Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:15–25, continued
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه ينبغي للأب أن يقرن موعظته لابنه بالترغيب والترهيب، فإن قوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ تأكيد وحق على الابن أن يقوم بهذه الوصايا الأربع.
* طالب: (...) في سورة الشورى ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ هذا (...) ما يخاف (...) في قضاء الله وقدره ما يوافق؟
* الشيخ: يحتاج إلى تأمل.
* طالب: التلطف يا شيخ.
* الشيخ: نعم، هذه أخذناها من قبل، من كل الوصايا، هذه ﴿يَا بُنَيَّ﴾ يؤخذ منها تلطف الإنسان بمخاطبة ابنه لا سيما في مقام الموعظة، فيتفرع على هذا أيضًا بيان سوء معاملة بعض الآباء إذا أراد أن يعظ ابنه عامله بالعنف والشدة، وهذا خطأ وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ اللَّهَ يُعْطِي بِالرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ»[[أخرجه مسلم (٢٥٩٣/٧٧) عن عائشة رضي الله عنها، ولفظه: «وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مَا لَا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ».]]، وأنت إذا عملت بهذا الشيء فإنك سوف تتعامل بالرفق؛ لأن الرسول أخبر بأن الله يُعطي بالرفق ما لا يعطي على العنف، فإذا كان يحصل لك مقصودك بالعنف فإن حصوله بالرفق من باب أولى، وعلى هذا فينبغي الرفق في الأمور لا سيما في مقام الوعظ لهؤلاء الأبناء الذين لا يحيطون عِلمًا بما هم عليه، أما المعانِد والمستكبِر فهذا له حال أخرى، لكن كلامنا في مقام الدعوة، وفي مقام التوجيه والإرشاد فإنه ينبغي التلطف وعدم العنف.
* طالب: (...).
* الشيخ: كل واحد حتى على.. إي نعم.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: ليس بدائم، ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء ١٠٣] ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨] ما هو بدائم.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ هذه معطوفة على قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ﴾ فهو إذن من وصايا لقمان لابنه ﴿وَلَا تُصَعِّرْ﴾ وفي قراءة ﴿﴿ولَا تُصَاعِر﴾ ﴾ ﴿خَدَّك لِلنَّاسِ﴾، يقول المؤلف: (لا تُمِل وجهك عنهم تكبرًا) التصعير هو الإمالة، ومنه: الصَّعر في الوجه، وهو الميال بحيث تكون العنق ملتوية تميل إما يمينًا وإما شمالًا.
وقوله: ﴿خَدَّكَ﴾ أي وجهك؛ فهو من إطلاق البعض وإرادة الكل. وقول المؤلف: تكبرًا، نعم هذا محط النهي أن يفعل ذلك على سبيل التكبر، أما لو فعله على سبيل الإعراض عما لا يجوز النظر إليه كما لو قابلك امرأة فصد وأعرض فإنه لا يدخل في الآية؛ ولهذا قال: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ وأما إذا صعرت وجهي أو خدي لأجل ألا أرى إلى شيء محرم فإنه لا يدخل في هذه الآية.
وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ اللام هنا هل هي للاختصاص على أصلها، أو أنها بمعنى (عن)؟
* طلبة: عن.
* الشيخ: ﴿لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي عنهم، لكن منهي تكبرًا. وقوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ عام، يشمل المؤمن والكافر، ولكن الكافر لا يعامل كما يُعامَل المؤمن في مثل هذه الأمور وقد يقال: إن شرعنا ورد بخلافه، وأن الكافر يُصعَّر له الخد ويُعرَض عنه، وقد يقال: إن الكافر إذا جاءك مُقبلًا فأقبل عليه فإن هذا من باب التأليف على الإسلام، وأما إذا أعرض فأعرض.
﴿وَلَا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا﴾ قال: ﴿وَلَا تَمْشِ﴾ هذا مجزوم بحذف الياء ﴿فِي الأَرْضِ﴾ أي على الأرض. ﴿مَرَحًا﴾ قال المؤلف: (أي خيلاء). المرح بمعنى البطر والأشر، والخيلاء من ذلك، فلا تكون متبخترًا في مشيتك متعاليًا في نفسك، ولكن امشِ مشية المتذلل الخاضع لله عز وجل غير الْمُتَعَلِّي على عباد الله.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ذكر هنا ﴿لَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ ولَا تَمْشِ في الأَرْضِ مَرَحًا﴾ فالأول في معاملة الناس ﴿لَا تُصَعِّر خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾، والثاني في هيئته بنفسه، ألا يمشي في الأرض مرحًا، وإنما يمشي كما يمشي عباد الرحمن ﴿الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.
﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ﴾ متبختر في مشيه ﴿فَخُورٍ﴾ على الناس ﴿مُخْتَالٍ﴾ أي فاعل للخُيلاء، و﴿فَخُورٍ﴾ أي مفتخر بنفسه، والفرق بينهما أن الاختيال يكون بالنفس، والفخر يكون بالقول، فهذا الرجل عنده خيلاء في نفسه واختيال على عباد الله، وعنده فخر بلسانه يفخر بنفسه ويقول: أنا فلان بن فلان، ويمتدح نفسه، ولكن هذا -كما جاء في الفوائد- ما لم يكن في الحرب، فإن كان في الحرب فلا بأس أن يفخر الإنسان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام:
أَنَا النَّبِيُّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ
ورأى بعض أصحابه يمشي مشية المتبختر فقال: «إِنَّ هَذِهِ لَمِشْيَةٌ يُبْغِضُهَا اللَّهُ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْقِفِ»[[أخرجه الطبراني (٦٥٠٨) من حديث خالد بن سماك بن خرشة، عن أبيه، عن جده.]]. ففي باب الحرب يجوز للإنسان أن يفتخر، ويجوز أن يتعاظم في نفسه؛ لأنه أمام أعداء الله الذين ينبغي إذلالهم.
﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ توسَّط فيه بين الدبيب والإسراع وعليك السكينة ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ﴾ المؤلف (...): (﴿﴿وَاغْضُضْ﴾ ﴾ اخفض ﴿﴿مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ ﴾ أقبحها ﴿﴿لَصَوْتُ الحَمِيرِ﴾ ﴾ أوله زفير وآخره شهيق).
﴿اقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ القصد معناه الوسط في الأمور، فالوسط في الأمور معناه أن الإنسان يكون وسطًا في مشيه بين الذي يمشي مُسْرعًا والذي يمشي متباطئًا، والقصد في كل شيء هو الوسط؛ ولهذا ورد في الدعاء المأثور: «وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى»[[أخرجه النسائي (١٣٠٥) من حديث عمار بن ياسر.]]. معنى (القصد) يعني التوسط في الأمور، ﴿الَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان ٦٧].
وقوله: ﴿وَاقْصِدْ في مَشْيِكَ﴾ توسط فيه بين الدبيب والإسراع وعليك السكينة والوقار؛ يعني لا تدب دبيبًا وأنت تمشي، ولا تسرع سرعةً تخل بالمروءة ولكن ليكن مشيك وسطًا بين هذا وهذا دالًّا على القوة وعلى النشاط كما كان الرسول عليه الصلاة والسلام يفعل في مشيه.
﴿وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ ﴿مِن﴾ هذه للتبعيض، ما قال: اغضض صوتك. بل قال: منه. وذلك لأن الإنسان لا يُحمد على رفع الصوت جدًّا ولا على خفضه جدًّا، والناس منهم من يكون عاليَ الصوت، إذا قام يتكلم وإذا هو كأنما يتكلم على جماعة بعيدين، ومن الناس من يكون بالعكس، يكلمك، ربما لا تفهم منه إلا الكلمة بعد الكلمة، كل هذا ليس بجيد؛ ولهذا قال: ﴿اغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ ولم يقل: اغضضه كله. فلا ينبغي هذا ولا هذا، بل يكون أيضًا قصدًا بين رفع الصوت والإخفاء.
وقوله: ﴿اغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ المراد عند المخاطبة؟ نعم، عند المخاطبة، ثم إن ﴿مِن﴾ هنا تفيد التبعيض في الكيفية وكذلك في الكمية، في بعض الأحيان يكون الأفضل أن ترفع صوتك، أليس كذلك؟ افرض أنك تنادي قومًا بعيدين مترامي الأطراف، تريد أن تحثهم على قتال أو ما أشبه ذلك، يجوز رفع الصوت ولَّا لا؟ يجوز؛ ولهذا العباس بن عبد المطلب في الحديث الصحيح «لما انصرف الناس أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن ينادي فقال بأعلى صوته: يا أهل الشجرة! يا أصحاب سورة البقرة!»[[أخرجه الحميدي في مسنده (٤٦٤) عن العباس رضي الله عنه، ولفظه: يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة.]] بأعلى صوته، وهذا لا شك أنه ليس غضًّا من الصوت؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿اغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾ فصار الغض من الصوت باعتبار الكمية وباعتبار الكيفية، كيف ذلك؟ نقول: إذا كنت تخاطب من إلى جانبك لا ترفع الصوت، ولا تخفضه بحيث لا يسمع، هذا باعتبار الكيفية، باعتبار الكمية يعني أحيانًا ربما تضطر إلى رفع الصوت؛ ولهذا قال: ﴿اغْضُضْ مِن صَوتِكَ﴾ يعني أحيانًا، لكن في بعض الأحيان تستدعي الحال أن ترفع صوتك بقدر ما تُسمِع.
ثم علل سبحانه وتعالى، أو يكون من كلام لقمان؛ لأن قوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ﴾ يحتمل أن يكون من كلام لقمان؛ لأنه الأصل، ويحتمل أن يكون من كلام الله، ختم الله به الآية.
وقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ تعليل لقوله: ﴿اغْضُضْ مِن صَوْتِكَ﴾، ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ﴾ يعني أقبحها وأبشعها، وليس أعلاها لكن أنكرها؛ لأن في الحيوان من هو أعلى صوتًا من الحمار لكن في القبح ليس فيه أقبح من صوت الحمير، وقوله: ﴿أنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ الجملة هذه مؤكدة بمؤكدين وهي (إن) واللام، ووجه ذلك ما ذكره المؤلف أن أوله زفير وآخره شهيق، كيف؟ ويش الفرق بين الزفير والشهيق؟ ما هو؟
* طالب: الزفير: خروج الهواء، والشهيق..
* الشيخ: نعم، الشهيق يكون باطنًا في الصدر، والزفير يكون خارجًا؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ [الفرقان ١٢].
* طالب: ﴿لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾.
* الشيخ: وكذلك الآية الثانية: ﴿لَهُم فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ هذا باعتبار الساكنين، وقال في آية أخرى: ﴿سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ﴾ فذكر الله تعالى للنار زفيرًا وشهيقًا، كما أن لساكنيها أيضًا زفيرًا وشهيقًا نعوذ بالله منه.
قال: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتَ الْحَمِيرِ﴾ انتهت الوصايا النافعة التي هي من الحكمة التي أعطاها الله تعالى لقمان.
ثم قال الله تعالى: -مقررًا ما أنعم الله به على عباده-: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ تعلموا يا مخاطَبِين ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ من الشمس والقمر والنجوم لتنتفعوا بها ﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الثمار والأنهار والدواب. ﴿وَأَسْبَغَ﴾ أوسع وأتم ﴿عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً﴾ وهي حسن الصورة، وتسوية الأعضاء، وغير ذلك.
﴿وَبَاطِنَةً﴾ وهي المعرفة وغيرها، يُقرِّر الله تعالى في هذه الآية ما أنعم الله به على العباد فيقول: ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾، وإنما قلت: (يقرر)؛ لأن همزة الاستفهام إذا دخلت على (لم) أفادت التقرير فينقلب الفعل المضارع إلى مؤول بماضٍ مؤكد بـ(قد)، فمثلًا ﴿أَلَمْ تَرَوْا﴾ أي قد رأيتم. ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أي قد شرحنا لك صدرك. إذن للتقرير لماذا؟ لأنه إذا دخلت همزة الاستفهام على (لم) أفادت التقرير فينقلب الفعل المضارع في المعنى إلى فعل ماض مؤكد بـ(قد) فيكون معنى (ألم تروا) أي: قد رأيتم، ولهذا في سورة (ألم نشرح لك) قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ بعده؟ ﴿وَوَضَعْنَا﴾ فعطف فعلًا ماضيًا على ما سبق؛ لأن ما قبله بمعنى الفعل الماضي.
وقوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ﴾ ﴿سَخَّرَ﴾ بمعنى ذلل؛ ذللها لكم أو لمصالحكم ومنافعكم. ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾ يقول المؤلف: من الشمس والقمر والنجوم. وهذا على سبيل التمثيل، وإلا فإنه قد سخر لنا أيضًا الرياح وهي بين السماء والأرض، وسخر لنا السحاب كما قال تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ والْأَرْضِ﴾ وهو لنا، فهو عام لكل ما سخره الله تعالى من مصالحنا.
﴿وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ من الثمار والأنهار والدواب، وغيرها أيضًا حتى المعادن وغيرها سخرها الله لنا وذللها لنا، فهذه كل ما في الأرض مُسخَّر مذلل، لكن بعضه مُسخَّر بطبيعته، وبعضه مسخر بواسطة، فالحديد والمعادن وما أشبهها مسخرة لكنها بواسطة، والدواب والأنهار والأشجار مسخرة بدون واسطة، يجدها الإنسان مهيأة كاملة.
وقوله: ﴿وَأَسْبَغَ﴾ فسرها المؤلف بأمرين بالسعة والإتمام؛ أي أوسع وأتم، ومنه: إسباغ الوضوء على المكاره، يعني: إتمام الوضوء، فمعنى (أسبغ) يعني أوسع وأتم، أما (أتم) فمثاله ما ذكرت: إسباغ الوضوء على المكاره، وأما (أوسع) فمنه قوله تعالى: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي دروعًا سابغات: واسعة، ومنها أيضًا قولهم: ثوب سابغ؛ يعني: واسع، ويدخل فيه الإتمام أيضًا، فالمهم أن الإسباغ يتناول شيئين: إتمام الشيء، والثاني: توفيره، والنعم التي أنعم الله بها علينا شاملة للأمرين فهي واسعة ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾، وهي أيضًا تامة ليس فيها نقص، كل ما يحتاجه الإنسان في حياته بل وكل ما يحتاجه في دينه فإن الله تعالى قد أتمه والحمد لله.
وقوله: ﴿ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ فسر المؤلف الظهور بأنها الحسية الظاهرة، والباطنة هي المعرفة وغيرها.
* طالب: هي المعروف.
* الشيخ: لا، المعرفة هي المعرفة، وهو الظاهر، النِّعم جعلها الله تعالى ظاهرةً وباطنة؛ ظاهرة للعيان، وذكر المؤلف من أمثلتها حُسْن الصورة، واستقامة الخلق، وما أشبه ذلك، والباطنة يقول: (هي المعرفة)؛ لأنها في القلب غير معلومة، وهذا لا شك أنه تفسير ناقص جدًّا، والظاهرة أعم..
* طالب: يقول: المعروفة.
* الشيخ: لا المعرفة عندنا، المعرفة معرفة في القلب يعني العلم، الصواب أنها أعم من ذلك؛ فالنعم إما ظاهرة لكل أحد، وإما باطنة لا يعلمها كل إنسان، هذا واحد، وإما ظاهرة أيضًا بحيث كل يعرف أنها نعمة، وباطنة بحيث لا يرى أنها نعمة إلا من آثارها؛ لأن بعض الأشياء حين وجودها لا تظن أنها نعمة، لكن إذا عرفت آثارها وجدت أنها نعمة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة ٢١٦]، فإن الإنسان أحيانًا يُصيبه ما يصيبه من قضاء الله وقدره فلا يرى أنها نعمة حتى يعرف آثارها فيما بعد، والمهم أن النعم -والحمد لله- ظاهرة بينة للعيان وعامة شاملة للخلق، وشيء باطن لا يعرفه إلا من أنعم الله به عليه، أيضًا شيء ظاهر واضح أنه نعمة، وشيء باطن لا يتبين أنه نعمة إلا فيما بعد (...).
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان ١٨].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: ذم هاتين الخصلتين: تصعير الخد للناس تكبُّرًا وتعاظمًا، والمشي في الأرض مرحًا، وقد دلت الآيات الأخرى على أنهما من المحرمات كما في سورة الإسراء.
* ويستفاد من هذه الآية أيضًا: أنه ينبغي للإنسان عند محادثة غيره أن يكون مُقبلًا إليه بوجهه؛ لأن النهي عن تصعير الخد يدل على الأمر بضده وهو أن يكون مُقبلًا إليه بوجهه.
* ويستفاد منها: أنه ينبغي في المشي أن نكون كما قال الله عز وجل بعد ذلك: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان ١٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أن الله يحب؛ من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ ووجه الدلالة أن نفي محبة الله لهؤلاء يدل على ثبوتها لغيرهم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: تحريم الاختيال والفخر؛ لأن الله نفى محبته له، وقد سبق الفرق بين الاختيال والفخر؛ الفخر بالقول، والاختيال بالفعل.
* * *
ثم قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضُ مِنْ صَوْتِكَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يكون مشيه قصدًا لا إسراعًا مخلًّا، ولا دبيبًا متباطئًا، فالإسراع اللي فيه التهور والعجلة والطيش مذموم، والتباطؤ والدبيب أيضًا مذموم. فيستفاد منه أنه ينبغي أن يكون الإنسان في مشيه قصدًا بين الإسراع والتباطؤ..
ثم قال تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان ١٩].
* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: أنه ينبغي للإنسان أن يكون مشيه قصدًا لا إسراعًا مخلًّا ولا دبيبًا متباطئًا؛ فالإسراع اللي فيه التهور والعجلة والطيش مذموم، والتباطؤ والدبيب أيضًا مذموم، فيستفاد منه: أنه ينبغي أن يكون الإنسان في مشيه قصدًا بين الإسراع والتباطؤ.
* ومن فوائدها أيضًا: أن يقال: إذا كان هذا في المشي الحسي فليكن كذلك في المشي المعنوي من الآداب والأخلاق لا ينبغي للإنسان أن يسرع سرعة مخلة ولا أن يتباطأ تباطؤًا مُفَوِّتًا للمقصود، أما الإسراع إلى الخير فقد أمر الله به ولكنه لا يتجاوز الحد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِذَا سَمِعْتُمُ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إِلَى الصَّلَاةِ، وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ وَلَا تُسْرِعُوا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٣٦)، ومسلم (٦٠٢ / ١٥١) من حديث أبي هريرة.]].
* ويستفاد من الآية أيضًا -من الآية الكريمة-: أنه ينبغي للإنسان أن يَغُضَّ من صوته؛ لقوله: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾، وذكرنا أمس أنه يشمل الكمية والكيفية، فإنه في بعض الأحيان ينبغي رفع الصوت كما في الأذان والخطبة وما أشبهها.
* ويُستفاد من الآية الكريمة: أن رفع الصوت في غير محله محرم؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان ١٩] فإن هذا التشبيه يقتضي التنفير منه، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَيْسَ لَنَا مَثَلُ السَّوْءِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٢٢) واللفظ له، ومسلم (١٦٢٢ / ٥) من حديث ابن عباس.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: ذمُّ أصوات الحمير؛ لقوله: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان ١٩]. وهل يؤخذ منها أن للجار أن يُطالِبَ جاره إذا كان عنده حمار نهَّاق ببيعه وإزالته ولَّا لا؟ إي نعم، له أن يطالب بذلك إذا كان نهيقه غير معتاد؛ لأن بعض الحمير كثير النهيق، فعلى هذا له أن يطالب، مثلما قال الفقهاء رحمهم الله: إن له أن يمنعه من الرحى التي يطحن بها دائمًا، وكذلك من تغسيل الثياب وبثِّها دائمًا، كل ما يؤذي الجار فلجاره أن يمنعه منه، فإذا كان الله قد وصف النهيق بأنه أنكر الأصوات فإنه له أن يطالب فيقول: بع هذا الحمار وإلا اجعله في محل آخر حتى لا أتأذى به.
* طالب: شيخ، آلات اللهو هذه أعظم من النهيق.
* الشيخ: نعم، له أن يطالب جاره بهذا؛ يعني: لو أنه صار يرفع أصوات المزامير -والعياذ بالله- والغناء فله الحق أن يطالب حتى وإن لم تزعجه؛ لأن هذا منكر، لكن لو كان له جار يصعد إلى السطح في أيام الصيف وعنده مسجل فيه أشرطة من القرآن ثم يفتحها برفع صوت فلجاره أن يطالب بالمنع؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: نعم (...) لو قال: كيف؟! (...) القرآن، نقول: لا، ما أمنعك، نقول: استمع، لكن اخفض الصوت، هذا يؤذيني، وليس يؤذيني لأني أكره القرآن، لكن أريد النوم وأولادي يريدون النوم وأهلي يريدون النوم، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَا يَجْهَرْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ بِالْقُرْآنِ»[[أخرجه أحمد في المسند (١٩٠٢٢)، ومالك في الموطأ (١ / ١٣١)، والنسائي في الكبرى (٣٣٤٦) من حديث البياضي.]] فله أن يمنع مع أن هذه عند العامة أمرها كبير؛ يعني: لو أحد طلب منع جاره من ألا يرفع صوته بقراءة القرآن لحَمَل الناس عليه راية الاستنكار، ولكن لا يهم، العامة ما يهم، إنكارهم أو إقرارهم ليس له أصل، (...).
* طالب: طيب، إذا احتاج إلى (...).
* الشيخ: ما فيه بأس، بل قد يجب أحيانًا كما لو احتاج إلى إنقاذ نفسه أو إنقاذ غيره من الهلكة فكل مقام له مقال، المقصود هذا في المشي العادي.
* الطالب: يعني: مثل أن يبغي أن يروح..
* الشيخ: المهم إذا احتاجه لا بأس به، ما فيه مانع.
* الطالب: أقول: يبغي يروح الشغل هو من عادته كل يوم مستعجل، له أن يمشي كل يوم كذا ولا؟
* الشيخ: الأولى أنه يرتب وقته حتى يخرج إلى شغله بالمشي المعتاد، لكن لو فُرِضَ أنه تأخر في يوم من الأيام فله أن يفعل.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [لقمان ٢٠]
* في هذه الآية الكريمة: بيان نعمة الله سبحانه وتعالى على عباده بهذه النعم.
* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا يحب أن يتمدح بما أعطى أو بما أسدى إلى عباده من النعم؛ لقوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ﴾ [لقمان ٢٠].
* ومنها: أن الله تعالى سخَّر لنا ما في السماوات وما في الأرض، وهو ظاهر وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية ١٣].
* ومنه: جواز استخدام ما في هذا الكون -السماوات والأرض- لمصالحنا؛ لأنه مُسَخَّر لنا فإذا كان مسخرًا لنا فلنا أن ننتفع به فيما أحل الله لنا.
فلو قال قائل مثلًا: هل لنا أن ننقب عن المعادن الجارية والجامدة؟ نقول: نعم.
هل لنا أن نحاول الصعود إلى الكواكب والنجوم لنرى ما فيها من الآيات وكيف سُخِّرَت لنا؟
الجواب: نعم، ولكن على كل حال إذا كان هذا يُكَلِّف نفقات باهظة أكثر مما نستفيد منه فإن الحكمة تقتضي ألا نفعل؛ لأن الآن هذه المحاولات يكون فيها من نفاد الأموال شيء كثير فإذا قُدِّر أن ما فيها من نفاد الأموال أكثر بأضعاف وأضعاف مما نستفيد منها فإن العقل يقتضي ألا نفعل؛ لأن هذا من السفه والتبذير، والإنسان العاقل لا يبذل المال إلا وهو يرى أنه ينتفع بأكثر مما بذل، أليس كذلك؟ لو فُرِض أنك بذلت مالًا قدرُه ألف ريال لتحصل على منفعة تساوي أَلْفَيْ ريال محمودٌ هذا ولَّا لا؟
* الطلبة: نعم.
* الشيخ: طيب، بالعكس بذلت مالًا يبلغ ألف ريال لتحصيل منفعة بقدر ألف ريال، هذا مذموم؛ لأنك الآن أضعت ألف ريال بدون فائدة فيكون هذا من إضاعة المال والإسراف.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن نعم الله عز وجل وافرة؛ يعني: كثيرة كاملة؛ لقوله: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ﴾ [لقمان ٢٠].
* ومن فوائدها: أن نِعَم الله عز وجل نوعان: ظاهرة وباطنة، سواء فسرنا الظاهرة بالأمور المحسوسة، والباطنة بالأمور المعنوية، أو فسَّرناها بالظاهرة لكل أحد، والباطنة ما لا يعرفها إلا صاحبها، أو فسرنا الظاهرة بما هو أعم يعم جميع الناس كالمطر والخصب، والباطنة بما هو دون ذلك، على كل حال النعم وافرة وسابغة من كل وجه.
* ويستفاد من الآيات السابقة من وصايا لقمان؛ يستفاد منها: ما أعطاه الله تعالى من الحِكَم؛ فإن كل ما أوصى به ابنه كله حِكَم موافقٌ للعقل، والشرع أيضًا يؤيده ولَّا لا؟ يؤيده.
* ويستفاد منها أيضًا: أن الله عز وجل إذا قصَّ علينا نبأ أحد فإن كان ذلك خيرًا فإنه يريد منا أن نفعله، وإن كان غير ذلك فإنه يريد منا أن نتجنبه؛ لمَّا قص علينا قصة قارون: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (٧٦) وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص ٧٦ - ٧٨] قصَّ ذلك علينا لنحذر ونخاف ولأجل ألا نسكت على من رأيناه يبدل ويفسد في الأرض، وهنا قصَّ علينا قصة لقمان من أجل أن نعتبر بهذه الحكم وأن نقتدي به في نصيحة أبنائنا وأهلنا.
* * *
ثم قال عز وجل: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ [لقمان ٢٠].
﴿مِنَ النَّاسِ﴾ هذه ﴿مِنَ﴾ للتبعيض، وقد اختلف المعربون في (مِن) التبعيضية هل هي اسم؟ يعني بمعنى: بعض، أو أنها حرف دال على هذا المعنى؟
وعلى هذا الاختلاف ينبني الاختلاف في الإعراب؛ فإذا قلنا: (مِن) اسم بمعنى: بعض فإننا نقول: (مِن) مبتدأ و﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ خبره، وإذا قلنا: إنها حرف فإننا نقول: (مِن) حرف جر، والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، و﴿مَنْ يُجَادِلُ﴾ مبتدأ مؤخر.
﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾.
﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ قال المؤلف: (أي: أهل مكة) بناء على قاعدته -رحمه الله- أن كل السور المكية يحمل فيها العموم في مثل هذا السياق على مَنْ؟ على الخصوص؛ وهم أهل مكة.
والصواب أن ذلك عامٌّ؛ يعني: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ من أهل مكة وغيرهم.
﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ المجادلة مأخوذة من الجَدْل وهو فَتْل الحبل لإحكامه؛ ومنه ما يسمى الجَدَايل -جدايل المرأة- أي: فَتْل رَأْسِها وإحكامه، هذا معناها في اللغة.
لكنها في الاصطلاح؛ المجادلة هي الممانعة؛ بمعنى أن كل واحد من المتناظرين يُحْكِم الحجة من أجل إفحام خَصْمِه، فهي إذن إحكام الحجة لإفحام الخصم، هذه المجادلة؛ إحكام الحجة لإفحام الخصم وتعجيزه.
والمجادلة إن كانت بعلم وحكمة فهي ممدوحة بلا شك، وقد تكون واجبة أحيانًا كما في قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل ١٢٥]، وإن كانت بغير علم فإنها مذمومة كمن يجادل في إيراد الحجج والعلل الواقعة لإفحام خصمه ونصر قوله ولو بالباطل فهذا من المنكرات المحرمة؛ ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ﴾ [غافر ٥].
﴿مِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ يقول: (أي أهل مكة).
﴿مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾ ﴿فِي اللَّهِ﴾ هل المراد في ذاته سبحانه وتعالى، أو المراد في ربوبيته، أو ألوهيته ، أو أسمائه وصفاته ، أو أحكامه وأفعاله؟
الجواب: تشمل كل هذا؛ فمِنَ الناس مَنْ يجادل في ذات الله فينكر وجود الله أصلًا، ويجادل في ذاته، ومن الناس من يُجادِل في وحدانيته يُقِرُّ به، لكن ينكر الوحدانية، ومن الناس مَنْ يجادل في ألوهيته؛ أي في تفرده بالألوهية، ومن الناس من يجادل في أسمائه وصفاته.
وأكثر ما وقع فيه الجدل بين المسلمين في باب الأسماء والصفات، بين المسلمين ما هو بين المسلمين والكافرين، لكن المسلمون الذين ينتسبون إلى الإسلام ويُسَمَّوْن أهل القبلة، هؤلاء كثُر الجدل بينهم في باب أسماء الله وصفاته.
كذلك من الناس من يجادل في أحكام الله، وما أكثر المجادلين في أحكام الله، تجده يجادل؛ تقول: هذا الشيء حرام. ثم يأتي ويجادلك: ويش اللي يحرمه؟ ويش الفرق بينه وبين كذا؟ وهات الدليل، وهذا الدليل منقوض، وهذا التعليل باطل وهكذا بغير علم، أما إذا كان بعلم فليس فيه ذم، لكن بغير علم.
كذلك من الناس مَنْ يجادل في أفعال الله -والعياذ بالله- فيقول: لماذا أنعم الله على هؤلاء الكافرين بالنعم الكثيرة ومن المسلمين من هو في جهد شديد ومرض وفقر وجهل وما أشبه ذلك؟ هذا يجادل في أفعال الله.
كذلك يجادل في أفعال الله في مسألة القدر؛ فيقول مثلًا: إما أن يكون الله قد قدَّر على الإنسان عملَه أو لا، فإن كان قدَّر عليه عمله فكيف يعاقبه؟ وإن لم يُقَدِّر عليه عمله فمعنى ذلك أن الإنسان مستقل به فيكون منفردًا في الحوادث ومشاركًا لله فيها، وما أشبه هذا من الجدل الذي يكون بغير علم؛ ولهذا ينبغي للإنسان في مسائل الشرع وفي مسائل القدر أن يستسلم لما يدل عليه الكتاب والسنة وألا يجادل؛ لأنه إن فتح على نفسه باب الجدل ما يستقر له قدم أبدًا؛ ولهذا قال ابن حجر رحمه الله: إن المسائل العقلية ما لها دخل في الأمور الخبرية؛ لأننا لو أردنا أن نحيل هذه الأمور على العقل فإن العقل قد يجوز ما كان ممتنعًا شرعًا غاية الامتناع، كما أنه قد يمنع ما هو جائز، والمراد بالعقل ما ادعى صاحبه أنه عقل، أما العقل الصحيح الصريح فإنه لا بد أن يوافق النقل الصحيح، وإذا شئتم أن يتبين لكم هذا فاقرؤوا كتاب شيخ الإسلام ابن تيمية -إن أطقتموه- المسمَّى بكتاب العقل والنقل، أو: موافقة صريح المعقول لصحيح المنقول.
فالمهم أن الجدل بابُه واسع، والكلام هنا في المجادلة المذمومة وهي المجادلة بغير علم.
إذن ﴿فِي اللَّهِ﴾ في ذاته، أيش بعد؟ ربوبيته، ألوهيته، أسمائه وصفاته، أحكامه، أفعاله.
﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يعني: ما عنده علم ذاتي ولكنه مكابرة ومعاندة.
(﴿﴿وَلَا هُدًى﴾ ﴾ من رسول) يعني: ولا عنده اقتداء بغيره، فهو ليس عنده علم في نفسه يهتدي به، وليس عنده علم من غيره يهتدي به، ﴿وَلَا هُدًى﴾.
(﴿﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾ ﴾ أنزله الله تعالى، بل بالتقليد) هو ما عنده علم ولا اهتداء بهدي رسول ولا كتاب أنزله الله فيهتدي به، إذن لماذا يجادل؟ يجادل بالباطل.
وقال المؤلف: (بالتقليد)؛ لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ هذا الذي أوجب للمؤلف أن يقول: (بل بالتقليد)؛ لأنه قال لقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿قِيلَ لَهُمُ﴾ ﴿قِيلَ﴾: هذه مبني للمجهول، فمن القائل؟ الله، الرسول، المؤمنون، كل هذا يمكن أن يكون، قال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ [الأعراف ٣]، والنبي عليه الصلاة والسلام يحث الأمة على اتباعه، والمؤمنون كذلك يدعون الناس إلى اتباع ما أنزل الله، فيكون هنا حذف الفاعل لإرادة العموم.
﴿إِذَا قِيلَ﴾ كذا؟ هذا أعمُّ مما لو قال: وإذا قال الله لهم، أو وإذا قال لهم الرسول، أو وإذا قال المؤمنون، فقوله: ﴿إِذَا قِيلَ﴾ يكون أشمل.
﴿اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ﴿مَا﴾ مفعول ﴿اتَّبِعُوا﴾ و﴿أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ما المراد به؟ القرآن لا شك؛ لأن الله أنزله. السنة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، كيف؟! ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء ١١٣]، قال العلماء: الحكمة هي السنة.
إذن: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ من القرآن ومن السنة؛ لأن السنة وَحْيٌ إن كان الله أوحاها إلى رسوله، وإلَّا فإقراره سبحانه إياها بمنزلة الوحي؛ ولهذا قال العلماء: إن إقرار النبي ﷺ بمنزلة قوله.
﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ﴾ ﴿بَلْ﴾ للإضراب الإبطالي أو الانتقالي؟ الإبطالي؛ يعني: بل لا نتبع ما أنزل الله، وإنما ﴿نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ هذا معارضة حق بباطل؛ لأنهم الآن عدلوا عما أنزل الله عز وجل إلى الآراء فقط والأهواء.
﴿مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ولو كان شركًا؟ ولو كان شركًا. طيب ولو كان طاعة؟ نقول: نعم، هم يقولون: ولو كان طاعة، فيكون اتباعهم لما عليه آباؤهم لا لأنه شرع، ولكن لأن عليه آباءهم، وحينئذ فلا يكون اتباعهم -اتباع آبائهم في هذا الحال- اتباعًا للشرع ولا اتباعًا محمودًا.
وعلى هذا فنقول فيمن دُعِي إلى الكتاب والسنة، وقال: أنا أريد أن أتبع فلانًا الإمام الفلاني أو العالم الفلاني مع بيان السنة ووضوحها يكون مشابهًا لهؤلاء المشركين؟ نعم يكون مشابهًا لهم.
قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ [لقمان ٢١] ﴿أَوَلَوْ كَانَ﴾ هذا استفهام يتلوه حرف عطف، وقد تقدم لنا مرارًا وتكرارًا بأن حرف العطف إذا وَلِي الاستفهام ففي إعرابه قولان:
أحدهما: أن همزة الاستفهام دخلت على محذوفٍ عُطف عليه ما بعد حرف العطف، ويُقَدَّر هذا المحذوف بحسب السياق، وعلى هذا فهمزة الاستفهام في مكانها، والمستفهم عنه -يعني: مدخول الاستفهام- محذوف.
والقول الثاني: أن الواو حرف عطف، والمعطوف عليه ما سبق، ومحل الهمزة بعد حرف العطف.
وقلنا: إن هذا أهون من الأول، الأول أبلغ في التقعيد، وهذا أسهل، ووجه سهولته أن الأول قد يخفى على الإنسان ماذا يُقَدِّره، وربما يصعب أحيانًا تقدير شيء مناسب، وأما هذه فلا تحتاج لشيء؛ تقول: معطوفة على ما سبق.
أما المؤلف فمشى على أي القولين؟ (﴿﴿أَ﴾ ﴾ يتبعونهم ﴿﴿وَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ﴾ ﴾؟) على الأول، أن حرف الاستفهام دخل على شيء محذوف، وأن حرف العطف عاطف على ذلك الشيء المحذوف.
﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ (أي: موجباته. لا).
يقول الله عز وجل: أيتبعون آباءهم دون ما أنزل الله حتى في هذه الحال وهو: أن الشيطان يدعوهم، يدعو الآباء ولَّا يدعو هؤلاء؟ أظنها تشمل هؤلاء والآباء.
﴿إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ يعني: إلى ما يوجب عذاب السعير من أعمال الشرك والكفر وغيرها، الاستفهام ظاهر كلام المؤلف أنه للإنكار والنفي؛ لقوله: (لا)، ولكنه للنفي فيه إشكال؛ لأنهم لا شك أنهم متبعوه، أما للإنكار فنعم؛ يكون الله عز وجل أنكر عليهم أن يتبعوا آباءهم والشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير.
وقوله: ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ﴾ هو عذاب النار، وأضيف إلى (...).
قوله: (﴿﴿إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ ﴾ موحد ﴿﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ﴾).
(مَنْ) هذه شرطية جوابها قوله: ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ﴾، وقُرِنَ الجواب بالفاء؛ لأنه اقترن بـ(قد)، والجواب يقترن بالفاء إذا كان أحد أمور ستة:
اسْمِـيَّـــةٌ طَلَبِيَّـــةٌ وَبِجَـــامِــدٍ ∗∗∗ وَبِـ(مَا) وَ(قَدْ) وَبِـ(لَنْ)وَبِالتَّنْفِيسِ
سبعة، وهذا اقترن في جوابٍ بـ(قد) فوجب أن يقرن بالفاء.
وقوله: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ يعني معناه: ينقاد له تمام الانقياد بحيث يسلمه إليه، وهذا غاية ما يكون من التذلل والتوكل.
﴿يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ولم يقل: (لله)؛ لأن قوله: ﴿إِلَى اللَّهِ﴾ أبلغ؛ كأنه أعطاه لله عز وجل وبلغ غايته في الوصول إلى الله.
وقوله: ﴿وَجْهَهُ﴾ المراد وجهه؛ يعني: وجه قلبه أو وجه بدنه؟ المراد وجه قلبه؛ يعني: اتجاهه فهو من الوجهة؛ أي: من يتجه إلى الله قصدًا وتوكلًا واعتمادًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences