر الأخ أن أباها كان توفي، أبو مريم الظاهر أنه توفي ولعله توفي قبل أن تولَد، بدليل أن مريم تصرفت فيها وسمتها.

* الطالب: ما يكون تأييد.

* الشيخ: تأييد لأيش؟

* الطالب: للنبي ﷺ.

* الشيخ: لا ما فيه تأييد، ما فيه نزاع، من نازع زكريا.

* الطالب: بالنسبة لحفظه، بالنسبة مثلًا أنه تكون الحضانة أو تكون كفالة لزوج الخالة.

* الشيخ: أصلًا الأب ما هو موجود.

* الطالب: إي نعم.

* الشيخ: وأمها موجودة، وهي عند أمها.

* * *

* طالب: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ [آل عمران ٣٩ - ٤١]

* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ هذا المبَشَّر به، وعندنا (بشارة) كما أسلفنا و(مُبَشِّر) و (مُبَشَّر به) و(مُبَشَّر)، كم هذه؟

* الطلبة: أربعة.

* الشيخ: أربعة، كلها تضمنها قوله: ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾، ويحيى قيل إنه من الحياة، وأن الله سماه بذلك إشارة إلى أنه سيحيى ويبقى، وعلى هذا فهو ممنوع من الصرف للعلَمية ووزن الفعل، والعلَمية ووزن الفعل علّتان توجبان المنع من الصرف، وقيل: بل هو اسم أعجمي، والأسماء الأعجمية ليست بمشتقة؛ لأنها غير عربية، وعلى هذا فالمانع له من الصرف العلَمية والعُجمة؛ لأن العلمية والعجمة علتان مانعتان من الصرف، وموانع الصرف نذكرها الآن استطرادًا، تسعة، مجموعة في البيت، أنت؟

* طالب: لا أحفظه.

* الشيخ: لا تحفظ البيت، نعم؟

* طالب:

مَوَانِعُ الصَّرْفِ تِسْــــعٌ إِنْ أَرَدْتَبِهَــــا ∗∗∗ عَوْنًــــا لِتَبْلُــــغَ فِــــي إِعْرَابِــــكَالْأَمَــــــــــــــلَا؎اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا

* الشيخ: أحسنت.

* طالب: (...).

* الشيخ: ما هو؟

* طالب:

جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّــــــــــــبْ وَأَنِّــــــــــــثْعُجْمَــــــــــــــــةً (...)

* الشيخ: إي، طيب.

* طالب: أسمعنا.

* الشيخ: نعم، سمّع.

* الطالب: جَمْعٌ وَعَدْلٌ زَادَ وَزْنٌ وَصِفَهْ

* الشيخ: اصبر، لكن نبغي نسمّعكم بشرط أن تحفظوه، يلّا.

* الطالب: أقولها من الأول.

* الشيخ: إي.

* الطالب:

جَمْــــــــعٌ وَعَــــــــدْلٌ زَادَ وَزْنٌصِفَــــــــــــــــــــهْ ∗∗∗ رَكِّـــــــــبْ وَأَنِّـــــــــثْعُجْمَـــــــــــــةً و (...)

* طالب: على ما (...) أحسن.

* الشيخ: سمعتم؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: نيجي بالدور الثاني إن شاء الله، البيت الأول من حفظه معروف مشهور:

اجْمَــــعْ وَزِنْ عَــــادِلًا أَنِّــــثْبِمَعْرِفَــــــــــــــــةٍ ∗∗∗ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالْوَصْفُ قَدْكَملَا

هذه تسعة ثلاثة منها لا تحتاج إلا إلى علة واحدة، وثلاث منها تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية مع علة الأخرى، وثلاثة تحتاج إلى علتين إحداهما العلَمية أو الوصفية مع علة أخرى، فهذه العلل التسعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم يكفي فيها علة واحدة، وقسم علتان إحداهما العلَمية، وقسم علتان إحداهما العلَمية أو الوصفية، الذي معنا فيها العلَمية والعجمة، وهذه لا تأتي بها الوصفية، العجمة ما تأتي بها الوصفية، العلمية ووزن الفعل تأتي فيها الوصفية ولّا لا؟ تأتي؛ لأن الوصفية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف، والعلَمية ووزن الفعل علتان مانعتان من الصرف.

طيب، ﴿يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا﴾، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال من ﴿يَحْيَى﴾، ﴿بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ هو عيسى ابن مريم، يعني مصدقًا بعيسى؛ لأن عيسى كلمة من الله أو كلمة الله، وسمي بذلك لأنه كان بكلمة الله، لم يكن من أب كما يكون البشر، بل كان بكلمة الله عز وجل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ﴾ [آل عمران ٥٩] أي: آدم، ﴿مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [آل عمران ٥٩]، ولهذا سُمِّي عيسى بالكلمة، بكلمة الله؛ لأنه كان بكلمته وليس هو كلمة الله، لماذا؟ لأن كلمة الله وصف لله عز وجل، فالكلام وصف للموصوف، ولا يمكن أن يكون وصف الله عينًا بائنة منه، بل هو يعني يتعين أن يكون معنى كونه كلمة أنه كان أيش؟ بكلمة الله ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾.

وقوله: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بيان لابتداء الأمر وليست للتبعيض، فالكلمة ليست هنا بعضًا من الله، بل منشؤها منه، فـ(من) للابتداء؛ لأن منشأ الكلمة من الله؛ لأنه هو الذي تكلم، ﴿وَسَيِّدًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فتكون منصوبة على أيش؟ على الحال، تكون منصوبة على الحال، ﴿سَيِّدًا﴾ مَن السيد؟ السيد مَن ساد غيره وشرُف عليه بالعلم والدين والخلق والمعاملة، وقولنا (الخلق) يشمل كل خلق يسود به الإنسان غيره من الجود والشجاعة والإيثار وغير ذلك، المهم أن السيد من ساد غيره في الكمالات، يعني فضل عليه وزاد عليه، فيكون جامعًا لصفات الكمال الممكنة في المخلوق، وكذلك أيضا قال في وصفه: ﴿وَحَصُورًا﴾ معطوفة على ﴿مُصَدِّقًا﴾ فهي منصوبة على الحال، ﴿حَصُورًا﴾ فَعُول بمعنى فاعل، أي حاصرًا نفسه عن أراذل الأخلاق، فيكون هذا المبشَّر به موصوفًا بصفات الكمال الدال عليها قوله أيش؟ ﴿سَيِّدًا﴾ مبرأً من النقص وسوء الأخلاق الدال عليه ﴿حَصُورًا﴾، فيكون جمع له بين النفي والإثبات، وذلك لأن الإنسان لا يكمل إلا بوجود صفات الكمال وانتفاء صفات النقص، ولاحظوا أيها الإخوة أن صفات الكمال والنقص هنا لا نعني بها النقص المطلق والكمال المطلق، هذا لا يكون إلا لمن؟ لله، لكنه أمر نسبي، قد يكون الإنسان عنده كمال في الصفات لكن عنده سوء من جهة أخرى، هذا ناقص، وقد يكون عنده سوء ونقص في الكمال فيكون هذا أنقص، وقد يكون عنده كمال في الكمال وتنَزّه عن النقص وهذا هو أيش؟ الكمال كما وُصِف به يحيى عليه الصلاة والسلام.

وأما من قال من المفسرين: إن الحصور الممنوع عن إتيان النساء، يعني ما يقدر على النساء، فإن في هذا نظرًا، نظرًا واضحًا؛ لأن عدم قدرة الإنسان على النساء ليس كمالًا، إذ إن ذلك ليس منه بتخلق ولكنه عيب ولّا لا؟ عيب، نعم فيها قول آخر: أنه لا يأتي من النساء مَن لا تحل له، فيكون وصفًا له بماذا؟ بكمال العفة، هذا يُمدح عليه الإنسان، هذا يمدح، لكن ما قلنا أشمل من هذا القول، أشمل، ومعلوم أنه إذا وُجِد معنى أشمل فهو مقدم على المعنى الأقل؛ لأن الأقل داخل في الأشمل، ولا عكس، المهم أن (الحصور) هو الذي منع نفسه عن مساوئ الأخلاق وأراذلها، فيكون في الآية وصف له بكمال الأخلاق وانتفاء المساوئ، وهذا غاية الكمال.

﴿وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ هذه معطوفة أيضًا على ﴿مُصَدِّقًا﴾، فهو مصدق ونبي، ولا يلزم من تصديقه بعيسى أن يكون تابعًا له، فها هو محمد ﷺ مصدق لجميع الأنبياء، وهو تابع لهم؟ لا، هم يتبعونه ولا يتبعهم، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَوْ كَانَ أَخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي»[[أخرجه أحمد في المسند (١٥١٥٦) والدارمي (٤٤٩) من حديث جابر بن عبد الله. ]]، ولهذا صار إمامًا لهم ليلة المعراج، ولهذا إذا نزل عيسى في آخر الزمان يحكم بشريعة النبي عليه الصلاة والسلام، المهم أن تصديقه لعيسى ابن مريم لا ينافي أن يكون نبيًّا، فهو نبي مصدِّق بالأنبياء، ولهذا قال: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾، ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: من جملتهم، وإنما قلنا ذلك؛ لأن النبوة وصف أعلى من الصلاح، لكن هو في جملة الصالحين، النبوة صلاح وزيادة، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ [النساء ٦٩]، فالصالحون في المرتبة الرابعة، كل من قبلهم داخل فيهم، ولّا لا؟ فكل نبي صالح ولا عكس، كل صدِّيق صالح ولا عكس، كل شهيد صالح ولا عكس، كذا؟ كل صالح صالح، صحيح كل صالح فهو صالح.

* طالب: ولا عكس.

* الشيخ: ولا عكس أيش؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: العكس ما هم؟ يعني كل فاسد فاسد ولا أيش؟

* طالب: عكس كل صالح صالح.

* الشيخ: إي نعم، على كل حال قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي من جملتهم؛ لأن النبي أَخَذ بوصف النبوة والصلاح فهو من جملتهم.

﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾، قال لما بَشَّره الله عز وجل: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ﴾ يعني: كيف، يقول ذلك ليس استبعادًا ولا استنكارًا ولكن تثبتًا، وإلا فإنّا نعلم أن زكريا عليه الصلاة والسلام قد آمن بما بشّره الله به ولا يمكن أن يستبعدها، ولكنه قال ذلك من أجل أيش؟ التثبت، والإنسان بشر ناقص في الإدراك والعلم يحتاج إلى شيء يثبّت له الأمور، إبراهيم عليه الصلاة والسلام لا شك أنه يؤمن إيمانًا كاملًا لا شك معه بأن الله يحيي الموتى، ومع ذلك قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]؛ لأنه ليس الخبر كالمعاينة، إذا أخبرك إنسان بخبر مهما بلغ في الصدق لن يكون خبره عندك مثل المعاينة، فزكريا عليه الصلاة والسلام سأل الله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ بقصد أيش؟ التثبت وتثبيت هذا الأمر لا استبعادًا لقدرة الله عز وجل ولا شكًّا في خبره عز وجل، بل هو مؤمن بذلك ومؤمن بقدرة الله سبحانه وتعالى، وأنه إذا أراد شيئًا قال له كن فيكون لا سيما وأنه كان قد رأى عند مريم الرزق فقال: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.

﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، قال: ﴿غُلَامٌ﴾ مع أنه لم يولد بعد، لكن هذا باعتبار ما سيكون، والتعبير بما سيكون أمر سائغ في اللغة وارد في القرآن ﴿قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف ٣٦]، يعني أعصر عنبًا يكون خمرًا؛ لأن الخمر ما هو بيُعصر، اللي يُعصر العنب وعصيره يتحول إلى خمر، فعبّر عن الشيء بما يؤول إليه، طيب هنا ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، كيف يكون غلام وهو ما بعد وُلِد؟ نقول: باعتبار ما سيكون.

ثم قال: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ الواو هذه يسميها العلماء: واو الحال، يعني أنها تدل على أن الجملة التي بعدها في موضع نصب على الحال، يعني والحال أنه قد بلغني الكبر، حال من أين؟ من الياء في قوله؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا يا أخي، هي حال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾، ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾، فهي في موضع نصب على الحال من الياء في قوله: ﴿لِي﴾.

﴿بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: وصل إليّ الكبر، والحقيقة أنه قد يتراءى للإنسان أن في المعنى قلبًا، هل الكبر بلغك أو أنت بلغت الكبر؟ أو يجوز هذا وهذا؟ قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ [مريم ٨]، فصار هو الذي بلغ الكبر، وهنا يقول: ﴿قَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾، إذن فالتعبير صحيح في هذا وهذا، فأنت إن بلغت الكبر فقد بلغك الكبر، وإذا بلغك الكبر فقد بلغت، ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني: أصابني، وعادة أن الكبير إذا لم يولَد له في حال في سن الشباب فإنه لن يرى الأولاد؛ لأن الإنجاب والإخصاب إنما يكون في حال الشباب، وكلما تقدمت السن بالإنسان من رجل أو امرأة قلّ إنجابه، فيقول: كيف لما كنت شابًّا لا يأتيني ولد والآن بيأتيني الولد؟ أيضًا المرأة، امرأته عاقر، عاقر يعني لا تحمل، وعاقر لفظه مذكر لكن معناه هنا مؤنث، ويطلق على الذكر والأنثى، يقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر، وهو الذي لا يولد له، فالآن كل من الزوجين يعني ليسَا بصدد الولادة، ولكن الله على كل شيء قدير، إذا أراد شيئًا فإنما يقول له: كن فيكون، ولهذا قال: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ﴾ (كذلك) يجوز عندي فيها وجهان؛ الوجه الأول: أنها خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: الأمر كذلك، يعني أنك بلغك الكبر وامرأتك عاقر ولكن الله يفعل ما يشاء، والوجه الثاني: أن تكون في موضع نصب على المفعولية المطلقة، أي: مثل ذلك الفعل يفعله الله؛ لأنه يفعل ما يشاء، وكلا الوجهين صحيح، فإنه سيكون له ولد ولو كان بلغه الكبر ولو كانت امرأته عاقرًا، لماذا؟ لأن الله يفعل ما يشاء، فكل ما شاءه الله فعله؛ لأنه عز وجل لا يمنعه مانع كما نقول نحن في دبر كل صلاة: اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٣٠) ومسلم (٥٩٣ / ١٣٧) من حديث المغيرة بن شعبة.]]، فالله عز وجل يفعل ما يشاء؛ لأن له الملك المطلق في خلقه فلا أحد يمنعه ولا أحد يسأله: لِمَ فعلت، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء ٢٣]، ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، فلما أيقن بأن الله تعالى سيهب له الولد قال: ﴿قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾، أي: صَيِّر لي علامة تدل على هذا الولد، يعني كأنه يقول: متى تكون هذه العلامة، رب اجعل لي آية تدل على حصول هذا الولد، وأن الولد بدأ ينشأ، لماذا؟ ليزداد أيش؟ طمأنينة، ليزداد طمأنينة فيما بشّره الله به، ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أستدل بها على أن الولد بدأ ينشأ، أو ﴿اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ أزداد بها طمأنينة على ما بشرتني به، والآية في اللغة: العلامة، وآيات الله عز وجل كونية وشرعية، والأنبياء عليهم الصلاة والسلام أُيِّدُوا بماذا؟ بالآيات الدالة على صدقهم، الآيات الكونية والآيات الشرعية، وكثير من الناس يسمي آيات الأنبياء معجزات، وهذه التسمية وإن اشتهرت على الألسن لكن فيها قصورًا، والتعبير الصحيح السليم أن نسميها آيات كما سماها الله، نسمي ما يحصل من خوارق العادات على أيدي الأنبياء نسميها آيات، ولهذا لا تجد آية في القرآن سمى الله هذه الخوارق معجزات أبدًا، بل كان يسميها آيات، علامات على الصدق، أما معجزات فهي قاصرة؛ لأنها لو أخذناها على ظاهرها لشملت ما يأتي به السحرة، أو ما تأتي به الجن؛ لأن ما يأتي به السحرة والجن مُعْجِز ولّا لا؟ معجز، لكن هل هو آية؟ لا، لهذا كان التعبير الذي في القرآن خيرًا من التعبير الذي عبّر به بعض العلماء بتسمية خوارق العادات التي يجريها الله على أيدي الأنبياء معجزات.

﴿قَالَ آيَتُكَ﴾ يعني: الآية التي تدلك، فأضافها إلى زكريا مع أنه ليس هو الذي أوجدها، لكن لأنها علامة له، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، أنا أحب أن أفهم إعراب ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ﴾؟

* طالب: ﴿آيَتُكَ﴾ مبتدأ.

* الشيخ: نعم.

* الطالب: والكاف مضاف إليه، والمصدر المؤول من (أن) و(...) في محل رفع الخبر.

* الشيخ: (أن) وما تحويه في تأويل مصدر؟

* الطالب: في محل رفع الخبر.

* الشيخ: في محل رفع ولّا في تأويل مصدر خبر، ولا في محل الرفع؟

* الطالب: خبر.

* الشيخ: خبر؛ لأنها مفرد، واللي يقال: في محل، الجملة، طيب، قدِّر؟

* الطالب: الآية (...).

* الشيخ: أحسنت تمام، ﴿آيَتُكَ﴾ يعني العلامة التي أعطيك إياها ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يعني لا تخاطبهم، ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ ثلاثة أيام بلياليها؟ نعم، بدليل قوله تعالى في سورة مريم: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم ١٠]، آيته أن لا يكلم الناس بلياليها، قال: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾، ﴿إِلَّا﴾ هذه أداة استثناء، ولكن أحب أن أفهم هل هذا الاستثناء متصل أو منقطع؟

* طالب: منقطع.

* الشيخ: منقطع؟

* الطالب: لأن ما بعد (إلا) ليس من جنس ما قبلها.

* الشيخ: الرمز ليس كلامًا؟ كلام ولّا غير كلام؟

* الطلبة: لا، غير كلام.

* الشيخ: طيب، نعم؟

* طالب: السياق أنه متصل؛ لأنه قال ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾، ثم قال له: ﴿إِلَّا رَمْزًا﴾ عده كلامًا بمعنى أنه متصل.

* الشيخ: متصل، هذان قولان.

* طالب: أما عند النحويين فلا يسمونه كلامًا، والبلاغيون يسمونه كلامًا.

* الشيخ: نعم، هذا قول مفصّل، والواقع أن المفسرين اختلفوا هل الاستثناء متصل فتكون الإشارة من الكلام؛ لأن الكلام هو ما يعبر عما في النفس من قول أو إشارة أو كتابة، وبعض المفسرين يقول: إن الاستثناء منقطع؛ لأن الرمز ليس بكلام، ولذلك لو رمز الإنسان في الصلاة لم تبطل صلاته، ولو كان كلامًا لبطلت؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ»[[أخرجه مسلم (٥٣٧ / ٣٣) من حديث معاوية بن الحكم. ]]، فمن نظر إلى المعنى قال: إن الرمز كلام؛ لأنه ينبئ عما في النفس، وقد اعتبره الشارع، الشارع اعتبر الإشارة، «أليس النبي عليه الصلاة والسلام قتل اليهودي بإشارة الأنصارية، الجارية الأنصارية التي قالت حينما قالوا: من قتلك؟ فلان، فلان، فلان. فأشارت: نعم »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢٩٥)، ومسلم (١٦٧٢ / ١٥) من حديث أنس.]]، فاعتبر الإشارة، ولا شك أن الإشارة تعبر عن ما في النفس، لكنها ليست القول الذي هو الصوت لا شك فيه هذا أيضًا، فمن لحظ المعنى قال: الاستثناء متصل، ومن لحظ اللفظ وأن الكلام هو الصوت قال: الاستثناء منقطع، ولكن على القولين المعنى واحد، لن يستطيع أن ينطق بلسانه مع الناس، ولكن يشير إليهم إشارة، ووجه كون هذا آية أنه عجز عن النطق مع أنه سليم، وأنه عجز عن النطق مع الناس لا مع الله، وهذا شيء غريب، يعني إنسان يتكلم يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، إنسان سويّ لم يأته آفة ولا علة في لسانه ولا يستطيع أن يكلم الناس؟ هذه آية، عجزٌ في مقام القدرة وقدرة في مقام العجز، عجز عن كلام الناس في مقام القدرة على الكلام، وقدرة على الكلام مع الله بالتسبيح وغيره وعجز عن الكلام مع الناس، فهذا من آيات الله عز وجل؛ ليريه أنه سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، الكلام الذي أنا وغيري يعلم أنه أخف حركة في البدن ولّا لا؟ يستطيع الواحد يتكلم من إلى صار يعطيه الله إمداد في المعنى يتكلم كم ساعة؟

* الطلبة: (...).

* الشيخ: إلى (...) والله ما (...) عن هذا، لكن يتكلم كثيرًا ولا يتعب، لكن المشي يتعب والبطش يتعب، أما هذا الكلام اليسير اللي كلٌّ يستطيعه يمتنع من هذا الرجل ما يقدر يكلم الناس إلا رمزًا، وأما مع الله فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، ما انتهى الوقت.

* طالب: شيخ، الراجح من المسألة الأولى..

* الشيخ: أيهم؟

* الطالب: التي ذكرناها قبل؟

* الشيخ: ما هي؟

* الطالب: الكلام يعني الرمز هو كلام..

* الشيخ: إن أحببت أن يكون الراجح أن الاستثناء منقطع فهو منقطع، وإن أحب من قال إنه متصل فهو متصل، وإن أحب التفصيل مَن فصل فلنفصل، المسألة ما يترتب عليها شيء.

* الطالب: (...).

* الشيخ: والله فيه احتمال الحقيقة.

* طالب: شيخ..

* الشيخ: نعم؟

* الطالب: قلنا من شروط استجابة الدعاء الجزم بالدعاء، أن يكون الإنسان موقن الإجابة، وهنا زكريا يعني لما قال ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ مع أنه دعا أول كأنه يعني لم يكن يوقن الإجابة.

* الشيخ: لا إله إلا الله! هذا لو كان الاستفهام على سبيل الاستبعاد، وما استفهم مستبعدًا الواقع، مستفهم للتثبت، أنا الآن لو قلت: بأعطيك مثلًا عشرين ريال وأنت ترى أني صادق، قلت: تعطيني عشرين ريال؟ وأيش قصدك بهذا؟ التثبت، ما قصد الاستبعاد ولا الشك.

* * *

* طالب: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١) وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٦].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾ أمره الله تعالى بأن يذكر ربه كثيرًا؛ لأن بذكر الله تطمئن القلوب، ويزداد الإيمان ويستنير القلب، فلهذا أمره الله أن يذكر ربه كثيرًا، وفائدة الذكر كثيرًا هنا أو الأمر بالذكر كثيرًا؛ لأن الله لما أخبره بأنه سيمنعه من مكالمة الناس بشَّره بأنه لن يمتنع من ذكر الله الذي هو أجلّ وأشرف من مخاطبة الناس وكلامهم، فقال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾؛ لأنه ربما يقع في قلبه لما قال الله له: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا﴾ ربما يقع في قلبه أن يُمنع من الكلام، فأراد الله تعالى أن يُسَرِّي عنه وأن يُذهب عنه ما قد يقع في قلبه وقال له: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، وهنا لم يقل له: وإنك ستذكر ربك، بل قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾، فأمره بذكر الله؛ ليكون ذكره لله تعالى في حال امتناع مكالمة الناس عبادةً خاصة مأمورًا بها، لما مُنع من مخاطبة الناس صار متفرغًا، فأُمِر بأن يشغل هذا الفراغ بماذا؟ بذكر الله عز وجل، وهذا أحسن له وأفيد له مما لو قال الله له: وإنك ستذكر ربك كثيرًا، ووجهه كما قلت لكم أنه إذا أُمِر به صار طاعة، وإن كان الذكر من أصله طاعة، لكن يكون هذا طاعة خاصة في هذه الحال التي يمتنع فيها من مكالمة الناس.

وقوله: ﴿اذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا﴾، هل ﴿كَثِيرًا﴾ صفة لزمن محذوف؟ أي زمانًا كثيرًا، أو لمصدر محذوف أي ذكرًا كثيرًا؟ الثاني، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب ٤١، ٤٢]، وهنا قال: ﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، العشي آخر النهار، والإبكار أول النهار، وهذان الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما فقال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]، وقال تعالى: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ هنا، ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ [ص ١٨]، والآيات في هذا كثيرة؛ لأن في الإشراق مستقبَل النهار، وفي العشي مستدبَر النهار، فيكون الإنسان شاغلًا وقته أوله وآخره بماذا؟ بذكر الله، من أين يبتدئ العشي؟ العشي يبتدئ من زوال الشمس، بدليل حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي»[[متفق عليه البخاري (١٢٢٩)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة.]]. وهي إما الظهر وإما العصر، وقيل: العشي ما بعد صلاة العصر إلى منتصف الليل، ولكن الأول أصح، نعم المساء يطلَق من صلاة العصر إلى منتصف الليل، وأما العشي فهو آخر النهار.

وقوله تعالى: ﴿وَالْإِبْكَارِ﴾، (الإبكار) ليست جمعًا لـ(بَكَر)؛ لأن جمع (بَكَر) (أبكار) كـ(سبب) و(أسباب)، لكنها مصدر أو اسم لهذا الوقت المعين الذي هو أول النهار.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском