Ibn 'UthayminAr‑Rum · 30:34–40

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:34–40, continued

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن السيئة لا تُضاف إلى الله؛ لأنه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ ولم يقل: وما أصبناهم.

فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء ٧٨]. فما هو الجمع؟

* طالب: (...).

* الشيخ: طيب هنا قلنا: إن السيئة لا تضاف إلى الله؛ أي أن إيقاعها سيئة ولَّا لا؟ إيقاعها ليس بسيئة، هي سيئة لكن إيجادها ليس بسيئة، بل ولحكمة، فالشيء بنفسه قد يكون سوءًا لكن بالنسبة لفعل الفاعل لا يكون فعل الفاعل سوءًا، هذا رجل لُدِغَ ابنه، واحتاج الابن إلى كي، فأحمى الحديدة في النار وكواه، فصرخ الابن فرحًا أو ألمًا؟ ألمًا، إذن هذه سيئة ولَّا لا؟ لكن كي والده إياه سيئة ولَّا حسنة؟ حسنة.

فحينئذٍ يجب أن نعرف الفرق بين الفعل والمفعول، فالسوء والشر إنما هو بالنسبة لمفعول الله من الصفات المنفصلة عن الله، أما بالنسبة للفعل الذي هو فعل نفسه فإنه لا يمكن أن يكون شرًّا أبدًا بل هو خير، ويمكن أن تقول: إن الخير نوعان: خير لذاته، وخير لغيره، فما كان شرًّا في نفسه وقدَّره الله فهو خير لغيره، وما كان خيرًا في نفسه فهو خير، واضح، ممكن نقول هكذا؟ فإذن لنا عن هذا جوابان؛ الجواب الأول: أن يُقال: إن الشر ليس في فعل الله، بل هو في مفعوله، أما إيجاد الله له فهو خير لما يتضمنه من الحكمة البالغة، هذا واحد ونظيره كَيُّ الإنسان ابنه ليُشفى من المرض فهو في ذاته الكي شر، لكن بالنسبة لفعل الأب له خير، هذا وجه.

أو يقال: إن الخير نوعان؛ خير لذاته، وخير لغيره، فما كان خيرًا محضًا فهو خير لذاته كالمطر، والنبات، والأمن، وما أشبه ذلك وما كان شرًّا لذاته فهو خير لغيره، إذا كان الشر خيرًا لغيره صار بهذا خيرًا، فالجدب والقحط والخوف وما أشبه ذلك خير؛ لأنه يؤدي إلى خير كما قال الله عز وجل: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].

* ومن فوائد الآية الكريمة: فهمنا الآن أن السوء لا يضاف إلى الله، وإنما يضاف إلى مفعولاته.

* من فوائد الآية الكريمة: أن السوء لا ينال الناس إلا بأعمالهم؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ طيب سؤال هل هذا يشمل السوء في الأمور الدينية والأمور الدنيوية أو في الأمور الدنيوية فقط؟ فيهما جميعًا؛ فالجدب والقحط بسبب الأعمال السيئة والمعاصي، كذلك زيغ القلب بسبب المعاصي ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف ٥].

إذن المصائب الدينية والدنيوية كلها بسبب أعمالنا نحن، فلو استقمنا استقامت لنا الأمور، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال ٢٩] شوف فرقانًا، إذن التقوى سبب للعلم؛ لأن الفرقان ما يكون إلا بعلم يفرق الإنسان فيه بين النافع والضار والحق والباطل، إذن نقول: هذا يشمل أمور الدين وأمور الدنيا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم القنوط من رحمة الله، من أين يؤخذ؟ لأن الله أطلقه على سبيل الذم، ﴿إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ﴾، هذا دليل على تحريمه، ودليل على تحريمه بالنظر أن القنوط يستلزم عدم الرجوع إلى الله؛ يعني إذا قنط من رحمة الله كيف يرجو رحمة الله؟ فيستحسر وييئس والعياذ بالله، ولا يتعرض لما فيه الرجاء والأمل.

* الطالب: شيخ، البلاء..

* الشيخ: البلاء بما يُؤلم هذا سوء، والبلاء بما يسر هذا ابتلاء وليس سوءًا.

* الطالب: المؤمن يُبتلى على قدر إيمانه؟

* الشيخ: يُبتلى على قدر إيمانه؛ لأنه أحيانًا يكون الابتلاء بالمصائب ليس من أجل عقوبة لكن من أجل التمثيل وهو البيان، وهذا مر علينا أنه قد يقع ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ [محمد ٣١] ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ﴾ [البقرة ٢١٤].

وقلنا: إن الابتلاء مع استقامة الحال ليس المراد به تكفير سيئة حصلت بل المراد به رفع درجات؛ لأن الصبر ما يكون إلا على بلوى، والصبر مرتبة عالية ما ينال إلا بمشقة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الاختيار في البحث؛ لقوله: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الروم ٣٦]. فيكون في ذلك رد لقول مَنْ؟ الجبرية الذين يقولون: إن الإنسان ما له اختيار في العمل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قد يُعاقَب على أعمال القلوب، أو قد يُذم على أعمال القلوب؛ لأن القنوط من أعمال القلوب؛ إذ إنه أشد اليأس ومحله القلب.

إلى الغيبة، ففيه تعلية للشأن مثل التعبير بقوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي﴾ [غافر ٦٠]، ما قال: وقلت لكم، أو أقول لكم؛ تعظيمًا لشأنه تعالى، ويش يصير المراد بذلك؟ تعظيم شأن هؤلاء الذين أرادوا وجه الله عز وجل بكونهم حصلوا على مضاعفة الأجر والثواب بخلاف الأولين.

ثم قال تعالى: (﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ممن أشركتم بالله ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ) يقول المؤلف: (لا ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ به).

﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ يعني: أوجدكم من العدم، لكن الخلق ليس مجرد الإيجاد بل هو الإيجاد بتقديرٍ، بل إن بعضهم قال: إن الخلق في الأصل هو التقدير، واستدلوا لذلك بقول الشاعر:

وَلَأَنْتَ تَفْرِي مَاخَـــــــــــــــــــــــــــلَقْتَ ∗∗∗ وَبَعْضُ النَّاسِ يَخْلُقُ ثُمَّ لَايَفْرِي

ويش معنى (ما خلقتَ)؟ أي: ما قدَّرتَ، ولكن الصحيح أنه يطلق على الإيجاد المسبوق للتقدير، فمعنى ﴿خَلَقَكُمْ﴾ أوجدكم إيجادًا مسبوقًا بالتقدير والإحكام والإتقان. وهذا مسلم ولَّا لا؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: حتى عند المشركين؟ حتى عندهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف ٨٧]، ولا يمكن لأحد إلا المجنون أن يدعي أنه خلق نفسه، أبدًا، أو يدَّعي أنه خُلِقَ بدون خالق، ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور ٣٥]؟ لا. فأنت ما خلقك أبوك، ولا خلقتك أمك، ولا خلقك أحد من البشر، ولا من غير البشر سوى الله سبحانه وتعالى، وهذا أمر مُسَلَّم.

ثانيًا: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾..

* طالب: الشيوعية يقولون: خلقتهم الحجارة (...).

* الشيخ: يقولون: إنها الطبيعة، فيعترفون بهؤلاء الخلق، لكن هؤلاء مكابرون لا عبرة بقولهم.

* طالب: أهل الطبيعة، ويش يصفون الخلق؟

* الشيخ: يقولون: هذا شيء وُجِد في الأزل على هذه الصفة وصار يتفاعل ويتوالد، وما أشبه ذلك.

* الطالب: لكن ما هم مقرين أن الله هو الخالق.

* الشيخ: لكن يقرون بموجد، ما يقولون: إن هذا الشيء مثلًا.. إن هذا الإنسان أو هذا الحيوان وُجِد هكذا صدفةً، يُقِرُّون بموجد وهي الطبيعة، فنقول لهم: هذه الطبيعة من الذي أوجدها؟

وقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾ [الروم ٤٠]..

* طالب: (...) حقيقة الأمر (...).

* الشيخ: ﴿رَزَقَكُمْ﴾ أي: أعطاكم، والرزق في اللغة العطاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ [النساء ٨] أعطوهم.

وهل أحد يدعي أن الرازق سوى الله؟ قد يدعي أحد، قد يقول: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الله قال: ﴿فَارْزُقُوهُمْ﴾، فأنا رزقت هذا الإنسان أعطيته، فيقال: لكن من الذي خلق ما أعطيت؟ الله الذي رزقك هذا هو الله، ومهما كان من عمل بني آدم فإنما هو تحويل لا إيجاد، كل عمل بني آدم -حتى الصنائع والبناء وغير ذلك- ليس إلا مجرد تحويل؛ يعني: تغيير من شيء إلى شيء، وإلا فالأصل هو الله عز وجل، هو الخالق، وهو الموجد، هذا الرزق اللي أعطيت مثلًا، هذا الرجل أعطيته كيسًا من الطعام، صحيح أنك رزقته، لكن من الذي أوجد هذا الكيس؟ الله عز وجل، فإذن الرزق أصله من الله وإن كان قد يوجد على أيدي بعض الناس؛ لقوله تعالى: ﴿فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾، وقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ» »[[أخرجه مسلم (١٢١٨ / ١٤٧) من حديث جابر بن عبد الله.]].

لكن يقال: من الذي خلق هذا الرزق؟ ومن الذي جلبه إليك؟ ومن الذي قدَّر أن تعطيه هذا؟ كله الجواب هو الله.

وقوله: ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد هذا الخلق والإمداد؛ الخلق إعداد، والرزق إمداد، الله عز وجل أوجدك وأعدك وهيأك، ثم أمدك بما به قوامك، بعد ذلك يميتكم، ﴿يُمِيتُكُمْ﴾ يعني: بعد الحياة الدنيا يكون الموت؛ وهو مفارقةُ الروحِ البدنَ مفارقةً تامةً، لأن النوم فيه مفارقة تفارق الروح البدن لكن ليست مفارقة تامة، أما الموت الذي هو الموت فهي مفارقة تامة، ولكنها تُعَاد إليه في قبره إعادةً برزخيةً لا كإعادتها في الدنيا.

﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الحياة الآخرة التي ليس بعدها فناء.

قال الله عز وجل: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ هذه مضافة إلى المفعول ولَّا إلى الفاعل؟

* طالب: إلى الفاعل.

* الشيخ: ﴿مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ الذين أشركتموهم، فتكون مضافة إلى المفعول؛ يعني هل من هؤلاء الذين أشركتموهم بالله؟ ولهذا قال المؤلف: (ممن أشركتم بالله).

* طالب: أشركتم هذا (...).

* الشيخ: لا، أشركتم، لكن أشركتموهم، أصلًا ممن أشركتموهم.

* طالب: أن الإنسان يشرك.

* الشيخ: نعم، إذا أشرك فالمشرَك به مفعول، فمعنى ﴿شُرَكَائِكُمْ﴾ ليس معناه هم الذين أشركوكم، بل أنتم الذين أشركتموهم مع الله، فهو مضاف إلى مفعوله.

قال: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ إعراب ﴿مَنْ يَفْعَلُ﴾، ويش محلها من الإعراب؟

* طالب: فعل الشرط.

* الشيخ: أي شرط؟

* طالب: (هل).

* الشيخ: لا، ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ﴾ (مَن) ويش إعرابها؟

* طالب: مفعول المصدر.

* الشيخ: لا، يحتمل أن تكون نكرة موصوفة، والتقدير: هل من شركائكم أحدٌ يفعل ذلك، ويحتمل أن تكون موصولة على أنها مبتدأ مؤخر؛ أي: الذي من شركائكم، هل الذي يفعل ذلك من شركائكم؟ والأول أحسن؛ أن تكون نكرة موصوفة؛ يعني: هل من شركائكم أحد يفعل من ذلك؟

وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ (مِن) زائدة، وصحت زيادتها؛ لأن الاستفهام هنا بمعنى النفي، و(مِن) تزاد في النفي، كما قال ابن مالك:

وَزِيدَ فِي نَفْيٍ وَشِبْهِهِ فَجَرّ ∗∗∗ نَكِرَةً كَـ(مَا لِبَاغٍ مِنْ مَفَرّ)

وقوله: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ المشار إليه ما هو؟ الخلق والرزق والإحياء والإماتة، فعلى هذا يكون الجواب عن كونه مفردًا مَذَكَّرًا مع أن السابق أربعة أشياء؛ جمع، يقال: لأنه أُوِّل بالمذكور، ﴿مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي: من ذلكم المذكور، فصحَّ أن يأتي اسم الإشارة مفردًا مذكرًا؛ لأنه عائد إلى المذكور.

وقوله: ﴿مِنْ شَيْءٍ﴾ يعني: ما يمكن يفعل هؤلاء أي شيء من هذه الأمور؛ لا الخلق، ولا الرزق، ولا الإحياء، ولا الإماتة. وهذا على سبيل التحدي، فإذا كانت هذه الآلهة التي أشركت بالله لا تفعل شيئًا من هذا، هل تصح أن تكون آلهة؟ لا، بل تأليهها باطل؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ [الحج ٦٢].

يبقى النظر لو ادعى مدعٍ أنه يحيي ويميت؛ كالذي حاج إبراهيم في ربه، إبراهيم ﷺ قال له: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ [البقرة ٢٥٨]، فما هو الجواب لو قال قائل: إن من المعبودين من يستطيع أن يحيي ويميت؟

نقول: هذه دعوى باطلة؛ لأن الإحياء والإماتة من الإنسان ليست إحياء وإماتة ولكنها فِعْلُ سببٍ يحصل به (...).

﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الروم ٣٨] إلى آخره.

* من فوائد الآية الكريمة: أن لهؤلاء الأصناف الثلاثة حق؛ القريب والمسكين وابن السبيل.

* ومن فوائدها: وجوب إيتاء هؤلاء حقهم. من أين تؤخذ؟ من (آت) الأمر، والأصل في الأمر الوجوب.

* ومن فوائدها: أن الأقرب فالأقرب أحق. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿ذَا الْقُرْبَى﴾، لكن كيف الأخذ؟ الأخذ هو أن لدينا قاعدة سبق أن قررناها؛ وهي أن الحكم إذا عُلِّق على وصف فكل ما كان أكثر في هذا الوصف فهو أحق، إذا عُلِّق الحكم على وصف فكلما كان هذا الوصف أشد تمكنًا في شيء فهو أحق.

فمثلًا إذا قلت: أدِّبِ العاصي، عُلِّق التأديب بماذا؟ بالعصيان، ويش يقتضي؟ كل من كان أشد معصية كان أشد تأديبًا، أو لا؟ وإذا قلنا: أكرم المؤمن، صار معنى ذلك كل من كان أقوى إيمانًا صار أحق بالإكرام.

﴿ذَا الْقُرْبَى﴾ عُلِّق الحق بماذا؟ بالقرابة، فكلما كان أقرب كان أحق بالإيتاء.

وهذه القاعدة مفيدة لطالب العلم؛ أنه إذا عُلِّق الحكم على وصف قوي ذلك الحكم بقوة ذلك الوصف، نظرًا أن تعليقه بالوصف يفيد عِلِّيته، وهذا أيضًا القاعدة الثانية؛ أن تعليق الحكم بالوصف يفيد أن ذلك الوصف علة.

فمثلًا تقول: أكرم المؤمن. لماذا؟ لإيمانه. أدب الفاسق؛ لفسقه، ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [المائدة ٦٤] ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص ٧٧]، معناه: لإفسادهم، وهكذا نقول: إن تعليق الحكم بالوصف يدل على عِلِّية ذلك الوصف، وأنه علة الحكم، وبناء على هذه القاعدة تأتي القاعدة الأولى أيضًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن كل من كان أحق بالإحسان فهو أولى به؛ لأن المسكين أحق بالإحسان من الغني، وابن السبيل المسافر المنقطع به سفره أحق من غيره.

* من فوائد الآية الكريمة: أن النفع المتعدي خير في نفسه. وهل هو خير للفاعل؟ خير له بشرط، فهو خير بنفسه وإن لم ينتفع به الفاعل.

بناء على ذلك يتفرع على هذا أن ما يبذله الكفار من منافع للمسلمين هي خير للمسلمين، ما نقول: هذه صدرت من كافر فليست بخير، ما فيها خير، لا، لو أن أحدًا من الكفار أصلح طريقًا من الطرق من هذه الشركات الكافرة، هل يكون في هذا الإصلاح خير؟ نعم، خير لا شك فيه، لكن ليس خيرًا لهم إنما هو خير لغيرهم.

* ومن فوائد الآية: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.

* ومن فوائدها: أنه كلما كان العمل أخلص لله كان أكثر خيرًا للفاعل. من أين نأخذ هذا الحكم؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، إحنا أخذنا أنه فيه خير لمن أراد الإخلاص، لكن كلما كان أخلص كان أكثر خيرًا للفاعل، من القاعدة التي مرت علينا؛ أن هذا الحكم عُلِّق بعلة ﴿لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ﴾؛ لأن اسم الموصول مع صلته كاسم الفاعل تمامًا، فيكون خيرًا للذين يريدون، إذن فكلما كان الإنسان أخلص في إرادة وجه الله كان خيرًا، أكثر خيرًا له.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الوجه لله؛ لقوله: ﴿وَجْهَ اللَّهِ﴾.

ووجه الله عز وجل قال أهل العلم: إنه من الصفات الخبرية؛ لأن عندهم أن الصفات خبرية محضة، يعبِّرون عنها بالخبرية؛ لئلا يقعوا في المحذور، فلا يقولون: إنها بعضية -مثلًا- أو جزئية؛ لأن التبعض والتجزئة في ذات الله عز وجل محرَّم إطلاقه، فالوجه واليد والعين والساق والقدم كل هذه يُعَبَّر عنها بالصفات الخبرية، لكن السمع والعلم والقدرة والحياة ويش تسمى؟ صفات معنوية؛ صفات معانٍ.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى رؤية الله عز وجل. كيف ذلك؟ لقوله: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.

ولا شك أنه ثابت؛ رؤية الله عز وجل ثابتة بالقرآن والسنة وإجماع السلف، ففي القرآن قال الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة ٢٢، ٢٣] ويش معنى (ناضرة) الأولى؟ من النضارة؛ وهي الحُسْن، ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ بالظاء منين؟ من النظر؛ وهو الرؤية بالعين، وهذه الآية من أصرح ما في القرآن، وفيه آيات أخرى: ﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾ [المطففين ٢٣]، وفيه آية ثالثة: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس ٢٦]، فسرها النبي عليه الصلاة والسلام بأنها النظر إلى وجه الله[[أخرجه مسلم (١٨١ / ٢٩٧) من حديث صهيب.]]، وفيه آية رابعة: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ﴾ [ق ٣٥]، وفيه آية خامسة وهي قوله تعالى في الأنعام: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام ١٠٣] فإن هذه الآية تدل على الرؤية؛ لأن الله قال: ﴿لَا تُدْرِكُهُ﴾، ونفي الإدراك يدل على ثبوت الأصل، ولو كان لا يُرَى لقال: لا تراه الأبصار، فنفي الأخص يقتضي وجود الأعم؛ ولهذا كانت هذه الآية التي يستدل بها أهل التعطيل على نفي رؤية الله صارت دليلًا عليهم لا دليلًا لهم.

طيب الفرق بين الصفات المعنوية والخبرية أن الصفات المعنوية تدل على معانٍ؛ كالسمع والبصر والعلم والقدرة وما أشبهها، وأما الصفات الخبرية فهي تدل على صفاتٍ هي أبعاض لنا، هي بالنسبة لنا أبعاض، فيَدُ الإنسان ووجه الإنسان وساق الإنسان وقَدَم الإنسان وعينه -مثلًا- هذه أبعاض له، لكن ما نسميها بالنسبة لله أبعاضًا، بل سماها أهل العلم الصفات الخبرية.

* طالب: في الحديث: «يوم القيامة الله سبحانه وتعالى يقول: من كان يعبد الطواغيت فليتبع الطواغيت، ومن كان يعبد الشمس فليتبع الشمس، فيأتيهم الله سبحانه وتعالى في صورة غير صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: نعوذ بالله منك، هذا مكاننا حتى يأتينا ربنا، قال: ثم يأتيهم في صورته التي يعرفون، فيقول: أنا ربكم، فيقولون: أنت ربنا، فينطلق ثم يتبعونه»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٥٧٣)، ومسلم (١٨٢ / ٢٩٩) من حديث أبي هريرة.]].

* الشيخ: لا، ما فيه: «فينطلق ثم يتبعونه».

* طالب: (...).

* الشيخ: فينطلق.

* طالب: فيتبعونه.

* الشيخ: الله؟

* طالب: يكشف عن ساق.

* الشيخ: «يُكْشَف عن ساق، فيسجد له كل من كان يسجد لله تعالى في الدنيا. » المهم على كل حال ويش الإشكال فيه؟

* طالب: الاستشكال كيف ينطلق فيتبعونه؟

* الشيخ: لا، هذه ما أدري، ما أعرفها، هذه تأكدها، إحنا ما نبحث فيها حتى تؤكد، ولا مرت عليَّ هذه، إنما مر علينا أن الأمم تتبع ما كانت تعبد حتى تُلْقَى في النار.

* طالب: كل إنسان إلى آلهته؟

* الشيخ: إي نعم، طيب.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الفلاح يكون بأمرين؛ بالإخلاص وفعل المأمور به. من أين نأخذه؟ من قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الروم ٣٨]، وهؤلاء المشار إليهم أتوا بالفعل والثاني الإخلاص.

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا﴾ [الروم ٣٩]..

* طالب: ما الفائدة؟

* الشيخ: الفائدة أن الفلاح يكون بفعل المأمور به مع الإخلاص.

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم ٣٩].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن من بذل ماله من أجل الحصول على أمر الدنيا فإنه لا أجر له في ذلك. من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾، وهذا عكس الأولين الذين سبقوا في الآية السابقة، الذين أعطوا في الآية السابقة ويش يريدون؟ يريدون وجه الله، هؤلاء بالعكس، هؤلاء يريدون الازدياد بما أعطوا.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: التنبيه على أهمية الإخلاص؛ لقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: في الإخلاص مع العمل، العمل الصالح مع الإخلاص.

* من فوائد الآية الكريمة: التنبيه على الإخلاص. من أين تؤخذ؟ ﴿تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: أن مضاعفة الأعمال تكون بحسب الإخلاص؛ لقوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾، فقد رتَّب الله تعالى الإضعاف على إرادة وجه الله. وعلى ما قررنا في القاعدة قبل قليل: يكون كل من كان أخلص لله فعمله أكثر مضاعفة، وهذا أمر لا شك فيه؛ فإن مضاعفة الأعمال تكون بأسباب كثيرة؛ منها شرف الزمان، ومنها شرف المكان، ومنها شرف الفاعل، ومنها شرف العمل، ومنها الإخلاص، ومنها الاتباع، كل هذه الأسباب الستة من أسباب المضاعفة.

المضاعفة بسبب شرف الزمان مثل؟ كرمضان والعشر الأول من ذي الحجة، هذا لشرف الزمان.

والمكان كالحرمين والأقصى؛ فإن العمل فيها أشرف من غيرها، الصلاة في المساجد الثلاثة أشرف من غيرها.

ومنها الفاعل؛ كالصحابة الذين قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].

ويُلْحَق بهذا العاملون في آخر الزمان في أيام الصبر الذين يتمسكون بسنة الرسول عليه الصلاة والسلام مع تباعد الناس عنها، فإن هؤلاء يُضَاعَف لهم الأجر، وإن كانوا لا ينالون مرتبة الصحابة لكن يضاعف أجرهم بسبب ما يجدونه من الغرابة ومخالفة الناس لهم؛ لأنه لا أحد يشك أن الإنسان الذي يعمل في محيط يعملون كما يعمل أن العمل عليه هين، بل مخالفة الناس هي الصعبة، لكن عمل الإنسان في محيط لا يعملونه هذا هو الصعب والشاق، لا سيما أن المعارضة ستكون عنيفة؛ لأن هذا متمسك بطاعة الله، والمخالفون له على العكس، وأعنف صراع يكون بين المتخالفين هو ما يكون بين المتمسكين بدين الله والمتحللين منه. هذه ثلاثة، ويش بقي؟

* طالب: بقي العمل.

* الشيخ: تكون أيضًا المضاعفة بحسب العمل..

* طالب: كثرته.

* الشيخ: بحسب العمل، الكثرة ما هي واردة لكن جنس العمل، فالصلاة أفضل من غيرها، والفرض من كل عمل أفضل من نفله وأشرف، والجهاد في سبيل الله ذروة سنام الإسلام، وهكذا، كما بينا لكم كثيرًا. هذه أربعة. والخامس؟

* طالب: الإخلاص.

* الشيخ: بحسب الإخلاص كما في هذه الآية، وكلما كان الإنسان أخلص ولو كان العمل واحدًا كان عمله أشرف من الآخر؛ ولهذا تجد رجلين ركبا سيارة واحدة، وخرجا ودخلا جميعًا في الحج أو في العمرة، ورجعا جميعًا على السيارة، وأفعالهما واحدة، وأقوالهما واحدة، وبينهما تفاوت أكثر مما بين المشرق والمغرب؛ بحسب الإخلاص لله.

والسادس: بحسب الاتباع؛ ولهذا «أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله الصلاة على وقتها»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٣٤)، ومسلم (٨٥ / ١٣٧) من حديث ابن مسعود.]]؛ لأنها حصلت على وجه المتابعة للرسول ﷺ.

هذه الأسباب في الشرف كلها مما يوجب للعبد العناية بأعماله، وأن يتحقق بما يستطيعه من هذه الأسباب.

* طالب: قوله (...) في أيام الصبر له أجر خمسين منكم، ويش..؟

* الشيخ: المعنى له أجر خمسين منكم في هذه الخصلة التي عانى بها وتعب، فأصل العمل -مثلًا- الصدقة مضاعفة بعشر أمثالها، عشر أمثال موجودة في الصحابة وموجودة في الزمن المتأخر هذا، لكنه يُضَاعف ذلك، يكون أجر هذا مثل أجر خمسين من الصحابة؛ لما يجده من المعاناة، لكن الكمية التي تحصل للصحابة التي لو أنفق أحدنا مثل أُحُد ما بلغ مُدِّ أحدهم ولا نصيفه، هذه خاصة بهم، فعندنا ثواب على أصل العمل، وثواب مضاعف بحسب العامل، فأصل العمل -كالصدقة مثلًا- يكون لهؤلاء المتأخرين أجر خمسين من عمل الصحابة باعتبار أصله لا باعتبار أنه وقع من الصحابة رضي الله عنهم.

* طالب: ما يرد على هذا قولهم أنهم قالوا:« منا أو منهم قال: «بَلْ مِنْكُمْ»؟

* الشيخ: إي نعم، ما يرد على هذا؛ لأننا نعتبر أصل العمل لا المضاعفة بحسب كونه صحابيًّا، فأصل العمل مثلًا الصحابي لولا الصحبة لكان له أجر أصل العمل فقط، فبالصحبة يزداد، فيكون معنى قول الرسول عليه الصلاة والسلام: «أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ» »[[أخرجه أبو داود (٤٣٤١) والترمذي (٣٠٥٨) وابن ماجه (٤٠٤١) من حديث أبي ثعلبة الخشني.]] يعني: باعتبار أصل العمل، ويجب الرجوع إلى هذا؛ لأنه لا يمكن الجمع بينه وبين هذا الحديث إلا على هذا الوجه.

* طالب: لماذا لم يقل الرسول عليه الصلاة والسلام: خمسين عاملًا ولا يقول: خمسين صحابيًّا؟

* الشيخ: ما نقدر نقول: لماذا لم يقل؛ لأن المسألة الآن مسألة جمع، ولو كان الأمر واضحًا ما احتجنا نقول: ويش الجمع فيه؟ فما دام المسألة مسألة جمع يحتاج أنا نشوف أدنى دائرة يمكن أن تجمع بين النصين.

* طالب: الرسول من كان يخاطب؟

* الشيخ: الرسول يخاطب الصحابة.

* الطالب: وعندنا الصحابة يتفاضلون؟

* الشيخ: إي، معلوم أن الصحابة يتفاضلون، هو يخاطب خالد بن الوليد في مقابلة سبِّه لعبد الرحمن بن عوف، وعبد الرحمن بن عوف لا شك أنه من السابقين الأولين، وخالد بن الوليد متأخر إسلامه، وكان بينهما مسابة فقال له: «مَهْلًا يَا خَالِدُ، لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري.]].

* طالب: (...).

* الشيخ: بالنسبة لمن دونه يلحق لا شك، لكن بالنسبة لمن فوقه فأهل الحديث أنه لا يلحق؛ ولهذا قال الله عز وجل: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ [الحديد ١٠]، ثم قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ﴾ [الروم ٤٠] إلى آخره.

* من فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالأجلى والأوضح؛ لأن الله استدل على بطلان آلهة المشركين بماذا؟ بأمر يقرونه هم، وآلهتهم ما تفعل، وهو الخلق والرزق والإماتة والإحياء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل؛ وذلك بالأمور الأربعة الخلق والرزق.. إلى آخره.

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات أن ما اكتسبه الإنسان فهو من الله؛ لأن هذه الأربعة فيها ثلاثة ما أحد يماري فيها، ما هي؟ الخلق والإماتة والإحياء، لكن الرزق قد يماري فيه مُمَارٍ، قارون ويش قال؟ ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٨]، فقد فسَّره مجاهدٌ -أظن- على علم مني بوجوه المكاسب؛ يعني معناه أني أنا ماهر بمعرفة المكاسب، وحصلت هذا المال، ولكننا نقول: هذا التحصيل الذي حصلته بمهارتك من أين جاءك؟ من الله سبحانه وتعالى؛ لأن هذا الذي حصل لك بسبب، وخالق الأسباب هو الله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي لنا استجلاب الرزق من ربنا وحده؛ لقوله: ﴿ثُمَّ رَزَقَكُمْ﴾.

وإذا كان الأمر كذلك فإنه يترتب على هذا فائدة أخرى؛ وهي ألا نطلب رزقه بمعاصيه. ويش وجهه؟ إذا كنت تطلب الرزق من الله فهل من اللائق عقلًا أن تقدم له معصية ليرزقك؟

* طالب: لا.

* الشيخ: الذي يَسْتَدر الرزق من غيره ويش يُقدِّم؟ يقدم طاعته والخضوع له؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطلاق ٢، ٣]، إذن من استجلب رزق الله بمعاصيه فقد خالف الحكمة والصواب، أليس كذلك؟

فهؤلاء الذين يطلبون الرزق بالربا، ويطلبون الرزق بالغش، ويطلبونه بالكذب وغير ذلك من الوسائل المحرمة هم في الحقيقة أشبه ما يكونون بالمستهزئين بالله عز وجل الساخرين به، كأنهم يقولون: يا ربنا، إننا نعصيك لترزقنا، وهذا من أعظم ما يكون؛ ولهذا جعل الله الذين يطلبون زيادة المال بالربا، ويش جعلهم؟ محاربين له ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة ٢٧٨، ٢٧٩]، والربا -كما قال شيخ الإسلام- يقول: ما ورد في ذنب من الذنوب دون الشرك أعظم مما ورد في الربا، الذي أصبح عند الناس الآن من أسهل الأشياء وأبسطها، حتى كانوا يتعاطونه بالصراحة، ويتعاطونه بالتحيل، وتعاطيه بالتحيل أخف من تعاطيه بالصراحة، مثلما أن تعاطي الكفر بالنفاق أخف من تعاطيه بالكفر الصريح؛ لأن هذا المتحيل مخادع لله عز وجل، جمع -والعياذ بالله- بين مفسدة الربا ومفسدة الخداع والتحيل، فالرب عز وجل إذا حرَّم شيئًا ليس كغيره تخفى عليه الأشياء، فهو يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ونبيه عليه الصلاة والسلام وضَّح أن الأعمال بماذا؟ بالنيات.

فما دمت نويت الربا الآن لكن تحيلت عليه إدخال سلعة غير مقصودة، هذا تلاعب، استهزاء بآيات الله عز وجل، يأتي إليه يقول: أنا أبغي منك مئة ألف على أن تكون بمئة وعشرين ألفًا إلى سنة، طيب كيف الوصول إلى هذا؟ والله إحنا مسلمون، ما أقدر أعطيك المئة ألف نقدًا وأكتب عليك مئة وعشرين؛ لأننا نخشى الله، ولكن هنا طريق نلوذ من جهة أخرى ونجعل حاجزًا بيننا وبين الله، بماذا؟ بأي سلعة تتفق، نروح نشوف اللي عند الناس؛ وجدوا عند هذا سكرًا، قال: نشتري سكرًا، وجدوا عنده هيلًا، قالوا: نشتري هيلًا، وجدوا سيارات، نشتري سيارات، وجدوا أكياسًا لا يُدْرَى ما بوصفها فلعله أن يكون رملًا، قالوا: نشتري هذه الأكياس. أليس هذا هو الواقع؟ هذا هو الواقع.

ولهذا الآن ما ينظرون إلى هذه الأكياس ويش هي، يقولون: إنها أكياس سكر، وهو أكثر ما يكون في القبض أنه يمر يده عليها، ولَّا يعده؛ واحد، اثنين، ثلاثة، أربعة، خمسة، ستة.. إلى آخره، ويقولون: إن هذا هو القبض. فهل هذا قبض لغة أو عرفًا أو شرعًا؟ أبدًا، لا يُعَدُّ هذا قبضًا؛ لأن القبض معناه أن يكون الشيء في قبضتك، وهذا الشيء مركون في مكانه، تَرِدُ عليه عدة مبايعات في خلال ساعة أو ساعتين.

وهذه البَلِيَّة التي ابْتُلِي بها الناس الآن -نسأل الله أن ينقذهم منها- بَلِيَّة عظيمة، ويُقَبِّحها أنهم يعتقدون أنها حلال وأن عمل البنوك حرام، حتى إن بعضهم بيجيء يتغيظ ويتضجر: أعوذ بالله! شوفوا الحرام، الربا يُعْلَن صريحًا في البنوك، وهو ممن يتعامل بهذه المعاملة، يبكي غيره ولا يبكي نفسه، وهو أحق بأن يبكي نفسه.

فالمهم أننا نقول -خرجنا عن الموضوع-: إن الرزق إذا كان من الله عز وجل فإنه يجب عليك شرعًا وعقلًا أن تستمد هذا الرزق بماذا؟ بطاعة الله لا بمعصيته.

* طالب: طيب التورق -يا شيخ- ما يدخل في هذا؟

* الشيخ: التورق يقول شيخ الإسلام: إنه داخل في هذا، ويقول عنه تلميذه ابن القيم رحمه الله: إن شيخنا يُسْأَل عن هذا مرارًا فيصر على أنه حرام وأنه ربا، التورق غير شغل الناس الآن يقولون: هذا تورق، التورق قال العلماء (...) ومن احتاج إلى نقد فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين فلا بأس به، وهي مسألة التورق، هذه عبارة الروض المربع شرح الزاد.

شوف الآن أولًا قالوا: (ومن احتاج) فعلمنا أنها ما تكون إلا للحاجة.

ثانيًا: (فاشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين) وقع العقد على عين المبيع، ولا قال: العشر إحدى عشر ولا اثنا عشر، وكلمة (اشترى) تُحْمل على الشراء الشرعي الذي يجمع الشروط، ومن جملتها العلم بالمبيع ونوعه وجنسه.. إلى آخره. وهل هذا موجود في عمل الناس الآن؟ أبدًا.

كذلك اشترى ما يساوي مئة بمئة وعشرين إلى أجل، هذه تنطبق؛ لأنهم يقولون: اثنا عشر، وثلاثة عشر، وإحدى عشر، حسب الاتفاق.

ثم نفس الفقهاء الذين أباحوا ذلك قالوا: يُكْرَه أن يقول في بيع المرابحة المعروف أن يقول: العشر إحدى عشر، وذكروا عن الإمام أحمد نصًّا بأنه يحرم أن يقول: العشر إحدى عشر حتى في غير مسألة التورق، بيع المرابحة الذي يعرفه بعضكم يَحْرُم فيه -على إحدى الروايات عن أحمد- أن يقول: العشر إحدى عشر، وهو يريد السلعة نفسها، ما يريد النقد، المذهب أنه يكره، والرواية الثانية عن أحمد أنه يحرم.

يعني أنا مثلًا اشتريت هذا الكتاب وأنت تبيع الكتاب، تبيع الكتاب نفسه ما تبيع دراهمه، فقلت لي: أبغي أشتريه منك مرابحة، قلت: ما يخالف، أنا شاريه بمئة، وأبيعه عليك على أن أربح بكل عشرة دراهم درهمًا. كم يكون المئة؟ مئة وعشرة. هذا جائز.

لكن لو قلت: أبغي أشتري منك العشرة أحد عشر، قالوا: إنه يكره على المذهب، ويحرم على الرواية الثانية، مع أنها من مسألة التورق.

فهؤلاء الناس الآن جمعوا بين أمرين؛ بين العشر بإحدى عشر أو اثني عشر وبين التورق، أما شغلنا الآن هو ما ينطبق عليه حتى على قول من يقول بجواز التورق.

ولاحظ أن الإمام أحمد عنه رواية ثانية، وعنه رواية بأنها جائزة، والرواية الثانية بأنها من مسائل العينة؛ التورق، ذكرها عنه شيخ الإسلام ابن تيمية، وذكرها ابن القيم في تهذيب السنن أن مسألة التورق من مسائل العينة، والعينة معروف أنها حرام.

فالحاصل أننا الحقيقة في عصرنا الحاضر لما كان الناس ما يبالون إلا أن يكتسبوا المال، فجعلوا المال مقصودًا مخدومًا بعد أن كان وسيلة خادمًا، حقيقة المال أنه وسيلة خادم، ولكنا جعلناه الآن مقصودًا مخدومًا، وهذا من سفه الإنسان؛ أن يستخدمه مالُه الذي خُلِقَ له، ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة ٢٩].

* طالب: لكن واقع (...).

* الشيخ: لا، الراجح هو ما نعرف عنه شيئًا.

* طالب: الآن رؤية العين (...).

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском