Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:65–68

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:65–68, continued

أما الذي يجادل ولو فيما ليس له به إذا كان قصده إبطال الحق وإثبات الباطل فلا شك أنه مذموم، ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى ١٦].

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العلم لله عز وجل؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾، ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن المحاجة فيما ليس له به علم ليس عنده علم ولو حاج؛ لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ بل ليس عنده عقل أيضا، لأن المحاجة فرع عن العلم، فمن حاج بغير علم فلا عقل له، كما أنه لا علم عنده.

* ومن فوائد الآية: إثبات علم الله في الحاضر، ﴿يَعْلَمُ﴾ فعل مضارع، والأصل في المضارع أنه موضوع للحاضر والمستقبل، وربما يتمحض للماضي، وربما يتمحض للمستقبل، يتمحض للماضي إذا دخلت عليه (لم)، ويتمحض للمستقبل مع السين وسوف، يعني هذا على سبيل المثال، وإذا خلا فهو صالح للحاضر والمستقبل، فهنا يقول: ﴿يَعْلَمُ﴾ يعني أن علمه عز وجل مستمر دائم وأنتم لا تعلمون ﴿وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.

ثم قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ إلى آخره، من فوائد هذه الآية الكريمة: تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى أو من طريق اليهود والنصارى؛ لأننا ذكرنا أن الآية لها معنيان، فيها قولان، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس يتدين بدين اليهود؛ لأن دين اليهود من بعده، ولا بدين النصارى؛ لأن دين النصارى من بعده، كذلك أيضا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ليس كالنصارى واليهود يتعصبون لما هم عليه بحق أو بباطل، بل كان حنيفًا مسلمًا منقادًا لأمر الله، يأتمر بأمر الله وينتهي بنهي الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لمن لم يتصف بوصف أن يبين براءته منه، ولو كان هذا الوصف في أصله محمودًا، لكن إذا كان لم يتصف به فالواجب أن يبين؛ لأن الله نفى أن يكون إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا، مع أن اليهودية والنصرانية بعد بعثة موسى بالنسبة لليهودية وبعثة عيسى بالنسبة للنصرانية كانت حقا قبل أن تنسخ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم؛ لقوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، وجه الثناء عليه أنه وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي نوع من الشرك؛ لقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى ما اشتهر عند الناس من أن التخلية قبل التحلية، يعني البداءة بالنفي قبل الإثبات؛ لأن النفي تخلية والإثبات تحلية يعني: إثبات، فهنا بدأ بالنفي وهو ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا﴾ ثم أثبت في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾.

والظاهر أن هذا الترتيب موافق للطبيعة؛ لأنك تخلي الشيء مما يشينه أولا، ثم تضيف إليه ما يزينه، أنت عندما تريد أن تنظف ثوبا وسخا ماذا تصنع؟ أزيل الوسخ أولا، ثم أضيف ما يكون به الكمال، وفي الحديث؛ في حديث الاستفتاح: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ، اللَّهُمَّ نَقِّنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقَّى الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنَ الدَّنَسِ، اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ»[[متفق عليه؛ أخرجه البخاري (٧٤٤) من حديث أبي هريرة، وأخرجه مسلم (٥٩٨ / ١٤٧) من حديث أبي هريرة.]]. فالمباعدة ألا أمارس الذنوب والخطايا، والتنقية أن يزال هذا الأذى، والغسل أن يطهر وينظف، واضح الترتيب هذا؟ وأضرب مثلًا يتبين به: إنسان معه أذى يريد أن يضعه على بساط الصلاة، فأقول: لا تضعه، هذه مباعدة، أليس كذلك؟ مباعدة، ما يضعها، آخر جاء به فوضعه فقلت: انزعه، هذه تنقية. المرتبة الثالثة: لما نزعه قد يكون في مكانه أثر، أقول: اغسله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات، النفي في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا﴾، والإثبات في قوله: ﴿مُسْلِمًا﴾؛ لأن الحنيف هو المائل عن الشرك وعن كل دين يخالف الإسلام، والإسلام هو إثبات الاستسلام لله عز وجل، وأكد ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. التوحيد لا يتم إلا بإثبات ونفي، والعلة ظاهرة، التعليل ظاهر جدا؛ لأن النفي تعطيل، والإثبات بدون نفي لا يمنع المشاركة، والجمع بينهما إثبات مع نفي المشاركة.

نضرب مثلًا: إذا قلت: ليس هنا أحد قائم، هذا نفي، فيه إثبات ولّا ما فيه؟ إذا كان فيه أحد قائم الآن؟ ليس هنا أحد قائم، هذا تعطيل، يعني صفة القيام الآن معطلةلم يتصف به أحد.

إذا قلت: زيد قائم، هذا إثبات أن زيدا قائم، فأثبت القيام الآن لواحد من الناس، لكن هل هذه العبارة تمنع أن يكون غير زيد قائما؟ ما تمنع، قد يكون فيه واحد آخر غير زيد قائم، ولهذا إذا قلت أنا: زيد قائم، فقلت أنت: وعمرو قائم، هل يعتبر قولك هذا ردا على كلامي أو إضافة إلى كلامي؟ إضافة إلى كلامي. فإذا قلت: لا قائم إلا زيد، هذا فيه نفي وإثبات، حينئذ حصل التوحيد، صار المتفرد بالقيام من؟ هو زيد، فتبين أن لا توحيد إلا بنفي وإثبات، ولهذا هنا قال سبحانه وتعالى عن وصف إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإسلام إذا أطلق دخل فيه الإيمان، أو إذا أفرد دخل فيه الإيمان، وجهه أن الله وصف إبراهيم بالإسلام، وهو كذلك، فالإسلام إذا أفرد دخل فيه الإيمان، والإيمان إذا أفرد دخل فيه الإسلام، وإذا اقترنا افترقا، صار الإسلام علانية والإيمان في القلب.

في حديث جبريل اجتمعا فافترقا، ولهذا فسر النبي ﷺ الإسلام بشيء وفسر الإيمان بشيء آخر.

في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات ١٤] اجتمعا فافترقا، فصار الإيمان الذي ادعوه غير الإسلام الذي أثبته الله لهم ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.

في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات ٣٥، ٣٦] اجتمعا فافترقا، الإخراج لم يكن إلا للمؤمنين، لكن البيت بيت مسلمين، كيف هذا؟ الذي أخرج من؟ لوط وأهله إلا زوجته، إلا امرأته، فصار الذين أخرجوا هم المؤمنين الخلص. البيت يشتمل على أهله الذين آمنوا إيمانا خالصا، وعلى امرأته التي خانته، فهي مسلمة وليست مؤمنة، إذا البيت كله باعتبار الكل مسلم، ولهذا قال: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

وأما من زعم أن الإسلام هو الإيمان واستدل بالآية فقد أبعد النجعة؛ للفرق بين التعبيرين ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ولم يقل: من المسلمين قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.

إذن الإسلام هنا الذي في الآية الكريمة ﴿وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ يشمل الإيمان ولّا لا؟

* طلبة: يشمل.

* الشيخ: لماذا؟ لأنه أفرد.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على إبراهيم عليه الصلاة والسلام بأنه لم يكن فيه صفة من صفات المشركين، ولهذا قال: لم يكن من المشركين ولم يقل: لم يكن مشركا، فليس فيه صفة من صفات المشركين أبدًا، لا الشرك ولا غيره، وهكذا ينبغي لكل مؤمن ألا يتصف بأي صفة من صفات المشركين. فمثلًا: من صفات المشركين الشرك واضح، من صفات المشركين كراهتهم للتوحيد، ولّا لا؟ المشركون يكرهون التوحيد؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: نعم وينكرونه، ويقولون: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص ٥] فمن كره التوحيد وإن لم يكن مشركا ففيه من صفات المشركين، بل قد يكون كافرا.

ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨]. في الآية دليل على أن الأولويات تختلف، أي أن الناس يتفاضلون بالأولوية والولاية؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾، و(أولى) اسم تفضيل، والتفضيل يدل على مفضل وأيش؟ ومفضل عليه، ولا شك أن الولاية درجات، الولاية درجات، فأحق الناس بالولاية لإبراهيم من اتبعه، يعني القوم الذين اتبعوه في عهده؛ لأن القوم الذين اتبعوه في عهده اتبعوه في أصل الدين وفي فروع الدين، يعني في جليل الدين ودقيقه، اتبعوه، ولهذا قدم الذين اتبعوه على النبي والذين آمنوا؛ لأن النبي ﷺ والذين آمنوا لم يتبعوا إبراهيم في فروع الشريعة، بل ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة ٤٨]، لكن اتبعوه في أصل الدين والاستسلام له عز وجل، وإلا فلا شك أن النبي محمدًا ﷺ أفضل من الذين اتبعوا إبراهيم، بلا شك، بل وأتباع الرسول أفضل من أتباع إبراهيم.

* من فوائد الآية الكريمة: شرف النبي ﷺ ومن آمن معه، بكونهم أولى الناس بمن؟ بإبراهيم الذي تتنازعه الأمم، كل أمة تقول: أنا أولى به.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على اليهود والنصارى، حيث ادعوا أنهم أولى الناس بإبراهيم، فكذبهم الله.

من فوائدها: تشريف النبي ﷺ بالإشارة إليه من رب العالمين، في قوله: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾.

* ومن فوائدها: إثبات نبوة الرسول ﷺ، وهذا أمر لا شك فيه، وكل من وصف بالنبوة في القرآن فهو رسول، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ [النساء ١٦٣]، ثم قال في هؤلاء النبيين: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ [النساء ١٦٥] إذن فكل من وصف بالنبوة في القرآن فإنه رسول، بدليل آية النساء: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات ولاية الله للمؤمنين في قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وهذه الولاية كما قلنا آنفا ولاية خاصة، تقتضي عناية تامة، وكل من كان أكمل إيمانا فولاية الله له أكمل.

(كل من كان أكمل إيمانًا فولاية الله له أكمل) * هذه فائدة، من أين أخذناها؟

من قاعدة معروفة عند أهل العلم، وهي: أن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه، هذه قاعدة مفيدة: كل حكم معلق بوصف فإن هذا الحكم يزداد قوة بقوة الوصف الذي علق عليه الحكم. فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إلي؛ لأن المحبة علقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح ازدادت المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ علقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانا كانت ولاية الله له أتم وأخص.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقق إيمانه ويكمله بقدر استطاعته؛ من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليا.

نقول: الأمر سهل، حقق الإيمان يكن الله لك وليا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحب في الله وأبغض في الله ووالى في الله وعادى في الله فإنما تنال ولاية الله بذلك، هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل، لا للدنيا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾. وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة، والأسباب شرعية وعقلية وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة، هذا سبب شرعي ولّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي. العسل سبب للشفاء.

فإذا قلت مثلًا: أنا أحب الصالحين، معناه كل من كان أصلح فهو أحب إليّ؛ لأن المحبة عُلقت بالصلاح، فكلما ازداد الصلاح أيش؟ ازداد المحبة، ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران ٦٨] عُلّقت الولاية بالإيمان، فكلما كان الإنسان أقوى إيمانًا كانت ولاية الله له أتم وأخص.

* ويتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للإنسان أن يحقّق إيمانه ويكمّله بقدر استطاعته من أجل أن ينال ولاية الله؛ لأن كل إنسان في الحقيقة عاقل يسعى إلى أن يكون الله له وليًّا، نقول: الأمر سهل؛ حقق الإيمان يكن الله لك وليًّا، وكلما ازداد تحقيقك الإيمان ازدادت ولاية الله لك، وإلا فكلنا يطلب ذلك، ونسأل الله أن يجعلنا وإياكم من أوليائه، كلنا يطلب هذا، لكن بس حقق الإيمان، من أحبَّ في الله، وأبغضَ في الله، ووالى في الله، وعادى في الله فإنما تُنال ولاية الله بذلك هذه من أسباب الولاية أن يكون حبك وبغضك وكراهتك وعداوتك وولايتك لله عز وجل لا للدنيا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الأسباب، من أين يؤخذ؟ ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾، وجه ذلك أن الإيمان جعله الله سببًا لولاية الله، ولا شك أن الأسباب ثابتة.

والأسباب: شرعية، وعقلية، وحسية، فالأسباب الشرعية ما جعلها الله تعالى سببًا في القرآن، فمثلًا الإيمان سبب لدخول الجنة هذا سبب شرعي ولَّا لا؟ دخول الوقت سبب لوجوب الصلاة، هذا سبب شرعي، العسل سبب للشفاء، هو قدَري علمنا به من طريق الشرع؛ يعني من طريق الوحي، كون الماء سببًا لنبات الأرض المطر؟ سبب حسي.

* طلبة: شرعي حسي.

* الشيخ: نعم، هو أخبر الله به، لكن نحن نشاهد، لو فرض أنه ما في قرآن يدلنا على هذا شاهدنا بأنفسنا فهو سبب حسي.

الأدوية الطبيعية التي تستخرج بالتجارب أسباب حسية، أما الأسباب العقلية فهي كثيرة جدًّا، كل شيء يترتب على شيء عقلًا فهو أيش؟ سبب عقلي، والأسباب الشرعية والحسية والعقلية كلها مؤثرة بذاتها حيث أودع الله فيها التأثير.

وإنما قلت ذلك؛ لأن بعض الناس غالى في التنزيه فقال: إن الأسباب لا تؤثِّر بذاتها، وإنما يكون التأثير عندها لا بها، فقالوا مثلًا: إن الاحتراق بالنار ليس بالنار، لكن حصل الإحراق عند تماس النار بما يقبل الاحتراق حصل الاحتراق، أما النار ما هي بتحرق، لو جعلت النار تُحرق وتقلب الشيء مما كان عليه من أول لأثبتّ مع الله خالقًا وصِرت مشركًا، من اللي يقلب هذا العود إلى رماد؟

* طلبة: الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: يقول: ما يقدر على هذا إلا الله، أنت لو قلت: إن النار هي اللي قلبت أشركت بالله، إذن لا تقول: النار أحرقت، احترق عندها. أخذت حجرًا فرميتَ به كأس زجاج فانكسر قال: لا تقل إن الحجر هو اللي كسره، من يستطيع يفصل بين هذه الأجزاء المتلاصقة إلا الله، فأنت إذا قلت: إن الحجر هو اللي كسرها كنت مشركًا، فإثبات تأثير الأسباب شرك، قال: انكسر عندها لا بها، انكسر عندها عند الحجر لا بالحجر، سبحان الله حط حجرًا ثقيلًا جدًّا جدًّا على الزجاج ينكسر ولَّا لا؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: اضربوه بحجر صغير ينكسر، إذن كيف تقول: عندها؟ لو كان عندها كان لو حطينا حجرًا كبيرًا انكسر ولو ضربناه بحجر صغير ما ينكسر.

لكن نقول: الأسباب مؤثرة، لكن الله أودع فيها هذا التأثير، الله هو اللي أودع فيها هذا التأثير، لولا أن الله أودع فيها هذا التأثير ما أثرت، ولهذا لما ألقي إبراهيم في النار فقال الله لها: ﴿كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء ٦٩] أثَّرت؟ ما أثرت.

إذن عرفنا الآن أن الأسباب جعلها الله مؤثرة بذاتها ليست هي اللي تخلق أو خلقت بذاتها، ولكن الله أودع فيها هذه القوة التي يكون بها المسبَّب، واضح يا جماعة؟ وهذا هو المعقول، فنحن لا نغالي أيضًا في إثبات الأسباب ونقول: إن هذا يكون بدون الله ولا نغالي في التنزيه ونقول: إن الأسباب لا تؤثر، وإنما يحصل الأثر عندها لا بها، كلا الأمرين خطأ.

والوسط في الغالب يكون هو الحق؛ لأنك تجد المتطرفين كل واحد أخذ بجانب من الحق وترك جانبًا، والوسط يأخذ بالجانبين فيكون وسطًا.

* طالب: قلنا: إذا ازداد الإيمان ازدادت ولاية الله مثلًا (...) يقول: إن النبي ﷺ (...) تكرار شديد، كما قلنا أيضًا من زيادة الإيمان هو الحب في الله والبغض في الله، وبعدين ذكر في (...) أشياء لا يمكن للإنسان أن يزيد فيها ولا ينقص أن يؤمن بالله وملائكته؟

* الشيخ: لا، لا، لكن هل إيمان الناس بالله وملائكته وكتبه ورسله متساوٍ؟

* الطالب: لكن الآن ما أستطيع بالنسبة لي أنا كمؤمن فرداني شخص مؤمن بهذه الأمور كيف أزيد فيها؟

* الشيخ: لكن هل إيمانك مثل إيمان الثاني والثالث؟

* الطالب: لا، طبعًا لا.

* الشيخ: حتى إيمانك في يوم من الأيام ليس كإيمانك في يوم آخر.

* الطالب: لكن كيف أن أزيد فيها؟ الإيمان بالله.

* الشيخ: أنت تزيد فيها؛ يعني أحيانًا يأتي الإنسان مثلًا قوة إيمان كأنما يشاهد الأمر رأي العين وأحيانًا مع الغفلة ما يكون هكذا.

* طالب: هنا يقصد يا شيخ بالنسبة الآن قال النبي ﷺ حدد الأمور التي يؤمن بها؟

* الشيخ: طيب أن تؤمن بالله وملائكته إلى آخر الأركان الستة، هل الناس يتساوون في الإيمان بهذه الأمور الستة؟

* الطالب: لا يتساوون.

* الشيخ: إذن كلما قوي إيمانك بهذه ازدادت ولاية الله لك.

* الطالب: (...) الحب والبغض.

* الشيخ: نعم، الحب في الله لإيمانك بالله أحببت في الله.

* الطالب: يا شيخ، في الأسباب عندما يذهب أحد المرضى إلى المشعوذين نقول: إنه حصل الشفاء عنده لا به يعني بسببه، ما الفرق بين هذه وبين الأول؟

* الشيخ: لأن الله لم يجعل كلام المشعوذين سببًا، نقول: لا بد أن يشهد الشرع أو الحس أو العقل بأن هذا سبب، أما مجرد يجيء مشعوذ يتكلم عندنا ما نقبل، يعني لو أن واحدًا قال: أنا أدعو هذا الولي ويُستجاب لي، امرأة تقول ليست تحمل أبدًا وراحت لقبر هذا الولي وتمرغت عليه وأخذت منه ترابًا ووضعته في فرجها عند الجماع وأراد الله أن تحمل، نقول: حصل هذا بتراب هذا الولي؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: لأيش؟ لأن هذا ليس سببًا شرعيًّا ولا حسيًّا ولا عقليًّا، فلا بد من أن يثبت كون هذا الشيء سببًا، ولهذا كانت التمائم شركًا، لأيش؟ لأنها ليست سببًا حسيًّا ولا شرعيًّا ولا عقليًّا.

* الطالب: فيه كون الأنبياء اتفقوا في أصل التوحيد واختلفوا في فروع الدين، فاستدل بعض الناس بخلافهم في فروع الدين بجواز تعدد الجماعات الإسلامية إذا لم تختلف، أما إذا اختلفت؟

* الشيخ: اللهم نعم، أنا أوافقهم على تعدد الجماعات الإسلامية إذا كان كل رئيس لهذه الجماعات يقول: إنه نبي!! نوافقه على هذا!! إذا كان يدعي أنه نبي نقول: لا بأس، أما أن نبينا واحد وديننا واحد فلا يمكن أن نقر هذا المبدأ، تعدد الجماعات الإسلامية أبدًا، هؤلاء أنبياء مستقلون، فإذا كان هؤلاء يدعي رؤساؤهم بأنهم أنبياء فعلى العين والرأس لكن ما يدعون هذا، هم أبعد الناس عن هذه الدعوى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском