Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:1–5, continued
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: ٥ - ٧].* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، الظاهر أننا لم نناقش ولم نأخذ فوائد.قال الله تبارك وتعالى: نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَلماذا قال في القرآن: نَزَّلَ، وفي التوراة والإنجيل: أَنْزَلَ؟* طالب: لأن القرآن نزل بالتدريج، ما نزل جملة واحدة؛ لذلك قال في القرآن: نَزَّلَ، وقال في الإنجيل والتوراة: أَنْزَلَ؛ لأن الإنجيل والتوراة نزلتا جملة واحدة.* الشيخ: أحسنت.قوله: بِالْحَقِّ؟ معنى بالحق؟* طالب: معنى بالحق أي: نزّله، ما أدري.* طالب: إن الباء لها معنيين، تحتمل وجهين: أولًا: تحتمل الاشتمال، أي: أن النزول كان بالحق ولم يكن بالباطل.* الشيخ: يعني: أن ما جاء به فهو حق، صِدق في الأخبار وعدل في الأحكام.* الطالب: والوجه الآخر: أن نفس النزول نزولًا كان بالحق.* الشيخ: كان حقًّا ولم يكن كذبًا، كذا؟ صح، يعني: هو حق نازل من عند الله، وما جاء به واشتمل عليه فهو حق أيضًا.قوله: هُدًى لِلنَّاسِوأيش إعراب هُدًى؟* طالب: (...).* الشيخ: أي لأجل هداية الناس.قوله: وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ، ما المراد بها؟* طالب: الفرقثان هو ما يفرق به بين الحق والباطل.* الشيخ: لكن المراد به القرآن أو غيره؟* الطالب: جميع الكتب.* الشيخ: كل الكتب، إذن فالفرقان هنا وصف وليس شخصًا عينًا، نعم.قوله: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ، ما مناسبتها لما قبلها؟* طالب: بعدما ذكر الفرقان، والفرقان يميز به الباطل والحق وبين الكفر والإيمان، ثم فصل الذين كفروا والذين آمنوا.* الشيخ: يعني: لما ذكر أن هذه الكتب هدًى وفرقان ذكر انقسام الناس إلى كفر وإيمان، فذكر حكم الكافرين.قوله: وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ، العزيز؟* طالب: العزيز الغالب.* الشيخ: فقط؟* الطالب: (...)* الشيخ: العزيز ذو العزة، والعزة؟* الطالب: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع.* الشيخ: نعم، معنى عزة القدر؟* طالب: (...) قدرة؟* الشيخ: أو ما معنى القدر، عزة القدر؟* الطالب: ذو قدر عظيم.* الشيخ: يعني: ذو قدر عظيم، والقدر يعني: الشرف والسؤدد وما أشبه ذلك.عزة القهر؟* طالب: أنه سبحانه وتعالى هو القاهر فوق عباده.* الشيخ: قاهر لا يغلب، بل هو الغالب.الثالثة: عزة الامتناع؟* طالب: أنه يمتنع عليه كل وصف لا يليق بجلاله.* الشيخ: أنه يمتنع عليه كل عيب ونقص.قوله: ذُو انْتِقَامٍمعناها؟* طالب: (...)* الشيخ: نعم؟* طالب: أي صاحب انتقام.* الشيخ: أي صاحب انتقام، هل هذا يدل على أن الانتقام لله وصف مطلق؟* طالب: لا، وإنما مقيد.* الشيخ: أنه ذو انتقام في محله؛ ولهذا جاءت نكرة، قال: ذُو انْتِقَامٍ.انتقام ممن؟* الطالب: من المجرمين.* الشيخ: من المجرمين، أحسنت. نرجع الآن إلى الفوائد.* من فوائد الآيات الكريمة السابقة، أولًا: إثبات ألوهية الله عز وجل؛ لقوله: اللَّهُ، والثاني: انفراده بهذه الألوهية في قوله: لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.* ومن فوائد الآية: إثبات اسمين من أسماء الله: الْحَيُّ الْقَيُّومُ، وقد ورد أنهما اسم الله الأعظم ، لاشتمالهما على كمال الذات والصفات والأفعال، كذا؟* ومن فوائد الآية: إثبات حياته وقيوميته، من أين تؤخذ؟* طالب: اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ.* الشيخ: بس هذه الحي القيوم، ونحن قلنا: إثبات حياته وقيوميته؟* الطالب: الحي معرف عامة.* الشيخ: كل اسم فإنه متضمن للصفة، كذا؟ وقد يتضمن أمرًا زائدًا وهو الحكم الذي يسمى الأثر، أليس كذلك؟* من فوائد الآية الكريمة: أن كل شيء مفتقِر إلى الله، وأن الله غني عما سواه، وجه ذلك: لأن كمال حياته يستلزم غناه عن كل أحد، وكمال قيوميته يستلزم افتقار كل شيء إليه، وهو كذلك، قال الله تعالى: وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ [الروم: ٢٥]، وقال تعالى: أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ.أما الآية التي بعدها فمن فوائدها: إثبات علو الله؛ لقوله: نَزَّلَوأَنْزَلَ، والنزول لا يكون إلا من أعلى.* ومن فوائدها: أن القرآن الكريم منزَّل؛ لقوله: نَزَّلَ عَلَيْكَ، وهل كونه منزَّلًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؟ لا، مجرد كونه منزَّلًا لا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الله قد ينزِّل المخلوق، وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا [ق: ٩]، والماء مخلوق، أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً [الرعد: ١٧]، والماء مخلوق، لكن بالنظر لكون القرآن كلامًا يستلزم أن لا يكون مخلوقًا؛ لأن الكلام صفة المتكلم، وصفة الخالق غير مخلوقة، إذن فيؤخذ كون القرآن غير مخلوق أنه نزل من عند الله وهو كلام، والكلام صفة المتكلم، والصفة تابعة للموصوف.ومن فوائد الآية الكريمة: فضل رسول الله ﷺ وميزته؛ لقوله: عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ.ولكن قد يرِد علينا: أن الله سبحانه وتعالى قد يضيف الإنزال إلى الناس، كما قال تعالى في سورة آل عمران: قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ [آل عمران: ٨٤]، وفي آية البقرة: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ [البقرة: ١٣٦]، فالجواب أن نقول: هو أُنزِل إلى الرسول مباشرة، وإلينا بواسطة، بواسطة الرسول ﷺ، هو الذي بلّغه إلينا، ومعلوم أن الأصل أشرف من الفرع.ومن فوائد الآية الكريمة: أن هذا الكتاب الذي أنزله الله على محمد ﷺ مشتمل على الحق؛ لقوله: بِالْحَقِّ، فقد جاء بالحق ونزل به، قال الله تعالى: وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ [الإسراء: ١٠٥].فما نوع الحق الذي نزل به القرآن؟ نقول: ما في القرآن إما أخبار وإما أحكام، فالحق في الأخبار الصدق، والحق في الأحكام العدل، كما قال الله تعالى: وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا [الأنعام: ١١٥]، إذن نقول: القرآن كل ما فيه من الأخبار فهو صدق، وكل ما فيه من الأحكام فهو عدل.هل يشمل ذلك: أن هذه الأخبار وهذه الأحكام نافعة مُصلِحة للخلق؟ الجواب: نعم، قال الله تعالى: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ [يوسف: ٣]، وقال: لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ [يوسف: ١١١]، فكل ما فيه من الخبر فهو نافع، وكل ما فيه من حكم فهو أيضًا نافع متضمن للمصالح ودفع المفاسد.* ومن فوائد الآية الكريمة : أن القرآن نفسه حق، من أين يؤخذ؟ من قوله: بِالْحَقِّ، يعني: أنه نزل نزولًا بحق ليس نزولًا كذبًا باطلًا.* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة القرآن؛ لوصفه بالحق نزولًا وتضمنًا؛ ولوصفه بالتصديق لما بين يديه، أنه مصدق لما بين يديه من كل الكتب؛ لقوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ.* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن هذا القرآن قد أخبرت عنه الكتب السابقة، من قوله: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ لأنه أحد الوجهين في كلمة مصدق.* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز التعبير بما يخالف الظاهر إذا دل عليه السياق، في قوله: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؛ إذ قد يقول قائل: ليس للقرآن يد، فكيف يصح أن يقول: لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ؟ نقول: صحيح أن القرآن ليس له يد، ونحن لا نقول: إن لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِأن القرآن له أيدي، أو له يدان، وأنه صدّق ما بين يديه، لكن نقول: إن الكلمة إذا دلت على معناها في سياقها وإن كان يخالف أصل الوضع، وقد سبق أن المراد لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ: ما سبقه، ما سبقه من الكتب.* من فوائد الآية الكريمة: أن التوراة النازلة على موسى، والإنجيل النازل على عيسى عليهما الصلاة والسلام حق؛ لقوله: وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ.* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن التوراة والإنجيل قد نُسِخا بالقرآن، (...) هل يمكن أن نقول: مِنْ قَبْلُتشير إلى أن هذين الكتابين قد مضى عهدهما وانقضى؟ على كل حال في المسألة ثقل، أو في الاستدلال بهذا على ما قلناه ثقل، يعني: أننا لا نجزم بذلك، لكن لنا دليل من غير هذه الآية، وهو ما في سورة المائدة، حيث قال الله تعالى: مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ [المائدة: ٤٨].* ومن فوائد الآية الكريمة: رحمة الله عز وجل بعباده، وعنايته بهم، حيث كان ينزل الكتب على رسله هدًى للناس، أليس كذلك؟* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الحكمة لله تعالى في أحكامه الشرعية كما تثبت في أحكامه الكونية؛ لقوله: هُدًى لِلنَّاسِ؛ لأننا ذكرنا أن هُدًىهذه مفعول لأجله، أي: من أجل ذلك، ففيها إثبات الحكمة لله، وهو كذلك، ومن أسماء الله تعالى: الحكيم، وهو ذو الحكمة، والحكمة هي إصابة الصواب، وإن شئت فقل: وضع الشيء في موضعه، وإن شئت فقل: إتقان الشيء وإحكامه، والتعبيرات كلها تنصب إلى أن فعل الله عز وجل، أو إلى أن حكم الله الكوني والشرعي كله مشتمل الحكمة.فإن قال قائل: إذا أثبت لله حكمة ووقع من أفعال الله أو من شرع الله ما لا نعلم له حكمة، أو ما نظن أن الحكمة في خلافه، فما هو الجواب؟ فالجواب: أننا إذا ظننا أن هذا ليس له حكمة، فليس ذلك إلا لقصور فهمنا، عجزنا عن إدراك الحكمة، وإذا ظننا أنه على خلاف الحكمة، فما ذاك إلا لسوء فهمنا، فالذي يظن أنه ليس له حكمة قاصر الفهم، والذي يظن أنه على خلاف الحكمة سيئ الفهم، أما سليم الفهم والذي يعطيه الله تعالى فهمًا، فستتبين له الحكمة، ومع ذلك لا يمكن أن ندرك كل وجوه الحكمة، أبدًا؛ لأن حكمة الله عز وجل لا تدرَك غايتها، والإنسان بشر ناقص، وكم من أشياء أو كم من أحكام شرعية تظن أن حكمتها كذا وكذا، ثم يتبين لك أن لها حكمًا أخرى، أو ربما يتبين لك أنه ليس هذه هي الحكمة، بل الحكمة شيء آخر، إنما يجب عليك أن تؤمن بأنه ما من حكم لله كوني أو شرعي إلا وله حكمة.فإن قلت: يلزم على قولك هذا أن تذهب مذهب المعتزلة في وجوب الصلاح أو وجوب الأصلح، يعني: إذا تعارض فعلان أحدهما أصلح من الآخر، فهل يجب على الله أن يفعل الأصلح؟ إن قلت: لا، منعت الحكمة، وإن قلت: نعم، ففيه إشكال.فيقال: أولًا: قد تظن أن هذا هو الأصلح وليس الأصلح، ولنضرب لهذا مثلًا: نحن نظن أن الأصلح نزول الغيث، وخصب الأرض، أليس كذلك؟ فإذا امتنع المطر وأجدبت الأرض، فقد يكون هذا هو المصلحة، أليس كذلك؟ ونحن لا نفهم، إذن لا يمكن أن نقول: يجب على الله كذا؛ لأنه الأصلح، إذ قد يكون ما قلنا: إنه الأصلح، هو الأفسد، أليس هكذا؟ثانيًا: إذا تحققنا أنه الأصلح، فإنه يجب بمقتضى الحكمة لا بمقتضى العقل، فنحن لا نوجب على الله بعقولنا، والعقل لا يوجب على الله شيئًا؛ لأنه مخلوق ناقص، فلا يوجب على الكامل الأزلي الأبدي شيئًا، فإذا وجب فعل الأصلح، فإنما الذي أوجبه على نفسه، مَن؟ الله، قال الله تعالى: كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [الأنعام: ٥٤]، كتب عليه هو الذي أوجب، وقال: إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى [الليل: ١٢]، فأوجب على نفسه أن يهدي الناس ويدلهم، كذا؟ إذن نحن نقول: إذا ثبت أن هذا هو الأصلح، فقد وجب على الله بمقتضى حكمته وإيجابه على نفسه لا بمقتضى عقولنا وإيجابنا عليه، وبهذا ننفك عن قول المعتزلة الذين يرون أن العقل هو الذي يوجب الشيء، أو الذي يمنع الشيء، أو الذي يقبِّح الشيء، أو الذي يحسِّن الشيء، واضح؟من ذلك مثلًا: البيان للخلق، بيان الشرائع للخلق وما يجب عليهم نحو ربهم، وما يجب عليهم نحو عباد الله، هذا واجب على الله ولَّا لا؟ نعم واجب على الله بمقتضى الحكمة، إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى، عَلَيْنَاوعلى تفيد أيش؟ تفيد الوجوب.* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هداية القرآن نوعان: عامة، وخاصة، فالعامة مثل هذه الآية: هُدًى لِلنَّاسِ، والخاصة مثل قوله: هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة: ٢]، فما هو الفرق؟ الفرق: أن الهداية التي بمعنى الدلالة عامة، والهداية التي بمعنى التوفيق والاهتداء هذه خاصة، خاصة بالمتقين، فالهداية التي تتضمن الاهتداء هذه للمتقين، وأما التي تتضمن البيان والإيضاح فهذه للناس عامة؛ لقول الله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء: ١٦٥].* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الكتب كلها فرقان، تتضمن الفرق بين الحق والباطل، وبين الصدق والكذب، وبين المؤمن والكافر، وبين الضار والنافع، كل ما يمكن أن يكون فيه الفرق، فإن الكتب تفرقه.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يمتنع أن تجمع الكتب السماوية بين متفرقين، أو أن تفرق بين متماثلين أبدًا؛ لأن الفرقان هو الذي يفرق بين شيئين مختلفين، أما شيئان لا يختلفان فلا تفريق بينهما.ومن هنا يمكن أن نأخذ –يعني: يتفرع على هذه الفائدة- إثبات القياس؛ لأن القياس إلحاق فرع بأصل في حكم لعلة جامعة، فهو جمع بين متماثلين، وعدم الأخذ بالقياس تفريق بين متماثلين، والكتب السماوية كلها فرقان.* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه كلما اهتدى الإنسان للفروق كان أعظم اهتداء بالكتب المنزلة من الله، كذا؟ كلما اهتدى للفروق كان أعظم اهتداء للكتب المنزلة من السماء؛ لأن الكتب كلها فرقان، فمثلًا: إذا كان الإنسان يفرق بين الشرك الأصغر والأكبر، وبين النفاق الاعتقادي والعملي، وبين الكفر الأكبر والأصغر، وبين أشياء الحلال والحرام، كان أشد اهتداء بالكتب، ممن؟ ممن لا يفرق، أليس كذلك؟ربما يؤخذ من هذا أيضًا الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء بمعرفة الفروق، بمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقهكما يؤخذ من هذا أيضًا: الإشارة إلى أنه ينبغي الاعتناء لمعرفة الفروق بين الأشياء المتشابهة، وهذا شيء، أو هذا فن أخذ به بعض أهل العلم، ولا سيما في كتب الفقه، مثلًا يقول: أنا أذكر الفروق بين البيع والإجارة، بين الإجارة والجِعالة، بين الرهن والضمان، بين الضمان والكفالة، بين الفرض والتطوع، وهذه من فنون العلم الشريفة التي ينبغي لطالب العلم أن يعتني بها، كذلك في العقائد والتوحيد يفرق بين الشرك الأكبر والأصغر؛ رجل حلف بغير الله نقول: هو مشرك، ورجل عبد صنمًا نقول: هو مشرك، لكن بينهما فرق عظيم، العابد للصنم شركه أكبر، والحالف بغير الله شركه أصغر، إلا أن ينضاف إلى حلفه بغير الله جعله المحلوف عليه كالله تعالى في التعظيم، فحينئذٍ يكون شركًا أكبر لا من حيث القسم، ولكن من حيث إنه جعل رتبة المحلوف به كرتبة الخالق.
* من فوائد الآية الكريمة: بيان عقوبة الكفار، وهو العذاب الشديد، وذكر عقوبة الكافر يستلزم التحذير من الكفر، فيكون في هذا فائدة متفرعة عن الأولى: التحذير من الكفر، كذا؟
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أن الناس ينقسمون إلى قسمين: كافر له العذاب الشديد، ومؤمن له الثواب الجزيل؛ لأنه إذا ذُكر عقوبة الضد فإن ضده يثبت له ضد تلك العقوبة، ولهذا لما قال رسول الله ﷺ: «وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي الْحَرَامِ أَكَانَ عَلَيْهِ وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» »[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) من حديث أبي ذر.]]. وقد يكون هذا من جملة الفرقان الذي يحصل، حيث نفرق بين الكفار وبين المؤمنين، فكما اختلفوا وتفرقوا في أعمالهم فإنه يلزم أن يفترقوا في ثواب تلك الأعمال.
* طالب: يا شيخ، مثلًا الأشياء التعبدية؟ يعني (...) نعلم أن الله له فيها حكمة، ولكن نحن ما ندري ما الحكمة.
* الشيخ: إي نعم، هذا لقصور أفهامنا، يعني مثلًا كون الصلاة أربعًا، وأربعًا، وثلاثًا، وثنتين، لم تكن ستًّا أو ثمانيًا أو ما أشبه، ذلك صحيح، هذه العقل ما له فيه مجال، ولا يمكن، لكن لا نقول: إنه ليس فيه حكمة، لا بد من حكمة لكن غير معلومة لنا.
* الطالب: إيه، لكن كل من وُفّق يعني يعلم الحكم، ولكن كثير من العلماء ومن الناس ما يعرف حكمة هذه؛ لأنها تعبدية.
* الشيخ: نادر، يعني نادر الأشياء اللي ما تبلغه عقول كل الناس، هذا نادر.
* الطالب: مثلًا الوضوء ومسح الرأس ما نعلم له حِكمة؟
* الشيخ: لا، نعلم له حكمة، كيف؟! له حِكمة ظاهرة.
* الطالب: وأيش الحكمة؟
* الشيخ: لأن غسل الرأس يُؤذي.
* الطالب: لا، المسح.
* الشيخ: أقول: لأن غسل الرأس يؤذي، لو غسل الإنسان رأسه وفيه الشعر، ولا سيما في أيام الشتاء يتأذى كثيرًا، ثم لو غسل أيضًا، الرأس عالٍ على كل شيء بيتناثر الماء على كل بدنه وثيابه.
* الطالب: ما يستفيد يعني؟
* الشيخ: من اللي ما يستفيد؟
* الطالب: ها الإنسان.
* الشيخ: المسح؟
* الطالب: من المسح.
* الشيخ: لا، يستفيد تعبد لله.
* الطالب: إيه، صح، تعبُّد.
* الشيخ: إذن هو تطهير، وليس الغرض أيضًا من الوضوء مجرد التطهير الحسي؛ لأنك تغسل يديك مثلًا بعد الطعام غسلًا بالصابون، ثم إذا أردت تتوضأ تغسلها ثلاثًا مع أنك الآن غسلتها.
* طالب: شيخ، أنزل القرآن أحيانًا يأتي التعبير مثلًا بـ ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ﴾ [البقرة ٩٩]، وأحيانًا يعني ﴿أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ﴾ [النحل ٦٤] يعني: أنزل ونزَّل، إليك وعليك، ما الفرق؟
* الشيخ: إيه، هو للتنوع مثلًا: ﴿أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [النساء ١٠٥]، ﴿أَنْزَلْنَا﴾ باعتبار آخر نزول؛ يعني نزوله جملة، أنزله كله؛ يعني إن كان هذا آخر ما نزل فواضح أنه تم القرآن كله، إذا كان ما هو آخر ما نزل فباعتبار أنه سيكمُل؛ لأنه إذا كمل كله صار كأنه نازل جملة واحدة؛ لأن جملة الآن كلها نزلت، وأما ﴿إِلَيْكَ﴾ فهي تفيد الغاية، يعني أن نهاية الإنزال إلى الرسول، وأما ﴿عَلَيْكَ﴾ فهي تفيد العلو والاستقرار، ولهذا قال: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء ١٩٣، ١٩٤] وهي أبلغ من إليك؛ لأنها إذا وصلت حتى استقرت في القلب صارت أبلغ.
* طالب: أقول: المسلم الذي لا يمكنه، يعني ما وصل عِلمه إلى أن يفرق بين الحكمة من حِكم رب العالمين، أليس الأحوط له أن يؤمن بأن كل ما فعله رب العالمين فهو -يعني- حكمة؟
* الشيخ: هذا واجب، أن نؤمن بأن كل ما فعله -يعني- أو شرعه فهو لحكمة، لكن أحيانًا نفهمها وأحيانًا ما نفهمها، والمؤمن هو الذي يُسلِّم للأحكام الشرعية سواء علم الحكمة أم لا، أما الذي لا يؤمن إلا إذا علم الحكمة معناه ما آمن إلا بعقله، لم يؤمن بالشرع.
* طالب: يا شيخ، الحلف بغير الله، واحد حلف بغير الله بسبق اللسان يكون شرك أصغر؟
* الشيخ: كيف؟
* الطالب: واحد حلف بغير الله، لكن بسبق اللسان ما قصده، تعود؟
* الشيخ: لا، ليس عليه شيء ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة ٢٢٥]، و﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة ٨٩]، ولكن يجب أن يُنزّه لسانه عن القول المحرم، لما يبتغي يبتدئ يقول: والنبي، وقال له: لا تحلف بالنبي فإنه شرك. فيقول: والنبي لا أحلف بالنبي، هذا ما هو صحيح.
* طالب: شيخ، هل التوراة والإنجيل من كلام الله؟
* الشيخ: المعروف عند السلف أنها من كلام الله، لكن ما أذكر حتى الآن وصفهما بأنهما من كتاب الله، إنما وصفهما الله بأنها منزَّلة، وأنها كتب، أما كلام الله في هذا ما فيه إلا القرآن هو اللي صريح.
* الطالب: شيخ، بالنسبة لبعض الشباب، بالنسبة للحديث، يبحث عن حكمة لها فلا يجد، ولا أحد من السلف ما تكلم في حكمة فيها، فيقول: أنا لا أعمل بها؛ لأنه لا يوجد فيها حكمة.
* الشيخ: أعوذ بالله.
* الطالب: ماذا يعني؟
* الشيخ: هذا لا يجوز، هذا يُخشى أن يكون كافرًا، إذا كان لا يؤمن إلا بما اختاره عقله فهو لم يؤمن بالشرع.
* الطالب: لا، يقول: يعني حتى السلف العلماء والأئمة لم يجدوا لها حكمة.
* الشيخ: ما هو لازم أن يجدوا لها حكمة، الله عز وجل يقول: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء ٨٥] والإنسان يجب أن يتعبد لله، ما هو لنفسه.
* الطالب: شيخ، أحسن الله إليك، قولكم: إنه اختلف السلف في التوراة والإنجيل، هل هي كلام الله أوْ لا، أقول: ألا يلزم شخص؟
* الشيخ: لا، ما قلت السلف.
* الطالب: يعني مذهب السلف.
* الشيخ: قلت: إن السلف قالوا: إنها كلام الله غير مخلوق.
* الطالب: نعم، جزاك الله خيرًا، لكن أقول: يا شيخ، ألا يلزم من كونها مُنزَّلة أن تكون من كلام الله؟
* الشيخ: الله أعلم؛ لأن الله يقول: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف ١٤٥] وجاء في الحديث: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ[[أخرجه عبد الله في السنة (٥٧٦) عن زيد بن أسلم موقوف عليه، وفي صحيح مسلم (٢٦٥٢ / ١٥): «فَبِكَم وجَدْتَ الله كَتَبَ التَّوَراةَ قبلَ أنْ أخْلقَ؟». في حِجَاج آدم وموسى من حديث أبي هريرة.]]. فأنا أتوقف في هذا، لكن السلف كلامهم واضح، يقولون: إن التوراة والإنجيل من كلام الله، والزبور، لكن لا شك أنها منزلة من الله، هذا يجب الإيمان به، يكفي نؤمن بأنها نازلة من الله.
* * *
* طالب: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران ٥ - ٧].
* الشيخ: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ٤] سبق لنا أن العزة ثلاثة أقسام، فيستفاد من هذه الآية الكريمة إثبات اسم من أسماء الله فهو العزيز بالمعاني الثلاثة السابقة.
* ومن فوائد الآية: أن الله تعالى موصوف بالانتقام؛ لقوله: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، ولكنه ليس على سبيل الإطلاق، بل هو منتقم ممن يستحق ذلك، وهم المجرمون، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢]، ولهذا لم يرد من أسماء الله المنتقم على سبيل الإطلاق، وإنما الذي ورد مقيدًا ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، أو ورد صفة منكَّرة، مثل: ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾، أي صاحب انتقام، وهذا لا يؤدي إلى، أو لا يدل على الوصف المطلق أنه موصوف بالمنتقِم؛ لأن الانتقام يكون مدحًا في موضعه، وأما في غير موضعه فلا يكون مدحًا، فإذا كان الانتقام تقتضيه الحكمة صار ممدوحًا وإلا فلا.
طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١) وَآَتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء ١، ٢].
* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله تعالى: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾.
هذه السورة هي سورة النساء وهي مدنية، والمدني عند الجمهور ما نزل بعد الهجرة، والمكي ما نزل قبل الهجرة، فالمدني ما نزل بعد الهجرة ولو في غير المدينة، والمكي ما نزل قبل الهجرة ولو في غير مكة، وعلى هذا فالمدار في تعيين المكي والمدني إلى الزمن لا إلى المكان.
وقد ذكر العلماء رحمهم الله ضوابط للمكي والمدني وذكروا مميزات للمكي والمدني معروفة في علم أصول التفسير، من ذلك أن الغالب في الآيات المكية الغالب فيها القصر والقوة، قوة الأسلوب، وموضوعها في الغالب التوحيد وما يتعلق به.
3:5Page 50
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَخۡفَىٰ عَلَيۡهِ شَيۡءٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٥
Indeed, from Allāh nothing is hidden in the earth nor in the heaven.
ثم قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
هذه الجملة -كما نرى- خبرية مؤكدة بـ (إن)، وخبرها منفي ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، والخفاء ضد الظهور، وفيها (شيء) نكرة في سياق النفي فتعم كل شيء. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ متعلقة بـ﴿يَخْفَى﴾؛ يعني ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ لا في هذا، ولا في هذا، والمراد بالأرض والسماء: الجنس، فيشمل الأرَضين والسماوات جميعًا، في هذه الآية الكريمة يُخبر الله عز وجل بأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهي صفة سلبية المراد بها بيان كمال علمه؛ لأن الصفات المنفية لا يراد بها مجرد النفي كما مر علينا في العقيدة، وإنما يراد بها بيان كمال ضد ذلك المنفي، فإذا قال: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ لماذا؟ لكمال علمه لا يخفى عليه شيء، فالله عز وجل كامل العلم ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، والغرض من هذه الجملة تربية الإنسان نفسه في امتثال أمر الله واجتناب نهيه، وأنك لا تظن أن عملك يخفى على ال
له، بل هو معلوم له، فعليك أن تقوم بطاعته وتجتنب معصيته، لا تقل: أنا في بيتي، أنا في حجرة، أنا في غرفة لا يطلع عليَّ أحد؛ لأن الله مطلع عليك، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.
* من فوائد الآية الكريمة: التحذير من مخالفة الله، وكيف ذلك؟ خوفًا من أن يعلم بك بمخالفتك إياه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على القدَرية الذين يقولون: إن الله لا يعلم الشيء الذي يفعله العبد إلا بعد وقوعه، وهؤلاء غُلاتهم كما سبق.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى عالم بالكليات والجزئيات، مأخوذ من قوله: ﴿شَيْءٌ﴾ النكرة في سياق النفي، فيعُم كل شيء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأرض والسماء، وهذا أمر معلوم، لكن إذا قال قائل: وما سوى الأرض والسماء هل يخفى على الله؟ الجواب: لا، لكنه خص الأرض والسماء؛ لأنه هو المشهود لنا، فنحن لا نشهد إلا الأرض والسماء، وما عدا ذلك لا نعلمه إلا عن طريق الغيب، فذكر الأرض والسماء، هل يمكن أن نقول: إن من فوائد الآية أن صفات الله عز وجل إما منفية وإما مثبتة؟
الجواب: نعم، وهذا قد سبق لنا تقسيمه في التوحيد، وقلنا: إن صفات الله عز وجل إما مثبتة وإما منفية، فالمثبتة يسمونها ثبوتية والمنفية يسمونها سلبية. وقلنا: إن السلبية متضمنة للثبوت لا بد، ولكنه ينفى نقص ذلك الثابت، فلكمال علمه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences