Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:10–23, continued
* ومن فوائدها: أن هذه المعبودات لا تنفع أصحابها في أحوج ما يكونون إليه ولَّا لا؟ وجه ذلك من الآية: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾، وهذاك محل الشفاعة، ذلك اليوم هو محل الشفاعة، لكنهم لا يستفيدون من هذه الأصنام، بل أكثر من هذا * إفادة ثانية: أنهم يكفرون بها: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ﴾، يكفرون بهم، كما أن الأصنام تكفر بهم أيضًا: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف ٥، ٦]، ويتبرأ كلٌّ من الآخر مع أن ذلك هو محل الأزمة ومحل الفرج.
* ومن فوائد الآية: الإشارة إلى أن هؤلاء المشركين إنما أشركوا لطلب أن يكون هؤلاء المشرَكون شفعاء، وهذا ما صرح الله به في قوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر ٣].
فإذا قال هؤلاء الذين يعبدون القبور: نحن لا نعبدهم لأننا نرجو منهم نفعًا مباشرًا، لكن نعبدهم ليشفعوا لنا إلى الله. قلنا: هذا شرك الأولين، وهذا ما حكى الله عن المشركين؛ أنهم لا يريدون النفع المباشر، لكنهم يريدون أن تكون شفيعة لهم عند الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم ١٤، ١٥] إلى آخره.
* يستفاد من الآية من قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾: إثبات القيامة.
* ومن فوائدها: أنه في ذلك اليوم يتفرق الناس إلى فريقين: فريق في الجنة، وفريق في السعير.
* ومن فوائدها: أن الآباء مع أولادهم، والأمهات مع أولادهم، إذا كان أحدهم كافرًا والثاني مؤمنًا يتفرقون، ولَّا يمكن أن ينقذ أحد أحدًا في ذلك اليوم؛ لعموم قوله: ﴿يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الروم ١٤، ١٥]، ولم يستثنِ الأولاد مع والديهم أو بالعكس، ففي ذلك اليوم ما فيه اجتماع إلا إذا كانوا على الحق.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا ما يشمل (...)؛ لأن المؤمنين تفرُّقُهم إلى جهة واحدة؛ ولهذا قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فجعلهم قسمين.
* الطالب: (...).
* الشيخ: في منازلهم في الجنة معلوم أن كلًّا في منزلته، ولكن في عرصات القيامة يكون الفريق جميعًا فريق المؤمنين جميعًا وفريق الكفار جميعًا، لكن في منازلهم في الجنة يختلفون، الكل في منزلته.
* طالب: لكن تفرقوا، يُحْمَل على (...) كل إنسان مستقل بنفسه، حتى ولو كفروا (...).
* الشيخ: لا ما هو بالظاهر؛ لأن قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يقتضي أن المقصود تفرق الجنس، يعني ينقسمون مثل ما قال الله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ [الشورى ٧].
* طالب: تفرقهم يا شيخ في الجنة والنار ولَّا في عرصات القيامة؟
* الشيخ: في عرصات القيامة يوم تقوم الساعة، فيتفرق هؤلاء فريق إلى الجنة وفريق إلى النار.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الجزاء؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ﴾، والثانية: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: فضيلة الإيمان والعمل الصالح حيث كان جزاؤه ما ذُكِر، والتحذير من الكفر حيث كان جزاؤه ما ذُكِر أيضًا.
* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإيمان والعمل يختلفان إذا اجتمعا، ويتفقان متى؟ إذا افترقا، يتفقان إذا افترقا ويختلفان إذا اجتمعا، وعلى هذا يكون كل منهما بمعنى الآخر عند الافتراق، ويختلف كل منهما عن الآخر عند الاجتماع.
* ومن فوائد الآية: أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالِحًا؛ لقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وحيث فسرنا الصالح بأنه ما اجتمع فيه الإخلاص والمتابعة، يستفاد منه: أن العمل الذي فيه الشرك لا ينفع صاحبه، وهذا واضح، ففي الصحيح من حديث أبي هريرة رضى الله عنه، عن النبي ﷺ أن الله قال: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِيَ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»[[أخرجه مسلم (٢٩٨٥ / ٤٦) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]].
وهل هذا يشمل الشرك في الصفة وفي أصل العمل، أو نقول: إذا كان أصل العمل لا شرك فيه والصفة فيها شرك قُبل أصل العمل دون صفته؟ يعني مثلًا رجل أراد أن يصلي الراتبة لله لكنه أحسنها وأتقنها واطمأن فيها مراءاة، هل نقول: إن هذا (...)؟
يذكر الله يسبح لكان يسبح مرة واحدة، وللمراءاة يسبح ثلاثًا، نقول: التسبيح الثلاث هذا ما ينفعه منه (...)، لكنه لا يكفي أيضًا أن نقول: إنه بطل العمل، بل يأثم على ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]. فالشرك من خصائصه -ولو كان أصغر- ما يغفر إلا بتوبة.
* طالب: ما يفرق بين الإصرار وعدمه في الشرك؟
* الشيخ: لا ما يفرق، ما دام لم يصل إلى حد الأكبر فهو أصغر، لكنه يفرق بينهما من جهة الإصرار، فالإصرار عليه يكون أعظم من فعله مرة دون أخرى.
* الطالب: لكن (...).
* الشيخ: إذا طرأ الرياء في أثناء العبادة فإنه إن كافحه ودافعه ما ضره، وإن استرسل معه واطمأن إليه فإنه يضره، ثم هل يكون مبطلًا للعبادة ولَّا غير مبطل؟ إن كانت العبادة تتجزأ كما لو أراد أن يتصدق بصاعين فأخرج صاعًا بدون رياء، ثم أخرج الثاني برياء، فإن البطلان يختص بما حصل به الرياء فقط؛ لأن الأول صار صحيحًا.
وإن كان بالعكس ما تتجزأ كما في الصلاة فإن من أهل العلم مَن يرى أنها تبطل الصلاة، تبطل لأنه طرأ عليه الرياء، وهي لا تتجزأ فلا يمكن أن يصح أولها دون آخرها. ومنهم مَن يقول: لا تبطل لأن أصل هذا العمل خالصًا لله عز وجل، فلا يبطله الرياء.
* ومن فوائد الآية: أن الجنة روضة؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾، ويُروى أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال للنبي ﷺ ليلة عُرج به: «أَقْرِئْ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلَامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الْجَنَّةَ قِيعَانٌ، وَأَنَّ غِرَاسَهَا: سُبْحَانَ اللَّهِ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ»[[أخرجه الترمذي (٣٤٦٢) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
* ومن فوائدها أيضًا: أن هذه الجنة مملوءة بالسرور؛ لقوله: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾؛ لأن الحبور معناه التنعم والسرور الذي لا شيء فوقه.
* طالب: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ هذه، الفعل بتاعها (حبر) ولا أيش؟
* الشيخ: ﴿يُحْبَرُونَ﴾ هذه فعل مضارع مبني للمجهول.
* الطالب: الماضي منها؟
* الشيخ: الماضي (حُبِر) مبني للمجهول. والماضي منه إذا كان مبنيًّا للفاعل الظاهر أنه بالكسر (حَبِر)، خصوصًا إذا قلنا: إنه بمعنى (سُرَّ)، فتكون مثل: فَرِحَ يَفْرَحُ، حَبِرَ يَحْبَرُ. قال: ﴿فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية أيضًا: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى آخره، فمن فوائدها أن الكفر أعمُّ من التكذيب؛ لأن العطف يقتضي المغايرة: ﴿كَفَرُوا وَكَذَّبُوا﴾؛ لأن الكفر ينقسم إلى قسمين: إما جحد، وإما استكبار؛ فلهذا كان أعم من التكذيب.
* ومن فوائد الآية: أن الكتب المنزلة من آيات الله، وسبق لنا قبل قليل وجه كونها من آيات الله؛ لقوله: ﴿وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.
* ومن فوائدها: إثبات البعث وأن منكره كافر؛ لقوله: ﴿وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ﴾، هذا اللقاء العظيم الذي يتلاقى فيه كل المخلوقات ويلاقون الله سبحانه وتعالى.
* ومن فوائد الآية: أن هؤلاء المكذبين الكافرين يُحضَرون إلى العذاب قسرًا وقهرًا؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ﴾، وهو كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا﴾ [الطور ١٣]، يعني: يُدفَعون بعنفٍ وشدة والعياذ بالله، ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ﴾ [الطور ١٤]. ومعلوم أنهم لو رجع الأمر لاختيارهم يدخلونها ولَّا لا؟
* طلبة: لا يدخلونها.
* الشيخ: ما يدخلونها، لكنهم يُدفعون بعنف وشدة حتى يدخلوها. وقال: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم ١٧] إلى آخره، نعم.
* طالب: بالنسبة لآيات التفصيل، هل تدل على حسرة التفرق إلى هذين الفريقين؟
* الشيخ: إي نعم، بمعنى هذا.
* الطالب: طيب (...) مثلًا مَن توفي قبل البلوغ؟
* الشيخ: صحيح فيمن توفي قبل البلوغ ومَن لم تبلغه الدعوة أيضًا، إن كان مَن توفي قبل البلوغ من أولاد المؤمنين فهو مؤمن.
* الطالب: مطلقًا؟
* الشيخ: مطلقًا تبعًا لأبويه، أو للمؤمن منهما، وأما مَن تُوفي قبل البلوغ وهو من أهل الملة كفار، وهو لم يميز، فإنه أصح الأقوال فيه أنه يُمتحَن يوم القيامة بما يشاء الله عز وجل، ثم تكون النتيجة إما إلى الجنة وإما إلى النار.
* الطالب: هذا في مرحلة التمييز أم البلوغ؟
* الشيخ: لا، التمييز، مرحلة التمييز.
* الطالب: طيب وهذه بالنسبة لأولاد المسلمين مثلًا مطلقًا أنهم..
* الشيخ: إي نعم مطلقًا تبع لآبائهم.
* الطالب: لكن لا يُشهد لهم بالجنة؟
* الشيخ: لا، لا شك كما لا يُشهد لآبائهم، لكن يُشهد بالعموم والجنس نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة، وأما التعيين فيحتاج إلى نص.
* طالب: الامتحان يا شيخ ورد فيه نص ولا أيش؟
* الشيخ: إي ورد فيه آثار، أحاديث ضعيفة وآثار عن الصحابة.
* الطالب: لو امتُحِن هيؤمن لأنه شايف كل شيء، لو امتُحِن يعني لا بد يؤمن؛ لأنه -سبحان الله- كل شيء أمامه والله سبحانه وتعالى هو اللي يمتحنه، كيف يكون هذا سبحان الله؟!
* الشيخ: إذا آمن، لكن أما تعلم أن الله يقول: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس ١٠١]، يعني الآن الآيات التي جاءت بها الرسل واضحة ولَّا كلها غير واضحة؟
* الطالب: واضحة، بس..
* الشيخ: واضحة ومع ذلك كفروا.
* الطالب: بس إن الله سبحانه وتعالى هو نفسه اللي يمتحنه.
* الشيخ: وقد لا يُمتَحن بأن يقال: وهل تصدق بهذا اليوم ولَّا لا؟ قد يُمتحن في أمور أخرى؛ ولهذا قلنا: الله أعلم بما يمتحنه به، قد يمتحنه بأمر يمكن أن يقع فيه اشتباه.
* الطالب: أو لعله يُخفى عنه مثلًا ما حوله من..
* الشيخ: ما ندري الله أعلم، (...).
والصحيح هذا المعنى «هُمْ مِنْهُمْ»، فيه حديثان: «هُمْ مِنْهُمْ»[[أخرجه مسلم (٨ / ١) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]، «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». لكن «هُمْ مِنْهُمْ» قالوا: منهم في أحكام الدنيا، فولدُ المشركِ اللي أبواه كافران يُحكَم بأنه كافر؛ فلا يُغسَّل، ولا يُكفَّن، ولا يُصلَّى عليه، ولا يُدفَن مع المسلمين، لكن في الآخرة يكون الجواب الثاني، حين قال الرسول ﷺ لعائشة: «اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ»[[أخرجه أبو داود (٤٧١٢)، وهو في الصحيحين؛ البخاري (١٣٨٤)، ومسلم (٢٦٥٨ / ٢٣) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
* طالب: شيخ فيه حديث في البخاري، لما سُئل (...) الذراري، قيل له: وأولاد المشركين؟ قال: «وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ»[[رواه البخاري (٧٠٤٧) من طريق سمرة بن جندب.]].
* الشيخ: ما أعرف حاله، أعطنا الحديث نيجي نشوفه أيش المعنى؟ (...).
* * *
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ [الروم ١٨] جمله مكونة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدم لإفادة الحصر، فله وحده الحمد، وحمْد الله تعالى يختص بأنه حمدٌ يستحقه المحمود؛ ولهذا نقول: إن اللام هنا للاستحقاق والاختصاص.
وقوله: (ال) في قوله: ﴿الْحَمْدُ﴾ هذه للعموم، يعني جميع المحامد لله سبحانه وتعالى في السموات والأرض، وهو سبحانه وتعالى محمود على كل حال، وكان النبي ﷺ إذا أصابه ما يسره قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ». وإذا كان الأمر على خلاف ذلك قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ»[[أخرجه ابن ماجه (٣٨٠٣) عن عائشة رضي الله عنها.]].
وأما ما يقوله بعض العامة: (الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه). فهذا وإن كان حقًّا لكنه لا ينبغي التعبير بهذا الشيء؛ لأنه فيه شيء من العتب على الله عز وجل في قوله: الذي لا يُحمد على مكروه سواه. وإنما يقال كما قال النبي ﷺ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ».
وقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يقول المؤلف: (اعتراض، أي: يحمده أهلُهما). هذا لا شك أنه داخل في الآية، أنه له الحمد يعني أنه يُحمد، ولكن ينبغي أن يقال بما هو أعم، أي: أن ما خلقه في السماوات والأرض فإنه مستحق الحمد عليه، سواء حُمِد أم لم يُحمد، فكل ما في السموات والأرض فإنه شيء يُحمد الله عليه.
أما في أمور الخير فظاهر، وأما في أمور الشر فيظهر ذلك في أن الشر بالنسبة لفعل الله وإيجاده له ليس بشر، بل قال النبي ﷺ: «وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْكَ»[[أخرجه مسلم (٧٧١ / ٢٠١) عن علي رضي الله عنه.]]. فلا ينسب إليه الشر.
مثال ذلك: الجدب والمرض والفقر والجهل والاقتتال بين الناس والخسوفات في الأرض، هذه كلها بالنسبة للإنسان شر، لكنها بالنسبة لقضاء الله خير؛ لأن الله ما قضاها إلا لحكمة، فحينئذ يكون محمودًا عليها ولَّا لا؟ يكون محمودًا عليها.
والشر في المقضِيِّ لا في القضاء؛ ولهذا في حديث الحسن بن علي قال: وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ[[أخرجه أبو داود (١٤٢٥) عن الحسن بن علي -رضي الله عنهما- قال: علَّمني رسولُ اللهِ ﷺ كلماتٍ أقولُهُنَّ في الوترِ.. الحديث.]] : شر الذي قضيت، فأضاف الشر إلى المقضِيِّ لا إلى القضاء.
ثم اعلم أيضًا أن المقضِيَّ ليس شرًّا محضًا، حتى المقضِي نفسه ليس شرًّا محضًا، بل هو شر من وجه خير من وجه آخر، أو شر في محل خير في محل آخر، مثلًا الفساد في البر والبحر شر، لكنه خير من جهة عاقبته؛ لأن الله قال: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]، إذن هذا خير.
كذلك أيضًا قد يكون شرًّا في مكان لكنه خير في مكان آخر؛ إهلاك الأمم السابقين بذنوبهم شر بالنسبة لهم، وهلكوا ولا رجعوا ولا استفادوا، لكن بالنسبة لغيرهم ممن يعتبر بحالهم خير، فيكون هذا شرًّا في محله خيرًا في محل آخر.
والمهم أن قضاء الله نفسه ليس فيه شر أبدًا بل هو خير؛ ولذلك قال: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في جميع الأحوال، المقضي يكون فيه الشر، ومع ذلك فإننا نقول -مع إثباتنا أن الشر في المفعولات لا في الفعل- نقول أيضًا: إن هذا الشر في المفعولات ليس شرًّا محضًا لا خير فيه أبدًا -أنتم معنا؟- بل قد يكون شرًّا من وجه وخيرًا من وجه في نفس المحل، كقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١]. وقد يكون شرًّا في محله خيرًا في محل آخر، مثل أيش؟ شرًّا في محله ما فيه خير في محله لكنه في محل آخر خير.
* طالب: (...) لهم شر، ولغيرهم..
* الشيخ: ولغيرهم ممن يعتبر بهم خير.
وقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، خصهما بالذكر لأنهما محل نفوذ فعله؛ السماوات والأرض، فإن الذي في السماوات والأرض من الملائكة والبشر والجن وغيرها كلها تحمد الله، وكلها محل حمْدِه.
فإذا قال قائل: هل الكافر يحمد الله؟ فالجواب: بلسان المقال لا، وبلسان الحال نعم. بمعنى أن حاله تستوجب لمن تأمَّلها أن يحمد الله، هذا معنى قوله: إن هذا يحمد بلسان الحال أو يسبح بلسان الحال. يعني: أن حاله مَن تأمَّلها عرف بها ما يستحقه الله تعالى من الحمد والتنزيه.
وقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ معطوف على قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾، يعني: وسبحوا الله عشيًّا، والعشيُّ من الزوال إلى غروب الشمس، وفي حديث أبي هريرة قال: صلى بنا رسول الله ﷺ إحدى صلاتي العشي[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٢)، ومسلم (٥٧٣ / ٩٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].
﴿وَعَشِيًّا﴾ قال المؤلف رحمه الله: (﴿﴿وَعَشِيًّا﴾ ﴾ عطْفٌ على ﴿﴿حِينَ﴾ ﴾ وفيه صلاة العصر، ﴿﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ ﴾: تدخلون في الظهيرة وفيه صلاة الظهر).
﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ معطوفة على قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ ولَّا على قوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾؟ على ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾؛ لأنه سبق لنا أن القاعدة في المعطوفات أن يكون العطف على أول واحد؛ لأنه هو المحل الذي وقع عليه عمل العامل، فيكون العطف على الأول، فإذا قلت: قام زيد وبكر وعمرو. فإن عمْرًا معطوف على زيد.
قال: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾.. هذه الأوقات الخمسة هي أبسط ما ذكره الله تعالى في القرآن من أوقات الصلوات، وذكرها مجملة في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ [الإسراء ٧٨]، ففي هذه الآية: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ يعني: وقت دلوك الشمس؛ لأن اللام للتوقيت، مثل: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق ١] أي: وقت استقبال عدتهن. فـ ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾: لزوالها.
﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، ما هو غسق الليل؟
* طالب: شدة ظلمته.
* الشيخ: نصفه، شدة ظلمته وذلك عند انتصافه؛ لأن أشد ما يكون الليل ظلمة إذا انتصف لأن نصف الليل هو أبْعَدُ ما تكون الشمس عن سطح الأرض، ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾، يدخل في هذا -من زوال الشمس إلى نصف الليل- أربع صلوات: الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء.
ثم قال: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾، ففصله، والمراد به صلاة الصبح، وفصْلُه عما قبله يدل على أن وقت العشاء ينتهي بنصف الليل، وهذا هو الذي دلَّت عليه السنة أيضًا، ومن قال: إنه ينتهي بطلوع الفجر، فلا دليل عليه.
وهذه المسألة ينبني عليها ما لو طهرت المرأة في نصف الليل الثاني، هل يلزمها صلاة العشاء؟ على قول مَن يقول: إن وقت العشاء يمتد إلى طلوع الفجر، يلزمها العشاء وكذلك المغرب أيضًا. وعلى القول الراجح: لا تلزمها صلاة العشاء؛ لأن صلاة العشاء إلى نصف الليل.
(﴿﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ ﴾: كالإنسان من النطفة والطائر من البيضة، ﴿﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ﴾ ﴾: النطفة والبيضة ﴿﴿مِنَ الْحَيِّ﴾ ﴾) إلى آخره.
﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ يقول المؤلف: (كالإنسان والطير من النطفة والبيضة)، فهمتم؟ النطفة باعتبار ما يظهر لنا ميتة، وكذلك البيضة، لكنها في الواقع النطفة ما هي ميتة، فقد قال النبي ﷺ حين سُئل عن العزل قال: «هُوَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ»[[أخرجه مسلم (١٤٤٢ / ١٤١) عن جدامة بنت وهب رضي الله عنها.]]. فجعله وأدًا، والوأد لا يكون إلا لِحَيٍّ، فالحيوانات المنوية حية لكنها لا تُرَى.
هذه النطفة البسيطة التي ليست بشيء يقولون -والله أعلم هل هي مبالغة أو لا- يقولون: فيها خمسة ملايين أو أكثر من الحيوانات المنوية. هذه التي بسيطة ما هي بشيء.
إذن فنقول: إنه باعتبار ما يُرَى ويظهر هي ميتة جماد، لكن باعتبار الحقيقة ليست كذلك.
وقوله: ﴿الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾ هل المراد الحياة الحسية أو المعنوية؟ الأمران حقيقة أن المراد الأمران، فإن الكافر ميت معنًى، قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ [الروم ٥٢]، يعني هؤلاء الكفار في منزلة الأموات، والمؤمن حي ولا سيما العالم، قال الله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام ١٢٢].
وسمى الله القرآن أيش؟ روحًا، فدل هذا على أن مَن عمل به فهو حي، فالآية أعم مما قال المؤلف، وإن كان سياقها يقتضي أن المراد بها بالأَوْلى الحياة الحسية.
* طالب: (...).
* الشيخ: يمكن قصد الطين، فالإنسان أوله طين.
* طالب: المؤلف الكلام اللي ذكره..
* الشيخ: طيب هذه ما هي مشكلة، مسألة الميت من الحي ما هي مشكلة، لكن المشكلة الحي من الميت.
* طالب: ثم قال: الدجاج أو الطير من البيضة.
* الشيخ: البيضة ما ننفي الحقيقة؛ لأني ما عندي فيها علم، لا أنفي أن يكون فيها حياة في بعض الأجزاء التي يتكون منها الطائر.
* طالب: فيها بيوضة وفيها تكون مُلَقَّحة؟
* الشيخ: ها؟
* طالب: فيها بيوضة -في البيضة- البيوضة تكون ملقحة، في هذا (...) صار حولها (...) تكون غير ملقحة ولا..
* الشيخ: إذن معناها أنه يكون فيها حياة، سبحان الله .
(﴿﴿وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ﴾ ﴾ بالنبات ﴿﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ﴾ أي يُبْسِها).
﴿يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ بما أنزل الله عليها من المطر، ولا أحد يستطيع أن يفعل ذلك إلا الله عز وجل، هذه الأرض الهامدة اليابسة بما فيها من خضرة يُنزل الله عليها الماء فتصبح الأرض مخضرة بأمر الله عز وجل، لو اجتمع الخلائق كلهم على أن يفعلوا ذلك ما استطاعوا، ولا يُحدِثون ولا أدنى حشيشة من هذه الحشائش، ولكن الله تعالى بقدرته يفعل ذلك.
* طالب: بعض الحشرات تخرج من ثياب وطعام ونحوها..
* الشيخ: المتولد.
* الطالب: المتولد.
* الشيخ: إي نعم.
* الطالب: مثلًا النبات تخرج من اللواقح (...).
* الشيخ: إي نعم حياة بلا إدراك.
* الطالب: بلا إدراك.
* الشيخ: على كل حال نعم، المتولد واضح أيضًا أنه حي من ميت؛ لأن المتولد يخرج من العفونات والقاذورات وهو حي يتحرك.
قال: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ (﴿﴿وَكَذَلِكَ﴾ ﴾ الإخراج ﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ من القبور)، و(كذلك) الكاف حرف جر.
* طالب: اسم.
* الشيخ: اسم بمعنى مثل، يعني ومثل هذا الإخراج تُخرجون، ويجوز أن تكون هنا حرف جر، يعني وكهذا الإخراج تُخرَجون، ولا تكون مفعولًا مطلقًا.
على الأول تكون: مثل ذلك الإخراج تُخرجون، تكون مفعولًا مطلقًا.
وعلى القول الثاني: يكون الكاف حرف جر، و(ذا) اسم إشارة مبني على السكون في محل جر، أي: وكهذا الإخراج تُخرَجون.
وقوله: (﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ من القبور)، ظاهر الآية الكريمة أن خروج الناس من القبور يشبه خروج النبات من الأرض، وخروج النبات من الأرض يكون بنزول المطر عليها، فيكون في هذه الآية إشارة إلى ما ورد في الحديث من «أنَّ اللهَ تعالى يُمطِر على القبورِ مطرًا غليظًا كمَنِيِّ الرجالِ أربعينَ يومًا تَنْبُتُ منه الأجسادُ في القبورِ، ثُم بعدَ ذلكَ تَخرُج إذا نُفِخ في الصُّورِ»[[أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (٣٤٧) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]. وهذا وردت فيه أحاديث في إسنادها مقال، لكن مجموعها يقضي بأنها أحاديث حسنة، وظاهر القرآن أيضًا يشير إليها.
وقوله: (﴿﴿تُخْرَجُونَ﴾ ﴾ بالبناء للفاعل والمفعول)، البناء للفاعل مثل؟
* طالب: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾.
* الشيخ: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾، وللمفعول: ﴿تُخْرَجُونَ﴾، ففيها قراءتان، سبعيتان أو إحداهما شاذة؟
* طالب: سبعيتان.
* الشيخ: سبعيتان؛ لأن من عادة المؤلف رحمه الله أنه إذا أتى بقراءة شاذة يقول: وقُرئ.
* طالب: اللي في المصحف؟
* الشيخ: اللي في المصحف: ﴿تُخْرَجُونَ﴾.
* الطالب: واللي في غير المصحف؟
* الشيخ: التفسير؟
* الطالب: نعم.
* الشيخ: عندي أنا ﴿تُخْرَجُونَ﴾، اللي في الأصل (بالبناء للفاعل والمفعول).
* الطالب: لا، هنا قال: ﴿﴿تَخْرُجُونَ﴾ ﴾ ولا ﴿تُخْرَجُونَ﴾.
* الشيخ: ما ذكر قراءة؟
* الطالب: لا ما ذكر قراءة.
* الشيخ: عجيب؛ لأنه موجودة عندي، هي موجودة عندكم في التفسير؟
* طالب: موجودة.
* الشيخ: ما هي موجودة عندك (بالبناء الفاعل والمفعول)؟
* طالب: ظاهر، كأنها موجودة.
* الشيخ: قال: (﴿﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ ﴾ تعالى الدالة على قدرته)، ﴿مِنْ آَيَاتِهِ﴾ (من) حرف جر ومعناها التبعيض، يعني بعض آياته، والآيات جمع آية وهي في اللغة العلامة البينة الواضحة، ﴿آَيَاتِهِ﴾ يقول المؤلف: (الدالة على قدرته).
﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ (أن) وما دخلت عليه في تأويل المصدر مبتدأ مؤخر، يعني: خلْقُكم. ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ (من) هذه لابتداء الغاية، المعنى: أن ابتداء الخلق من التراب (أي أصلكم آدم)، صحيح، وأما سلسلة آدم فخُلِقت من نطفة.
(﴿﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ ﴾ من دم ولحم ﴿﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ ﴾ في الأرض)، كنتم ترابًا والتراب لا يتحرك من مكانه، ولا ينتشر، وليس فيه حركة، ثم بعد ذلك تكونون بشرًا؛ ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا﴾ قد يقول قائل: إن في هذا ما ظاهرُه التناقض؛ لأن (إذا) فجائية، و(ثم) للمهلة، والمفاجأة والمهلة متناقضان؛ إذ إن المفاجأة تدل على المبادرة.
فيجاب عن ذلك بأن المفاجأة بعد المهلة؛ لأنه ليس في الحال يكون التراب بشرًا، وإنما تطوَّر لمدة حتى وصل إلى البشرية، هذا إذا قلنا: إن المراد بالبشر خصوص آدم.
أما إذا قلنا: المراد به ذريته فالمهلة ظاهرة؛ لأن هذا يشمل الذرية إلى متى؟ إلى قيام الساعة، فالمهلة ظاهرة لكن المفاجأة في قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ قد توحي أن المراد به آدم، فإن آدم بشر وذريته انتشرت في الأرض.
وقوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ﴾ الجملة هذه مبتدأ وخبر، و﴿تَنْتَشِرُونَ﴾؟
* طالب: حال.
* الشيخ: حال منين؟
* الطالب: مِن ﴿أَنْتُمْ﴾.
* الشيخ: أما نجعلها صفة لبشر؟
* طالب: صفة لبشر.
* الشيخ: صفة لبشر، وإذا جعلناها صفة لبشر صار فيها إشكال من جهة أن (بشر) مفرد، و﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ جمع، لكن المفرد المراد به الجنس يكون جمعًا، ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، تنتشرون في أي مكان؟ يقول: (﴿﴿تَنْتَشِرُونَ﴾ ﴾ في الأرض)؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة ١٠].
فالانتشار في الأرض والتوسع، وانظر الآن البشر منتشر في جميع أقطار الدنيا، وسبحان الله العظيم الإنسان عندما يرجع إلى ما سبق يقول مثلًا: ما الذي أوصل أهل أمريكا إلى أمريكا، والذي أوصلهم إلى البلاد الأخرى مع هذه المحيطات العظيمة؟ لأن آدم لا شك أنه في إحدى القارات، فما الذي أوصل بنيه إلى القارات الأخرى؟ فيه شيء عندكم من علم الجيولوجيا على ما يقول؟ نقول: الله أعلم، قد يكون الله يسر لهم في ذلك الوقت من الأسباب -ما زال الآن ولا نعرفه- حتى وصلوا إلى هذه البلاد (...).
* طالب: الدم من الفاكهة، والفاكهة من الأرض.
* الشيخ: الدم من الفاكهة؟!
* الطالب: يعني الدم (...) الفاكهة والخضروات يعني، كونها من الغذاء يعني، فالغذاء أصله من الأرض.
* الشيخ: هذا جائز، لأن هالدم هذا صح، لكن هذه نطفة، والنطفة تكون علقة.
* الطالب: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾، أي: خلاصة من طين، وهي الفاكهة، ثم اختلط إلى دم.
* الشيخ: (...) الفاكهة؟
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون ١٢].
* الطالب: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨].
* الشيخ: الآن الآية، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ أصل السلالة: الخلاصة من كل شيء على حسب ما يبين، ﴿مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ هذا آدم، ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ [المؤمنون ١٢، ١٣] -هذا بنو آدم- ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾.
* طالب: أين ينتقل هنا الضمير ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ﴾؟
* الشيخ: إي للجنس، باعتبار الجنس، ﴿جَعَلْنَاهُ﴾ أي: الإنسان باعتبار جنسه.
* طالب: (...) المني فيه (...) من تراب.
* الشيخ: فيه أيش؟
* الطالب: تراب.
* الشيخ: هذا ما نستطيع أن نجزم بنفيه أو إثباته؛ لأنه يجوز أن نفس الإنسان هذا فيه مادة ترابية، الحين يقولون: إن الإنسان فيه رصاص وفيه جير وفيه كذا وفيه كذا. نفس الجسم الآن مُكَوَّن، فلا يبعد أن هذه السلالة التي تخرج منه يكون فيها هذه المواد، ما يبعد في الحقيقة ما عندنا شيء عميق علم عميق في هذه المسألة، لكن الله على كل شيء قدير، إنما المعروف الآن أن الإنسان فيه من جميع معادن الأرض؛ فيه رصاص، ونحاس، وجير، وتراب، وكل شيء نفس الجسم.
* طالب: وحديد.
* الشيخ: وحديد.
* طالب: وكهرباء.
* الشيخ: نعم، إي نعم، بس لسنا كبطرية كهرباء، الله أعلم.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، أحيانًا (...) الشيء مع بعض الحركة (...) تحس في بطنك شيئًا.
* طالب: بعض الناس يقولون: إن آدم أول ما خرج من الجنة ونزل في الأرض (...)، صحيح؟
* الشيخ: الله أعلم ما ندري، ما فيه أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ، كلها آثار إسرائيلية.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ (﴿﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴾ تخلقت حواء من ضلع آدم فخُلِقَت).
* طالب: تخلَّقَتْ.
* الشيخ: ما عندي تخلَّقَتْ. طيب المعنى أن المؤلف يريد ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ ﴿أَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ذواتكم -على رأي المؤلف- فالمراد بالنفس هنا الذات.
وقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ اللام للاختصاص وليست للملك؛ لأن الإنسان لا يملك زوجته، ويحتمل أن تكون للتعليل، أي: خَلَق لِأجْلِكم، لكن المعنى أبلغ في الإنعام حيث إنَّ كل إنسان زوجته تختص به؛ ولهذا لا يجوز للمرأة أن تتزوج أكثر من رجل في آنٍ واحد.
﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، المؤلف مشى على أن المراد بالنفس الذات، وأن ﴿مِنْ﴾ للتبعيض، يعني أن نفس هذه الزوجة من نفس الإنسان جزء منه؛ ولهذا قال -فسَّره-: (بخلق حواء من ضلع آدم، وسائر النساء من نطف الرجال والنساء)، هذا ما قرره المؤلف؛ أن المراد بالنفس الذات.
ويحتمل أن المراد بالنفس الجنس، كما قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة ١٢٨]، يعني من جنسكم، ويؤيد هذا المعنى قولُه: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾، فإن الإنسان يسكن إلى بني جنسه دون غيرهم، لو كانت المرأة تخالف الرجل وليست من جنسه لكان في ذلك مشكلة، ولا يمكنه أن يسكن إليها؛ لهذا جعلها الله سبحانه وتعالى من جنسه لأجل أن يسكن إليها: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.
واللام في قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا﴾ اللام للتعليل، أي: لأجل أن تسكنوا، وهي مُعَلِّلةٌ لقوله: ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾.
وقوله: (وتألفوها) كذا ولَّا (أي: تألفوها)؟
* طالب: وتألفوها.
* الشيخ: (وتألفوها)، السكون معناه الاستقرار، ومنه السكنى في البلد لاستقراره فيها، فالمعنى: تستقروا وتطمئنوا لها وتألفوها -كما قال المؤلف-: (﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا ﴿﴿مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ ﴾ المذكور ﴿﴿لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴾ في صنع الله).
(﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا) يعني بين الزوج وزوجته ولَّا بين الناس جميعًا؟
* طالب: الزوج وزوجته.
* الشيخ: هو الظاهر، ولكن كلام المؤلف: (﴿﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ﴾ ﴾ جميعًا) يقتضي العموم، ولكن ظاهر السياق يختص بالمرأة وزوجها، فإن هذه المرأة الأجنبية -التي لا تعرفها ولا تعرفك من قبلُ- إذا تمَّ العقدُ بينكما ألقى الله تعالى في قلوبكما المودة والرحمة.
قيل: إن المودة في قلب المرأة، والرحمة في قلب الرجل؛ لأنه هو الذي له السلطان عليها، وهي التي تميل إليه، فتكون المودة منها والرحمة منه، فيكون الوصفان مُوَزَّعَيْن على الزوج والزوجة.
وقيل: إن الوصفين لكل من الزوجين، يعني أن المودة تكون بين الزوج وزوجته، وكذلك الرحمة تكون بين الزوج وزوجته، وهذا هو الأقرب، وهو الذي يؤيده الواقع أيضًا، فإن المرأة إذا ودَّتْ زوجَها يكون فيها رحمة لولا أن الأم أرحم النساء لقلنا: إنها مثل رحمة الأم؛ ولهذا تجدها تلاحظه إذا مرض، وتحزن إذا حزن، وتُسَرُّ إذا سُرَّ، وإذا كانت الحال بينهما جيدة يمكن تبيع كل ما تملك من أجل راحته وإسعاده، هذه لا شك أنها رحمة.
وأما المودة فظاهرة، ولولا قوة المودة بين الزوجين ما حصل الاتصال بينهما الذي أراده الله عز وجل لأجل أن تكمل هذه الخليقة وتنمو، ومن أجل هذا جعل الله تعالى المودة والرحمة.
ذكر ابن الجوزي في صيد الخاطر قال: لولا أن الله سبحانه وتعالى بحكمته قضى أن تبقى هذه الخليقة لكان الاتصال بين الزوج وزوجته من أقبح الأمور؛ أنَّ كل واحد منها يكشف عورته للآخر ثم يحصل هذا الشيء الذي قد يكون مستكرهًا في أذواق بعض الناس، لكن جعل الله سبحانه وتعالى هذه المودة بينهما لأجل أن تستقيم الأمور وتنمو الخليقة، وهذا صحيح، هذا حق، لولا أن الله جعل هذا الأمر؛ المودة ما حصل الاتصال بين الزوجين، ولهذا كلما كان الزوج أو الزوجة بعضهما لبعض كارهًا قلَّ الاتصال بينهما.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾ (ذلك المذكور) ﴿لَآَيَاتٍ﴾، اللام هذه للتوكيد، وآيات جمع آية.
وتأمل قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ﴾، قد تقول: ما هذا التنافر؟ حيث قال في الأول ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾؟ ولكننا نقول لك: لا تنافر في الواقع؛ أولًا: إن قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ﴾ للتبعيض، وبعض الآيات قد يكون آية واحدة، وقد يكون أكثر من آية. ثم إنَّ ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ هذه أربع آيات، فيكون في أصل الخلق آية واحدة، لكن في أوصاف هذا الخلق المتطور آيات.
* طالب: يقال: المودة في أول الحياة الزوجية السنوات الأولى، والرحمة بعد الأولاد.
* الشيخ: هذا خلاف الظاهر؛ لأن الظاهر أنهما مقترنان، المودة والرحمة مقترنان.
* طالب: المودة والرحمة متواجدان بعد العقد، أو بعد الاتصال، أو بعد المعاملة؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences