Ibn 'UthayminAr‑Rum · 30:44–47

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Ar-Rum 30:44–47, continued

المراد الأمران، فالرسل أتوا بالآيات البينات التي تؤيدهم، وتدل على صدقهم، وأتوا أيضًا بالبينات، بالشرائع البينة الظاهرة التي يعلم أنها من عند الله عز وجل، فالباء إذن في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ﴾ تكون للمصاحبة، يعني أرسلوا رسالة مصحوبة بالبينات، أو للاختصاص على القول بأن المراد بالبينات الشرائع، وهذا من حكمة الله عز وجل ورحمته؛ أن الله ما أرسل رسولًا إلا أيده بآية من حكمته ورحمته؛ لأنه لو جاء الرسول بدون آية إلى الناس وقال: أنا رسول الله بدون آية يقبلون ولَّا لا؟ من طبيعة البشر ألا يقبل حتى يعرف، كما أنه لو جاء واحد من الناس وقال: ترى أنا عالم عندي علم بالشرع فاستفتوني، أي شيء تستفتوني أفتيكم، يطيعونه ولَّا لا؟ أبدًا ما يطيعونه حتى يمتحنوه ويسألوه، فكيف عاد بالذي يدعي أنه يوحى إليه؟ ما يقبل، إلا إذا جاء بآية، فهذا من حكمة الله، من رحمته أيضًا؛ لئلا يعاقب أحدًا بذنب بدون حجة؛ لأنه لو أرسل الرسل بدون آيات وكذبهم الأمم لكانوا معذورين بالتكذيب؛ لعدم وجود الآية، وقد لا يعذرون لأنهم يجب عليهم أن يستسلموا، لكن من رحمته أنه قال: جعلنا معهم آيات بينات ليطمئن الناس إليهم ويؤمنوا بهم عن اقتناع.

وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾ ربما يستفاد من كلمة (من قبلك) أنه لا رسول بعده، كما سنذكره إن شاء الله تعالى في الفوائد، ونناقش هذه الفائدة ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾، ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ الانتقام هو الأخذ بالعقوبة، وهذا من فعل الله، وليس من أسمائه، ولهذا الحديث الذي فيه سياق الأسماء الحسنى[[أخرجه الترمذي (٣٥٠٧) من حديث أبي هريرة.]] وهي مدرجة ما صحت عن النبي ﷺ، فيها أن من أسمائه المنتقم، وليس من أسمائه، بل هو من أوصافه وأفعاله، ولهذا ما جاء مطلقًا، قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢] فهو فعل، وقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ ما هو الإجرام؟ الإجرام فعل الجرم، والجرم كل ما يكون سببًا في الإثم فهو الجرم، والمراد بالإجرام هنا الكفر، وفهم من الآية الكريمة ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ أن من لم يجرم لم ينتقم منه، ولهذا قال: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧]، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ﴾ نصر ويش إعرابها؟ اسم (كان)، أين خبرها؟ حقًّا، ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا أحسن ما يكون في إعراب الآية، وأوجه ما يكون، وأسهل ما يكون، وإلا ففيه أوجه أخرى.

قوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾ الحق بمعنى الشيء الثابت اللازم ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ المؤمنين بما يجب الإيمان به؛ من الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، فأوجب الله عز وجل على نفسه أن ينصر المؤمنين، أوجب، كان حقا علينا، التزام وضمان من الله عز وجل، ﴿نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بماذا نصر المؤمنين؟

نصر المؤمنين أي منعهم من أعدائهم، وذلك بأن يجعل لهم من النصر الحسي والمعنوي ما تكون العاقبة لهم، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١.

فإن قال قائل: هذا الحق الذي التزم الله به قد يشكل علينا أن الله تعالى يخذل المؤمنين أحيانًا، كما في أحد مثلًا؛ فإن النصر في أحد لمن؟ لقريش وأتباعهم، فما هو الجواب عن هذه الآية؟

نقول: إن الجواب أن نصر قريش على الرسول ﷺ ليس نصرًا دائمًا كانت العاقبة فيه لهم، بل إن هذا في الحقيقة من نصر المؤمنين عليهم، وإذا شئت أن يتبين لك ذلك فاقرأ ما (...) الله به هذه الغزوة في سورة آل عمران من جملة ما ذكر من الحكم ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران ١٤١] يمحق الكافرين إذن فهو نصر لجلبهم؛ لأنهم لو هزموا في كل مقام ما قاموا ولا حاربوا، لكن إذا صار لهم شيء من النصر فإن ذلك يغريهم بالقتال حتى تكون العاقبة للمؤمنين ويبيدهم الله عز وجل.

ومنها أيضا نصر المؤمنين على أنفسهم؛ لأنهم ما أتاهم ما أتاهم في أُحد إلا بسبب مخالفتهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران ١٥٢]، فهنا يعرفون قدر المعصية وأنه يفوت بها من المحبوب ما (...). فالحاصل أن هذه الآية على بابها أن الله تعالى ينصر المؤمنين حقًّا عليه أوجبه هو بنفسه على نفسه؛ كما في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ [الأنعام ٥٤]. قال: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ [الروم ٤٤].

* من فوائد هذه الآية: الجمع بين الترغيب والترهيب الترهيب في قوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ والترغيب في قوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾.

* ومن فوائدها: أن شؤم الكافر لا يتعداه إلى غيره؛ لقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ وتقديم الخبر يدل على الحصر.

* ومن فوائد الآية: أنه لا يتم الثواب إلا بالعمل الصالح المبني على أمرين؛ وهما الإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله ﷺ؛ لقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا﴾.

* ومن فوائدها: أن الحزم والكياسة في العمل الصالح؛ لقوله: ﴿فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾؛ لأنهم إذا فعلوا ذلك استراحوا في المستقبل؛ إذ إنهم وطؤوا لأنفسهم منزلًا هو خير المنازل.

وقد ذكرنا ﴿فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: جمع بينها وبين قوله ﷺ: «مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً فَعَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ»[[أخرجه مسلم (١٠١٧ / ٦٩) من حديث جرير بن عبد الله.]]، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت ١٣]، وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل ٢٥] ويش ذكرنا الجمع؟

* طالب: أن هذه الأعمال السيئة هي من أعمالهم أنفسهم.

* الشيخ: نعم لأنهم هم السبب.

* طالب: في إضلال هؤلاء.

* الشيخ: نعم، ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [الروم ٤٥].

* يستفاد من هذه الآية: إثبات العلل في أفعال الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقد انقسم الناس في هذا إلى ثلاثة أقسام: قسم أنكروا العلل في أفعال الله وفي شرعه وقالوا: إنه سبحانه وتعالى يفعل ما يشاء ويحكم بما شاء بدون أي علة أو حكمة، مثل؟ كالجبرية.

وقسم آخر أثبتوا العلل في أفعال الله وقالوا: إن الله تعالى لا يفعل إلا لحكمة، ولا يشرع إلا لحكمة، لكنهم جعلوا تلك العلل موجبة وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا لكذا، وهؤلاء المعتزلة.

وقسم ثالث توسطوا وقالوا: أفعال الله تعالى لحكمة، وشرائعه لحكمة، لكن ليست هذه الحكمة موجبة، بل الذي أوجب على نفسه الحكمة هو الله، والحكمة من مقتضى اسمه الحكيم، فتكون واجبة ليست بإيجاب أحد ولكنها بمقتضى كونه حكيمًا، هو الذي أوجبها على نفسه، وهذا القول هو الصحيح، وإذا قلنا به فإننا لا يمكن أن نعترض على أي حكم من أحكام الله كونيًّا كان أم قدريًّا؛ لأننا نعلم أن الذي أوجب أن تقترن أفعاله وشرائعه بالحكم من هو؟ الله، لا نحن، فلا نقول: إن الله يجب عليه فعل الأصلح، ولا فعل الصلاح إيجابًا مستقلًّا عن إرادته، وهذا القول هو الحق. إذن نأخذ منه أن جميع أفعال الله وأحكام الله كلها معللة بالحكمة بمقتضى اسمه الحكيم.

* من فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء ليس واجبًا على الله؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [الروم ٤٥]، لكنه أوجبه على نفسه، في قوله: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام ٥٤] أوجبه هو سبحانه وتعالى على نفسه، ولهذا قال الشاعر:

مَا لِلْعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيْهِ ضَائِعُ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَهُوَ الْكَرِيمُ الْوَاسِعُ

وابن القيم رحمه الله نظم معنى هذين البيتين لكنه علل فقال:

مَا لِلعِبَادِ عَلَيْهِ حَقٌّ وَاجِبٌ ∗∗∗ هُوَ أَوْجَبَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الشَّانِ؎إِنْ عُذِّبُوا فَبِعَدْلِهِ أَوْ نُعِّمُــوا ∗∗∗ فَبِفَضْلِهِ وَالْفَضْلُلِلْمَنَّــــــــــــــــــــــــــــــــانِ

فقيد المطلَق في البيتين السابقين أنه هو الذي أوجب ذلك تفضلًا منه سبحانه وتعالى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات المحبة لله، من أين تؤخذ؟ ﴿لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ بس هذا نفي، كيف نأخذ منه الإثبات؟ لأنه إذا انتفى محبته عن الكافرين لزم محبته للمؤمنين، فإن لم يكن؛ لم يكن فرق بين المؤمنين وبين الكافرين، لو كانت المحبة منتفية في هؤلاء وهؤلاء ما كان بينهم فرق، أليس كذلك؟

ولهذا استدل أهل العلم على إثبات رؤية الله سبحانه وتعالى بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين ١٥] قالوا: فلما حجب هؤلاء في حال السخط دل على أنه لا يحجب الآخرون في مقام الرضا.

إذن نأخذ من هذه الآية إثبات المحبة، وهي كما سبق الكلام عليه صفة ثابتة لله على وجه الحقيقة، وليست بمعنى الثواب ولا إرادة الثواب، وإنما ذلك من لازمها ومقتضاها، إذا أحب قومًا أثابهم، ولا يثيبهم إلا بإرادة ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢].

* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على الإيمان والعمل الصالح، الله ما قال: آمنوا واعملوا، لكن ذكر الجزاء يستلزم الحث على الفعل، وهذا أحد الطرق التي يستدل بها على أن الشيء مأمور به، لا تظن أن الشيء المأمور به هو ما جاء بالصيغة افعل، بل الأمر يستفاد من عدة أمور، فإذا ورد الترغيب في شيء فهو مأمور به.

إذن يستفاد من هذا الحث على الإيمان والعمل الصالح.

* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذم الكفر، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾، فإذا نفى الله المحبة عن هؤلاء فإنه يقتضي ذم عملهم.

* ومنها أن الحكم إذا علق بمشتق، وهذه فائدة أصولية، إذا علق الحكم بمشتق فهو دليل على أن ذلك المشتق هو علة الحكم، مثلًا لا يحب الكافرين لماذا؟ لكفرهم، فالحكم هنا علق على وصف، فيقال: لا يحبهم لكفرهم، إذن فالكفر علة انتفاء المحبة؛ كما لو قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا﴾ [الصف ٤]، ما هي العلة في المحبة؟ القتال في سبيله صفًّا، وهكذا جميع حُكْم يُعلَّق بمشتق فإنه يدل على عِلية ذلك الشيء.

* يستفاد أيضًا من الآية فائدة: وهي اعتبار اللازم، بمعنى أنه إذا لزم من الشيء كذا وكذا فإنه يثبت هذا اللازم تبعًا لثبوت الملزوم، فمثلًا لاحظوا في المؤمنين ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، ما قال: إنه يحب ولا يحب الكافرين، قال: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ المقابل ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ ويش يلزم منه؟ ألا يجزيهم من فضله، وإنما يعاملهم بماذا؟ بعدله، فعقاب الكافرين مأخوذ من لازم انتفاء المحبة، ودلالة التلازم هذه مفيدة جدًّا لطالب العلم دلالة التلازم؛ أنه يلزم من كذا وكذا كذا وكذا، لكن لا بد من شرطين:

الشرط الأول: أن يكون اللازم صحيحًا، فإن كان اللازم فاسدًا فإنه ليس بلازم، حتى لو ادعى الإنسان أنه لازم فليس بلازم.

الشرط الثاني: أن يكون ذلك في كلام الله وكلام رسوله ﷺ.

أما الشرط الأول أن يكون التلازم صحيحًا فإننا نحترز به عما إذا كان التلازم غير صحيح، مثلًا أهل التعطيل الذين أنكروا الصفات أو بعضها ما شبهتهم في الإنكار؟ قالوا: إنه يلزم التمثيل فهل هذا اللازم صحيح؟ ليس بصحيح، ولذلك ما نقول إنه يلزم من إثبات الصفات التمثيل؛ لأنه ليس بلازم.

في كلام الله وكلام رسوله إذا كان اللازم صحيحًا فهو حق، ويكون النص دالًّا عليه، لكن في كلام غيره لا يكون اللازم قولًا لصاحب القول الملزوم، ولهذا العلماء عندهم ترجمة في هذه المسألة: هل لازم القول قول أو ليس بقول؟ منهم من قال: إن لازم القول ليس بقول، ومنهم من قال: إن لازم القول قول، والصحيح أن لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ قول، لكن بشرط أن يكون اللازم صحيحًا، لماذا يكون قولًا؟ لأن الله عز وجل يعلم ما يترتب على كلامه من اللوازم، وإذا لم ينفها الله دل ذلك على ثبوتها، لكن الإنسان البشر هل يعلم ما يلزم على قوله؟ أحيانًا يقول الإنسان قولًا يظنه صوابًا، ويكون هذا القول يلزم منه أمور فاسدة، يلزم منه لزومًا صحيحًا حقيقيًّا أمور فاسدة، لو نُبه القائل لها ماذا يصنع؟ لرجع عن قوله، فلذلك نقول: إن لازم القول في غير كتاب الله وسنة رسوله ليس بقول صحيح أنه يستدل به على بطلان القول، لكن ما يقال: إنه قول فلان.

فالحاصل أن هذه المسألة ينبغي التنبه لها، وإنما نقول بذلك لأن الإنسان بشر لا يحيط بما يستلزمه كلامه من اللوازم الصحيحة أو اللوازم الباطلة، الآن نشوف كثيرًا ما يأمر الإنسان بشيء أو ينهى عن شيء في أولاده، ثم إذا فعلوه علم أنه يستلزم مفسدة، فيرجع عنه، هذا اللازم هل كان عالمًا به من قبل؟ لو كان عالما ما أمرهم، وكثيرًا ما ينهاهم عن شيء ثم إذا تركوه رأى في ذلك مفسدة، استلزم مفسدة ما كان يعلم بها حين النهي، فتجده يرجع.

* طالب: (...).

* الشيخ: لا، لازم القول في كتاب الله وسنة رسوله قول، لكن بشرط أن يكون التلازم صحيحًا، أما في غيره فليس كذلك، ليس بقول.

ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الروم ٤٦].

* من فوائد هذه الآية الكريمة: أن هناك علامات ودلالات على وجود الخالق، وعلى علمه وقدرته وحكمته. هذه الآيات التي تعرَّف الله بها لعباده هذه من نعمة الله عليهم أن الله تعالى يريهم آياته ليقوموا بشكره ويعترفوا بفضله.

* من فوائد هذه الآية التي نحن فيها زيادة على الآيات الثلاث التي ذكرنا من آياته: ثبوت الرحمة؛ لقوله: ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، هذه الرياح لو اجتمع الخلق كلهم على أن ينفخوا بجميع وسائل النفخ هل يستطيعون أن يغطوا بهذا النفخ بلدًا واحدًا؟ ما يستطيعون، والرب جلت قدرته يغمر ما شاء أن يغمر بهذه الريح التي قد تقلع الأشجار، وتهدم الديار، أليس هذا دليلًا على قدرة الله العظيمة؟ نعم، وكونها مبشرات فيه إثبات الرحمة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: نعمة الله سبحانه وتعالى على العباد بالفلك التي تجري بأمره، لولا أن الله سبحانه وتعالى يسر من الأسباب ما يكون به ذلك ما عرف الناس كيف يتعدون من بر إلى بر بواسطة البحر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ظهور الآيات للإنسان سبب لشكر نعمة الله عليه، من أين نأخذها؟ من قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

* ومن فوائدها: إثبات العلل والحكم في أفعال الله لقوله: (ولعل)؛ لأنها للتعليل.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] إلى آخره.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تسلية الرسول ﷺ وتحذير المخالفين له؛ تسليته بمن سبقه من الرسل؛ فقد كذبوا وأوذوا، فإذا علم أن أحدًا شاركه في ذلك هان عليه الأمر؛ لأن كل إنسان يتسلى بما أصاب غيره بمثله، أو بما أصيب به غيره بمثله، ولهذا قال الله عز وجل: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ [الزخرف ٣٩].

.. شأن مَن قَبْله من الرسل.

* ومن فوائدها: تحذيرُ المخالفين له؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾ [الروم ٤٧].

* ومن فوائد الآية أيضًا: رحمةُ الله عبادَه بإرسال الرُّسُل؛ إذْ لولا هذه الرسالة ما عرف الناسُ كيف يعبدون الله عز وجل، بل ولا عرفوا ما عرفوا مِن تفاصيل أسمائه وصفاته كما سبق في درس التوحيد، فالرُّسُل رحمةٌ عظيمةٌ للخَلْق كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء ١٠٧].

* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن الانتقام من المكذِّبين كان بسبب فِعْلهم؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا﴾؛ أي: لإجرامهم، فهُم السبب.

* ومن فوائدها: أنَّ الرِّسالات السابقة خاصَّةٌ.

* طالب: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.

* الشيخ: لقوله: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، ويُبَيِّنه الحديثُ الثابتُ في الصحيحين: «وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٣٥)، ومسلم (٥٢١ / ٣)، من حديث جابر بن عبد الله.]].

* ومن فوائد الآية: أنَّ الله تعالى ما أرسلَ الرُّسُل إلا ببيِّناتٍ تشهد بصِدْقهم وبشرائعَ بيِّنةٍ لا تُوجب لَبْسًا على المتَّبِعين، من أين تؤخذ؟ ﴿فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [الروم ٤٧] أي: بالآيات البيِّنات الدالَّة على صِدْقهم، وبالشرائع البيِّنات الواضحة التي لا تقتضي لَبْسًا على المتَّبِع.

قال أهلُ العلم: وآياتُ الأنبياء على حسب عَصْرهم؛ ففي عَهْد موسى انتشرَ السِّحْرُ وكَثُر، فأعطاه الله تعالى من الآيات ما تُبْطل السِّحْر، وليستْ بسِحْر، أعطاه الله تعالى اليدَ، وأعطاه العصا.

قالوا: وفي عَهْد عيسى تقدَّم الطبُّ، فأعطاه الله من الآيات ما لا يمكن للطبِّ أنْ يقوم به، وهو إبراءُ الأَكْمهِ والأبرصِ، وإحياءُ الموتى وإخراجُهم من قبورهم، هذا ما يمكن يقوم به الطبُّ أبدًا، الميِّت لا يمكن يحيا بالطبِّ. وقالوا أيضًا: إنَّ الأبرص لا يمكن شفاؤه بالطبِّ.

الأَكْمه مَن هو؟ قالوا: إنَّه الذي خُلِقَ بلا عينٍ، هذا يُمْكن فيما سبق من العصور ما يُمْكن أنْ يُوضع له عين، لكن الآن إذا وُجِد مكانُ العين يُمْكن يُوضَع له عين بالطبِّ، لكنْ إذا لم يوجَد، مثلًا خَلَقَه اللَّهُ عز وجل بدون أنْ يخلق له مكانًا للعين، ما يُمْكن أن يُوضع له عين.

في عَهْد الرسول ﷺ قالوا: إنَّ البلاغة بلغتْ أَعْلى ذروتها، فكان مِن أَعْظم آيات الرسول عليه الصلاة والسلام هذا القرآن الذي أَعْجَزَ البُلَغاء والفُصَحاء، بل تحدَّى اللَّهُ به كلَّ الجنِّ والإنسِ؛ ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ لا انفرادًا ولا تعاوُنًا، ولهذا قال: ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨].

* طالب: شيخ، اللي يقولون بالإعجاز العلمي للقرآن يستخدمون هذا المعنى (...).

* الشيخ: (...)؟

* طالب: أن الإعجاز من جنس ما تفوَّق فيه كلُّ قوم، فيقولون: الآن زالت الآن البلاغة عند الناس، ما يعرفون (...) أوجُه البلاغة (...)، ولكن الآن طغى العلم (...) إشارات علمية ليصدق (...).

* الشيخ: إي نعم، يمكن، هذا ليس يبعد، أقول: ليس ببعيد، إي نعم، يمكن يكون صحيحًا أن القرآن في كلِّ عصرٍ يكون معجزةً بما تناسب العصر؛ لأنه نَزَلَ لجميع الخلْق إلى يوم القيامة، فلا يبعد هذا، القرآن بكل (...)، لكنْ في ذلك الوقت أشدُّ ما فيه البلاغة.

* وفيه أيضًا: إثباتُ فِعْل الانتقام لله عز جل؛ ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾.

* وفيه أيضًا: إثباتُ العظمة؛ لقوله: ﴿فَانْتَقَمْنَا﴾ و﴿أَرْسَلْنَا﴾، فإن هذا للتعظيم وليس للتعدُّد بإجماع المسلمين أنَّه للتعظيم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧].

* ومنها: أنَّ هذا النصر لا بدَّ أنْ يكون؛ لأنه أتى بصيغة التعظيم: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، ولم يَقُل: عَلَيَّ، بل قال: ﴿عَلَيْنَا﴾ إشارةً إلى أنَّ هذا الحقَّ لا بدَّ أن يكون؛ لأن الله تعالى أعظمُ مِن كلِّ شيء.

* وفيه أيضًا: دليلٌ على أنَّ غير المؤمنين لا يُنصَرون؛ لقوله: ﴿حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

فإذا أَوْرَدَ إنسانٌ علينا ما حَصَلَ من الانتصارات الخاطفة للكفار، فما هو الجواب؟

* طالب: استدراجٌ من الله سبحانه وتعالى.

* الشيخ: أنَّ هذا استدراجٌ من الله عز وجل حتى يتمَّ النصرُ للمؤمنين في النهاية.

* طالب: قد يكون تأديبًا للمؤمنين.

* الشيخ: إي نعم وقد يكون من مصلحة المؤمنين لأن (...) نصر لأنفسهم على أنفسهم، ثم إنَّه لا يدومُ هذا النصرُ أبدًا، العاقبة لا بدَّ أن تكون للمؤمنين.

وقال بعض أهل العلم: إنَّ النصر نوعان: نَصْرٌ بالحجَّة والبُرهان، ونَصْرٌ بالسيف والسِّنان.

فأمَّا النصر بالحجَّة والبُرهان فهو مضمونٌ وثابتٌ ولا فيه استثناء، أو لا؟ لأنَّ الحجَّة والبُرهان مع المؤمنين على كلِّ حال، حتى لو هُزِموا عسكريًّا فإنَّ الحجَّة والبُرهان معهم، غالبون بِحُجَّتهم وبُرهانهم، وهذا لا استثناء فيه.

والثاني بالنَّصْر العسكري؛ يعني بالسيف والسِّنان، وإحنا نقول الآن: بالطائرة والقنابل وما أشبهها، هذا قد يحصُل نصرٌ لغير المؤمنين امتحانًا للمؤمنين واستدراجًا للكافرين.

ثم قال عز وجل..

* طالب: شيخ، ذكرتَ أمس هل يؤخذ منها أن الرسول خاتم الأنبياء؟

* الشيخ: إي نعم، ما تقولون؟ هل يؤخذ منها أن الرسول ﷺ خاتم الأنبياء، ﴿مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا﴾؟

* طلبة: ما يَلْزم.

* الشيخ: يعني ما يَلْزم ألَّا يكون بعده أحد؟

* طالب: إي نعم، من هذه الآية.

* الشيخ: إي، معلوم، من هذه الآية.

* طالب: (...) ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾.

* الشيخ: ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ﴾، إي، هذه تدلُّ على أنَّ رسالتهم خاصَّة، لكن هل تدلُّ على أنه انتهى؟

* طالب: (...) كافَّة إلى الناس (...).

* طالب آخر: القاديان يستدلُّون بهذه الآية (...) آية النحل: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ﴾ [النحل ٢].

* الشيخ: على أيش؟ (...) القاديانية؟

* طالب: الرسالة جارية، ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ (...) صيغة الاستقبال ..

* الشيخ: هذا كفر.

* الطالب: تدل على (...) عندهم، عند القاديانية.

* الشيخ: الكلام على أن هذه الآية هل تدلُّ على خَتْم الرسالة بالرسول ﷺ لقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ﴾ أو لا تدلُّ، الوجْه الذي ذَكَره يقول: قد تدلُّ من حيث إن الرسول مُرْسَل إلى الناس عامَّةً، والعموم هذا يشمل العموم في الوقت والمكان والأُمَم، وهذا يستلزم ألَّا يوجد رسولٌ بَعْده، لو وُجِدَ رسولٌ بَعْدُ انتفى العموم إلى الناس كافَّة، صار معناه أن الرسول اللي بَعْدَه يكون رسولًا إلى هؤلاء الناس دون محمد عليه الصلاة والسلام.

* طالب: بس يا شيخ هذا ما فيه دليل على أنه أُرْسِل إلى الناس كافَّة (...).

* الشيخ: لا، فيه (...)؛ لأنَّه إذا لم يكن آخِرهم فالذي يأتي مِن بَعْدِهِ صارَ أُرْسِل إلى بعض الناس وهم الذين تأخَّروا، طيب، على كلِّ حالٍ أخْذُها فيه شيءٌ من الغموض، والأمرُ في هذا واضحٌ، والغريبُ أنَّ بعض الناس -على سبيل الاستطراد- أنْكَرَ نزول عيسى بن مريم ﷺ وقال: إنَّنا لو قُلنا بنزوله لَكان ذلك تكذيبًا للقرآن؛ ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠]، ماذا تقولون؟

* طالب: لكن في آية قال: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف ٦١] هذا يدلُّ على نزوله، والشيء الثاني يا شيخ يُنكرون مَجِيء المهدي.

* الشيخ: (...) لا تُدخل مسألة في مسألة، أقول: هل استدلالهم بالآية الكريمة صحيح ولَّا لا؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: غير صحيح؛ لأن عيسى ما ينزل مُشَرِّعًا، وإنما ينزل تابعًا للرسول ﷺ ولا يُنْشِئ ولا شيئًا من الشريعة، حتى كَسْر الصليب وقَتْل الخنزير، هذا أَخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام فأَقَرَّه؛ يعني يُقال: إنه يأتي ويحكم بذلك، ولا يَقْبل إلا الإسلام، ما فيه جِزية بعد نزول عيسى، ما فيه أخْذ جِزية ولا عَهْد، ما فيه إلا الإسلام[[أخرج البخاري (٢٤٧٦)، ومسلم (١٥٥ / ٢٤٢) واللفظ له، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ ﷺ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ».]]، فيقال: إن هذا ليس شرعًا جديدًا ناسخًا لشَرْعِ الرسول عليه الصلاة والسلام، بلْ هو شَرْعٌ مقرَّر من الرسول ﷺ، أليس كذلك؟ الرسولُ أخبر بأنَّه سيفعلُ هذا مقرِّرًا له، فهو لم يَنْزل على أنَّه رسولٌ بشرعٍ جديدٍ، بل على أنَّه تابعٌ للرسول عليه الصلاة والسلام، ولعلَّ هذا -والله أعلم- ليتحقَّق ما أخبرَ اللَّهُ به بالفعل؛ ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران ٨١]، هذا خَبَرٌ من الله عز وجل، لكنْ هل نحن عَلِمْنا هذا بأنَّ نبيًّا من الأنبياء تابعَ الرسولَ فِعْلًا؟ لا، لكن نزول عيسى ومتابعته لرسالة الرسول عليه الصلاة والسلام تكون هذه حقَّ اليقين؛ لأن الآية -آية آل عمران- فيها علم اليقين، فإذا وُجِدَ ذلك بالفِعْل صار أيش؟ صار حقَّ اليقين، فهذا من الحكمة في نزوله ﷺ في آخِر الزمان.

وأيضًا عندنا أحاديثُ واضحةٌ صحيحةٌ صريحةٌ مُتَلَقَّاةٌ بالقَبول عند أهل العلم، فكيف يُنكِر ذلك؟! ولكن -والعياذ بالله- بعض الناس يأتي بقاعدةٍ من أَفْسَدِ القواعدِ وأَبْطَلِ القواعدِ، وهي أنَّ العقيدة لا تَثْبُت بأخبار الآحاد ولو كان الخبرُ صحيحًا، وهذا في الحقيقة مزلةٌ مِمَّن قاله؛ لأننا نقول له: أنت تُثبت مِن الأحكام العملية تُثبت الحكم العملي بدليلٍ لا يصل إلى درجة الصحة، تُثبته بدليل يصل إلى درجة الْحُسْن، وربما يكون إلى درجة الْحُسْن عندك أنت وعند غيرك لا يصل إلى درجة الْحُسْن، وإثبات الحكم العملي مستلزم للعقيدة؛ لأنَّ تنفيذه مقتضى الإيمان، ولأنَّ الإنسان لا يعمل بهذا إلا بعد أن يعتقد أنه من شريعة الله، وإلا لَمَا عَمِل به، فهناك عقيدة سابقة أنَّ هذا من حُكم الله ومن شريعة الله، وأنَّه مقرِّبٌ إلى الله، وأنَّه عبادةٌ لله، ثم العمل به.

ثم ما هذا؟! إذا أخذْنا بذلك لَزِم أن نُنكر أشياء كثيرة مِمَّا يتعلَّق بالأمور العِلمية؛ لأن الشرع -كما تعلمون- إمَّا أُمُور عِلمية أو أُمُور عملية، والصواب بلا شك أنَّه لا فرق بينهما، وأنَّ ما صحَّ عن رسول الله ﷺ فإنَّه يجب الإيمان به عقيدةً وعملًا، وإذا شئتَ مَزِيدَ إيضاحٍ فاقرأ ما كتبه ابن القيِّم رحمه الله في آخِر الصواعق المرسلة، فإنَّه تكلَّم على هذه المسألة كلامًا شافيًا.

* طالب: هو متواتر ياشيخ.

* الشيخ: واللهِ ما أدري هل يصل إلى حدِّ التواتر ولَّا لا.

* طالب: (...)؟

* الشيخ: إنْ يتواتر إذن يكون يفيد العلم اليقيني ولا أحد (...).

* طالب: بالنسبة إلى نزول عيسى بن مريم (...)، هل أنَّه سبحانه وتعالى يُلْهمه الصواب في (...).

* الشيخ: الظاهر -والله أعلم- لأن القرآن والسُّنة محفوظات إلى ذلك الوقت، والعجيب أن بعضهم ذَكَر من شُبَه إنكار نزوله قال: إن لُغة عيسى سريانية، ولغة الرسول ﷺ عربية، كيف ينزل ويحكم بالشريعة وهو سرياني؟! هذه شُبَهة هذه؟

* طالب: لا.

* الشيخ: ويش الجواب؟ نقول: نعم الجواب بالتسليم (...)؛ أولًا: فيه الآن ناس يتكلمون باللغة العربية وهم مسلمون ملتزمون بأحكام الإسلام، قائمون به على أَتَمِّ وجْه، ولُغتهم غير عربية. والثاني: أنَّ الله على كلِّ شيءٍ قدير، يمكن يكون لسانه عربيًا، إذا كان بالممارسة والمخالطة ينقلب لسانُ الإنسان مِن سرياني إلى عربي، فكيف عاد بقدرة الله! لكن سبحان الله العظيم، الإنسان إذا اشتهى شيئًا أتى بشبه ما تنطلي على أحد (...).

* * *

قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم ٤٧] أخذنا فوائدها؟ ويش هي؟

* طالب: (...) تحذير المخالفين له (...).

أنَّ الرسالات السابقة خاصَّة (...).

أنَّ الله أوجبَ على نفسه نَصْرَ المؤمنين، وهو لا بدَّ أن يكون، وغير المؤمنين لا يُنصرون.

(...) أحيانًا وهو (...).

* الشيخ: فيها فائدة أيضًا.

* من فوائد الآية أيضًا: أنَّ على الله حقًّا أوجبه على نفسه؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا﴾، فإذا قُلنا: هل يجب على الله شيءٌ؟ نقول: أمَّا بعقولنا فلا يجب على الله شيءٌ، وأمَّا أنْ يُوجِب هو على نفسه شيئًا فهذا أمرٌ واقِع.

* ومن فوائدها أيضًا: فضيلةُ الإيمان وأنَّه سببٌ للنصر؛ ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском