Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:38–41, continued
وقوله: ﴿سَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾ يشمل تنزيه الله عز وجل عن كل ما لا يليق به، وقد مر علينا أن تسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة العيب، وعن نقص في كماله، وعن مماثلة المخلوقين، انتبهوا (المشابهة) هذه أخرجوها من ألسنتكم، قولوا: مماثلة؛ لأن هذا هو اللفظ الذي جاء به القرآن، فيُسَبَّح الله عن هذه الأمور الثلاثة، ما هي؟ النقص، والنقص في الكمال، ومماثلة المخلوقين.
فالنقص كقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ [الفرقان ٥٨]، والنقص في الكمال مثل قوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة ٢٥٥]، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق ٣٨]، ومماثلة المخلوقين مثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص ٤].
والتسبيح يكون بالقول ويكون بالفعل، فكل مَن عَبَدَ الله فقد سبَّحه، كل من عبد الله فقد سبحه، بالقول ولّا بالفعل؟ بالفعل، وإن لم يكن فيها كلمة (سبحان)؛ لأن العابد تستلزم عبادته المعبود أن يكون كاملًا؛ لأن الناقص لا يمكن للعاقل أن أيش؟ أن يَعْبُدَه، فكونه يعبد الله يستلزم أن يكون مقرًّا له بالكمال مسبِّحًا له عن النقص، واضح يا جماعة؟
﴿وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، الباء في قوله: ﴿بِالْعَشِيِّ﴾ يحتمل أن تكون للاستيعاب، يعني في كل الوقت، وأن تكون للظرفية، أي في العشي، فإن جعلناها للظرفية لم يلزم أن يستوعب الوقتَ بالتسبيح؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ﴾ [الصافات ١٣٧، ١٣٨]، هم يمرون عليهم كل ليل يدلجون عليهم؟ لا، يمرون في أوله، في آخره، في وسطه، وإذا كانت للاستيعاب فإن المعنى إن الله أمره أن يستوعب هذين الوقتين كلهما، بماذا؟ بالتسبيح.
نرجع الآن إلى الفوائد، قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً﴾، إلى آخره، يؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله، حتى الأنبياء لا يستغنون عن دعاء الله؛ لقوله: ﴿دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القياس، من أين؟ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة عن التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه ولدًا، فيكون انتقال من الشيء إلى نظيره، وهذا هو نفس القياس، صح؟ إذن هو استدل أو أخذ من هذه القصة عبرة وهو أن يسأل الله أمرًا وإن كان مستبعدًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الصيغة التي يُتَوَسَّل بها في الدعاء هي اسم الرب؛ لقوله: ﴿رَبَّهُ﴾، ولم يقل: الله، ولهذا تجدون أكثر الأدعية مصدرة بالرب؛ لأن إجابة الداعي من مقتضى الربوبية، ولّا لا؟ لأنها فعل، وكل الأفعال من مقتضى الربوبية، فلهذا يتوسل الداعي دائمًا إلى الله بالرب، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ يَا رَبِّ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]].
* ومن فوائد الآية الكريمة:أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه الولد، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* طالب: بقول يا شيخ بفرضكم ﴿بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ و﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ﴾، بكرة وعشيا تعني (...) كله، والعشي والإبكار تعني (...).
* الشيخ: إذا جعلنا الباء للظرفية صحيح صار بينهما فرق، إن جعلناها للاستيعاب لم يكن فرق.
* الطالب: أن الاستيعاب بس..
* الشيخ: لا الاستيعاب إن كل الوقت، يستوعب كل الوقت، وليس المعنى دون غيرهما، لكن هذين الوقتين مخصوصان بالتسمية ولا غيره يسبح، لكن هذا أهم شيء.
* طالب: (...) مخصوص معًا ولا..؟
* الشيخ: لا ليس معًا، ولهذا أكثر ما تكون التسبيحات والتهليلات في أول النهار وآخره.
* طالب: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾، من هو القائل اللي رد عليه زكريا؟
* الشيخ: اقرأ من نادى زكريا؟
* الطالب: الملائكة.
* الشيخ: إذن يكون القائل معناه واصل، ما وصلنا للحقيقة، هذا سؤال مطروح.
* طالب: التسبيح، قلنا: التسبيح يشمل الفعل والقول، الذي يسبح في سره ما يشمل ذلك؟
* الشيخ: حديث النفس يعني؟ حديث النفس يدخل في هذا، لكنه من الفعل؛ لأنه حدّث نفسه.
* طالب: هل نقول: سيدنا محمد ﷺ؟
* الشيخ: أن سيدنا محمد، والله محمد سيدنا، لكن هل الصحابة يقولون كذا؟
* طالب: رسول الله.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: نشأ من أبوين مشركين، بينما يحيى عليه السلام من أبوين صالحين، فيؤخذ من قوله تعالى: ﴿وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ الجمع بين النبي والصلاح؟
* الشيخ: يعني أنه وُلِد من صالحين.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: ما هو بالظاهر، هذه من بيان لحال يحيى.
* طالب: شيخ بعض الناس يقولون: يا سيدي، هل فيها شيء؟
* الشيخ: يا سيدي من؟
* الطالب: يعني إذا تكلم يقول: يا سيدي.
* الشيخ: إذا كان الرجل أهلًا للسيادة لا بأس، يعني مثلًا لو قال: يجي واحد لفاسق فاجر يقول له: يا سيدي، ما يجوز، لكن الأهل للسيادة لا بأس.
* طالب: القياس يا شيخ، هل صح الإنسان إذا شاف أي شيء يعني مثلًا دعاء يقيس عليه يعني؟
* الشيخ: إذا كان لا عدوان في ذلك فلا بأس، إذا ما فيه عدوان لا بأس، أما مثلًا يجيء يدعو الله يقول: اللهم اجعلني نبيًّا رسولًا، هذا حرام، طيب كلامنا مع الأخ السائل يقول: سيدي، سيدنا محمد، هل معنى ذلك إنه يحرم إن الإنسان يقول: قال سيدنا محمد؟
* طالب: لا يحرم.
* الشيخ: لا يحرم.
* الطالب: لأنه سيد الأولين والآخرين.
* الشيخ: ولأننا نحن ينبغي أن نتأدب كأدب الصحابة، كأدب الصحابة، إذا ساقوا الحديث عن الرسول ما هم بيقولون: قال سيدنا، قال رسول الله، قال نبي الله.
* طالب: شيخ، (...) يا سيدي يا مولاي..
* الشيخ: إذا صدق الوصف فلا بأس، لو قال العتيق لمن أعتقه: يا مولاي، صح.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤) إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران ٤٢ - ٤٦].
* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أخذنا منها أربعة فوائد؟
* طالب: الأولى: أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء، ثانيًا: إثبات القياس؛ لأنه لما رأى أن الله يرزق هذه المرأة بدون سبب معلوم علم أن الذي يسوق لها الرزق وهي امرأة منقطعة التكسب في محرابها قادر على أن يرزقه..
* الشيخ: أن يرزقه الولد، ولّا لا؟ نعم.
* الطالب: الثالثة: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب، الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد.
* الشيخ: طيب الثالثة؟
* الطالب: أن الصيغة التي يتوسل بها بالدعاء هي اسم الرب.
* الشيخ: غالبًا، الرابعة؟
* الطالب: الرابعة: أن زكريا عليه الصلاة السلام بلغ سنًّا بعيدًا دون أن يأتيه ولد؛ لقوله: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾.
* الشيخ: نعم.
من فوائد الآية ما يستفاد من قوله: ﴿هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾، حيث أضاف الهبة إلى الله عز وجل، وهبة الكريم تكون كبيرة، ونظير هذا قوله ﷺ فيما علّمه أبو بكر الدعاء الذي يدعو به في صلاته قال: «فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ وَارْحَمْنِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٢٦)، ومسلم (٢٧٠٥ / ٤٨) من حديث أبي بكر. ]]، وكما أشرنا إليه أن الشيء من الكريم يكون عظيمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينبغي للإنسان أن يسأل مطلق الذرية؛ لأن الذرية قد يكونون نكدًا وفتنة، وإنما يسأل الذرية الطيبة.
ومن فوائد الآية الكريمة التي تشير إليها إشارة: أنه ينبغي للإنسان أن يفعل الأسباب التي تكون بها ذريته طيبة ومنها الدعاء، دعاء الله، وهو من أكبر الأسباب، وقد ذكر الله سبحانه وتعالى عن الرجل يبلغ الأشد أنه يقول: ﴿أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأحقاف ١٥]، ولا شك أن صلاح الذرية أمر مطلوب؛ لأن الذرية الصالحة تنفعك في الحياة والممات؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ: إِلَّا مِنْ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ»[[أخرجه مسلم (١٦٣١ / ١٤) من حديث أبي هريرة. ]].
* من فوائد الآية الكريمة: التوسل إلى الله تعالى بأسمائه المناسبة للحاجة؛ لقوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، أي: مجيبه، وهكذا ينبغي أن تكون الأسماء التي يتوسل بها الإنسان في دعائه مناسبة لأيش؟ للمدعو به، فالداعي بالمغفرة يتوسل باسم الله الغفور، وبالرحمة الرحيم، وبالرزق باسم الرزاق، وهكذا، ويدل لهذا أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف ١٨٠]، فإن قوله: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول دعاء المسألة ودعاء العبادة، يشمل دعاء المسألة؛ أن تجعلها وسيلة لدعائك، ودعاء العبادة أن تتعبد لله تعالى بمقتضاها، فإذا علمت أنه سبحانه غفور فتعرض لمغفرته، وإذا علمت أنه رحيم كذلك، وهكذا، فقوله عز وجل: ﴿ادْعُوهُ بِهَا﴾ يتناول هذا وهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات سمع الله وكرم الله وقدرة الله، من أين يؤخذ؟
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* طالب: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾.
* الشيخ: وجه ذلك؟
* الطالب: أنه سمع الدعاء فأجابه.
* الشيخ: طيب، هذا واحد، إثبات القدرة؟
* طالب: القدرة على الإجابة.
* الشيخ: القدرة على الإجابة، نعم، الثالث؟
* طالب: أنه لا يعطي إلا الكريم.
* الشيخ: نعم، إثبات الكرم لله؛ لكونه عز وجل يجب من دعاه، فإن قال قائل: أحيانًا يدعو المرء ولا يستجيب الله دعاءه؟ وهنا زكريا ﷺ يقول: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وقال إبراهيم: ﴿إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم ٣٩]، فما الجواب؟ الجواب أن يقال: إن عدم إجابة الله الدعاء إما أن تكون لوجود مانع، وإما أن تكون لمصلحة الداعي، أو لفوات شرط، فأما إذا تمت الشروط وانتفت الموانع ولم تقتضِ المصلحة خلاف ما دعا به الداعي فإن الله تعالى يستجيب الدعاء قطعًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر ٦٠]، فإذا دعا الإنسان ربه وقلبه لاهٍ، يقول: اللهم إني أسألك الجنة وما قرّب إليه من قول وعمل، لكنه في زمن الاختبار قلبه يتجول بين صفحات الكتاب، هذا غافل ولّا حاضر؟
* الطلبة: غافل.
* الشيخ: غافل؟ نعم، لا يستجيب دعاءً من قلب غافل، كيف تسأل الله سبحانه وتعالى وهو يعلم ما في نفسك وتناجيه: يا رب أعطني كذا، وأنت قلبك مشغول بشيء آخر؟ هذا والله فيه سوء أدب، هذا تتخلف إجابة الدعوة لعدم وجود الشرط، لانتفاء الشرط، ما حضر قلبه، قد يكون ذلك لوجود مانع، ومنها - أي من الموانع - أن يكون الإنسان آكلًا للحرام -والعياذ بالله - فإن أكل الحرام من أكبر موانع إجابة الدعاء؛ لأن النبي ﷺ قال: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، ثم ذكر النبي الله ﷺ الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب»، أربعة أسباب من أسباب إجابة الدعاء «وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة.]] - أعوذ بالله - استبعد أن الله يجيب هذا الداعي، فهنا تخلفت إجابة الدعاء، لماذا؟ لوجود مانع.
وقد تكون لمصلحة الداعي، يدّخر الله له عنده ما هو أعظم مما سأل، أو يعلم سبحانه وتعالى أنه لو أجابه لحصل عليه مضرة في دينه، مثل أن تكون إجابته سببًا لفتنته عن دينه، فبرحمة الله وحكمته لا يستجيب له هذا الدعاء، لمصلحة من؟
* الطلبة: الداعي.
* الشيخ: لمصلحة الداعي، ولهذا ينبغي للإنسان أن لا يضجر إذا دعا الله فلم يستجب له، وأن لا يسأم ويستحسر، فيقول: دعوت ثم دعوت فلم يستجب لي، فإنه إذا قال ذلك لم يستجب له، فزال الإشكال الآن؟ زال الإشكال الذي قد يَرِد على قوله: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾، وبقي إشكال آخر وهو أن يقال: لا فائدة من الدعاء؛ لأن المدعوّ به إن كان قد كُتِب لك فسوف يأتيك بلا دعاء، وإن لم يُكتب لك فلن يأتيك ولو دعوت، هكذا يقول بعض الناس، فبماذا نجيب؟ نجيب أولًا: أن هذا قول باطل من أصله؛ لأنه يقتضي تسفيه الرسل والأنبياء والصالحين، بل يقتضي أن الله عز وجل يأمر بما لا فائدة فيه، فإن الله قال: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾، فكيف يأمر عز وجل بأمر لا فائدة منه؟! هذا مستحيل، فهذا القول باطل من أصله، ثم نقول: الشيء يُكتب لك لكن بسبب، فإذا كان الله قد كتب لك ذرية طيبة بسبب دعائك فإنه إذا انتفى الدعاء انتفت الذرية الطيبة؛ لأن الله قدرها -أي الذرية الطيبة- مقرونة بأيش؟ بالدعاء، وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدًا جاء بلا نكاح، وإن لم يُرِد لي ولدًا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد.
وهل يقول عاقل: أنا لا أتزوج، إن كان الله قد أراد لي ولدا جاء بلا نكاح، وإن لم يرد لي ولدا لم يأت ولو تزوجت، هل يقول هذا عاقل؟ لا، ما يقوله، نقول: إن الله قدر لك الولد بالنكاح، تزوج يأتيك الولد، وهكذا الدعاء.
إذن فالدعاء لا شك أنه من أقوى الأسباب لحصول المطلوب وزوال المكروه، وهذا أمر معلوم، ويكون الله تعالى قد قدر هذا الشيء الذي هو حصول مطلوبك أو زوال مكروهك، قد قدره مقرونا بأيش؟ بهذا السبب، بالدعاء، فيكون الدعاء مقدرا والمدعو به مقدرا من عند الله عز وجل، لكن أنت لا تدري، أنت عليك فعل السبب الذي تعلمه وهو الدعاء، وما وراء ذلك فليس إليك، وهكذا جميع المقدورات كلها يرد عليها هذا الإيراد، ولكن يجاب بهذا الجواب؛ بأن الله قدر هذه الأشياء مقرونة بأسبابها.
ثم إننا نقول: إن الدعاء نفسه عبادة، نفس الدعاء عبادة، إذا رفعت يديك إلى ربك: يا رب، هذا ذل وخضوع لله عز وجل، وهو من أجل العبادات، فالدعاء نفسه عبادة، سواء أجبت أم لم تجب، فلماذا لا تكثر من الدعاء؟ كذا؟ وأيش قلت؟
* طالب: الدعاء عبادة في ذاته، فالإنسان يدعو الله سبحانه وتعالى ولو لم..
* الشيخ: ويكثر من الدعاء.
قال: ﴿إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [آل عمران ٣٨] ثم قال عز وجل: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾ [آل عمران ٣٩].
* من فوائد هذه الآية الكريمة: إثبات الملائكة، وقد سبق عن قريب شيء من الكلام عليهم، وأنهم عالم غيبي مخلوقون من نور، خلقهم الله عز وجل لما أعدهم له، فقاموا به على حسب ما أراد خالقهم عز وجل، كأن ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ٢٠]، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام بقوله: «أَطَّتِ السَّمَاءُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَئِطَّ»[[أخرجه الترمذي (٢٣١٢)، وابن ماجه (٤١٩٠) من حديث أبي ذر.]]. الأطيط: ما يسمع من صرير الرحل على البعير المحمل حملا ثقيلا.
* طالب: الصريح يا شيخ ولا الصرير؟
* الشيخ: الصرير، «مَا مِنْ مَوْضِعِ أَرْبَعِ أَصَابِعَ إِلَّا وَفِيهِ مَلَكٌ قَائِمٌ لِلَّهِ أَوْ رَاكِعٌ أَوْ سَاجِدٌ».
ففي هذه الآية: ﴿نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ إثبات الملائكة، ما حكم إنكار الملائكة؟
حكمه الكفر؛ لأنه تكذيب للقرآن.
لو قال قائل: أنا لا أنكرهم وأقول: فيه ملائكة، لكن الملائكة هي قوى الخير والشياطين قوى الشر، فأجعلهم معاني لا ذوات.
نقول: وهذا أيضا إنكار لهم؛ لأن الله قال: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ﴾ [فاطر ١] كيف تكون قوى؟ ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الملائكة تتكلم بصوت مسموع؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩].
* ومن فوائدها: جواز تكليم المصلي؛ لقوله: ﴿نَادَتْهُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾، وقد كان الصحابة رضي الله عنهم يكلم بعضهم بعضا في الصلاة، لكن المكلم وهو يصلي لا يخاطب الآخر، لكن يفهم ما يقول ويجيبه بالإشارة، لكن هل هذا على إطلاقه بالنسبة لجواز الكلام مع المصلي؟
الجواب: هذا الأفضل تركه إلا لحاجة؛ وذلك لأنك إذا كلمته وهو يصلي فإنك تشوش عليه، وربما ينسى ويخاطب كما يقع هذا كثيرا.
* من فوائد الآية الكريمة: مشروعية تبشير الإنسان بما يسره؛ لقوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ [آل عمران ٣٩] وهذا أمر مشروط في نوعه وجنسه، ففي النوع سبق أن الله تعالى أخبر عن الملائكة أنها بشرت إبراهيم بإسماعيل وبإسحاق، إسماعيل قال الله فيه: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ﴾ [الصافات ١٠١]، وإسحاق ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات ٢٨].
وهل من البشارة ما ثبت في الصحيح أن النبي ﷺ قال: «وُلِدَ لِيَ اللَّيْلَةَ وَلَدٌ وَسَمَّيْتُهُ إِبْرَاهِيمَ»[[أخرجه مسلم (٢٣١٥ / ٦٢) من حديث أنس.]]، أو هذا من باب التحدث بنعمة الله؟
* طالب: الثاني.
* الشيخ: هذا هو الأصل، الثاني، أنه من باب التحدث بنعمة الله هو الأصل.
ومن فوائد الآية الكريمة..
* طالب: البشارة بالجنس.
* الشيخ: نعم.
* الطالب: النوع والجنس.
* الشيخ: البشارة بالجنس أن الإنسان يبشر بأي خير كان، بأي شيء كان جاءت به السنة من مفهوم قوله ﷺ: «لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤ / ٣٧) من حديث عبد الله بن مسعود. ]]، فإن هذا يدل على إدخال السرور على المسلم، وهو كذلك، سواء كان ببشارة أو بغيرها.
قال: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران ٣٩] إلى آخره، يستفاد من هذا أيضا: جواز تقديم التسمية على اليوم السابع، وهو كذلك، أنه يجوز أن يسمي الإنسان مولوده من ذكر أو أنثى قبل اليوم السابع، وهذا إذا كان الاسم مهيأ، أما إذا كان غير مهيأ فإنه ينبغي أن يؤخر إلى اليوم السابع.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على من صدق المرسلين؛ لقوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ فإن الله قال ذلك على سبيل الثناء على يحيى، ولا شك أن من صدق من قامت البينات على صدقه فإنه محمود، حتى في الأمور الدنيوية، إذا صدقت من قامت البينة على صدقه فهذا لا شك أنه خير، وأما إذا صدقت من لم تقم البينة على صدقه فهذا استعجال، وأما إذا صدقت من قامت البينة على كذبه فهذا خبال؛ أن تصدق من قامت البينة على كذبه.
فالأحوال ثلاثة: من قامت البينة على كذبه فتصديقه خبال وسفه في العقل وضلال في الدين، ومن قامت البينة على صدقه فتصديقه كمال يحمد الإنسان عليه، ومن لم تقم البينة على صدقه ولا كذبه فتصديقه استعجال؛ لأن مثل هذا الخبر ينبغي أن يتأنى الإنسان فيه، ولهذا قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ [الحجرات ٦] لم يقل عز وجل: ردوه ولا اقبلوه، نتبين حتى ننظر؛ لأنه قد يكون صادقا.
* من فوائد الآية الكريمة: أن يحيى عليه الصلاة والسلام سيكون سيدا؛ وذلك لأنه أحد الأنبياء، والأنبياء هم سادة الخلق وأفضل الخلق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى عليه الصلاة السلام مع توافر صفات الكمال في حقه بالسيادة فإنه بالإضافة إلى ذلك كان ممنوعا من سوء الأخلاق؛ لقوله: ﴿وَحَصُورًا﴾، فإن أصح وأعم ما قيل فيها أنه ممنوع عن مساوئ الأخلاق.
* ومن فوائدها أيضا: أن يحيى من الأنبياء؛ لقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء ١٦٣] إلى آخره، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ [غافر ٧٨] وما قصهم الله علينا يقصهم بلفظ النبوة في الأكثر، فيكون كل من ذكر في القرآن بوصف النبوة فهو رسول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح، فإن مراتب الصلاح أربعة: النبوة والصديقية والشهادة والصلاح، إذا ذكرت جميعا صارت مراتب، وإن لم تذكر جميعا صار الصلاح عاما؛ لقول النبي ﷺ: «إِذَا قُلْتُمْ ذَلِكَ -عِبَاد اللهِ الصَّالِحِينَ- فَقَدْ سَلَّمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٨٣١)، ومسلم (٤٠٢ / ٥٥) من حديث عبد الله بن مسعود.]].
﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ [آل عمران ٤٠] إلى آخره.
* من فوائد هذه الآية الكريمة: أنه لا حرج على الإنسان في طلب ما تطمئن به نفسه؛ لأن زكريا عليه الصلاة والسلام ما شك في خبر الله، لكن أراد أن يتقدم إليه الفرح والاستبشار بقوة البراهين؛ لأن خبر الله لا شك أنه برهان، لكن كلما ازدادت البراهين ازدادت قوة اليقين، فهنا سأل ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾ يعني تعجبا من قدرة الله عز وجل؛ أن يكون له غلام وقد بلغه الكبر؛ لأن الغالب أن الإنسان إذا بلغ الكبر يقل إنجابه، وربما عدم بالكلية، والعقر إلى النساء أقرب منه إلى الرجال، ولهذا تكون المرأة عاقرا قبل أن يكون الرجل عاقرا.
* ومن فوائد الآية الكريمة نقول: إن الإنسان يملك ولده؟
طلبة: ﴿لِي﴾..
طلبة آخرون: اللام.
* الشيخ: اللام، تأملوا.
* طالب: اختصاص.
* الشيخ: أو نقول: اللام لا تتعين للملك؟
* طالب: لا غلط.
* الشيخ: إي ما تتعين، اللام لا تتعين للملك، قد تكون للاختصاص؛ لأن الإنسان لا يملك ولده كما يملك عبده، لو أراد أن يبيع ولده ما صح، وأما قول النبي ﷺ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»[[أخرجه أبو داود (٣٥٣٠)، وابن ماجه (٢٢٩١) من حديث جابر بن عبد الله، واللفظ له.]] فالمراد بذلك المنافع، أو أن المراد بذلك المبالغة؛ لأن هذا الرجل لما جاء يشكو إلى الرسول ﷺ أن أباه اجتاح ماله -يعني: أخذه- قال له: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ»، فيكون هذا إما من باب المبالغة أو أن منافعك لأبيك كما أن مالك لأبيك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز وصف الإنسان بما يكره إذا كان المراد مجرد البيان، لا القدح والعيب؛ لقوله: ﴿وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ [آل عمران ٤٠]؛ لأنك لو وصفت المرأة بأنها عاقر لكرهت ولّا سرت؟ كرهت، معلوم، لو تقول لها: أنت لك أربعين سنة ربت، نعم كيف عاد تقول: أنت عاقر، لكن إذا كان المراد بيان الأمر على وجهه دون العيب والقدح فإن هذا لا بأس به، ودليل ذلك أن رسول الله ﷺ قال: «أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ الْعَصَا عَنْ عَاتِقِهِ»[[أخرجه مسلم (١٤٨٠ / ٣٦) من حديث فاطمة بنت قيس. ]]، لكن هذا من باب المشورة، ولكن لم يقصد الرسول ﷺ أن يعيب الرجل، بل قصد أن يبين حاله ليكون الإنسان معه على بصيرة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات فعل الله؛ لقوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠].
ومذهب أهل السنة والجماعة إثبات أفعال الله الاختيارية المتعلقة به والمتعدية إلى غيره، أفعال الله الاختيارية يعني التي تقع باختياره، ولا شيء يقع من أفعال الله إلا باختياره، لكن منها شيء متعلق به مثل الاستواء والنزول والضحك والفرح، وأشياء متعلقة بغيره، مثل: الخلق، فإن الخلق يتعدى إلى الغير، فأهل السنة والجماعة يثبتون النوعين: الفعل الخاص به عز وجل الذي لا يتعداه إلى غيره، والفعل الذي يتعداه إلى غيره، ويقولون بلا شك: إن الرب الذي يفعل ما يشاء أكمل من الرب الذي لا يستطيع الفعل.
غالب الأشاعرة إن لم أقل: كل الأشاعرة والمعتزلة ومن ضاهاهم يقولون: إن الله ليس له أفعال اختيارية؛ لا يستوي، ولا ينزل، ولا يجيء، ولا يضحك، ولا يفرح، ولا يحب، ولا يكره... إلى آخر ما يقولون في نفي الأفعال الاختيارية.
علتهم أوهى من أي علة كانت، العلة قالوا: لأن الحوادث لا تقوم إلا بحادث، والله عز وجل أزلي أبدي، فيقال لهم: أولا: من قال لكم هذا: إن الحوادث لا تكون إلا بحادث، من قال هذا؟! عندكم بذلك وحي، أو مجرد قياس عقلي فاسد ذكرتموه؟!
الحقيقة أن هذا قياس عقلي فاسد؛ فإن الحوادث لا يلزم ألا تقوم إلا بحادث؛ لأنه من المعلوم أن المحدث سابق على الحدث، وإذا كان المحدث سابقا على الحدث لم يلزم أن يكون المحدث حادثا؛ أنت الآن تأكل الغداء اليوم، والغداء اليوم بالنسبة لك حادث متى؟ وقت حدوثه، وأنت موجود من قبل، فالرب عز وجل يفعل الأفعال هذه في وقت فعلها، وهو لم يزل موجودا، لكن على زعمكم أنتم وعلى مذهبكم الباطل يلزم أن يكون الله سبحانه وتعالى لا يفعل أي فعل، معطلا عن الأفعال، وهذا عيب ولّا كمال؟ عيب؛ لأن من يفعل أكمل ممن لا يفعل باتفاق الناس، وليس يعتري الله عز وجل من إثبات الفعل في حقه أي نقص بأي وجه من الوجوه.
والآيات كثيرة في إثبات فعل الله ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠]، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [البروج ١٦]، ﴿وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ [إبراهيم ٢٧]، والنصوص في هذا كثيرة ولله الحمد، وأهل السنة والجماعة يؤمنون بها.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق الجمع على الواحد، أو ما يصلح؟ قوله: ﴿قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ من القائل؟ الله؟ إن كان هو الله فهذه الفائدة لاغية، وإن كانت الملائكة فهذه الآية تدل على أن القائل واحد وأن قوله: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ [آل عمران ٣٩] يعني واحدا منهم، وقد سبق في التفسير الخلاف في ذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المشيئة لله عز وجل؛ لقوله.
* طالب: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: وأين؟
* الطالب: ﴿مَا يَشَاءُ﴾.
* الشيخ: ﴿مَا يَشَاءُ﴾ صح، ولكن كل شيء قيده الله بالمشيئة فهو؟
* طالب: فهو بحكمة.
* الشيخ: مقرون بالحكمة، ما دليلك على هذا؟
* طالب: قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠].
* الشيخ: نعم فقال: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، فدل على أنه لا يشاء إلا ما تقتضيه الحكمة، وهو كذلك.
إذا قال قائل: يشكل على هذا: أن الله قد شاء الخير والشر، فما الحكمة من الشر؟ تأملوها إلى الدرس القادم إن شاء الله تعالى.
* طالب: يا شيخ فيه فائدة (...) فأجاب دعاءه؛ لأنه قال: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ (...) الدعاء؟
* الشيخ: إي نعم يقول: فيها فائدة سرعة إجابة الله تعالى الدعاء؛ لقوله: ﴿فَنَادَتْهُ﴾ فإن الفاء تدل على الترتيب والتعقيب. وعند محمد الواصل فائدة هنا، ما هي؟
* الطالب: في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ﴾ جواز إطلاق الكلمة الواحدة على الكلام الكثير؛ لأن يحيى عليه الصلاة والسلام ليس مصدقا بكلمة واحدة، وإنما مصدق بجميع كلام الله عز وجل.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي صدق بها يحيى؟
* الطالب: الكلمة التي صدق بها؟
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...) في قصة عيسى.
* الشيخ: ما هي الكلمة التي في قصة عيسى؟
* الطالب: نسيتها، هي الآية التي في سورة آل عمران.
* طالب: نقول يا شيخ: الكلمة فعلا كلمة؛ لأن الكلمة هي: ﴿كُنْ﴾.
* الشيخ: صحيح، يقول: إن الكلمة هي قوله تعالى في عيسى: ﴿كُنْ﴾ لكن إطلاق الكلمة على الكلام هو الأصل في اللغة العربية؛ أن الكلمة يراد بها الكلام ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠] كم قال من كلمة هو؟ أربع كلمات، أربع جمل أيضا هو قائلها، وقال النبي ﷺ: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦ / ٣) من حديث أبي هريرة. ]].
(ألا كل شيء ما خلا الله باطل) كلمة ولّا كلمات؟ كلمات، فقول ابن مالك رحمه الله:
............................. ∗∗∗ وَكِلْمَــــةٌ بِهَــــا كَــــلَامٌ قَــــدْيُــــــــــــــــــــــــؤَمْ
يعني باصطلاح النحويين، لا بمقتضى اللغة العربية، اللغة العربية لا تطلق الكلمة إلا على الكلام المفيد، لكن النحويون رحمهم الله أطلقوا الكلمة على القول المفرد.
* طالب: جزاكم الله خيرا، فيه بعضهم يقول: إن من يأكل الربا إنه لا يدعو الله لأنه لا فائدة من دعائه، لأنه لو دعا لن يجاب له (...)؟
* الشيخ: إيه، والله مشكل كأنه كبير، أقول: هذا مشكل يعني: مشكل حقيقة، هذا مشكل، لكن الرسول ﷺ استبعد ولم يقل: إنه مؤكد، قال: «أَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ»[[أخرجه مسلم (١٠١٥ / ٦٥) من حديث أبي هريرة. ]] يعني استبعد الإجابة، ليس معناه أنه قطعا لا يجاب، ولكن الذي يأكل الربا نقول: هل تحب أن الله يغفر لك؟
* الطالب: سيقول: نعم.
* الشيخ: يقول: نعم لكن ما أنا بداع والله ما يجيبني، نقول: اترك الربا، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله في الرجل العاصي بسفره إذا اضطر إلى الميتة إما أن يأكل منها أو يموت؟ قالوا: يموت ولا يأكل منها، ولكن الله ما أحل الميتة للمضطر؟ هم يقولون: لا يمكن، ولا تحل له، وأيش يسوي؟ يموت؟ قالوا: يموت، لكن هنا شيء قبل الموت يقدره وهو أن يتوب، نقول: تب وكل، إذا كنت قاطعا تذكرة لتروح لبلد تفجر به الغِ التذكرة وكل.
يصلي ركعتين الرباعية ولّا ما يصلي؟ ما يصلي ركعتين الرباعية، فيه خلاف على كل حال القائلين بأنه لا يجوز، قال: وأيش أسوي يا جماعة أنا مسافر؟ نقول: تب وصل ركعتين.
كاد يهلك من العطش في رمضان وهو مسافر وقال: هل أفطر؟ ماذا نقول له؟ لا تفطر، قال: يا جماعة، أنا مت من الظمأ، نقول: مت. وأيش الطريق؟
طلبة: تب إلى الله.
* الشيخ: نقول: تب واشرب.
* طالب: يا شيخ يقال لهم: تب وبعدين ادع؟
* الشيخ: إي نعم يقول: تب وادع الله.
* طالب: شيخ، أحسن الله إليكم، بعض الناس -أحسن الله إليكم- إذا دخل المسجد والناس يتسننون في المسجد يسلم عليهم، علما كثير من الناس تخفى عليه (...) الرد بالإشارة، وبعض الناس إذا دخل على مكان خالٍ كغرفة أو ما شابه ذلك ما فيه أحد سلم وقال: أنا أسلم على الملائكة؟
* الشيخ:كلاهما لا أصل له، لكن السلام على المصلي لا بأس به أحيانا؛ لأن الصحابة كانوا يفعلون هذا مع النبي ﷺ ولا ينهاهم.
* طالب: شيخ، لكن الناس ما يعرفون ما يردون..؟
* الشيخ: على كل حال أحيانا لا يجعله دائما.
* * *
* طالب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾ [آل عمران ٤١ - ٤٤]
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. أظن بقي علينا فوائد من؟
* طالب: إن الله شاء الخير والشر..
* الشيخ: إي نعم، إثبات المشيئة لله في قوله: ﴿كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٤٠] وبينا أن المشيئة المطلقة مقيدة بالحكمة؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠]، ليست مجرد مشيئة ولكنها مشيئة مقرونة بالحكمة. وذكرنا أنه يستفاد من العموم ﴿مَا يَشَاءُ﴾ الشمول للخير والشر، ولكن الشر لا يضاف إلى الله؛ كما قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) من حديث علي بن أبي طالب. ]]، ولهذا جاء في الثناء على الله: «بِيَدِهِ الْخَيْرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٢٨)، وابن ماجه (٢٢٣٥) من حديث عمر بن الخطاب. ]]، ولم يقل: والشر؛ لأن الشر لا ينسب إليه، وإنما الشر في المفعولات البائنة منه، أما فعله نفسه -يعني نفس الفعل- فليس فيه شر؛ لأن الله لا يفعل شيئا فيه شر إلا لخير، فمثلا الشر يشاؤه الله عز وجل ومشيئته له ليست شرا، بل هي خير، لوجوه متعددة؛ الأول: أنه لا يمكن أن يتبين الخير إلا إذا وجد الشر، إذ لا تتبين الأشياء إلا بضدها، ولو كانت كل مفعولات الله خيرا ما عرف الشر، ولا وجد الشر أصلا، فلا يتبين الخير وخيريته إلا بوجود ما يقابله وهو الشر، هذه من الحكمة.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences