Ibn 'UthayminAli 'Imran · 3:69–74

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:69–74

3:69–74Page 58

وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّآ أَنفُسَهُمۡ وَمَا يَشۡعُرُونَ ٦٩

A faction of the People of the Scripture wish they could mislead you. But they do not mislead except themselves, and they perceive [it] not.

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ٧٠

O People of the Scripture, why do you disbelieve in the verses of Allāh1 while you witness [to their truth]?

يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ لِمَ تَلۡبِسُونَ ٱلۡحَقَّ بِٱلۡبَٰطِلِ وَتَكۡتُمُونَ ٱلۡحَقَّ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٧١

O People of the Scripture, why do you mix [i.e., confuse] the truth with falsehood and conceal the truth while you know [it]?

وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٧٢

And a faction of the People of the Scripture say [to each other], "Believe in that which was revealed to the believers at the beginning of the day and reject it at its end that perhaps they will return [i.e., abandon their religion],

وَلَا تُؤۡمِنُوٓاْ إِلَّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُمۡ قُلۡ إِنَّ ٱلۡهُدَىٰ هُدَى ٱللَّهِ أَن يُؤۡتَىٰٓ أَحَدٞ مِّثۡلَ مَآ أُوتِيتُمۡ أَوۡ يُحَآجُّوكُمۡ عِندَ رَبِّكُمۡۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡفَضۡلَ بِيَدِ ٱللَّهِ يُؤۡتِيهِ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٧٣

And do not trust except those who follow your religion." Say, "Indeed, the [true] guidance is the guidance of Allāh. [Do you fear] lest someone be given [knowledge] like you were given or that they would [thereby] argue with you before your Lord?" Say, "Indeed, [all] bounty is in the hand1 of Allāh - He grants it to whom He wills. And Allāh is all-Encompassing and Wise."

يَخۡتَصُّ بِرَحۡمَتِهِۦ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٧٤

He selects for His mercy whom He wills. And Allāh is the possessor of great bounty.

طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. بسم الله الرحمن الرحيم ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [آل عمران ٦٩ - ٧٤]

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

﴿وَدَّتْ﴾ أي: أحبت، والود خالص المحبة، ومن أسماء الله تعالى الودود؛ بمعنى: الوادّ والمودود، فهو سبحانه وتعالى وادّ لأوليائه وأصفيائه، وهو أيضًا مودود من أوليائه وأصفيائه، فالود إذن خالص المحبة؛ يعني أحب هؤلاء أو هذه الطائفة بكل خالص المحبة.

وقوله: ﴿طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ الطائفة بمعنى الجماعة، والمراد بأهل الكتاب هنا اليهود والنصارى، ولكن الأغلب هم اليهود؛ لأنهم أكثر ممارسة للعرب من النصارى، فإن اليهود كانوا في المدينة؛ قدموا من أذرعات ومن الشام ينتظرون النبي الذي بشّرت به التوراة، يعني قدموا من بلاد الشام؛ لأنهم علموا أن مهاجَر هذا النبي المدينة حسب ما في التوراة من البشارة به، فقالوا: نذهب إلى هناك لنكون معه. ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩].

﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، والغالب أنهم اليهود. ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ (لو) هذه مصدرية بمعنى (أن)، والقاعدة في (لو) أنها إذا أتت بعد ما يفيد الودّ والمحبة تكون مصدرية ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ﴾ [القلم ٩] أي: ودوا أن تدهن، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾ [البقرة ١٠٩] أي: ودوا أن يردوكم، فهي هنا مصدرية، وقد عُلم أنها تأتي شرطية حرف امتناع لامتناع مثل: لو جاء زيد لأكرمتك، فهنا امتنع إكرامي إياك لامتناع مجيء زيد.

يقول عز وجل: ﴿لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ يعني ودوا أن يضلوكم، والإضلال بمعنى الإتاهة عن الحق؛ يعني ودوا أن يخرجوكم من الهدى إلى الضلال، وما نوع هذا الضلال الذي أرادوه بالمسلمين؟ يمكن أن يُفسّر بالآية الثانية التي في البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].

يقول عز وجل: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ [آل عمران ٦٩] يعني بمحاولتهم وودهم هذا لا يضلون إلا أنفسهم، وبماذا يضلون أنفسهم؟ المعروف عند أكثر المفسرين أن المعنى: وما يهلكون إلا أنفسهم؛ وذلك لأنهم إذا تمنوا لكم الضلال أثموا على ذلك فصاروا هم كالضالين، وقيل: بل المعنى ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ أنهم إذا اشتغلوا بمحاولة إضلالكم اشتغلوا عما فيه هداهم كما هو الواقع أن الإنسان إذا أراد أن يردّ الحق وأن يضلّ غيره اشتغل بمحاولة إضلال غيره عن محاولة هداية نفسه، فيكون المعنى: ما يضلون إلا أنفسهم؛ لأنهم اشتغلوا بمحاولة إضلالهم إياكم عن أيش؟ عن طلب هدايتهم؛ لأن العادة أن الإنسان إذا اشتغل بمحاولة إضلال غيره تجده يطرق كل باب ويسلك كل طريق يحاول به إضلال الغير وينسى نفسه، ينسى نفسه، وهذا واقع كثيرًا حتى بين طلبة العلم أحيانًا يريد الإنسان أن ينتصر لنفسه ولقوله ولو كان على خطأ فتجده يحاول أن يلتمس الأعذار والتحريفات والتأويلات وصرف النصوص عن ظاهرها من أجل أن توافق قوله، وينسى أن يكون الواجب عليه إذا عُورض أن يطلب الحق، وأن يراجع نفسه لعل الصواب مع غيره كما يقع كثيرًا عندما يختار الإنسان قولًا أو يقول قولًا، ثم يراجَع فيه يتبين له أن الصواب في خلاف ما كان يعتقد أولًا. إذن ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ فيها رأيان:

الرأي الأول: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بالإهلاك وكثرة العقاب حيث حاولوا صد الناس عن دين الله.

والثاني: ﴿مَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾ بانشغالهم بمحاولة إضلالكم عن طلب هداية أنفسهم.

قال بعض المفسرين: وهذا أوْلى؛ وذلك لأن الوعيد عليهم بما يكون في الآخرة غير مُجْدٍ في هذا المقام؛ لأنهم أصلًا لا يؤمنون بمن أنذر بهذا حتى يقال: إنهم لا يهلكون إلا أنفسهم، ولكن الواقع أن هذا غير وارد؛ يعني بمعنى أن الله يتكلم عن الأمر الواقع، فالآية محتملة للمعنيين؛ المعنى الأول المشهور عند أكثر المفسرين أنهم يضلون أنفسهم بماذا؟ بهلاكهم بما يكتسبون من الذنوب والآثام. والمعنى الثاني: يضلون أنفسهم بإضاعتها وانشغالهم بما يكون سببًا لضلالكم.

﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ يعني ما يشعرون أنهم أضاعوا الوقت في محاولة إضلالكم ونسوا أنفسهم؛ لأن الإنسان في غمرة الغلَبة أو حب الغلَبة وسكرة حب الظهور ينسى ولا يشعر بالوقت إذا ضاع عليه، فهؤلاء لا يشعرون بأن الوقت ضاع عليهم بانشغالهم بطلب أو بمحاولة إضلالكم، والشعور هو المعنى النفسي الذي يشعر به الإنسان في نفسه توبيخًا وتنديمًا أحيانًا أو عكس ذلك تفريحًا وتفاؤلًا.

* في هذه الآية الكريمة: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يودون لهم الإضلال، والطائفة من القوم الغالب أن مشرَب بقية القوم مشربها، فإذا كانت هذه الطائفة تود هذا فغيرها كذلك.

* ومن فوائد الآية: التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صدّ المسلمين عن دينهم كالمشركين، وكل من الطائفتين يودّون من المسلمين الضلال، قال الله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾ [النساء ٨٩] وقال تعالى عن المشركين من قريش: ﴿وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ﴾ [الممتحنة ٢] فكل المشركين، وكل الملحدين، وكل من ادعى أنه صاحب كتاب كلهم يودون من المسلمين أن يكفروا ويضلوا بعد هدايتهم وإيمانهم.

وإذا كان كذلك فيجب علينا الحذر منهم واعتقاد أنهم أعداء ألداء يودون أن يقضوا علينا وعلى ديننا بين عشية وضحاها.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أن المعتدي يجازَى بمثل عدوانه ويُبتلى بمثل ما ابتلى غيره به، لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال فكأن الله قال: لا تخافوا منهم؛ فإن الإضلال إنما يعود عليهم، ولكن هذا في حق المؤمنين حقًّا الذين يؤمنون بدينهم تمامًا ويفخرون به ويعتزون به دون الذين يجعلون دينهم أقوالًا باللسان أو حروفًا على الأوراق وهم في الحقيقة يتبعون غيرهم ويعظّمون غيرهم في نفوسهم فإن هؤلاء ربما يُصابون برجس هؤلاء الكفار الذين يريدون إضلالهم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إحاطة علم الله عز وجل بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ﴾ فإن الود محله القلب، ولا يعلم ما في القلوب إلا الله عز وجل.

* ومن فوائد هذه الآية الكريمة: أننا نرد على كل شخص يدعي أو يتوهم أن الكفار يريدون الخير بالمسلمين؛ لأننا نقول له: إنك لا تعلم ما في قلوبهم واسمع إلى علام الغيوب عز وجل يقول: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ﴾ فأنت لا تعلم، ولا تغتر بمصانعتهم ومخادعتهم ومكرهم.

ثم قال الله عز وجل: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ خطاب من الله لأهل الكتاب على سبيل التوبيخ ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ اليهود والنصارى، وبالأخص اليهود. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ﴾ (ما) اسم استفهام حُذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها، والاستفهام هنا للتوبيخ. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ آيات الله جمع (آية)، وهي العلامة الدالة على الله عز وجل، وكل آية من آيات الله تدل على صفة من صفاته؛ فالانتقام آية تدل على الغضب، وبسط الرزق إذا لم يكن الإنسان على معصية الله آية تدل على الرضا والرحمة.

فالآيات تتنوع بحسب متعلقها، هؤلاء كفروا بآيات الله، الآيات الشرعية ما جاءت به الرسل، فما الآيات التي كفر بها هؤلاء؟ الآيات التي كفر بها هؤلاء الآيات التي نزلت على رسلهم وعلى محمد ﷺ؛ فاليهود كفروا بآيات الله؛ وهي التوراة، والنصارى كفروا بآيات الله؛ وهي الإنجيل، كفروا بذلك، كيف كفروا بهما؟ لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف ١٥٧] موجود بهذا الوصف، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة ١٤٦] ما قال: أولادهم أو بناتهم؛ لأن معرفة الإنسان لابنه أقوى من معرفته لبنته لشدة تعلقه به، فهو لا يجهل شيئًا منه، فهم يعرفون الرسول ﷺ كما يعرفون أبناءهم؛ لأن نعته موجود عندهم في التوراة والإنجيل، ولكنهم كفروا بآيات الله ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ﴾ [البقرة ٨٩] إذن (بآيات الله) تشمل التوراة والإنجيل والقرآن، كفروا بهذه الثلاثة كلها.

﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ لم يقل: وأنتم تعلمون؛ لأن الشهادة أقوى؛ لأن الشهادة تقتضي أن يكون العالِم كالمشاهِد للشيء بحسه، والمشاهدة بالحس أقوى من المشاهدة بالذهن أو من العلم بالذهن، فهم يشهدون الآيات ويعلمونها ومع ذلك يكفرون بهذه الآيات.

﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [آل عمران ٧١] وهم في كفرهم مخادِعون، يلبسون الحق بالباطل، ومعنى لبس الحق بالباطل خلط الحق بالباطل، فهم يأتون بالباطل ويموهِّونه بحق، ووجه ذلك أنهم لو جاؤوا بالباطل صراحًا ما قُبل، أليس كذلك؟

* طلبة: بلى.

* الشيخ: لكنهم يأتون به مخلوطًا بحق من أجل أن يكون في ذلك تمويه على من لا يعرف الحقائق، وهذا من المكر والخداع لكل مبطل يموّه الحق بالباطل.

ومن ذلك أن يأتي بعبارة مجملة تحتمل حقًّا وباطلًا لكن هو يريد بها الباطل، ومن سمعها قد يحملها على إرادة الحق، هذا أيضًا من لبس الحق بالباطل، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد.

قال: ﴿لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ تكتمون الحق: تخفونه. وهنا قد يقول قائل: كيف قال: ﴿تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾؟ أليس في هذا تناقض؟ الجواب: لا، ليس فيه تناقض؛ لأنهم يكتمون الحق الصريح ويأتون به مخلوطًا مموهًا بالباطل، وليس قصدهم أيضًا الحق إذا جاؤوا بالحق مخلوطًا بالباطل، قصدهم أيش؟ الباطل، وهذا الحق الذي جاؤوا به كالثوب الذي يخفي العيب تحت الثياب.

﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ تعلمون أيش؟ تعلمون الحق، بل وتعلمون حالكم أنكم لابسو الحق بالباطل، فهم يعلمون الأمرين: يعلمون الحق الصريح ويعلمون أنهم قد خلطوا الحق بالباطل ولا سيما اليهود؛ لأن اليهود عصوا الله وهم يعلمون أنهم عصوه، عصوا الله على بصيرة.

* في هاتين الآيتين من الفوائد: توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله.

* ومن فوائد الآية الأولى: أن هذا التوبيخ واقع موقعه؛ لأنهم كفروا بآيات الله وهم يشهدون.

* ومن فوائد الآية: الحكم الصريح الذي لا يقبل التأويل على أهل الكتاب الذين لم يؤمنوا بمحمد ﷺ بالكفر. ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ ولا يُوبَّخ إلا على أمر واقع، والكفر بآيات الله كفر بالله، وبه نعلم أنهم وإن زعموا أنهم مؤمنون بالله فهم كافرون به، كافرون به كفرًا صريحًا خالصًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الكفار كفروا عن علم وشهادة لقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾.

وفي الآية الثانية من الفوائد: أن هؤلاء الكفار من أهل الكتاب كانوا يخادِعون ويمكرون، بماذا؟ بلبس الحق بالباطل، وما أكثر ما يموهّون بالقرآن الكريم على بطلان ما ذهبوا إليه، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة ٦٢] فيقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ المسلمون، ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى﴾ اليهود والنصارى. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ الصابئة، من آمن منهم بالله واليوم الآخر فلهم أجرهم عند ربهم، فجعلنا نحن وأنتم في صف واحد، المؤمن منا بالله واليوم الآخر له الأجر ولو كنا مخالفين لكم ما كان لنا أجر، ويقولون: عيسى ابن مريم بشّر برسول يأتي من بعده اسمه أحمد، ولم يأتِ بعد؛ لأن الذي جاء اسمه محمد ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ [آل عمران ١٤٤] ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ [الفتح ٢٩] فنحن ننتظر أحمد. فهم يلبسون الحق بالباطل ويمكرون، ولكن من أعطاه الله علمًا وفهمًا تبيّن له أنهم ملبسون، وقد ألَّف علماء المسلمين -ولله الحمد- في بيان باطلهم ودحض حُججهم ما هو كالشمس إضاءة ونورًا يخفي ضوؤُه كل ساطع، الآية الأولى مثلا: قيد الله عز وجل من له الأجر من هؤلاء الأصناف بأيش؟ ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [البقرة ٦٢] فأنتم ما آمنتم بالله واليوم الآخر بنص هذه الآية: ﴿لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ كفار، أنتم مؤمنون لما كانت رسالة النبي قائمة، النبي الذي أرسل إليكم قائمة، أما وقد نسخت فإذا بقيتم عليها فأنتم كفار.

وأما قوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف ٦] فلا مانع من تعدد الأسماء على مسمى واحد، وقد جاءكم أحمد، ولهذا قال الله تعالى في الآية نفسها: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ إذن فأحمد جاءكم، ولا نعلم أن نبيًّا جاء بعد عيسى إلا محمد ﷺ، وعلى هذا فيكون هذا التمويه لا يخفى على الإنسان الذي يعطيه الله تعالى علمًا وبصيرة، وقد ألَّف شيخ الإسلام رحمه الله كتابًا في جزأين سماه: الجواب الصحيح لمن بدَّل دين المسيح. والرد على النصارى من أئمة المسلمين كثير.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجب الحذر من أهل الباطل إذا لبسوا الحق بالباطل، وأن لا نغتر بهم؛ لأنهم يأتون بزخرف القول غرورًا، ومن هذا ما حصل للمبتدِعة من هذه الأمة فإنك إذا سمعت كلامهم قلت: لا أعدل بذلك شيئًا، هذا هو الحق، ولن أتجاوزه، ولكنه كما قيل:

حُجَجٌ تَهَافَتُ كَالزُّجَاجِ تخَالُهَا ∗∗∗ حَقًّــــا وَكُــــلٌّ كَاسِــــرٌمَكْسُــــــــــــــــــــــــورُ

حججهم كلها متهافتة ليس لها ما يقوّمها على قدميها فضلًا عن أن يجعلها مهاجمة، هي لا تدافع عن نفسها فضلًا عن أن تهاجم غيرها، لكن مع ذلك يموهّون، ومر علينا في كتاب العقيدة شيء كثير من هذا من تمويههم ودجلهم وزخرفهم للقول، فعلى الإنسان أن يحترز من هؤلاء الذين يلبسون الحق بالباطل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: التوبيخ أو توبيخ من سلك هذا المسلك، ووجه ذلك أن تخصيص التوبيخ لأهل الكتاب ليس تخصيصًا بالشخص والعين، ولكنه بالجنس والنوع والوصف، فكل من كان على شاكلتهم فإنه يستحق هذا التوبيخ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: وجوب بيان الحق لمن علمه، أو على من علمه، وجوب بيان الحق على من علمه لقوله: ﴿وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أما من لم يعلم فعُذره ظاهر، لكن من علم وجب عليه بيان الحق، ثم اعلم أن بيان الحق يجب عند السؤال عنه إما بلسان الحال وإما بلسان المقال، السؤال بلسان المقال أن يأتيك شخص ويقول: ما حكم كذا وكذا؟ السؤال بلسان الحال: أن يقع الناس في معصية يحتاجون إلى أن تبين لهم، لا تقل: والله الناس لما لم يأتوا إليّ فأنا ما أنا ما أنا ملزوم، أنت ملزوم، لا بد أن تبيّن، لا تكتم.

ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ إلى آخره [آل عمران: ٧٢] لما ذكر الله تعالى مكرهم بالقول ذكر مكرهم بالحيل الفعلية؛ القول: أنهم يلبسون الحق بأيش؟ بالباطل، الحيل الفعلية؛ هذه الحيلة الماكرة ﴿قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يعني القرآن، وإن شئت فقل: الشريعة كلها، آمنوا به وجه النهار أي أوّله، والدليل على أن المراد بوجه النهار أوّله قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ وهذا أحد الطرق الذي يُعلم به معنى الكلمات في القرآن الكريم، أن يُعلم معنى الكلمة بذكر مقابلها كقوله تعالى: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء ٧١]، لو قال لك قائل: ما معنى ﴿ثُبَاتٍ﴾؟ نشوف قسيمها، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إذن انفروا ثباتٍ يعني وحدانًا متفرقين.

هنا وجه النهار لو قال قائل: ما الذي أعلمنا أن وجه النهار أوّله؟ لماذا لا يكون وجه النهار وسطه؟ قلنا: دلّنا على ذلك قوله: ﴿وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾. ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ الضمير يعود على المؤمنين، ﴿يَرْجِعُونَ﴾ أي: يرجعون عن دينهم؛ لأنكم أنتم أهل كتاب، فإذا آمنتم أول النهار ثم رجعتم قال الناس: لولا أنهم علموا أن دينهم باطل لم يرجعوا، شوف كيف المكر، ادخلوا معهم في أول النهار وصلّوا كما يصلون واحضروا مجالس الذكر، وإن وُجِدَ بكاء فابكوا، كونوا معهم تمامًا، وإذا كان في آخر النهار اكفروا قولوا: كفرنا بهذا الدين؛ لأن الناس إذا فعلتم هكذا قالوا: لولا أن هذا الدين باطل ما كفر به هؤلاء بعد إيمانهم؛ لأن الإنسان إذا آمن بدين وكان الدين حقًّا ثبت عليه لم يرجع. والدليل على هذا: «أن هرقل سأل أبا سفيان حينما لاقاه في الشام؛ سأله عن أصحاب الرسول عليه الصلاة والسلام، قال: هل يرجع أحد منهم عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: لا، ما يرجع أحد. قال: هكذا الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب لم يرجع[[متفق عليه؛ البخاري (٤٥٥٣) ومسلم (١٧٧٣ / ٧٤) من حديث أبي سفيان.]] ». أو كلمة نحوها. المهم أن هؤلاء يموهّون على الناس بفعلهم فإن الناس يقولون: لولا أنهم علموا ببطلانه ما رجعوا عنه؛ لأن الإنسان بطبيعته لا يرجع عن أيش؟ عن دين الحق ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ [آل عمران ٧٣] هذا من قول الطائفة؛ يعني آمنوا ولا تؤمنوا. ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تظهروا ما أنتم عليه إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو أظهرتم للمسلمين أنكم آمنتم ثم رجعتم من أجل إفساد دينهم ما قبلوا منكم هذا ولا رجعوا، لكن إذا أخبرتم بهذا المكر والخديعة من تبع دينكم سلم لكم الأمر؛ يعني كأنهم يقولون: أخفوا هذه الطريقة إلا على من تبع دينكم، فمن تبع دينكم أخبروه لا مانع، أما غيرهم فلا تخبروهم.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ﴾ وهذه جملة معترضة، لكنها في محل موافق تمامًا؛ لأنه لما كان الغرض من هذا العمل الماكر أن يُضلوا الناس عن دينهم صار من المناسب تمامًا أن يُفسد هذا المكر ببيان أن الهدى والتوفيق بيد مَن؟ بيد الله؛ يعني قل: لن ينفعكم هذا المكر والخداع فإن الهدى هدى الله حتى لو عملتم هذه الطريقة الماكرة الخادعة فإن ذلك لن يضر المسلمين شيئًا؛ لأن الهدى هدى الله، وبهذا عرفنا أن هذه الجملة المعترضة لها فائدة كبيرة في هذا المقام، لأيش؟ لأن هذا المكر مكر عظيم يخدَع، ولكن من علم أن الهداية بيد الله سبحانه وتعالى لم يهتم بهذا المكر وهذه الخديعة.

ثم قال: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾،﴾ قوله: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ هذه أشكلت على المفسرين والمعربين كثيرًا، لكن لننظر في سياق الآية الكريمة ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ أظهر ما نقول فيها أنها متعلقة بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ يعني لا تخبروا أحدًا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم؛ لأنكم لو قلتم للناس: إنكم ستؤتون مثل ما أوتينا من الكتاب والفضائل وغيرها؛ لأن الله أعطى بني إسرائيل كتبًا بل آتاهم التوراة التي فيها الهدى والنور وآتاهم فضائل؛ ظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، وقتل عدوهم اللدود حتى شاهدوه، إلى آخره.

يقول: لا تؤمنوا أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم إلا لمن تبع دينكم؛ لأنكم لو قلتم للناس إن هذه الأمة الإسلامية ستؤتى مثل ما أوتينا من الفضائل والشرائع لكان في ذلك حث على تمسكهم بدينهم.

وقيل: المعنى ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ أي: لا تخبروا بهذا المكر والخداع أنكم تؤمنون أول النهار وتكفرون آخره من أجل أن يرجع المسلمون عن دينهم ﴿لَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾ يعني لا تخبروا أحدًا إلا لمن تبع دينكم بأن يؤتى مثل ما أوتيتم من هذا المكر وهذا الخداع.

ثم قال الله تعالى: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ يعني ولا تؤمنوا أيضًا أن يحاجوكم عند الله؛ لأنكم لو آمنتم بذلك وأنكم يوم القيامة سيحاجكم هؤلاء عند الله ما قبِل أحد منكم هذه الحيلة، فصارت الآية: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ متعلقة بأيش؟ بقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا﴾ يعني لا تؤمنوا لأحد بل أخفوا عنه. ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾.

لماذا قالوا: لا تؤمنوا إلا من تبع دينكم؟ لأن من تبع دينهم يعلمون أن الله سيُظهر محمدًا ﷺ ويكون له من الشريعة والفضائل ما كان لهم أو أكثر، ويؤمنون كذلك بأنهم سوف يحاجونهم عند الله كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ [الزمر ٣١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الحج ١٧]، فأنتم لا تخبرون الناس بهذا إلا لمن تبع دينكم، إذن هم يؤمنون بأنهم سوف يحاجّهم المسلمون يوم القيامة عند الله.

قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ فمن قالوا: لا تؤمنوا لأحد أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ﴾ حتى لو حاولتم أن تخفوا ما يمنّ الله به من الفضائل على هذه الأمة فإن ذلك لن يمنع الأمر الواقع؛ لأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء، وقد آتى الله هذه الأمة -ولله الحمد- من الفضائل ما يربو بكثير على الفضائل التي أوتيها بنو إسرائيل.

﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ واسع في كل صفاته، واسع العلم، واسع الرحمة، واسع الحكمة، واسع القدرة، في كل الصفات، عليم بمن يستحق الفضل سبحانه وتعالى؛ فهو يؤتي فضله من يشاء عن علم وحكمة.

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [آل عمران ٧٤] ﴿يَخْتَصُّ﴾ بمعنى يخص بالرحمة من يشاء، ولكنه عز وجل يختص برحمته من هو أهل للرحمة كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤]، وقد مر علينا قاعدة أن كل فعل من أفعال الله قُرن بالمشيئة فهو تابع للحكمة، واستدللنا لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الإنسان ٣٠] فهو سبحانه وتعالى عليم حكيم يؤتي فضله من يشاء ممن يستحق ذلك الفضل، يؤتيه من يشاء.

﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾،﴾ ذُو الْفَضْلِ﴾ أي: صاحب الفضل العظيم يعني الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله عز وجل، وانظر إلى ما أنعم الله به على العباد من أول الدنيا إلى آخرها، وكل ذلك لم ينقص من عند الله شيئًا، قال الله تعالى في الحديث القدسي: «لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ قَامُوا فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ فَسَأَلُونِي فَأَعْطَيْتُ كُلَّ إِنْسَانٍ مَسْأَلَتَهُ مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِمَّا عِنْدِي شَيْئًا إِلَّا كَمَا يَنْقُصُ الْمِخْيَطُ إِذَا غُمِسَ فِي الْبَحْرِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر.]]. اغمس المخيط في البحر وأخرجه هذا البلل الذي حمله المخيط هل ينقص البحر شيئًا؟ أبدًا ولا شيء، فهكذا كل فضل أعطاه الله عز وجل، لو فُرض أنه خارج عن ملكه ولا هو في ملكه، هو في ملكه، لكن لو فُرض أنه خارج عن ملكه فإنه لن ينقص ملك الله شيئًا إلا كما ينقص المخيط إذا غمس في البحر، وهذا لا ينقص المخيط شيئًا.

* * *

* طالب: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران ٧٥ - ٧٧].

* الشيخ: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. قال الله تبارك تعالى: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

في هذه الآية من الفوائد: بيان عداوة أهل الكتاب للمؤمنين، وذلك.

* طالب: بعد: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾.

* الشيخ: ويش اللي مكتوب عندك؟ ويش آخر ما كتب؟

* الطالب: بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين، حيث يريدون ضلالهم.

التحذير من أهل الكتاب وأنهم يحاولون صد المسلمين عن دينهم.

ثالثًا: أن المعتدي يجازى بمثل عدوانه لقوله: ﴿وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ﴾.

رابعًا: تعزية المسلمين بما يريد بهم هؤلاء من الإضلال.

خامسًا: أن الإنسان قد يعمى عن الباطل مع ممارسته له لقوله: ﴿وَمَا يَشْعُرُونَ﴾.

سادسًا: إحاطة علم الله بما في قلوب الخلق لقوله: ﴿وَدَّتْ﴾.

سابعًا: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين.

* الشيخ: هذه الفائدة ويش هي؟

* الطالب: أننا نردّ على كل شخص يدعي أن الكفار يريدون الخير للمسلمين بهذه الآية.

* الشيخ: إيه، لازم بهذه الآية.

* الطالب: ثم ذكرنا أيضًا: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ وذكرنا فوائدها أيضًا. وقفنا ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ﴾.

* الشيخ: قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

في هذه الآية: بيان كيد الكفار للمسلمين، وذلك بسلوك طُرُق الحيل المتنوعة؛ لأنهم قالوا: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ﴾ فإن المؤمن حقًّا لا بد أن يستقر الإيمان في قلبه ولا يكفر ويرجع.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن قد يُخدع بمثل هذه الخديعة فيتظاهر عدوه بأنه موافق له، ثم يتبرأ به في النهاية لقوله: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ فيريدون أن يرجع المسلمون عن دينهم من أجل أن هؤلاء رجعوا، وقد سبق في تفسيرها ما يبيّن هذا تمامًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تعصّب أهل الكتاب لدينهم على ضلالهم لقوله: ﴿وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن المسلم يرد كيد هؤلاء بإعلان أن الهدى هدى الله، وأنهم مهما حاولوا أن يصدونا عن ديننا وقد أراد الله هدايتنا فإن ذلك لا يضرنا، فيتفرع على هذه الفائدة: أنه ينبغي للعبد أن يعتمد على ربه في طلب الهدى، وأن لا يعتمد على نفسه؛ لأنه إذا اعتمد على نفسه خُذل مهما كان من الذكاء والحيلة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الذين صنعوا هذه الخديعة بيّنوا وأظهروا أن الذي حملهم على ذلك هو الحسد لقولهم: ﴿أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ﴾ لأن اليهود من أبرز صفاتهم الحسد ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء ٥٤]، ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة ١٠٩].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب لقوله: ﴿أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾، ولهذا اتفقت الأديان الثلاثة؛ اليهودية والنصرانية والدين الإسلامي على الإيمان بالبعث، لكن ليس كل من آمن بالبعث يعمل له، فاليهود والنصارى ما داموا على كفرهم بمحمد ﷺ فإنهم لم يعملوا لهذا البعث؛ إذ لو عملوا له لآمنوا بالرسول ﷺ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن العطاء عطاء الله عز وجل، وأن الله إذا منَّ على أحد بفضل فلن يستطيع أحد منعه لقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.

* ومن فوائدها: إثبات اليد لله عز وجل لقوله: ﴿بِيَدِ اللَّهِ﴾، وهذه اليد يد حقيقية يقبضها الله عز وجل، ويقبض بها، ويأخذ بها كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر ٦٧] وأخبر النبي ﷺ: «أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ فِي اللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ وَفِي النَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ»[[أخرجه مسلم (٢٧٥٩ / ٣١) من حديث أبي موسى.]].

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском