Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Ar-Rum 30:44–47
30:44–47Page 409
مَن كَفَرَ فَعَلَيۡهِ كُفۡرُهُۥۖ وَمَنۡ عَمِلَ صَٰلِحٗا فَلِأَنفُسِهِمۡ يَمۡهَدُونَ ٤٤
Whoever disbelieves - upon him is [the consequence of] his disbelief. And whoever does righteousness - they are for themselves preparing,
لِيَجۡزِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ لَا يُحِبُّ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٥
That He may reward those who have believed and done righteous deeds out of His bounty. Indeed, He does not like the disbelievers.
وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن يُرۡسِلَ ٱلرِّيَاحَ مُبَشِّرَٰتٖ وَلِيُذِيقَكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَلِتَجۡرِيَ ٱلۡفُلۡكُ بِأَمۡرِهِۦ وَلِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦ وَلَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٤٦
And of His signs is that He sends the winds as bringers of good tidings and to let you taste His mercy [i.e., rain] and so the ships may sail at His command and so you may seek of His bounty, and perhaps you will be grateful.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ رُسُلًا إِلَىٰ قَوۡمِهِمۡ فَجَآءُوهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَٱنتَقَمۡنَا مِنَ ٱلَّذِينَ أَجۡرَمُواْۖ وَكَانَ حَقًّا عَلَيۡنَا نَصۡرُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
And We have already sent messengers before you to their peoples, and they came to them with clear evidences; then We took retribution from those who committed crimes, and incumbent upon Us was support1 of the believers.
قال الله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤] يقول المؤلف: (وبال كفره وهو النار)، هذا كالتفصيل لقوله تعالى: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾؛ لأن يصدعون يتفرقون بحسب أعمالهم، فقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ هذه نشوف الإعراب: ﴿مَنْ كَفَرَ﴾ (من) شرطية، وفعل الشرط (كفر)، وجوابه جملة (فعليه كفره)، وقوله: ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ جملة خبرية مكونة من مبتدأ وخبر، المبتدأ قوله: ﴿كُفْرُهُ﴾، والخبر قوله: ﴿فَعَلَيْهِ﴾ مقدم، وفائدة التقديم الحصر.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] مثلها شرطية، وجواب الشرط قوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾، وقدم المعمول وهو (لأنفسهم يمهدون) للحصر، وهي فائدة معنوية، ولمراعاة الفواصل، وهي فائدة لفظية؛ لأنه لو قال: فيمهدون لأنفسهم استقام الكلام، لكنه قدم لهاتين الفائدتين.
يقول الله عز وجل: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ نعم يعني أي إنسان يكفر فإن وبال كفره عليه لا يضر إلا نفسه، ويكون على غيره ولَّا لا؟ لا يكون على غيره إلا أن يكون ذلك الغير سببًا فيه، فإن كان سببًا فيه صار عليه مثل وزره، قال الله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ [النحل ٢٥]، وقال تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام أن: «مَنْ سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]].
فإذا قيل: هل هذا يناقض الآية ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ [الروم ٤٤]؟
فالجواب: لا يناقضها؛ لأنه إذا كان هو السبب فإن ذلك من عمله، لكن صورة المسألة مختلفة أنه عمل غيره وعمل نفسه، إنما حقيقة الأمر أن الدال على الكفر فاعل لما يؤزر عليه.
قال: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤] (يوطئون منازلهم في الجنة) من عمل صالحًا، الكفر في اللغة العربية الكفر: هو الستر، ومنه الكُفُرَّى الذي هو غلاف طلع النخل، ويسمى بلغتنا العامية الكافور، غلاف طلع النخل، هذا يستر الطلع، فالكفر في الأصل هو هذا، والمراد به الخروج عن طاعة الله؛ لأن الخارج عن طاعة الله قد ستر ما أنعم الله به عليه من العقل والعلم وما أشبه ذلك.
وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ العمل الصالح قال أهل العلم: هو ما جمع شرطين أساسيين: أحدهما: الإخلاص، والثاني: المتابعة للرسول ﷺ، ويش ضد الإخلاص؟ ضده الشرك، والمتابعة ضدها الابتداع، فمثلًا إذا وجدنا رجلًا يصلي الصلاة المعتادة لكنه يرائي الناس بها فعمله ليس بصالح، ويش الذي فقد منه؟ الإخلاص، وإذا وجدنا رجلًا قد أحدث نوعًا من العبادات لم يرد به الشرع، لكنه مخلص، يريد بذلك وجه الله، وتجده خاشعًا يبكي ويتأثر بهذه العبادة، لكنها على غير شريعة الله، فهذا عبادته باطلة؛ لفقد المتابعة للرسول ﷺ، ومن ذلك ما إذا أخرج العبادات المشروعة عما شرعت عليه، هي عبادة مشروعة في الأصل لكن أخرجها عما كانت عليه، فإنه لا يُقبل عمله، كما لو صلى الصلاة بعد خروج وقتها متعمدًا بدون عذر فهذا يقبل منه؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لماذا؟ لأنه ما فيه متابعة، هو مخلص، لكنه غير متابع، وكذلك لو صلى صلاة بغير طمأنينة، لو صلى صلاة ما يطمئن فيها، إذا قال: سمع الله لمن حمده على طول سجد، إذا قام من السجود على طول سجد الثانية، فصلاته باطلة، لو صلى إلى يوم الدين ما قبل الله منه، لماذا؟ لعدم المتابعة، ولهذا لما صلى رجل صلاة لا يطمئن فيها قال له النبي ﷺ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٧)، ومسلم (٣٩٧ / ٤٥ ) من حديث أبي هريرة.]]، فنفى عنه الفعل لانتفاء صحته، وإلَّا هو مصل الآن لكن ما هي صلاة.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، هو لو سألته: لماذا صليت؟ قال: ما صليت إلا لله، لكنه خالف أمر الله.
* طالب: ما ينافي الإخلاص هذا؟
* الشيخ: لا، ما ينافي الإخلاص، الإخلاص في القلب؛ لأنه ما قام يصلي علشان الناس، ما همه الناس يقولون: صلى ولَّا ما صلى، صلى لله لكنه خالف أمر الله.
* طالب: هل يلزم أن يفقه ما يقول المصلي؟
* الشيخ: لا، ما هو لازم، ليس بلازم، بس أفضل أن يفقه ما يقول إذا كان قلبه حاضرًا، يعني خاشعًا في صلاته حاضر القلب، فهو أفضل.
* طالب: وخاشع القلب الآن يخشع لأشياء خارج الصلاة ولَّا.
* الشيخ: ويش لون يعني.
* طالب: أي مثلًا وهو يصلي يتفكر مثلًا في..
* الشيخ: لا، لا يخشع في أمور داخل الصلاة، يعني يستحضر ما يقول في صلاته، وما يفعل في صلاته، ما هو مثلًا يروح يتذكر جلسة كان فيها خاشعًا فيما سبق.
* طالب: لا مثلًا يتذكر القبور مثلًا الجنة والنار.
* الشيخ: إي ما يصح إلا إذا مرت به، مرت به مثلًا في أثناء قراءته.
يقول: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾ إذن العمل الصالح ما هو؟ هو الذي جمع بين شرطين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والمتابعة للرسول ﷺ.
﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ المهد والتمهيد بمعنى التوطئة، ومنه قولهم: هذا طريق ممهَّد، يعني: موطأ محسن لأجل أن تطأه الأقدام، فمعنى ﴿يَمْهَدُونَ﴾ أي: يحسنون الشيء حتى يكون موطئًا لهم؛ وذلك لأن الذين يعملون صالحًا يتوصلون بعملهم الصالح إلى دخول الجنة، فيسهل لهم الطريق الذي يوصلهم إليها.
وقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ تقديم المعمول يفيد الحصر، فإذا قال قائل: هل هذا ينافي ما ثبت فيه الحديث من أن «مَنْ سَنَّ سُنَّةً حَسَنَةً فِي الْإِسْلَامِ فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، نقول: لا ينافيه؛ لأن الذين يعملون حسنة يسنون الحسنات، عملوا ولَّا لا؟ عملوا، فتوبعوا على ذلك، فالأجر الذي حصل لهم من أجل اتباع غيرهم لهم هو في الحقيقة من فعلهم، قال الله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥].
قال: (متعلق بيصدعون) دائما نشوف العلماء إذا جاء ظرف أو جار ومجرور يقولون: متعلق بكذا، متعلق، ويش معنى متعلق؟ يعني أن هذا هو الذي عمل فيه؛ لأن الجار والمجرور والظرف بمنزلة المفعول به، والمفعول به لا بد له من عامل يعمل به، فإذا قال: متعلق بكذا يعني أن هذا هو الذي عمل فيه، ولا بد لكل جار أو ظرف لا بد له من متعلق:
لَا بُدَّ لِلْجَـــــــــــــارِ مِنَ التَّعلُّقِ ∗∗∗ بِفِعْلٍ اوْ مَعناهُ نَحْوُ مُرْتَقِي
فإذن معنى قوله: (متعلق بيصدعون) أن العامل في كلمة (ليجزي) قوله: ﴿يَصَّدَّعُونَ﴾، وهذا رأي المؤلف.
ويَحتمل أن يكون متعلقًا بقوله: ﴿يَأْتِيَ﴾، ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ﴾، ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ لأن التصدع في الحقيقة هو نفس الجزاء، فكيف يكون الشيء علة لنفسه، هذا ما يبعد كلام المؤلف، لكن إذا قيل: يأتي هذا اليوم لأجل المجازاة، صار المعنى مستقيمًا واضحًا، فإذا قلنا: إن هذه اللام (ليجزي) لأن اللام حرف جر، إذا قلنا: إنها متعلقة بـ(يأتي) فهو أوضح من قولنا: إنها متعلقة بـ(يصدعون)؛ لأن نفس التصدع والتفريغ الذي يؤوي إلى النار هو نفس الجزاء.
وقال بعض العلماء، بعض المعربين: إنه خبر لمبتدأ محذوف، فهو متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك ليجزي، والمشار إليه ما سبق، وهذا أيضًا وجيه جدًّا أن يجعل متعلقًا بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف.
قلنا: إن اللام في (ليجزي) حرف جر، والمعلوم أن حروف الجر لا تدخل إلا على الأسماء، وقد تبين لكم بأن من علامات الاسم الجر، دخول (...) عليه، الآجرومية، يقول: الاسم يُعرف بالخفض، والتنوين، ودخول الألف واللام، وحروف الخفض.
فكيف صح أن نقول: إن اللام في قوله: ﴿لِيَجْزِيَ﴾ حرف جر، مع أنها داخلة على فعل؟ نقول: لأن هذا الفعل بمنزلة الاسم؛ إذ إنه فعل مقدر فيه (أن)؛ لأن التقدير: لأن يجزي، و(أن) مصدرية تحول الفعل إلى مصدر، والمصدر اسم ولَّا غير اسم؟ المصدر اسم، فعليه يكون المعنى: لجزائه، لجزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات إلى آخره، عرفتم الآن؟ فإذا دخلت اللام -لام التعليل- على الفعل فإنه يقدر بينها وبين الفعل (أن) المصدرية: لأن يجزي، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الفاعل -فاعل الجزاء- هو الله سبحانه وتعالى، وهو ضمير مستتر يعود عليه.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، على أنه منصوب بـ(أن) مضمرة بعد اللام: ليجزي، واللام جارة لما بعدها، باعتبار أن الفعل سيكون مصدرًا.
* طالب: لكن هى نفسها حرف جر.
* الشيخ: إي هي نفسها حرف جر.
* طالب: هي نفسها لام التعليل التي تنصب الفعل المضارع.
* الشيخ: هي نفسها لام التعليل التي ينصب الفعل المضارع بـ(أن) بعدها على رأي البصريين.
* طالب: (...) لام التعليل.
* الشيخ: لا، اللام هي واحدة، ولام التعليل كما تدخل على الفعل تدخل على الأسماء، فلو قلت: جئت لإكرامك فهي لام التعليل، وجئت لأكرمك هي لام التعليل.
وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الجزاء بمعنى المكافأة، يعني ليكافئهم ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (يثيبهم) هذا تفسير للجزاء بمعنى الإثابة، والثواب هو المكافأة، وسُمي ثوابًا لأنه من ثاب يثوب إذا رجع؛ لأنه يرجع إلى الإنسان جزاء عمله، وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ انتبهوا لهذين الشرطين: إيمان وعمل صالح، فالإيمان وحده ما يكفي، والعمل الصالح وحده لا يكفي، هذا إذا قُرن الإيمان بالعمل، أما إذا قيل: عمل صالح يكفي، أو إيمان يدخل فيه العمل، الإيمان يكون بالقلب، فمن لا إيمان في قلبه لو عمل من الصالحات ما عمل لم ينفعه، المنافق يذكر الله ويصلي وينفق ولَّا لا؟ وربما يخرج في الجهاد، ينفعه عمله؟ لماذا؟ لأنه لا إيمان في قلبه.
الإنسان اللي عنده إيمان بالله سبحانه وتعالى لكنه لم يعمل عملًا صالحًا، ما عمل عملًا صالحًا.
* طالب: ممكن.
* الشيخ: ممكن أيش؟ ممكن يجزى إلا في واحدة فقط، وهي الصلاة، فإنه إذا لم يعملها لا ينفعه إيمان؛ لأنه قد دلت الأدلة على أن هذا العمل وإن كان عملًا بدنيًّا ولكنه يكفر الإنسان بتركه كفرًا مخرِجًا عن الملة، أما غير الصلاة من الأعمال فقد قال عبد الله بن شقيق: «كان أصحاب النبي ﷺ لا يَرَوْنَ شيئًا من العمل تَرْكُه كُفرٌ إلا الصلاة »[[أخرجه الترمذي (٢٦٢٢) من حديث عبد الله بن شقيق.]] يعني لو لم يزكِّ فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يصم فإنه لا يخرج من الإيمان، لو لم يحج فإنه لا يخرج من الإيمان، هذا هو الصحيح، وعن الإمام أحمد رواية أن جميع أركان الإسلام إذا تركها الإنسان متهاونًا فهو كافر، فإذا لم يزكِّ فهو كافر، إذا لم يصم فهو كافر، إذا لم يحج فهو كافر، يقول: لأن الركن عليه الاعتماد، ركن الشيء عليه اعتماد الشيء، فإذا لم يوجد الركن ما قام الشيء، وهذا لا شك أنه له وجه، لكن الأدلة تمنع من القول بهذا؛ فإن حديث أبي هريرة في الصحيح فيمن لا يؤدي زكاته ذكر النبي عليه الصلاة والسلام عقوبته ثم قال: «ثُمَّ يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ»[[أخرجه مسلم (٩٨٧ / ٢٦) من حديث أبي هريرة.]]. فقوله: «يَرَى سَبِيلهُ إِمَّا إِلَى الْجنَّةِ وَإِمَّا إِلَى النَّارِ» » يدل على أنه لا يكفر بمنع الزكاة، ويش وجهه؟ لأنه لو كفر بذلك ما صار له سبيل إلى الجنة، فإذا لم يكفر بترك الزكاة فما دونها من باب أولى، ولا شك أن أركان الإسلام التي دون الزكاة أنها دونها، فالصيام دون الزكاة، والحج دون الزكاة.
فإن قال قائل: ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران ٩٧] فإن ظاهره من كفر فلم يحج فإن الله غني عن العالمين؟
فالجواب أن يقال: المراد بالكفر هنا سوى الكفر الأكبر، يعني كفرًا دون كفر، ولهذا ما قال: ومن لم يحج فهو الكافر، أو وترك الحج هو الكفر كما قال في الصلاة، و(كفر) فعل، والفعل يدل على الإطلاق ولا يدل على العموم، فهذا الجواب عن هذه الآية، والذين قالوا: إنه يكفر بترك الحج احتجوا بهذه الآية.
* طالب: يقول علي بن أبي طالب:« «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شَاءَ يَهُودِيًّا، وَإِنْ شَاءَ نَصْرَانِيًّا»[[أخرجه الدارمي في السنن (١٨٢٦) من حديث أبي أمامة الباهلي.]].
* الشيخ: هذا عمر بن الخطاب، وهذا يقال من باب التهديد، أو أن هذا رأي له، وهذا أيضًا إن صح الحديث؛ لأن في الحديث مقالًا، لكن إن صح فهو يُحمَل على أن المراد أن هذا من باب التحذير، أو أنه رأي له كما رآه غيره من أهل العلم.
* طالب: يا شيخ قوله: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مات ميتة جاهلية».
* الشيخ: اللي أفهم من الحديث «مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنَ النِّفَاقِ»[[أخرجه مسلم (١٩١٠ / ١٥٨) من حديث أبي هريرة. ]] مات ميتة جاهليةً ما يمنع أن الإنسان مات ميتة جاهلية؛ لأنه فعل فعلًا من أفعال الجاهلية، حيث لم يقم بواجب الجهاد.
* طالب: طيب يا شيخ عيسى عليه السلام يقول يوم القيامة: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي﴾ [المائدة ١١٧] بعدين آخره قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨] يعني كأنه يرد الغفران عيسى عليه الصلاة والسلام أنها شيئان، ذكر العذاب والغفران مثل الحديث الذي ذكرتم يعني.
* الشيخ: ويش وجه الإشكال؟
* طالب: الإشكال إما يرى سبيله إلى النار أو الجنة؟
* الشيخ: لا؛ لأن هذا ما هو بهذا خبر؛ لأن عيسى عليه الصلاة والسلام يقول: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ [المائدة ١١٧] ثم بين ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ﴾ وقد استحقوا ذلك ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة ١١٨].
* طالب: وكيف المشركون يعني.
* الشيخ: لا، يعني إن تغفر لهم بمعنى أني أنا ما أعلم هل هم أشركوا ولَّا فعلوا ذنوبًا أخرى يستحقون بها المغفرة.
* طالب: (...) ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ للناس للعموم ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦) مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ [المائدة ١١٦، ١١٧] هذا الأمر ﴿رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (١١٧) إِنْ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [المائدة ١١٧، ١١٨] هؤلاء الناس الذين هم عبادك يعبدونني وأمي أو يتخذوني إلهين من دون الله، بعدين قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المائدة ١١٨] (...).
* الشيخ: (﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ [الروم ٤٦] تعالى) من للتبعيض وآياته مجرور بمن و ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٦] هذه فعل مؤول بالمصدر هو المبتدأ، أي: من آياته إرسال الرياح ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، يقول الله عز وجل في هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ﴾ أي بعض آياته؛ لأن (من) هنا للتبعيض؛ وذلك لأن آيات الله عز وجل لا يمكن إحصاؤها ولا حصرها:
وفِي كُلِّ شَيْءٍ لَهُ آيَةٌ ∗∗∗ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ الوَاحِدُ
كل شيء، لو أراد الإنسان أن يحصي آيات الله عز وجل التي في جسمه هو فقط ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، فكيف بآيات الله تعالى التي ملأت الكون، ولهذا تأتي (من) الدالة على التبعيض، وقوله: ﴿آيَاتِهِ﴾ أي علاماته.
واعلم أن كل آية فإنها تدل على العلم، وتدل على القدرة، وتدل على الحكمة، هذا لا بد منه، لا بد من ذلك في كل آية؛ أنها تكون آية –علامة- على هذه الأمور الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة، ثم تختص بعض الآيات بما تختص به؛ إما أن تكون مثلًا اللي بعدها رحمة، أو بعدها شيء يدل على السلطان والعظمة، المهم أن لكل آية شيئًا خاصًّا وشيئًا عامًّا، فالشيء العام هو هذه الثلاثة: العلم والقدرة والحكمة ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم ٤٦]، يضاف إلى هذه الثلاث الرحمة؛ لأن هذه الرياح تبشر بالمطر، وقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ والإرسال بمعنى الإطلاق، ومنه قول الشاعر: (فأَرْسَلَها العِراكَ).
يعني أطلقها، ومنه قول الفرضيين: دين مرسل، يعني: مطلق ليس به رهن.
﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ﴾ يعني يطلقها سبحانه وتعالى، والرياح جمع ريح، وهي الأهوية، واعلم أن الريح تُذكر مفردة وتُذكر مجموعة، فإذا ذُكرت مجموعة فإنها تكون غالبًا للرحمة، وإذا ذُكرت مفردة فإنها تكون غالبًا للعقاب ﴿فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ ريح [الحاقة: ٦]، ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات ٤١] ﴿رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف ٢٤] وما أشبه ذلك، ولكنها -أعني الريح- قد تُفرَد وتكون في مقام النعمة، لا سيما إذا وصفت بما يدل على ذلك؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هنا الريح عقوبة ولَّا نعمة؟ نعمة، وإنما كانت نعمة لأنها وصف طيبة، وأيضًا بالنسبة للسفن هل الأولى اختلاف الرياح أو اتحاد الريح؟ اتحادها؛ لأنها إذا اختلفت اختلف سير السفينة، فيما سبق لما كانت السفن شراعية، هنا الرياح في مقام النعمة، ولهذا جمعت الرياح، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ حال من الرياح، أى تبشر بالخير، ولهذا بعض الرياح إذا هبت استبشر الناس؛ لأن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة أن هذه الريح المعينة يتكون منها السحاب ثم المطر، وأحيانًا يستبشرون بالريح إذا رأوها تجمع السحاب، تجمعه وتكثفه، استبشروا بها. وقوله: ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ البشارة هي الإخبار بما يَسُرُّ غالبًا، وسُميت بشارة لأنها تؤثر على البشرة، فالإنسان إذا استبشر ينير وجهه ويسفر، وتجد عليه علامة البشرى. وقد تطلق البشارة بما يسوء؛ كقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران ٢١]، ﴿مُبَشِّرَاتٍ﴾ قال: (بمعنى لتبشركم بالمطر) شوف المؤلف -رحمه الله- فسر اسم الفاعل بالفعل المعلل، وقال: (بمعنى لتبشركم) لأجل أن يسهل العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾؛ لأن (مبشرات) و(ليذيقكم) يجد الإنسان بينهما فجوة، هذه الفجوة أراد المؤلف أن يقربها بقوله: بمعنى ليبشركم بها، ولكن الصحيح عندي أن (مبشرات) على حالها تعتبر اسمًا، ولكننا نقدِّر فعلًا يناسب ما بعده لأجل أن يصح عطف الفعل عليه، والذي أرى أن يُقدر: لتستبشروا بها مبشرات لتستبشروا بها وليذيقكم من رحمته، أو نجعل: لتبشركم كما قال المؤلف ما نجعلها بمعنى مبشرات، بل نجعلها فعلًا مستقلًّا قدرناه ليصح العطف في قوله: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾.
وقوله: (﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ المطر والخصب) تقدم لنا أن الله تعالى يعبر عن الإصابة بالإذاقة؛ لأنها أعلى أنواع الإصابة وأبلغها، ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ﴾ بها ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ يقول: المطر والخصب، ففسر الرحمة بأثرها، وعلى هذا فتكون الرحمة في هذه الآية مخلوقة ولَّا صفة من صفات الله؟ تكون مخلوقة، وهذا الذي فسرها به محتمل؛ لأن الله تعالى قد يطلق الرحمة على الشيء المخلوق الذي يكون من آثار رحمته كما ثبت في الحديث الصحيح أن الله قال للجنة: «أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٨٥٠)، ومسلم (٢٨٤٦ / ٣٤) من حديث أبي هريرة.]]، ومن المعلوم أنه سبحانه وتعالى لم يرد أنها رحمته التي هي صفته؛ لأن الجنة مخلوق بائن، ولكن أراد أنها من أثر رحمته، أو مقتضى رحمته، فهنا يصح أن نقول: ﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ أي من هذا المطر والخصب، وتكون الرحمة هنا مخلوقًا من المخلوقات، ويحتمل أن تكون الرحمة (...).
وإن جعلناها الصفة فهي للابتداء، يعني ليذيقكم نعمة صادرة من هذه الرحمة (﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ السفن بها ﴿بِأَمْرِهِ﴾ بإرادته ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ تَطْلُبُوا ﴿مِنْ فَضْله﴾ الرزق بالتجارة في البحر ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ) قوله: ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ﴾ يقول: (السفن بها) بها: الضمير يعود على الرياح، فالله تعالى يرسل الرياح لتسير بها المياه في أجواء السماء، وهو السحاب، ويرسل الرياح لتسير بها السفن في البحار، وكل من السحاب ومن السفن يحمل نعمًا كثيرة، السفن ماذا تحمل؟ تحمل الأرزاق والأناسي والحيوان وغيرها، والسحب تحمل الماء الذي هو مادة الحياة ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ﴾ [الواقعة ٦٨، ٦٩]. ففي الرياح إذن فائدتان: تسيير السحب في أجواء السماء، وتسيير السفن في أجواء البحار.
وقوله: ﴿الْفُلْكُ﴾ واحد ولَّا جماعة؟ تصلح لهذا ولهذا، الفلك تصلح للجمع وللمفرد، أو لا؟
* طالب: في القرآن موجود.
* الشيخ: في القرآن موجود، هات مثالًا لها للمفرد؟
* طالب: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ [النحل ١٤] هذه للجماعة أصلها يا شيخ، ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ [البقرة ١٦٤] هذا مفرد.
* طالب آخر: ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ [هود ٣٧].
* الشيخ: لا.
* طالب آخر: في قصة نوح عليه السلام: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ﴾ [هود ٣٨].
* الشيخ: هذه الإجابة.
* طالب آخر: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ [لقمان ٣١].
* الشيخ: على كل حال المثال الذي ذكره أيضًا صحيح ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢] هذا جمع ولَّا مفرد؟ جمع ﴿فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾ ما قال: في الفلك وجرى.
* طالب: مفرد يا شيخ ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾ [الشعراء ١١٩].
* الشيخ: نعم ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ﴾ [فاطر ١٢] أيضًا جمع.
على كل حال الفلك صالحة للمفرد وللجماعة.
ذكر الفقهاء كلمة ذكرتها لكم سابقًا فقالوا: إن الأحدب ينوي الركوع بقلبه، الأحدب ما هو قائم حتى يركع، ينوي بقلبه، قال بعض الفقهاء: فهو شبيه للفلك في اللغة العربية، يعني انحناء هذا الأحدب شبيه بالفلك في اللغة العربية، ما يعرف إلا بالنية، فالفلك صالح للمفرد وللجماعة، ولا يعرف إلا بالنية أو القرينة، هذا المسكين اللي أحدب في حال الركوع ما الذي يعلمنا أنه راكع أو غير راكع؟ فركوعه وقيامه سواء، وهذه يمكن أن يستدل بها على ما ذكر عن الكسائي يقول: إن الإنسان إذا أتقن شيئًا من العلم أمكنه أن يفهم غيره من العلوم، وذكروا قصة أنه كان هو وأبو يوسف عند الرشيد أحد خلفاء بني العباس، وأنهما تناظرا في مسألة، فقال له أبو يوسف، يقول للكسائي: ما رأيك لو سها الإنسان في سجود السهو؟ هل نحوك يعلمك حكم هذه المسألة، قال: نعم، إذا سها في سجود السهو فإنه لا يسجد، قال: أين القاعدة في نحوك؟ قال: عندنا قاعدة في النحو أن المصغر لا يصغر. فاستدل بأن سجود السهو صلاة مصغرة، فإذا سها فيه ما عاد (...) هذا واقع أو غير واقع، الله أعلم، ذكروها.
يقول: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ﴾ [الروم ٤٨] ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ﴾ قال (بإرادته)، والصحيح: بأمره، من الأمر الذي هو بالقول، وليس المراد بالإرادة فقط؛ لأن الفلك ما تعلم عما يريد الله عز وجل، لكنها إنما تأتمر بأمره القولي، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢] فكل مراد الله إن لم يقترن بالقول فإنه لا يقع، وكيف تحدث الكائنات بمجرد إرادة لا يعلم بها إلا الله، فلا بد من قول، فالصواب أن المراد بأمره أمره القولي؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، ولا يمنع ذلك أن يكون هذا الجريان بأمره بأسباب محسوسة معلومة لنا؛ لأن المقدر للأسباب هو الله عز وجل، فهو سبحانه وتعالى يخلق ويسخر ولكن بأسباب ﴿وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٦]، كل هذا مما خلقه الله عز وجل لهذه الحكم العظيمة.
(﴿وَلِتَبْتَغُوا﴾ تطلبوا ﴿مِنْ فَضْلِهِ﴾ الرزق بالتجارة في البحر) وهو كذلك، وكم من أناس كانت تجارتهم في البحار ينقلون الأرزاق من جهة إلى جهة بواسطة هذه السفن، لولا هذه السفن لكان من المتعذر أن تنتقل الأرزاق من الجهة التي خلف البحر إلى جهة أخرى، ولكن الله عز وجل جعل هذه السفن لأجل أن تنقل هذه الأرزاق والنعم.
(﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦] هذه النعم يا أهل مكة فتوحدونه)، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، (لعل) هذه معناها التعليل، (تشكرون) الشكر هو القيام بطاعة المنعم، ويكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، الشكر يكون باللسان والقلب والجوارح، وهو القيام بطاعة المنعم، فأما الشكر بالقلب فأن يؤمن الإنسان بأن هذه النعمة من الله عز وجل، هو الذي أمده بها، وهو الذي يسرها له، وهو الذي جلبها إليه، هذا بالقلب.
والشكر باللسان أن يحمد الله عليها، فإن هذا من شكر النعمة، وأن يتحدث بها اعترافًا لله بالفضل، لا افتخارًا بها على غيره، وأما الشكر بالجوارح فأن يقوم لله تعالى بالعمل البدني من صلاة وزكاة وصيام وحج وغيرها، ولهذا يقول الشاعر:
أَفَادَتْــــــــــــكُمُالنَّعْمَــــــــــــــــــــــــاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً ∗∗∗ يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَالْمُحَجَّبَا
فيدي الجوارح، ولساني القول، والضمير المحجب القلب، ما هي الواسطة بين الحمد والشكر؟ أو النسبة بين الحمد والشكر؟
نقول: الحمد أعم من حيث السبب، والشكر أعم من حيث التعلق؛ لأن الحمد يكون باللسان، ويكون على النعم، وعلى كمال صفات المحمود، يعني أنه يحمد المحمود على نعمه وإحسانه على الحامد، وعلى كمال صفاته، وأما في المتعلق فإنه يتعلق باللسان، خاصة الحمد يكون باللسان فقط، وربما يكون بالقلب أيضًا بأن يعتقد الإنسان كمال هذا المحمود، لكنه لا يسمى حمدًا لغةً إلا باللسان، وأما الشكر فهو أخص من الحمد باعتبار سببه، وأعم باعتبار متعلقه، كيف أخص باعتبار سببه؟ لأن سببه النعمة فقط، الإنعام على الشاكر هذا السبب نعم، وإلا لو كان الإنسان المحمود من أكمل الناس، وهو ما أعطاك شيئًا هل تشكره ولَّا لا؟ ما تشكره، الشكر يكون على النعم، فهو أخص من حيث السبب، ويكون بالقلب واللسان والجوارح، فهو من حيث المتعلق أعم، إذن النسبة بينهما العموم والخصوص الوجهي.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ الشكر قلنا: هو القيام بطاعة المنعم، صح هذا، بالمعنى العام، لكن شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها من الطاعة، شكر النعمة الخاصة يكون بالقيام بوظيفتها الخاصة، مثلًا شكر الإنسان ربه على العلم يكون بماذا؟ بالعمل به وتعليمه، هذا شكر خاص لنعمة خاصة، شكر الإنسان ربه على المسكن مثلًا يكون بطاعته في هذا المسكن، بألا يكون فيه مثلًا إسراف ولا تبذير وما أشبه ذلك، فالشكر هنا له إذن معنيان: المعنى العام هو القيام بأيش؟ بطاعة المنعم، والمعنى الخاص هو القيام بطاعة الله تعالى فيما يتعلق بهذه النعمة الخاصة، وكل نعمة لها شكر خاص.
* * *
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره، اللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ﴾ موطئة للقسم، يعني أنها جواب لقسم محذوف، التقدير: والله لقد، وبهذا نعرف أن الجملة هنا مؤكدة بثلاثة أمور؛ وهي القسم واللام و(قد) ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.
من المشهور المعروف عند أهل العلم أن الرسول من أُوحي إليه بشرع وأُمر بتبليغه؛ لأنه مرسل، وهذا الصنف من الناس هو أعلى أنواع الأصناف من بني آدم، هم أعلى الأنواع، ويليهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون، فأعلى أجناس البشر الرسل عليهم الصلاة والسلام؛ لأنهم جمعوا بين الاختصاص بالرسالة والعبادة ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام ١٢٤] ما يعطي الرسالة إلا لمن هو أهل لها، فأحق الناس بالرسالة بلا شك هم هؤلاء الأعيان الذين أرسلهم الله عز وجل، ولا يمكن أن يكون أحد من الناس أحق منهم بها.
وبهذا نعرف ضلال، بل وكفر من قالوا: إن علي بن أبي طالب أحق بالرسالة من محمد ﷺ؛ لأنهم في ذلك طعنوا في الله عز وجل، ونسبوه إلى ما لا يليق به؛ لأنه إذا كان أعطى الرسالة محمدًا وعلي أولى بها، فهو إما جاهل بالأحقية وإما غير مريد لإعطاء الحق أهله، وكلا الأمرين بالنسبة إلى الله محال وممتنع، وأي أحد يصف الله بهذا أو بما يستلزم هذا فإنه كافر بلا شك.
إذن الرسل عليهم الصلاة والسلام هم أشرف الخلق، أشرف أصناف الخلق، وهم أحق الناس بالرسالة بلا شك، ولا أحد أحق منهم، ويوجد والعياذ بالله بعض الناس الفلاسفة يرون أن الرسل من آخر مراتب الخلق، ويقولون: إن الولي أفضل من النبي، والنبي أفضل من الرسول؛ لأن الولي خاص الخاصة، ولي على اسمه، والنبي له مزية في الوحي، والرسول بمنزلة الخادم الذي في البيت يرسل ليشتري الحوائج، شوف والعياذ بالله الضلال، ويقولون فيما يقولون:
مَقامُ النُّبُـــــــــــــــــــــــــــوَّةِ فيبَرْزَخٍ ∗∗∗ فُوَيْق الرَّسُول ودُونَ الوَلِي
شوف أعوذ بالله، مقام النبوة في برزخ فويق الرسول يعني فوق الرسول شوية، وبالنسبة للولي ودون الولي دون منحط بعيد عن الولي، وعلى هذا فتكون رتبة الولاية عندهم أعلى شيء، وهذا لا شك أنه كفر، بل نقول: إن مقام الرسالة فوق كل شيء، ثم النبوة، ثم الولاية؛ لأن الرسول جامع بين الرسالة والنبوة والولاية، أليس كذلك؟ والنبي له النبوة والولاية، والولي له الولاية دون النبوة والرسالة، ومعلوم أنه كلما ازدادت صفة الكمال في شخص كان أكمل من غيره.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ والقوم هم الطائفة الذين ينتسب إليهم الإنسان؛ لأن بهم قوامه، فهو يقوم بهم، وهم به يقومون. وقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ لأنه ما من رسول أرسل سوى رسول الله ﷺ إلا ورسالته خاصة؛ كما ثبت في الحديث الصحيح حديث جابر: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله.]].
﴿إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ﴾ الفاعل للرسل والمفعول للقوم (﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحُجَج الواضحات على صِدقهم في رِسالتهم إليهم فكذَّبوهم). قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ هل المراد البينات، معلوم أنها الواضحات، لكن هل المراد بالبينات هنا ما يبين صدق رسالتهم، فيكون المراد بها المعجزات التي أيدوا بها، أو المراد بالبينات أي بالشرائع البينات الظاهرة التي كل من استقرأها عرف أنها من عند الله، أو المراد الأمران؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences