Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:24–33
30:24–33Page 406
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَيُحۡيِۦ بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٤
And of His signs is [that] He shows you the lightning [causing] fear and aspiration, and He sends down rain from the sky by which He brings to life the earth after its lifelessness. Indeed in that are signs for a people who use reason.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلۡأَرۡضُ بِأَمۡرِهِۦۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمۡ دَعۡوَةٗ مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ إِذَآ أَنتُمۡ تَخۡرُجُونَ ٢٥
And of His signs is that the heaven and earth stand [i.e., remain] by His command. Then when He calls you with a [single] call from the earth, immediately you will come forth.
وَلَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ كُلّٞ لَّهُۥ قَٰنِتُونَ ٢٦
And to Him belongs whoever is in the heavens and earth. All are to Him devoutly obedient.
وَهُوَ ٱلَّذِي يَبۡدَؤُاْ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ وَهُوَ أَهۡوَنُ عَلَيۡهِۚ وَلَهُ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
And it is He who begins creation; then He repeats it, and that is [even] easier for Him. To Him belongs the highest description [i.e., attribute] in the heavens and earth. And He is the Exalted in Might, the Wise.
ضَرَبَ لَكُم مَّثَلٗا مِّنۡ أَنفُسِكُمۡۖ هَل لَّكُم مِّن مَّا مَلَكَتۡ أَيۡمَٰنُكُم مِّن شُرَكَآءَ فِي مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ فَأَنتُمۡ فِيهِ سَوَآءٞ تَخَافُونَهُمۡ كَخِيفَتِكُمۡ أَنفُسَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ ٱلۡأٓيَٰتِ لِقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٢٨
He presents to you an example from yourselves. Do you have among those whom your right hands possess [i.e., slaves] any partners in what We have provided for you so that you are equal therein [and] would fear them as your fear of one another [within a partnership]?1 Thus do We detail the verses for a people who use reason.
بَلِ ٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَهۡوَآءَهُم بِغَيۡرِ عِلۡمٖۖ فَمَن يَهۡدِي مَنۡ أَضَلَّ ٱللَّهُۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٢٩
But those who wrong follow their [own] desires without knowledge. Then who can guide one whom Allāh has sent astray? And for them there are no helpers.
فَأَقِمۡ وَجۡهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفٗاۚ فِطۡرَتَ ٱللَّهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيۡهَاۚ لَا تَبۡدِيلَ لِخَلۡقِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٠
So direct your face [i.e., self] toward the religion, inclining to truth. [Adhere to] the fiṭrah1 of Allāh upon which He has created [all] people. No change should there be in the creation of Allāh.2 That is the correct religion, but most of the people do not know.
۞ مُنِيبِينَ إِلَيۡهِ وَٱتَّقُوهُ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَلَا تَكُونُواْ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ٣١
[Adhere to it], turning in repentance to Him, and fear Him and establish prayer and do not be of those who associate others with Allāh
مِنَ ٱلَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمۡ وَكَانُواْ شِيَعٗاۖ كُلُّ حِزۡبِۭ بِمَا لَدَيۡهِمۡ فَرِحُونَ ٣٢
[Or] of those who have divided their religion and become sects, every faction rejoicing in what it has.1
وَإِذَا مَسَّ ٱلنَّاسَ ضُرّٞ دَعَوۡاْ رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيۡهِ ثُمَّ إِذَآ أَذَاقَهُم مِّنۡهُ رَحۡمَةً إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٣٣
And when adversity touches the people, they call upon their Lord, turning in repentance to Him. Then when He lets them taste mercy from Him, at once a party of them associate others with their Lord,
وقوله: ﴿يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤]، ﴿فَيُحْيِي﴾ الله عز وجل، و﴿بِهِ﴾ الباء للسببية، وهي تفيد -كما سيأتي إن شاء الله تعالى- إثبات العِلَل في أفعال الله، أو لا؟ إثبات العِلَل في أفعال الله سبق لنا مرارًا وتكرارًا بأن أفعال الله وشرع الله كله مقرون بالحكمة والتعليل.
ومنه ما سبق لكني نسيت أنبهكم عليها، قوله: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾ [الروم ٢١]، اللام للتعليل فتفيد الحكمة، ثبوت الحكمة في أفعال الله، وقد مر علينا في العقيدة أن مِن أهل البدع مَن ينكر الحكمة، مَن هم؟ الأصل الجبرية اللى هما الجهمية، ينكرون الحكمة، المعتزلة على العكس، المعتزلة يُوجِبُون الحكمة، ولهذا قالوا: إنه يجب على الله فعل الأصلح، كما مر علينا في العقيدة.
وقوله: ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، كلمة ﴿الْأَرْضَ﴾ هل المراد ذات الأرض تَحْيَا، أو المراد النبات الذي في الأرض يحيا؟
* طالب: النبات.
* الشيخ: المراد النبات الذي في الأرض.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيش نوعها؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: (...).
المراد بالأرض نباتُ الأرض، وحينئذ قد يعترض علينا معترض ويقول: إنكم تقولون: لا مجاز في القرآن، وهنا إذا حملتم الأرض على نباتها فقد قلتم بالمجاز، فما هو الجواب على هذا؟
الجواب على هذا أننا كرَّرْنَا مرارًا بأن الكلمة في حَدّ ذاتها لا يُفْهَم معناها إلا بسياقها، فقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٢] لا شك أن المراد ذات الأرض، لكن ﴿فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يخاطب أناسًا يعرفون الذي يحيا والذي يموت، يعرفون الذي يحيا بالمطر، والذي يموت بفقد المطر، فهل أحد ممن يخاطَب بهذه الآية يقول: إن هذا الطين وهذا الرمل وهذا الحجر يموت بِفَقْد المطر ويحيا بوجوده؟ ما أحد يقول هكذا، والكلمة يعيِّن معناها السياق.
وبهذا نَسْلَم من القول بالمجاز؛ لأن القول بالمجاز أبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه، والقرآن ما فيه شيء يصح نفيه؛ لأنه لو صح نفي شيء في القرآن لكان معناه التكذيب.
مثال ذلك: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف ٧٧] قال قائل: الجدار لا يريد، ويش معنى هذا؟ معناه نفي ما أثبت الله عز وجل، وهذا هو الذي جعل بعض أهل العلم يُنْكِر المجاز في القرآن ويُثْبِتُه في غيره من اللغة العربية، يقول: لأنه ليس في القرآن شيء يصح نفيه، وأبرز علامات المجاز أنه يصح نفيه.
ولكن الصواب ما اختاره شيخ الإسلام رحمه الله أنه لا مجاز لا في القرآن ولا في اللغة العربية؛ لأننا نقول: إن الذي يعيِّن المعنى هو السياق، وعليه فإذا تعيَّن معنى الكلمة فهو حقيقتها في كل سياق. (...)
(﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المذكور)، فالمشار إليه كل ما سبق، ﴿يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيُحْيِي بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [الروم ٢٤] هذه ثلاثة، هذا المذكور فيه ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ يقول: (يتدبرون)، وهنا قال: ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤]، أي: لذَوِي عقلٍ، والعقل تقدَّم أنه ينقسم إلى قسمين: عقل إدراك، وعقل رشد؛ عقل إدراك الذي هو مناط التكليف، الذي يقول فيه العلماء: يُشْتَرَط لوجوب الصلاة أن يكون عاقلًا، فيسميه عقل إدراك؛ لأن الإنسان به يدرك الأمور، فيميز بين النافع والضار وغيره.
العقل الثاني: عقل الرشد الذي هو مناط الثناء والمدح، وهو الذي يوجَد في القرآن كثيرًا، عقل الرشد.
مثلًا نفى الله سبحانه وتعالى العقل عن الكفار مع أنهم أذكياء، عندهم عقل إدراك، لكنهم ليس عندهم عقل رشد يتصرفون فيه تصرف العاقل، وسُمِّي العقل عقلًا؛ لأنه يعقل صاحبَه عما يضره، وهذا هو الذي جعله يسمى عقلًا، ويسمى حِجْرًا، ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ [الفجر ٥] ؛ لأنه يَحْجُر صاحبه ويحجزه عما لا ينفعه.
وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [الروم ٢٤] أتى بالعقل هنا؛ لأنه إشارة إلى ما سيُذْكَر فيما بعد؛ لأن الآيات كما تشاهدون كلها في تقرير إعادة الموتى، وانتقال العقل من هذه الأشياء المحسوسة إلى أشياء منظورة موجودة إنما يكون عن طريق العقل، ولهذا قال هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
ثم قال عز وجل: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ [الروم ٢٥] بإرادته من غير عَمَدٍ)، ﴿مِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ﴾ نقول في إعرابها كما قلنا فيما سبق، أي: من آياته قيامُ السماوات والأرض بأمره.
وقوله: (﴿بِأَمْرِهِ﴾: بإرادته بغير عَمَدٍ)، أفادنا المؤلف رحمه الله أن المراد بالأمر هنا الأمر الكوني؛ لأنه قال: بإرادته، وإن كان في تفسير الأمر بالإرادة شيء من الشك، إذ إنني أخشى أنه فَسَّرَ الأمر بالإرادة فرارًا من الكلام، أو من إثبات الكلام لله عز وجل؛ لأن الأمر ولو كان كونيًّا يكون بالكلام، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، فأخشى أن المؤلف -غفر الله له- أراد بتفسير الأمر بالإرادة الفرارَ من إثبات الكلام، ومعروف أن الأشاعرة لا يُثْبِتُون الكلام بالحرف والصوت، وإنما يُثْبِتُون الكلام على أنه المعنى القائم بالنفس، والحرف المكتوب والصوت المسموع يقولون: إنه عبارة عن كلام الله، وليس هو كلام الله.
وقوله: ﴿أَنْ تَقُومَ﴾ أيضًا فسَّرَه بقوله: من غير عَمَدٍ، وهذا يدل على أنه ذهب إلى أن المراد بالقيام هنا القيام الحسي، يعني: أن تبقى غير واقعة على الأرض، بل هي مُمْسَكَةٌ بأمر الله سبحانه وتعالى بغير عَمَدٍ، وهذا تفسير قاصر، والصواب أن قيام السماوات والأرض أعمّ من كونه قيامًا حِسِّيًّا أو قيامًا معنويًّا، بمعنى أنه يشمل القيام الحسي والقيام والمعنوي، فالسماوات قائمة بأمر الله قيامًا حسيًّا بما فيها من الانتظام بما خَلَقَ الله عز وجل من الأفلاك المتضَمَّنَة للشمس والقمر والنجوم وغير ذلك، وكذلك الأرض قائمة قيامًا حسيًّا بما أودع الله تعالى فيها من مصالح الخلق، من أشجار ونبات وأنهار وبحار، وغير ذلك، هذا قيام حسي.
فيه أيضًا قيام معنوي، وهو قيام هذه بطاعة الله، فإن المعاصي إفساد في الأرض، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف ٥٦]، فالسماوات أيضًا والأرض تقوم بأمر الله الشرعي كما تقوم بأمره الكوني، ولا قيام للأرض ولا للسماوات إلا بالتزام أمر الله الشرعي، فحينئذ يفسّر القيام بأنه قيام حسي وقيام معنوي، عرفتم؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: القيام الحسي ما هو؟ القيام الحسي هو قيام هذه الأجرام بما فيها من الأفلاك والنجوم، وبما في الأرض من أشجار وبحار وغير ذلك، هذا قيام حسي.
القيام المعنوي أيش المراد به؟ أن تقوم بطاعة الله عز وجل، وتصلح وتبقى بطاعة الله، فالآية شاملة للمعنيين، وعلى هذا يكون المراد بالأمر الأمر الكوني والأمر الشرعي.
قال: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ [الروم ٢٥] ، أتى بـ(ثم) بعد ذِكْر قيام السماوات والأرض؛ لأن البعث متأخر، ما يكون إلا بعد قيام الساعة، يقول: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الفاعل مَن؟ الله عز وجل، ﴿دَعْوَةً﴾ أي: واحدة، ﴿مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، (﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ بأن ينفخ إسرائيل في الصور فيُبْعَث مَن في القبور، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾ منها أحياءً، فخروجكم منها بدعوته من آياته تعالى).
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾، قوله: ﴿مِنَ الْأَرْضِ﴾ هل تتعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾ يعني: إذا دعاكم دعوة تخرجون من الأرض، أو متعلِّق بـ(دعا)؟ نقول: هو متعلق بـ(دعا)، إذا دعاكم دعوة من الأرض، وليس متعلق بـ﴿تَخْرُجُونَ﴾؛ لأنه لا يتعلق ما قبل (إذا) الفجائية بما بعدها.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ﴾، ﴿إِذَا﴾ شرطية، و﴿إِذَا أَنْتُمْ﴾ ﴿إِذَا﴾ فجائية، فهي نائبة مناب الفاء الواقعة في جواب الشرط.
قوله تعالى: ﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ﴾ يعني: دعاكم منها، هل دعوة الله تكون من الأرض، أو إذا دعاكم من الأرض، يعني أنكم أنتم في الأرض؟ المراد هذا، إذا دعاكم من الأرض، مثلما تقول: دعوته من بيته، ما أنا في البيت، لكن هو في البيت فدعوته منه ليحضر.
﴿إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، وهذه الآية كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ﴾ [النازعات ١٣، ١٤]، يعني: على وجه الأرض، ﴿إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ﴾، هذا من آيات الله أيضًا.
ثم قال: (﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٦] ملكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، الضمير في ﴿لَهُ﴾ يعود على الله، وهو خبر مقدَّم والمبتدأ منفي، وتقديم الخبر -كما هو معروف في علم البلاغة- يفيد الحصر، يعني: فالله وحده له مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾، ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ جارّ ومجرور متعلق بمحذوف تقديره؟
* طالب: أحيانًا.
* الشيخ: لا.
* طالب: مستقر.
* الشيخ: مستقر لا.
* طالب: استقر.
* الشيخ: استقر؛ لأن الجارّ والمجرور الواقع صلة للموصل يُقَدَّر بفعل، بخلاف الواقع خبرًا لمبتدأ فإنه يُقَدَّر باسم، (...) أن هذا للفرق بينهما، الجار والمجرور إذا وقع صلة -أو الظرف- إذا وقع صلة لموصول فقَدِّر مُتَعَلَّقَه فعلًا؛ لأن الأصل في صلة الموصول أن يكون جملة، لكن إذا وَقَعَ الجارّ والمجرور أو الظرف خبرًا لمبتدأ فقَدِّره باسم؛ لأن الأصل في الخبر أن يكون مفردًا لا جملة، تقول: زيد في البيت، تُقَدِّرُه: كائن في البيت، لأجل يكون (زيد) مبتدأ و(كائن) خبر، لكن لو قلت: زيد في البيت، أي: زيد استقر في البيت، صار الخبر جملة، والأصل في الخبر أن يكون مُفْرَدًا، كذا؟
أما إذا قلت: يعجبني الذي في المسجد، ما تقول: الذي كائن في المسجد؛ لأنك إذا قَدَّرْت (الذي كائن في المسجد) لزم أن تُقَدِّر مبتدأ أيضًا، أي: الذي هو كائن في المسجد، أليس كذلك؟ لماذا يلزمك أن تُقَدِّر مبتدأً؟ لأن صلة الموصول لا بد أن تكون جملة، بخلاف خبر المبتدأ فإنه يكون مفردًا، مفهوم يا جماعة؟
إذن عندما نُقَدِّر المتعلق للجارّ والمجرور الواقع صلة ماذا نُقَدِّره؟ فعلًا؛ ليكون ذلك جملة، وعندما نُقَدِّر متعلق الجار والمجرور أو الظرف للمبتدأ نقدره اسمًا.
﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ أي: مَن استقر في السماوات والأرض، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الملائكة، هذا الذي نعرف، والأرض من البشر والحيوان، وهنا قال: ﴿مَنْ﴾ تغليبًا للعاقل، وإلا فإن الأرض فيها العاقل وغير العاقل، ﴿مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: (مُلْكًا وخَلْقًا وعبيدًا)، كان الأولى أن يُقَدِّم الخلق، ثم الْمُلْك، ثم العبيد، فله مَن في السماوات هو الذي يملكهم سبحانه وتعالى، وهو الذي خَلَقَهُم، وهو رَبُّهم وهم عبيده، له ملك السماوات والأرض، ولا أحد يعارضه في ذلك، كل مَن في السماوات والأرض كما قال الله عز وجل: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم ٩٣].
(﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [الروم ٢٦]: مطيعون)، ﴿كُلٌّ﴾ مبتدأ، و﴿قَانِتُونَ﴾ خبره، والجار والمجرور ﴿لَهُ﴾ متعلق بـ﴿قَانِتُونَ﴾، لكنه قُدِّمَ عليه للاختصاص والحصر.
وقوله: ﴿كُلٌّ﴾ التنوين هنا عِوَضٌ عن مفرد، كلما جاءت (كل) أو (بعض) منونة فإنها عِوَض عن مفرد، المعنى يعني التقدير: كل مَن في السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لَهُ قَانِتُونَ﴾ يقول: (مطيعون)، والطاعة هنا طاعة وخضوع للأمر الكوني، وهذا شامل للمؤمن وغير المؤمن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: والثاني: طاعة وقنوت للأمر الشرعي، وهذا خاص بالمؤمن، وعلى هذا يكون المراد بالقنوت هنا الشرعي أو الكوني؟ الكوني؛ لأنه قال: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾، ولا يتصور هذا إلا في الكوني، فالكل خاضع لأمر الله قانت باعتبار أمره الكوني، إذا أراد شيئًا على مَن في السماوات والأرض قال له: كن، فيكون.
ثم قال تعالى: (﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ [الروم ٢٧] للناس، ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ [الروم ٢٧] بعد هلاكه، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧] من البدء).
﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ أي: يبتدئه، وأتى بكلمة ﴿يَبْدَأُ﴾؛ لأن الخلق مستمر، كل يوم يكون فيه ابتداء الخلق، أليس كذلك؟ الأجنة في بطون الأمهات تنشأ كل يوم، كم في الدنيا في اليوم الواحد جنين يُكَوَّن؟ كثير جدًّا، ولهذا أتى بالفعل المضارع الدالّ على الاستمرار، ولم يقل: بدأ.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ يعني: ثم هو، أي الله عز وجل، يعيده، ومعنى الإعادة رَدُّه على ما كان أولًا، كما في قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤] ، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن الناس «يُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا كَمَا بَدَؤُوا»[[أخرج البخاري -واللفظ له- (٣٣٤٩) ومسلم (٢٨٦٠) عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي ﷺ قال: «إنكم محشورون حفاةُ عراةً غُرْلًا، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]. ]].
قال: ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ﴾ الضمير يعود على الإعادة، كذا؟ المفهوم من قوله: ﴿يُعِيدُهُ﴾، فمرجع الضمير إذن المصدر المفهوم من الفعل، وقد سبق لنا عدة مرات أن مرجع الضمير قد لا يُذْكَرُ بلفظه، ولكن يُذْكَرُ ما يدل عليه، انظر إلى قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة ٨] ، أين مرجع الضمير في ﴿هُوَ﴾؟ العدل المفهوم من كلمة ﴿اعْدِلُوا﴾.
إذن ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ نقول: ﴿وَهُوَ﴾ أي: الإعادة، والإعادة مصدر، فَصَحَّ أن يعود الضمير عليها مُذَكَّرًا.
قال: ﴿أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾، (أهون) اسم تفضيل من هان يهون، واسم التفضيل يدل على أن الْهُون في حقه درجات، هَيِّن وأَهْوَن، ودرجات الْهُون قد توحي بأن هناك مشقة؛ لأنه لولا أن في بعضها مشقة ما صار بعضها أهون من بعض، ولذلك اختلف الْمُفَسِّرُون في اسم التفضيل هنا، وهو أهون، فقيل: إنه بمعنى هَيِّن، ﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: وهو هَيِّن عليه.
وقال بعض المفسرين ما ذهب إليه المؤلف؛ وهو أنه أهون عليه من البدء بالنظر إلى ما عند المخاطَبِين من أن إعادة الشيء أسهل من ابتدائه، وإلا فَهُمَا عند الله تعالى سواء في السهولة.
فصار الآن كلمة (أهون) هل هي على بابها أو لا؟ المؤلف مشى على أنها على بابها، لكنها باعتبار المخاطَبِين؛ لأن المخاطَب يعرف أن إعادة الشيء أهون من ابتدائه، وسبب ذلك أن إعادته لا تحتاج إلى تفكير جديد؛ لأنه قد سبق فيها التفكير، ثانيًا أن مواد التكوين موجودة، افرض -مثلًا- أنني صنعت سيارة، عندما أريد صنعها تحتاج إلى تفكير أولًا ومواد، فإذا أردت أن أُعِيدها مرة ثانية مثل أن تفككت هذه السيارة وأردت أن أعيدها، يكون الإعادة أهون؛ لأن التفكير فقد فرغت منه، والمواد موجودة موفرة، فيكون الإعادة أهون باعتبار المخاطَب، أما بالنسبة لله عز وجل فلا نقول: إنه في حقه ما هو أهون وما هو هَيِّن، بل الكل عند الله تعالى هَيِّن وسهل.
وقال بعض المفسرين: إن أهون بمعنى هيِّن، فعلى هذا يكون الهون بالنسبة إلى الله عز وجل لا بالنسبة لما عندنا نحن، وهو هين عليه.
في الحديث عن الرسول عليه الصلاة والسلام أن الله تعالى قال: «كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، قَالَ: أَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ إِنَّنِي لَنْ أُعِيدَهُ، وَلَيْسَ بَدْءُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادَتِهِ»[[أخرجه البخاري (٤٩٧٤) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، فهو مُفَسِّر للآية، ليس بَدْء الخلق بأهون عَلَيَّ من إعادته، فهو يفسر أن كل ذلك هَيِّن عليه، ولكن لا شك أن الإعادة أهون باعتبار المفهوم عند المخاطَبِين، فما مشى عليه المؤلف رحمه الله هنا جيد.
﴿وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الروم ٢٧] ، أي: الصفة العليا، وهي أنه لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ﴾، ﴿لَهُ﴾ خبر مقدَّم، و﴿الْمَثَلُ﴾ مبتدأ مؤخَّر، والْمَثَل يُطْلَق على عدة معانٍ، فيُطْلَق على الشَّبَه، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة ١٧] يعني: شَبَهُه كشَبَه الذي استوقد نارًا، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الصفة، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ [محمد ١٥]، ويُطْلَق الْمَثَلُ على الذات، قالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى ١١] يعني: ليس كذاته، وترى الْمَثَل والْمِثْل سواء، فمعناهما واحد، وقالوا: منه قول الشاعر:
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرِ ∗∗∗ ..........................
المراد بالْمَثَل هنا -وله المثل الأعلى- أيّ المعاني؟ الصفة، له الصفة العليا في السماوات الأرض، كل صفة كاملة فلله سبحانه وتعالى أكملها، وكل صفة نقص فإنه مُنَزَّهٌ عنها، لماذا يُنَزَّهُ عن صفة النقص؟ لأنه ما دام قد ثبت له الصفة الكاملة العليا فإنه بالضرورة العقلية ينتفي عنه النقص؛ لأنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له الْمَثَل الأعلى، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: إذن هذه الآية الكريمة تدل على صفات الكمال لله عز وجل، الكمال المطلَق؛ لأنه قال: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى﴾، وعلى انتفاء النقص من جميع الوجوه؛ إذ إنه لو اتصف بنقص ما استحق أن يكون له المثل الأعلى.
ونأخذ من هذا أنه كل ما وصف الله نفسه فهو صفة كمال، وليس فيه نقص، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، وكل كمال فإن الله تعالى مُسْتَحِقّ له، فهذان شيئان؛ الأول: أن نعلم عِلْمَ اليقين أن كل ما وصف الله به نفسه فهو صفة كمال، الثاني: أن نعلم أن كل صفة كمال فالله تعالى مستحِقّ لها، فهو أهلٌ لها كما قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَهْلُ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ»[[أخرجه مسلم (٤٧٧/٢٠٥) من حديث أبي سعيد الخدري. ]]، وسيأتي إن شاء الله في الفوائد ما يُسْتَدَلّ به على الرد على الذين ينكرون صفات الله بحجة أنها تستلزم النقص، وهو التشبيه.
وقوله: ﴿الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، كيف معنى المثل الأعلى في السماوات والأرض؟ نعم، يعني: عند أهل السماوات من الملائكة، وعند أهل الأرض، فكل الفِطَر السليمة فإنها تعترف بأن المثل الأعلى والصفة العليا لله وحده، وأما قول المؤلف: (وهي أنه لا إله إلا الله) فهذا فرد من أفراد المثل الأعلى، وليس هو المثل الأعلى كله، فإن لا إله إلا الله تدل على تفرده سبحانه وتعالى بالألوهية، وهذا من المثل الأعلى، لكن المثل الأعلى أعم من ذلك، فله -مثلًا- القدرة الكاملة، والعلم الكامل، والحياة الكاملة، والسمع الكامل، والبصر الكامل، والحكمة البالغة، وهكذا، فهي أعمّ من تفرده بالألوهية.
(﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ﴾ [الروم ٢٧] في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ [الروم ٢٧] في خلقه)، تفسيره هذا فيه قصور، العزيز يعني: ذو العزة، وهي الغلبة والقهر والقَدْر، فله عزة القهر والقَدْر سبحانه وتعالى، والقهر، فالعزة إذن ثلاثة معانٍ: عزة القهر، بمعنى أنه القاهر لكل شيء، فلا يغلبه أحد، قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون ٨].
الثاني: عزة القَدْر، أيش معنى عزة القَدْر؟ المعنى أنه سبحانه لا نظير له ولا شِبْهَ له؛ لكمال قَدْرِه سبحانه وتعالى وعظمته، ومنها قوله: هذا الشيء عزيز، أي: نادر الوجود لا نظير له.
المعنى الثالث من العزة: عزة الامتناع، بمعنى أنه يمتنع عليه النقص؛ لكمال قوته، ومنه قولهم: هذه الأرض عَزَاز، يعني: شِدَاد قوية، ما يمكن ينفذ إليها شيء، والأرض الرخوة بالعكس، كل شيء يؤثر فيها، حتى الرجل إذا مشى عليها يؤثر، ولَّا لا؟ بخلاف الأرض الصلبة التي تسمى العَزَاز.
فصارت الآن عزة القَدْر وعزة القهر، والثالث: عزة الامتناع.
قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم ٢٠] من أي المعاني؟
* طلبة: الامتناع.
* الشيخ: إي، الامتناع، ﴿بِعَزِيزٍ﴾ أي: بممتنع، فهو من عزة الامتناع.
وأما قوله: ﴿الْحَكِيمُ﴾ فالمؤلف يقول: (الحكيم في خَلْقه)، وأحيانًا يقول: في صنعه، ومعناهما واحد، لكن هذا قاصر أيضًا؛ لأن الحكيم مشتق من الْحُكْم والحكمة، فعلى قولنا: إنه مشتق من الْحُكم يكون حكيم بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، وعلى قولنا: إنه من الحكمة، يكون حكيم بمعنى مُتْقِن، فهو من أَحْكَمَ يُحْكِم.
فَعِيل بمعنى مُفْعِل هل تأتي في اللغة العربية؟ الجواب: نعم، ومنه قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة ١٠] بمعنى: مُؤْلِم، ومنه قول الشاعر:
أَمِنْ رَيْحَانَةَ الدَّاعِي السَّمِيعُ ∗∗∗ يُؤَرِّقُنِي وَأَصْحَابِي هُجُوعُ
(أمن ريحانة الداعي السَّمِيعُ) أي: الْمُسْمِع؛ لأن الداعي يُسْمِع غيره، وليس هو نفسه سميعًا، إذن نقول: حكيم إذا كان من الحكمة فهو من أيش؟ مِن أَحْكَمَ، بمعنى: أتقن، حطوا بالكم لتفسيره، حكيم نقول: مأخوذة من الْحُكْم والحكمة، فعلى أنه مأخوذ من الْحُكْم يكون بمعنى حاكم، مثل: رحيم بمعنى راحم، سميع بمعنى سامع.
إذا قلنا: إنه من الحكمة فهي من أَحْكَمَ، فهي حكيم بمعنى مُحْكِم، أي: اسم فاعل من الرباعي.
الْحُكْم، ينقسم حكم الله عز وجل إلى قسمين: كوني وشرعي؛ فالكوني نافذ في جميع الخلق شاؤوا أم أَبَوْا، والشرعي نافذ في مَن؟ أطاع الله عز وجل، أما مَن لم يطعه فإنه لا ينفذ حكمه.
هل هناك أمثلة من القرآن تدل على هذا التقسيم؛ أن الحكم كوني وشرعي؟ نقول: نعم موجود، قال أحد إخوة يوسف: ﴿فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ [يوسف ٨٠]، المراد بالْحُكْم هنا الْحُكْم الكوني القَدَرِي، يعني: أو يُقَدِّر الله ذلك، أما الْحُكْم الشرعي فإن الله لما ذَكَرَ ما يجب في النساء المهاجرات في سورة الممتحنة أيش قال؟ قال: ﴿ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة ١٠]، المراد بالحكم هنا الشرعي؛ لأن ما ذُكِرَ من الأمور كله أمور شرعية.
ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [القصص ٧٠]؟ أي الحكمين؟ شامل، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠]، الظاهر أنه شامل، وإن كان في الشرع في هذه الآية أظهر؛ لأن الله قال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة ٥٠].
إذن الحكيم من الْحُكْم تنقسم إلى قسمين هما: حكم شرعي وحكم كوني؛ الحكم الكوني هو قضاؤه وقَدَرُه، وكل أحد خاضع له، الحكم الشرعي ما حكم به شرعًا، ويخضع له كل أحد؟ لا، لا يخضع له كل أحد.
أما إذا قلنا: إنه من أحكم، حكيم من الحكمة بمعنى مُحْكِم فإن الحكمة يقولون: إنها تنقسم إلى قسمين: حكمة غائِيَّة وحكمة صورية، يعني صورة الشيء كذا وكذا، فكَوْن الشيء على صورة معينة نجد أن جميع ما خلقه الله في صفاته كله على صفةٍ مُوَافِقَة للحكمة، تَدَبَّر المخلوقات تجد أن المخلوقات في ذواتها وحركاتها وهيئاتها وصفاتها كلها موافقة للحكمة.
الحكمة الغائية هي الغايات المحمودة في أفعاله وأحكامه الشرعية، كل ما خلق الله عز وجل فإنه لغاية محمودة، ليس عبثًا ولا سدى، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الدخان ٣٨، ٣٩]، ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾ [ص ٢٧]، حتى ما يُقَدِّرُه الله من الأمور المؤلمة فإنها حكمة، فهزيمة المؤمنين يوم أُحُد حِكْمة ولَّا لا؟ نعم حكمة لا شك، ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ (١٦٦) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا﴾ [آل عمران ١٦٦، ١٦٧]، وقال: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١].
فإذن كل أفعاله سبحانه وتعالى حكمة، ولها غاية محمودة، كذلك أيضًا أحكامه الشرعية مثل أحكامه الكونية، هي على وضعها على صفة معنية موافقة للحكمة، ثم غاياتها الحميدة التي بها صلاح القلوب والبلاد والعباد أيضًا حكمة، فصار يا إخواننا الحكمة نوعان: حكمة في الشيء على صفة معينة، وحكمة في غايته الحميدة، ثم إن هذه الحكمة تكون في الشرع وتكون في القَدَر في الكون إننا إذا علمنا ذلك أن الله تعالى حكيم فإننا نطمئن غاية الاطمئنان لما قضاه وقَدَّرَه، ولما شرعه وحكم به، نطمئن، وأنه موافق للحكمة، وحينئذ لا يمكن أن نُورِد ولا أن يَرِد على (...) جاء كذا، من أين شُرِعَ كذا، إلا على سبيل الاسترشاد، فالإنسان اللي يسأل عن الحكمة مسترشدًا لا بأس، أما الذي يسأل عن الحكمة معترضًا فإنه قاصر، ولم يَقْدُر الله حق قدره.
ثم قال تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، حطوا بالكم من كلمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ وبهذا التفسير الذي فسرناها به يتبين أن المؤلف رحمه الله قد قَصَّر في تفسيرها.
(﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾، ﴿ضَرَبَ﴾: جعل، ﴿لَكُمْ﴾ أيها المشركون، ﴿مَثَلًا﴾ كائنًا، ﴿مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وهو..).
﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا﴾ الْمَثَل بمعنى الشَّبَه والنظير، يعني: ضرب لكم أمرًا نظيرًا لما فعلتم أنتم في جانب الله عز وجل، ما هذا الْمَثَل؟ ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول: (وهو ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ﴾، ﴿مِنْ مَا﴾ أي: من الذي، ﴿مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: من مماليككم، ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ لكم).
كلمة ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ إعرابها أنها مبتدأ دخل عليها حرف (مِن) لأجل العموم، ولكنه قد يُشْكِل علينا أن (من) ما تُزَادُ إلا بعد النفي، ابن مالك ويش يقول في هذه المسألة؟
وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرْ نَكِرَةً كَمَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرْ
اللي معنا الآن ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ قلنا: إن (من) هذه زائدة إعرابًا، ولكنها في المعنى لها معنى، وهو التنصيص على العموم، وذكر ابن مالك أنها لا تُزَاد إلا بعد نفي وشبهه، اللي معنا الآن شِبْه نفي نعم؛ لأنه استفهام بمعنى النفي، يعني: ما لكم مما ملكت أيمانكم من شركاء فيما رزقناكم.
وقوله: ﴿مِنْ شُرَكَاءَ﴾ أي: مشاركين لكم (﴿فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ من أموال وغيره، ﴿فَأَنْتُمْ﴾ وهم ﴿فِيهِ سَوَاءٌ﴾ )، هذه قوله: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ ليست عائدة على النفي، لكنها عائدة على الْمَنْفِيّ، يعني: فهل أنتم سواء فيما رزقناكم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم؟ أي: أمثالكم من الأحرار، والاستفهام بمعنى النفي، المعنى: ليس مماليككم شركاء لكم إلى آخره عندكم، فكيف تجعلون بعض مماليك الله شركاء له؟!
قوله: ﴿تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [الروم ٢٨]، يقول المؤلف رحمه الله: (أي: أمثالكم من الأحرار)، فجعل الأنفس هنا بمعنى الجنس؛ لأن النفس كما تقدم تأتي بمعنى الجنس، يعني: يقول: هل هؤلاء المماليك شركاء لكم في رزقكم من الأموال والأولاد، ومساوون لكم، وتخافونهم كما تخافون من أنفسكم؟ ويش الجواب؟ لا، فإذا كان كذلك فلماذا تجعلون هذه الأصنام شركاء مع الله وهي مخلوقة له مملوكة مربوبة له.
إذن الْمَثَل واضح جدًّا في أن هؤلاء المشركين يُفَرِّقُون بين المتماثِلَيْن، أليس كذلك؟
* طالب: بلى.
* الشيخ: فكما أنكم الآن بإقراركم أن عبيدكم لا يساوونكم في المنزلة، ولا يشاركونكم في الرزق، فكذلك أيضًا ما يملكه الله عز وجل من هذه الأصنام وغيرها لا يساوون الله تعالى في المنزلة، ولا يشاركونه في الحقوق، وهذا مَثَل ظاهر جدًّا.
مثاله أيضًا من أنفسنا نحن، هذا رجل يُؤَدِّب ولده إذا أخطأ، فقال له بعض الناس: ليش تؤدب ولدك، ليش تضربه، ليش تنهره؟ ماذا يقول لهم؟ يقول: ألست تفعل بولدك مثل هذا؟ أيش الجواب؟ الجواب: بلى، إذن كيف تلومني على شيء تفعله أنت؟
هذا الذي ذكر الله عنهم يقال لهم: كيف تجعلون مع الله شريكًا فيما يستحقه وحده، وأنتم لا تجعلون لأنفسكم شريكًا من عبيدكم فيما تَخْتَصُّون به من الرزق، والعجيب أن هذه الآية استدل بها مَن يرون الاشتراكية، أول ما ظهرت الاشتراكية في العالم العربي بدؤوا يأتون بالنصوص المتشابهة، وقالوا: هذه الآية صريحة في الاشتراكية.
كيف ذلك؟ قال: لأنه يقول: ﴿فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ شوف كيف التلبيس؟ وهذه ما هي على ما أرادوا، هذه داخلة في النفي، يعني: لستم فيه سواءً، أليس كذلك؟
* طلبة: بلى.
* الشيخ: هذا معنى الآية، لكن دائمًا أهل الباطل يُلَبِّسُون لباطلهم بمتشابه النصوص، وهذه من حكمة لله عز وجل أنه في النصوص أشياء متشابهة ليَضِلّ بها مَن يَضِلّ، والله أعلم، وهذه وجدتها (...)
﴿مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أولًا: أن البرق من آيات الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن البرق يشتمل على الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
وسبق أن الصحيح أنها ليست مُوَزَّعَة كما ذهب إليه المؤلف، بل هي صفة مشتملة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى بإنزال الماء من السماء.
* ومنها: رحمته بالخلق، حيث كان إنزال هذا المطر من السماء، هذا واحد، وحيث كان ينزل شيئًا فشيئًا؛ لأنه لو كان ينزل دفعة واحدة لأهلك الناس.
* ومن فوائد الآية: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث يحيي الأرض بعد موتها، تجد الأرض يابسة ما فيها عود أخضر، ثم بعد نزول المطر تصبح مُخْضَرَّة تهتز.
* ومنها: رحمته بالخلق أيضًا، فإن إحياء الأرض نافع للإنسان والحيوان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا ينتفع بالآيات إلا ذوو العقول، تؤخذ؟
* طالب: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
* الشيخ: نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: استعمال العقل في القياس، في قياس الأشياء المتشابهة، والنظير على نظيره.
* ومن فوائدها: أن القياس من الأدلة العقلية، وإن كان ثابتًا بالشرع، لكن طريقه هو العقل؛ لأن العقل يهتدي بهذا على هذا، وينتقل من هذا إلى هذا.
وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾ إلى آخره.
* من فوائد الآية الكريمة: أن قيام السماوات والأرض بأمر الله، ليس للمخلوقين فيه تعلُّق إطلاقًا، الله تعالى هو الذي يُقِيمُها، يقيم السماوات والأرض، سواء القيام الحسي أو المعنوي.
* ومنها: إثبات الكلام لله، من أين؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences