Ibn 'UthayminAr‑Rum · 30:10–23

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:10–23, continued

* الشيخ: هذه ترجع إلى ما يجري بين الزوجين، أما المودة فالظاهر أنها تكون من قبلُ، وقيل: حينما يخلو بالمرأة والتشابك، وهذه الخطبة والموافقة لا تكون إلا عن مودة، لكنها تنمو وتزيد بحسب الاتصال (...).

* * *

﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾ [الروم ١٩]، ما المراد بالحي والميت هنا؟

* طالب: كثيرًا، الميت بلا روح، والحي الذي فيه روح.

* الشيخ: مثاله؟

* الطالب: مثاله -على رأى المؤلف- النطفة ميت تخرج..

* الشيخ: يخرج منها؟

* الطالب: يخرج منها الحي.

* الشيخ: طيب هل يشمل هذا الحياة المعنوية والحسية؟

* طالب: نعم يشمل الحياة الحسية والمعنوية.

* الشيخ: ويش المعنوية؟

* الطالب: الكافر يخرج منه المسلم أو بالعكس.

* الشيخ: الكافر يخرج منه المسلم أو بالعكس، أيهما أقرب إلى ظاهر الآية أو السياق؟

* الطالب: ظاهره الحسية.

* الشيخ: حسية نعم.

قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، إعرابها؟

* طالب: الكاف ممكن تكون بمعنى مثل، وتكون مبنية منصوبة على أنها مفعول مطلق، أو تكون (...).

* الشيخ: يكون كإخراج النبات من الأرض.

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، كيف خلق الإنسان من تراب؟

* طالب: الأصل أن آدم بدأه من تراب، وذرية آدم من نطفة.

* الشيخ: نعم. أيش معنى قوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾؟ (إذا) أيش معناها؟ إعرابها؟

* طالب: فجائية.

* الشيخ: (إذا) فجائية.

قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾، أيش معنى ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾؟

* طالب: يعني من ذات الإنسان.

* الشيخ: يعني من ذواتكم، مثل أيش؟

* الطالب: مثل البصر (...).

* الشيخ: الزوجة بصر؟! ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾.

﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [الروم ١٨].

* يستفاد من هذه الآية: رحمةُ الله تعالى بعباده، حيث علَّمهم ما فيه مصلحتهم.

* ومن فوائدها: أن الصلاة تسبيح وتنـزيه لله؛ لأنَّ الله أطلق عليها اسم التسبيح.

* ومن فوائدها: وجوب التسبيح فيها -في الصلاة- لأنه سبق لنا قاعدة:

أنه إذا أُطلِق على العبادة جزء منها دلَّ ذلك على أن هذا الجزء من واجباتها، وأنه لا بد منه فيها.

* ومن فوائد الآية: بيان الأوقات الخمسة مفصلة؛ لقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾.

* ومن فوائدها: أن المساء يُطلَق على أول الليل، فإن قوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ يدخل فيه: المغرب، والعشاء.

وقد يؤخذ من هذا جواز الرمي ليلًا -رمي الجمرات- لأن رجلًا قال: يا رسول الله رميت بعد ما أمسيت، فقال: «لَا حَرَجَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٨٣)، ومسلم (١٣٠٦/٣٢٧) عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.]]. فإذا كان المساء يُطلَق على أول الليل، وأطلق النبي عليه الصلاة والسلام نَفْيَ الحرج عُلِم أنه جائز.

* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمةُ الله عز وجل في توزيع الصلوات على هذه الأوقات، وجه الحكمة أمران:

الأمر الأول: أنها لو جُمِعت في وقت واحد لَخَلَتْ بقية الأوقات عن الاتصال بالله عز وجل، أليس كذلك؟ يعني لو جعل الإنسان يصلي الفجر كل الصلوات الخمس جميعًا، معناه بقي النهار والليل ما يكون له صلوات مفروضة.

والوجه الثاني: أنه لو جُعِلت هذه في وقت واحد لكان في ذلك نوع من المشقة؟ يعني يوجَبُ على الإنسان أن يصلي سبع عشرة ركعة في آنٍ واحد هذا فيه مشقة، مشقة على الأقوياء والأصحاء، فكيف على الضعفاء والمرضى؟!

* ومن فوائد الآيات: كمالُ الله عز وجل؛ لقوله: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.

* ومنها: أنه وحده المستحِق لأنْ يُحمد على وجه الإطلاق، نأخذه منين؟ من تقديم الخبر: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾.

* ومن فوائدها: أن كل ما يحدث في السماوات والأرض من خير أو شر فإن الله تعالى يستحِق عليه الحمد، يؤخذ من أين؟ من الإطلاق: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ﴾ ولا قال: على الخير، أو على ما ينفع. بل أطلق.

* فيستفاد منه: أن الله تعالى محمود على كل حال.

ثم قال تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم ١٩].

* في هذه الآية: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يُخرِج الحي من الميت وبالعكس، وهذا من تمام القدرة: أن يُخْرَجَ الشيءُ من ضده.

* ومن فوائدها أيضًا: قدرته على إحياء الأرض من بعد موتها؛ لقوله: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.

* ومن فوائدها: ثبوت قيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل، والأفعال الاختيارية: هي التي يفعلها بمشيئته، إنْ شاء فعل وإن شاء لم يفعل، من أين تؤخذ؟ ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ﴾، وقوله: ﴿وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، ﴿بَعْدَ﴾، فإنَّ البعدية تقتضي حدوث هذا الشيء.

وقيام الأفعال الاختيارية بالله عز وجل هو الذي عليه أهل السنة والجماعة قاطبة، ما أحد منهم أنكر ذلك، فيُثبِتون الاستواء على العرش فعلًا لله، والنـزول إلى السماء الدنيا فعلًا لله، والمجيء للفصل بين العباد فعلًا لله، والعجب فعلًا لله، والضحك فعلًا لله، والخلق فعلًا لله.

ويقولون: إن الله تعالى يفعل ما يشاء كيف شاء متى شاء، ولكن أهل البدع من المعتزلة والأشعرية وغيرهم ينكرون قيام الأفعال الاختيارية به، ويقولون: لو قامت به الحوادث لكان حادثًا، والله سبحانه وتعالى لم يزلْ ولا يزال. فنقول: إن هذا قول باطل:

أولًا: لأنه قياس في مقابَلة النص، فإن النصوص متكاثرة في إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل التي تتعلق بمشيئته.

وثانيًا: قولكم: إن الحوادث لا تقوم إلا بحادث. ليس بصحيح، فإن الحوادث لا تقوم إلا بكامل قادر على ما يشاء، أما: لا تقوم إلا بحادث، فما هو العقل الذي يوجب هذا؟

* ومن فوائد الآية: قياس الغائب على الشاهد؛ لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، فإن قياس الغائب على الشاهد ليحمل على الإقرار به طريقة مُتَّبَعة.

* ومن فوائدها: إثبات القياس، من قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، وإثبات القياس له أدلة كثيرة في القرآن، منها: على سبيل التعميم والحض:

كل مَثَلٍ ضربه الله تعالى في القرآن فهو دالٌّ على ثبوت القياس، ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [يونس٢٤] كذا وكذا، ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧]، وما أشبه ذلك. فإن الأمثال ضَرْبُهَا تشبيه حال بحال أو فرد بفرد، فتكون دالة على ثبوت القياس.

وكذلك القصص التي قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف ١١١]، وفي السنة أيضًا كثير من ذلك، مثل: «هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ؟». » قال: نعم. قال: «فَمَا أَلْوَانُهَا؟». » قال: حمر[[متفق عليه؛ البخاري (٥٣٠٥)، ومسلم (١٥٠٠/١٨) عن أبي هريرة رضي الله عنه.]]. الحديث. و«أَرَأَيْتِ لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قَاضِيَتَهُ؟» »[[متفق عليه؛ البخاري (٦٦٩٩)، ومسلم (١١٤٨/١٥٥) عن ابن عباس رضي الله عنهما.]].

وكذلك العقل يقتضي ثبوت القياس، فإن العقل السليم الصريح لا يمكن أن يفرق بين متماثلين أبدًا، ودائمًا حتى الصبي إذا منعته من شيء وأبحت له نظيره قال له: كيف؟ ما هو هذا مثل هذا؟

فالمهم أن هذا مما تشهد العقول والفِطَر والنصوص بثبوته، نعم القياس الباطل الذي يتوسع فيه بعض الناس حتى يُعَطِّلوا دلالة الكتاب والسنة هذا لا شك أنه باطل، أما القياس الصحيح فإنه لا ريب في ثبوته.

والذين أنكروا القياس هم في الحقيقة مضطربون، أحيانًا يقولون بالقياس من حيث لا يشعرون، ولا يمكنهم إلا أن يقيسوا؛ لأننا لو أردنا أن نحصر دلالة الكتاب والسنة على الأحكام على سبيل العموم والقواعد والضوابط وافية، لكن الأفراد والجزئيات لا منتهى لها ولا حصر لها، وإنه لا بد أن يُضْطَرُّوا إلى إثبات ذلك.

* طالب: لا بد أولًا أن يأتي بالعموم لا القياس.

* الشيخ: إي نعم، يدخل في العموم من حيث الشمول اللفظي إن كان داخلًا في اللفظ، أحيانًا لا يدخل في اللفظ لكن يشمله العموم المعنوي وهو القياس؛ لأن العموم المعنوي هو القياس.

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم ٢٠].

* من فوائد الآية: إثبات الآيات لله عز وجل، أي العلامات الدالة على ما تدل عليه من صفاته؛ لأن كل فعل يدل على نوع من الآيات، لكن هي على سبيل العموم تدل على القدرة، جميع الأفعال تدل على القدرة والحكمة، لكن لكل نوع منها آية خاصة: الحكمة، القدرة، العزة، ما أشبه ذلك.

* ومن فوائد الآية: أن أصل بني آدم من تراب؛ لقوله: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾.

* ومن فوائدها: إبطال النظرية الملحدة، وهي نظرية النشوء والتطور التي ذهب إليها أو كان قائدها..

* طالب: دارون.

* الشيخ: دارون.

* طالب: داروين.

* الشيخ: أو داروين، إي نعم، هذه نظرية خاطئة وباطلة بلا شك، وجه ذلك من الآية أن الله يقول: ﴿أَنْ خَلَقَكُمْ﴾، فيخاطب البشر باعتباره بشرًا، إذنْ فهو بشر منذ أُنشِئ من التراب إلى اليوم.

أما أولئك فيقولون: أن أصل الإنسان ليس بشرًا، قرد، أن أصل الإنسان قرد، ثم تطور صار بشرًا. فلا أدري ماذا يقول في أصل الحمير والبغال والخيل والدجاج وأيش أصله؟! تطورت إلى..

ثم ما ندري ما هو التطور الآخر، هل نحن نكون ملائكة؟! على كل حال هذه نظرية -الحمد لله- حتى فلاسفة الغرب الآن أبطلوها، وتبين لهم أنها نظرية باطلة خاطئة، ثم نحن نعلم علم اليقين أنها باطلة وأن اعتقادها كفر؛ لأنه تكذيب للقرآن والسنة وإجماع المسلمين.

* طالب: صريح (...).

* طالب آخر: يقول: انفصل من الشمس نظرية تركيب ميكانيكي للكون تكوُّن نفسي، فالإنسان انفصل من الشمس على شكل (...)، ثم تطور إلى أميبا، ثم إلى قرد، ثم إلى (...)، ثم إلى الإنسان.

* الشيخ: كل هذا لا شك أنه كذب، كل هذا كذب ولا أصل له، الإنسان خُلِق من تراب كما قال الله عز وجل، تراب جعله الله طينًا، ثم فَخَّارًا حتى كان صلصالًا، له صلصلة إذا ضربْتَ عليه ﴿كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن ١٤] كما قال الله عز وجل، ثم تكوَّن إنسانًا، والله على كل شيء قدير.

* طالب: هذا التكذيب (...) أم بصريح؟

* الشيخ: لا، لصريح، لصريح القرآن.

* الطالب: هذه يعني..

* الشيخ: هذه وغيرها.

* ومن فوائد الآية: أن هذا البشر الذي خُلِق من أصل واحد انتشر وملأ الأرض؛ لقوله: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾، وهذا من آيات الله، كيف أصل واحد -رجل واحد- انتشرت هذه الخليقة في جميع أرجاء الأرض؟

* ومن فوائد الآية أيضًا: أن الإنسان متحرك بالطبع، لا بد أن يتحرك وينتشر ويذهب ويجيء؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَصْدَقُ الْأَسْمَاءِ حَارِثٌ وَهَمَّامٌ»[[أخرج أبو داود (٤٩٥٠) بسنده عن أبي وهب الجشمي -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ: «تَسَمَّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ، وَأَحَبُّ الْأَسْمَاءِ إِلَى اللَّهِ: عَبْدُ اللَّهِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ. وَأَصْدَقُهَا: حَارِثٌ، وَهَمَّامٌ. وَأَقْبَحُهَا: حَرْبٌ، وَمُرَّةُ».]]؛ لأن الإنسان دائمًا يهتم ويحرث ويطلب رزقه.

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ [الروم ٢١].

اعلموا أنني راجعت كثيرًا من التفاسير التي عندي ما وجدت الحكمة في أنه سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ [الروم ٢٠]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَات﴾ [الروم ٢٢]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ مَنَامُكُمْ﴾ [الروم ٢٣]، ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ﴾ [الروم ٢١].

يعني ما رأيت أحدًا بَيَّنَ الحكمة في كونه يأتي مرة بالمصدر، ومرة بـ (أَنْ) الداخلة على الفعل، هي تُؤَوَّل بمصدر، لكن هل نقول: إن هذا من باب الاختلاف في التعبير الْمُرَاعَى به جانب اللفظ؟ أو إنه من باب التعبير الْمُراعَى به جانب المعنى؟

إن قلنا: إنه من باب التعبير الْمُرَاعَى به جانب اللفظ، فالأمر بسيط، نقول: إن الله تعالى غايَر بين العبارات لأجل ألَّا يَملَّ السامع إذا كان الكلام على وتيرة واحدة؛ لأنَّ الاختلاف في التعبير هذا مما يزيد الإنسان نشاطًا وتجددًا.

أما إذا قلنا: إن هناك أمرًا معنويًّا، فأنا إلى الآن ما عرفته، ولا ذكره الزمخشري، ولا أبو السعود، ولا هؤلاء الذين يتكلمون على مثل هذه الأمور.

قوله: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، نعود إلى فوائد الآية.

* من فوائد الآية: رحمةُ الله تبارك وتعالى بنا، حيث جعل أزواجنا من أنفسنا، أي من جنسنا.

* ومنها -من فوائد الآية-: أن من أهم أغراض النكاح ومقاصده: السكون إلى الزوجة، والاطمئنان إليها، والحياة معها حياة سعيدة، وأنه ينبغي للإنسان إذا رأى عدم السكون ولم تلتئم الحال ينبغي له أن يفارق؛ ولهذا قال أهل العلم: إن الطلاق يُستحب لتضرر المرأة بالبقاء مع الزوج، كونها تضرر ولا تستأنس مع الزوج ما ينبغي أن يُكرهها على أنْ تبقى معه، فإن بعض الناس -والعياذ بالله- يُكرهونهن على البقاء أو يَعضلونهن لأجل أن يفتدينَ، ويسلمن القروش علشان يطلقها، كل هذا حرام.

والذي ينبغي إذا رأيت من الزوجة أنها لا تستطيع أن تعيش معك عيشة سعيدة، ينبغي لك أن تُطلقها، والنبي ﷺ يقول: «مَنْ فَرَّجَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَومِ الْقِيَامَةِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠/٥٨) عن ابن عمر رضي الله عنهما.]]. ويقول عليه الصلاة والسلام: «وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ»[[أخرجه مسلم (٢٦٩٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].

وفي القرآن: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء ١٣٠]، فأنت إذا نويت الخير بالتوسعة على هذه المرأة التي ما عاشت معك وفارقتها، فلعل الله تعالى أن يُيَسر لك الأمر بحصول زوجة تألفها وتألفك، المهم أن من أهم أغراض النكاح أيش؟ السكون، والطمأنينة إلى الزوجة، والحياة حياة سعيدة.

* ومن فوائد الآية: إثبات حكمة الله وقدرته ورحمته أيضًا، حيث جعل بين الزوجين مودة ورحمة.

* ومن فوائدها أيضًا: الثناء على التفكير؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم ٢١]. فإن هذا واضح أنه محل ثناء لهم.

* ومن فوائدها: أن التفكير ينفتح به أبواب كثيرة، يعرف الإنسان بها من أحكام الله وحِكَمه ما لا يَحصُل له لو لم يفكر؛ لأنه خصَّ الآيات بمن؟

* طالب: بقوم يتفكرون.

* الشيخ: بالقوم الذين يتفكرون، ودلَّ هذا على أنه يَحصُل بالتفكر من الاطلاع على أحكام الله وحِكَمه ما لا يَحُصل بالغفلة.

التفكر يكون في آيات الله، أي: مخلوقاته ومشروعاته؛ لأن الآيات -كما سبق- إما كونية، وإما شرعية. يحصل التفكر في صفات الله من أي وجه؟ من وجه المعنى، أو من وجه الكيفية؟

* طالب: من وجه المعنى.

* الشيخ: من وجه المعنى، أما من وجه الكيفية فلا يجوز التفكر، لا يجوز التفكر في الصفات من حيث الكيفية؛ لأن ذلك محاولة لِمَا لا يمكن الحصول عليه؛ ولهذا قال الإمام مالك رحمه الله: (السؤال عنه بدعة). فلا يجوز أن نتفكر في كيفية صفة من صفات الله، نتفكر في المعنى دون الصفة.

التفكر في ذات الله عز وجل مِثْلُه لا يجوز؛ لأنه محاولة لِمَا لا يمكن الوصول إليه، ثم التفكير في هذه الأمور يَجُرُّ إلى بلايا ومهالك، والذي ضرَّ مَن ضرَّ من أهل التعطيل وأهل التشبيه أيضًا، اللي ضرَّهم هو محاولة الوصول إلى الكيفية؛ فلهذا آلَ بهم الأمر إلى التعطيل أو التمثيل، والمهم أن التفكر يكون في مخلوقات الله، وفي مشروعاته، وفي معاني أسمائه وصفاته، أما في ذاته وكيفية صفاته فإنه لا تفكُّر؛ وذلك لأنه مهما بلغ الإنسان فإن الفكر سَيَرجِعُ خاسئًا وهو حسير، والإعراض عن هذا هو الواجب كما قال الإمام مالك.

* طالب: كيف عرفنا أن ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم ١٧] أنه أوقات الصلوات؟ من أين الدليل؟

* الشيخ: الدليل أن التسبيح المطلَق خصَّه الله في وقتين: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق ٣٩]. ولما جعل هذا خمسة أوقات عُلِم من قرينة التقسيم في الوقت أن المراد بذلك الصلوات الخمس.

* طالب: (...) قوله سبحانه وتعالى: (...) ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾.

* الشيخ: إي نعم، صح، اللام للتعليل، ففيه إثبات الحكمة ردًّا على الجهمية، وكذلك الأشاعرة الذين ينكرون حكمة الله عز وجل، وعلى المعتزلة ولَّا لا؟

لا، المعتزلة يَغْلُونَ في إثبات الحكمة؛ ولهذا يرون أنه يجب على الله فِعْلُ الأصلح أو الصلاح.

* طالب: شيخ، بالنسبة (...) في دفع الصفات.

* الشيخ: في أيش؟

* الطالب: في ردِّ الصفات هل (...) على مقدمات عقلية متفق عليها بينهم، ولَّا كل واحد بعقله يُعَلل؟

* الشيخ: لا، كل واحد يعلل، يعني يختلفون في تعليل هذا الرد، يختلفون، أحيانًا يقولون: إنه يستلزم الجسمية، ولكن غالب ما يدورون عليه التمثيل، أنه مستلزَم من التمثيل، لكن يختلفون في الطرق الموصلة إليه.

* طالب: مسألة البعث في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الروم ١٩].

* الشيخ: ما قلناها؟

* الطالب: لا، ذكرنا القياس.

* الشيخ: صحيح، إثبات البعث في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ هذه ما ذكرناها في الآية الأولى.

* * *

قال: ﴿وَمِنْ آَيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢].

﴿مِنْ آَيَاتِهِ﴾: خبر مقدم، و﴿خَلْقُ﴾: مبتدأ مؤخر، ﴿خَلْقُ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: إيجادهما، إيجادهما بتقدير ونظام بديع، وهذا يشمل خلق هذه السماوات باعتبار كونها أجرامًا عظيمة، وباعتبارها مصلحة للعباد، فهذا من آيات الله.

قال: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ [الروم ٢٢]، اختلاف الألسنة أيضًا من آيات الله، ووجه ذلك أن هذه الألسُن من نوع واحد أو من جنس واحد، كلنا بشر، وكلنا من أب واحد، ومع ذلك تختلف الألسن اختلافًا عظيمًا، أليس كذلك؟

كذلك أيضًا هو من آيات الله؛ لأن كل إنسان يَعرفُ به جِنسَه بلغته، أنا أعرف مثلًا: هذا هندي، وهذا تركي، وهذا إنجليزي -مثلًا- وهذا ألماني، وهذا روسي، بسبب لغته، فهذا أيضًا من آيات الله، أنَّ الله جعلها دليلًا على جنس الإنسان.

وقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ﴾ يشمل أصل اللغة، ويشمل اللهجات، ويشمل السلامة من العيوب، ويشمل العيوب أيضًا، ويشمل الفصاحة، ويشمل العيب، يعني لا تظن أن اختلافنا اختلاف الألسنة فقط بجنس اللغة، لا بل بكل هذا، فأجناس اللغات من آيات الله عز وجل، وكون هذا الإنسان ينطق بالحروف نطقًا تامًّا هذا من آيات الله، والثاني بالعكس: ينطق بها على وجه اللُّدْغة أو يتثاقل، أو ما أشبه ذلك.

كذلك أيضًا قد نقول: إن من اختلاف اللسان الصوت، اختلاف الأصوات، هذا صوته جيد، وهذا حسن، والآخر بالعكس.

كذلك من اختلاف الألسن الفصاحة، ولَّا لا؟ الفصاحة وعدمه، فإن من الناس من يعطيه الله تعالى بلاغة في الكلام وحُسن أداء، حتى إنه يؤدي إليك المعنى بعبارة واضحة تفهما بأول مرة، ومن الناس من يكون بالعكس. فجميع ما يمكن أن يَرِد على اختلاف اللسان فإنه داخل في كونه من آيات الله عز وجل.

أما الألوان فحدِّثْ ولا حرج، فإنها من آيات الله، لا تكاد تجد اثنين متفقَيْن في اللون أبدًا، حتى لو كانا توأمَيْن لا بد أن يكون هناك خلاف، لكن منه ما يكون ظاهرًا ومنه ما يكون غير ظاهر، فالرجل الأبيض الأوروبي أظن بينه وبين الرجل الأسود الذي على خط الاستواء بينهما فرقًا، فرق شاسع، وما بين ذلك درجات متفاوتة، لكن لا تكاد تجد اثنين على لون واحد، هذا من الحكمة؛ لأنه لولا هذا لكان الناس يختلف بعضهم على بعض، ربما أُمسِك بواحد ويقول: تعال أعطني حقي أنت فلان بن فلان، يقول: لا أنا ما بكون. لكنه صار مثله بالضبط، وأيش يُدريه؟

ويقال: إن الله جعل لكل إنسان أربعين شبيهًا، ولكن ما أظن هذا يصح، بل إنه يقولون: إن البصمات التي في الأنامل أنها تختلف، كل واحد له بصمات على شكل لا يوافق الآخر، وهذا هو الظاهر؛ ولهذا الآن يُعتبَر في التحقيقات تُعتبَر البصمات، مما يدل على أنها تختلف قطعًا، وهذا مما يدل على قدرة الله سبحانه وتعالى، هذا الاختلاف العظيم الذي.. ملايين الملايين البشر ومع ذلك كل إنسان ما يمكن يطابق للآخر من كل وجه، لا بد يكون هناك علامة فارقة (...).

[[اختُصِرَ كلام المؤلف لشدة طوله]]

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском