Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Luqman 31:30–34
31:30–34Page 414
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدۡعُونَ مِن دُونِهِ ٱلۡبَٰطِلُ وَأَنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلۡعَلِيُّ ٱلۡكَبِيرُ ٣٠
That is because Allāh is the True Reality, and that what they call upon1 other than Him is falsehood, and because Allāh is the Most High, the Grand.
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱلۡفُلۡكَ تَجۡرِي فِي ٱلۡبَحۡرِ بِنِعۡمَتِ ٱللَّهِ لِيُرِيَكُم مِّنۡ ءَايَٰتِهِۦٓۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّكُلِّ صَبَّارٖ شَكُورٖ ٣١
Do you not see that ships sail through the sea by the favor of Allāh that He may show you of His signs? Indeed in that are signs for everyone patient and grateful.
وَإِذَا غَشِيَهُم مَّوۡجٞ كَٱلظُّلَلِ دَعَوُاْ ٱللَّهَ مُخۡلِصِينَ لَهُ ٱلدِّينَ فَلَمَّا نَجَّىٰهُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ فَمِنۡهُم مُّقۡتَصِدٞۚ وَمَا يَجۡحَدُ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَّا كُلُّ خَتَّارٖ كَفُورٖ ٣٢
And when waves come over them like canopies, they supplicate Allāh, sincere to Him in religion [i.e., faith]. But when He delivers them to the land, there are [some] of them who are moderate [in faith]. And none rejects Our signs except everyone treacherous and ungrateful.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمۡ وَٱخۡشَوۡاْ يَوۡمٗا لَّا يَجۡزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِۦ وَلَا مَوۡلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِۦ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ وَعۡدَ ٱللَّهِ حَقّٞۖ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِٱللَّهِ ٱلۡغَرُورُ ٣٣
O mankind, fear your Lord and fear a Day when no father will avail his son, nor will a son avail his father at all. Indeed, the promise of Allāh is truth, so let not the worldly life delude you and be not deceived about Allāh by the Deceiver [i.e., Satan].
إِنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥ عِلۡمُ ٱلسَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ ٱلۡغَيۡثَ وَيَعۡلَمُ مَا فِي ٱلۡأَرۡحَامِۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسٞ مَّاذَا تَكۡسِبُ غَدٗاۖ وَمَا تَدۡرِي نَفۡسُۢ بِأَيِّ أَرۡضٖ تَمُوتُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرُۢ ٣٤
Indeed, Allāh [alone] has knowledge of the Hour and sends down the rain and knows what is in the wombs.1 And no soul perceives what it will earn tomorrow, and no soul perceives in what land it will die. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.
قال الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان ٣٠] ﴿ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذُكِر من تسخير الشمس والقمر، والقدرة على البعث والخلْق؛ أي: ذلك المذكور السابق.
﴿بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الباء للسببية؛ أي: بسبب أنَّ الله هو الحقُّ، ولكونه تعالى هو الحقُّ صارت هذه الأمور وتنظَّمت هذه النُّظُم؛ لأنه جل وعلا حقٌّ في ذاته، وحقٌّ في أفعاله، وحقٌّ في أحكامه، وحقٌّ في أسمائه وصفاته، ورسوله حقٌّ، وكتابه حقٌّ، ووعده حقٌّ، وثوابه حقٌّ، وعقابه حقٌّ، وكل ما صَدَر عنه فهو حقٌّ.
والحقُّ هو ضد الباطل، والباطل هو اللغو والعبث الذي لا خير فيه، فيكون المعنى أنَّ كل ما صَدَر عن الله عز وجل فإنه حقٌّ وخيرٌ ثابت.
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ [لقمان ٣٠]. ﴿وَأَنَّ﴾ معطوفة على ﴿أنَّ﴾؛ يعني: وبأنَّ، معطوفة على ﴿أنَّ﴾ المفتوحة.
وقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾، ﴿مَا﴾ هذه اسم موصول؛ يعني: وأنَّ الذي يدعونه.
وقوله: ﴿يَدْعُونَ﴾ يشمل دعاء العبادة ودعاء المسألة؛ لأن الأصنام التي تُعبد من دون الله تُدعى بمعنى تُعبد، وتُدعى بمعنى تُسأل.
والدعاء له معنيان: دعاءُ عبادة، ودعاءُ مسألة. وقوله تعالى:﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة ١٨٦] أيش المراد؟ دعاء المسألة. وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر ٦٠] دعاء عبادة، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [الرعد ١٤] أي: ما عبادتهم إلا في ضلال. فالدعاء إذَنْ يكون بمعنى دعاء المسألة ودعاء العبادة، فقوله: ﴿مَا يَدْعُونَ﴾ يشمل المعنيين؛ يعني ما يعبدون، وما يطلبون منه الحوائج.
﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾ وقوله: (بالياء والتاء) يعني قراءتان سبعيتان: ﴿وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ﴾ ، ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ﴾، وكلاهما صحيح، لكنْ في قوله: ﴿وَأَنَّ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ خِطاب، ولا يكون إلا للكافرين؛ لأن الخِطاب في مثل هذا لا يمكن أن يكون للرسول ﷺ ولا للمؤمنين من أصحابه.
* طالب: (...).
* الشيخ: دعاء مسألة.
* الطالب: دعاء مسألة، (...) دعاء عبادة.
* الشيخ: يقول: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾، ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مِن سواه.
وقول المؤلف (يعبدون) (...) هذا فيه قصور، والصواب: يعبدون ويسألون؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأحقاف ٥]، ﴿يَدْعُو﴾ يعني يسأل ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فهنا ينبغي أن يضاف: يعبدون ويسألون.
وقوله: ﴿مِنْ دُونِهِ﴾ أي: مِن سواه.
وقوله: ﴿الْبَاطِلُ﴾ يقول المؤلف: (الزائل) وهذا فيه نظر؛ لأن المراد الباطل يعني الذي لا خير فيه، ومنه حديث: «أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شَيْءٍ مَا خَلَا اللَّهَ بَاطِلُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٨٤١)، ومسلم (٢٢٥٦ / ٢) من حديث أبي هريرة. ]]، (باطل) معناه: لا خير فيه.
وقوله: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ﴾ هل المراد الباطل في عبادتهم إيَّاه، أو الباطل حتى في نفسه فليس مستحقًّا للعبادة؟
كلا الأمرين، يعني فهو باطلٌ بالنسبة لعبادتهم إيَّاه، وهو باطلٌ في نفسه لا يستحقُّ من الألوهية شيئًا.
(﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ على خلْقه بالقهر ﴿الْكَبِيرُ﴾ العظيم).
﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ﴾ هذه الجملة -كما ترون- جملةٌ خبريةٌ مؤكَّدةٌ بضمير الفصل، أين ضمير الفصل؟
* طلبة: ﴿هُوَ﴾.
* الشيخ: ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ يعني: لا غيره.
و﴿الْعَلِيُّ﴾ صفةٌ مشبَّهةٌ؛ لأنها على وزن (فَعِيل)، والصفة المشبَّهة يقول أهل العلم باللغة العربية: إنها تفيد الثبوت والاستمرار (...).
* * *
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان ٣٤] معروفٌ أنَّ ﴿اللَّهَ﴾ لفظ الجلالة اسم (إنَّ)، و(عند) خبر مقدَّم، و﴿عِلْمُ﴾ مبتدأ مؤخر، والجملة خبر (إنَّ). الجملة الخبرية فيها حصرٌ، وهو يستفاد من تقديم الخبر؛ تقديم ﴿عِنْدَهُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ﴾ لا عند غيره ﴿عِلْمُ السَّاعَةِ﴾، ويدلُّ على هذا الحصر قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف ١٨٧] حصر بطريق ﴿إِنَّمَا﴾؛ ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، فلو أنَّ مدَّعيًا قال: إنَّ الحصر هنا في الخبر لا في الجملة كلِّها. قلنا: لكن الخبر هو الذي دلَّ على انحصار علم الساعة لله عز وجل، ويدلُّ عليه ويؤكِّده الآية التي قلناها وهي: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾، إذا جاءتكم مثل العبارة هذه: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ فالمعنى: لا يعلمها إلا ربي، هذا معناها، كما إذا قلت: إنما القائم زيدٌ. معناه: لا قائم إلا زيد.
قوله: ﴿عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ متى تقوم، وفي أيِّ وقت، ولا يعلمه إلا الله؛ ولهذا سأل جبريل النبيَّ ﷺ: قال أخبرني عن الساعة. قال: «مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» »[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة.]]. فتأمَّل، رسولانِ أحدهما أفضل الملائكة، والثاني أفضل البشر، كلاهما يقول: لا علم عندي؛ لأن قوله: «مَا الْمَسْؤُولُ بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ» » يعني: إذا كنتَ أنت لا تعلم فأنا من باب أَوْلى لا أعلم، فإذَنْ عِلمها يختصُّ بالله.
ولقد كذب مَن ادَّعى أنه يعلمها ولا سيما بالواسطة التي ذكر أنها دالة عليها، كما نُشِر عن شخصٍ يُسَمَّى رشاد خليفة؛ هذا رجلٌ في أمريكا، وهو رجلٌ عنده علم، لكنَّه اغترَّ اغترارًا عظيمًا بما يسمِّيه العدد تسعة عشر، حيث ادَّعى أنَّ القرآن كله مركَّبٌ على تسعة عشر حرفًا، وأنَّ هذه المادة اللي عنده؛ التسعة عشر، استدلَّ بها على أنه يعرف متى تقوم الساعة، وحدَّدها -أظن- في فوق ألفين بسنوات قليلة.
* طالب: (...) عام ألف وتسع مئة وتسعة.
* الشيخ: ألف وتسع مئة وتسعة؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ألف وتسع مئة وتسعة، كيف؟
* الطالب: أقول: عام ألف وتسع مئة وتسعة هجري.
* الشيخ: هجري، طيب، هذا الرجل في الواقع الله أعلم هل هو متأوِّل أو معاند، لكن كلُّ مَن ادَّعى عِلْم الساعة فهو كافر؛ لأنه مكذِّبٌ لله ورسوله وإجماع المسلمين، والمسلمون مجمعون إجماعًا قطعيًّا على أنه لا يعلم متى تقوم الساعة إلا الله عز وجل.
﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ والساعة هي القيامة، وسُمِّيت الساعة لأنها أعظمُ حدثٍ يكون، ولأنَّ فيها وعيدًا للمكذِّبين، ولهذا يُتوعَّد بالساعة، يقال مثلًا: ساعتك عندي. إذا أردتَ أن تهدِّد إنسانًا تهدِّده بكلمة الساعة لأنه يقع فيها حدثٌ عظيمٌ.
ثانيا: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [لقمان ٣٤]، ولم يقُل: ويعلم متى يَنْزل الغيث، قال: ﴿وَيُنَزِّلُ﴾، اختلاف التعبير له معنى عظيم، وإلا فإنَّ هذه الخمس كلها من عِلْم الغيب؛ فإنَّ النبي ﷺ فسَّر قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ [الأنعام ٥٩] بهذه الخمسة، وألفاظ الحديث: «وَلَا يَعْلَمُ مَتَى يَنْزِلُ الْمَطَرُ إِلَّا اللَّهُ»[[أخرجه البخاري (٧٣٧٩) من حديث ابن عمر.]]، لكن القرآن يقول الله فيه: ﴿وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، فكيف نقول: إنَّه يُراد بها: لا يعلم متى ينزل الغيث إلا الله. نقول: لأنَّ الله إذا كان هو الذي يُنَزِّل الغيثَ فلا يعلمه إلا الله؛ لأنه هو المنَزِّل له، والمنَزِّل للشيء هو الذي يعلمه وغيره لا يعلمه.
وقوله: ﴿الْغَيْثَ﴾ [لقمان ٣٤] أي: المطر، وسُمِّيَ غيثًا؛ لأن به تزول الشدة، والاستغاثة طلب إزالة الشدة، فبالمطر تزول الشدائد؛ شدائد القحط، وشدائد الجدب، فيبقى الناس عندهم ماء وعندهم مزارع.
﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾ [لقمان ٣٤] ﴿يَعْلَمُ مَا﴾ أي: الذي في الأرحام، وعبر بـ(ما)؛ لأنها أعم وأشمل من (مَن)؛ إذ (مَن) تختص بماذا؟ بالعاقل، هذه من جهة، من جهة أخرى أن (ما) تختص بالصفات، و(مَن) بالذوات، ألم تَرَ إلى قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء ٣]، ولم يقل: مَن طاب، مع أن المنكوحة من ذوات العقل ولَّا لا؟ ولكنه قال: ﴿مَا طَابَ﴾، دون (مَن)؛ لأن النكاح يرتكز على صفة المرأة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠٩٠)، ومسلم (١٤٦٦ / ٥٣)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]]، وهنا قال: (ما) دون (مَن)؛ لأن علم ما في الأرحام من حيث الصفة أبلغ من علمه من حيث الذات، أبلغ من علمه من حيث كونه ذَكَرًا أو أنثى، فالجنين الذي في الرحم ليس العلم المختص به بمجرد كونه ذكرًا أو أنثى، أو طويلًا أو قصيرًا، أو صغيرًا أو كبيرًا، لا، هناك أبلغ من ذلك، وهو صفات هذا الجنين، ماذا يكون شقيًّا أم سعيدًا، طويل العمر أم قصير العمر؟ هل عمله صالح، أو عمله فاسد؟ ولهذا جاء التعبير بـ(ما) التي يلاحَظ فيها أيش؟ يلاحَظ فيها الصفات؛ لأن علم مَا في الأرحام من هذه الوجهة أعظم من كونه ذكرًا أو أنثى، ولهذا الآن يَطَّلِعُون على علمه بكونه ذكرًا أم أنثى، يعرفون ذلك قبل أن يولَد، بكونه ذكرًا أو أنثى، فعلى هذا يتبين بلاغة القرآن حيث عَبَّرَ بـ(ما) دون (مَن)؛ لأن (مَن) يحدد الشخصية، شخصية عاقل، وإذا كان غير عاقل يقال: (ما)، أما ما يتعلق بالصفات (...).
والصفة المشبهة يقول أهل العلم باللغة العربية: إنها تفيد الثبوت والاستمرار، و(الْعَلِيّ) معناه العلي بذاته والعلي بصفاته، فعُلُوُّه ذاتي لازم أبدًا، سواء كان عَلِيًّا بذاته أو عليًّا بصفاته.
وقوله: ﴿هُوَ الْعَلِيُّ﴾ [لقمان ٣٠] تقدم لنا أن من أهل البدع مَن ينكر العلو، أيّ العُلْوَيْنِ؟ الذاتي، وأما عُلُوّ المعنى فهو متَّفَق عليه بين المسلمين.
وقوله: ﴿الْكَبِيرُ﴾ [لقمان ٣٠] قال المؤلف: (العظيم)، فهو سبحانه وتعالى كبير بمعنى عظيم في ذاته وفي صفاته، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة ٢٥٥]، وأخبر الله أن السماوات مطويات بيمينه، وأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، وأنه يطوي السماء كطَيِّ السجل للكتب، فكل هذا يدل على عِظَم ذاته سبحانه وتعالى كما أنه عظيم في صفاته.
* طالب: قوله: ﴿جَمِيعًا﴾ ما يدل على (...) ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا﴾ [الزمر ٦٧]؟
* الشيخ: لا، ما يدل على هذا، يدل على كل الأرض، بس ما يدل على العدد.
* الطالب: قوله: ﴿جَمِيعًا﴾.
* الشيخ: إي، كل الأرض جميعًا بما فيها الأشجار، مثل ما ورد في الحديث: «يَجْعَلُ الشَّجَرَ عَلَى إِصْبَعٍ وَالثَّرَى عَلَى إِصْبَعٍ»[[أخرج البخاري (٤٨١١)، ومسلم (٢٧٨٦ / ١٩) بسنديهما عن ابن مسعود رضي الله عنه، قال: جاء حبر من الأحبار إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد، إنا نجد أن الله يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلائق على إصبع، فيقول: أنا الملك، فضحك النبي ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقًا لقول الحبر، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧].]].
هنا لَمَّا ذكر أن الله هو الحق، وأن ما يدعون من دونه الباطل، قال: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [لقمان ٣٠]، فلِعُلُوِّه وكبريائه تبارك وتعالى يتبين أن هذه الأصنام على الضد من ذلك، فهي سافلة لا عُلُوّ فيها، وهي ذليلة وصغيرة ليس فيها شيء من الكبرياء.
* طالب: تفسير العلي (...).
* الشيخ: لا، قوله: العلي على خلقه هنا بالقهر، إي نعم، وإنما الصواب أنه عَلِيٌّ بذاته وصفاته.
(﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾ السفن، ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ﴾ يا مخاطبين بذلك ﴿مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا ﴿لِكُلِّ صَبَّار﴾ عن معاصي الله، ﴿شَكُورٍ﴾ [لقمان ٣١] لنعمه).
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ﴾، هذا الاستفهام للتقرير؛ لأن هذا أمر مَرْئِيّ، فلا يُسْأَل عن ثبوته، ولكن يُقَرِّر ثبوته، والخطاب في قوله: ﴿تَرَ﴾ يعود لِمَن؟ إما للرسول ﷺ، وإما لكل مَن يصح منه الخطاب، وهذا أعم.
وقوله: ﴿أَنَّ الْفُلْكَ﴾ قال المؤلف: (السفن)، فكأنه حمله على الجمع، مع أنه يحتمل أن يراد به المفرد؛ لقوله: ﴿تَجْرِي﴾، والفلك كما سبق كلمة تُطْلَق على الجمع وعلى الواحد، قال الله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس ٢٢]، الفلك هنا للواحد ولَّا للجمع؟ للجمع، ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ﴾، ﴿جَرَيْنَ﴾ ما هي مفرد، جمع، ولم يقل: وجرت، وأما هنا ﴿أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي﴾ فظاهر الآية الكريمة أن المراد بها المفرَد؛ إذ لم يقل: ألم تر أن الفلك يَجْرِينَ، ومع ذلك فالمفرد يراد به الجمع من حيث المعنى؛ لأن الفلك ليس واحدًا بالعين، لكنه واحد بالجنس، أما بالعين فلا يُحْصَى أفراده.
وقوله: ﴿تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾، (في) للظرفية، فهل هي على بابها، أو بمعنى (على).
* طلبة: بمعنى (على).
* الشيخ: هو على البحر ولَّا فيه.
* طالب: الغَوَّاصة في البحر.
* الشيخ: إي، الغواصة هي؟
* طالب: فلك،
* الشيخ: لكن الفلك التي تحمل الأنعام هذه على سطحها، لكنها في الحقيقة هي (...)، ما يغطيها، لكن أسفلها مغطى بالماء.
﴿فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ﴾ الباء متعلقة بـ﴿تَجْرِي﴾، يعني: تجري بالنعم، أي: حاملة النِّعم، ويحتمل أن تكون الباء للسببية، أي: تجري بسبب نعمت الله، أي أن الله أنعم على عباده بجريانها، وبين المعنيين فرق ولَّا لا؟ نعم؛ لأنها على المعنى الأول تفيد أن هذه السفن تحمل النِّعَم، وعلى المعنى الثاني تفيد أن السفن تجري بنعمة الله، يعني أنها من إنعام الله علينا؛ أن جريانها من إنعام الله علينا، والآية تحتمل المعنيين بدون مناقضة، وقد ذكرنا مرارًا وتكرارًا أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين بدون مناقضة حُمِلَت على المعنيين.
* طالب: إذا كان فيه فرق، لكن الظاهر الأخير، هل نقول: (...) الأول؟
* الشيخ: لا.
* طالب: لكنها بنعمة الله جريانها تحمل الأنعام..
* الشيخ: لا؛ لأنها قد تجري فاضية ما فيها شيء، مجرد تمكين الله عز وجل لهذه السفن بأن تجري على الماء، والماء كما تعلمون ليس جِرْمًا صلبًا يحمل، بل هو جِرْم لَيِّن، لولا أن الله تعالى يَسَّرَ أن هذه السفن تمشي عليه ما مشت.
* طالب: أحيانًا قد تهبط في الماء.
* الشيخ: نعم، إذا كانت ركابًا فقط هي تكون على المعنى الأول بإنعام الله، والغالب أنه يكون فيها من نعم الله من الأرزاق ما هو شيء كثير، فتكون على المعنى الثاني، ونحن نقول: إنها على المعنيين جميعًا؛ أنها تجري بنعمة الله، أي: بإنعام الله علينا، أي أن جريانها من نعمه، وتجري بالنعم أي: حاملة نعمة الله.
تجري بنعمة الله ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾، اللام متعلقة بـ﴿تَجْرِي﴾، وهي لام التعليل، أي: لأجل أن يُرِيَكُم، ومعنى (يُرِيَكم) يظهره حتى تروه، يعني: لأجل أن تَرَوْا من آيات الله ما يبهر عقولكم.
وقوله: ﴿لِيُرِيَكُمْ﴾ من آيات الله، (مِن) هنا للتبعيض؛ إذ إن السفن والراكب عليها لا يرى كل آيات الله، ولكنه يرى بعضًا منها.
وقوله: ﴿لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ﴾، أي: مما يدل على كماله في القدرة والإنعام، وغير ذلك، والآيات جمع آية، وهي في اللغة العلامة، والمراد بها كل ما يُسْتَدَلُّ به على كمال الله عز وجل في ذاته وصفاته، ما هي الآيات التي تُرَى في البحر؟
* طالب: (...) الفلك.
* الشيخ: مثل؟
* الطالب: السفن نفسها تطفو، كونه ما فيه -مثلًا- من حيوانات كثيرة جدًّا مختلفة الألوان والأشكال، وكلها آيات وعلامات على قدرة الله سبحانه وتعالى، كما هو في البر يوجد البحر.
* الشيخ: صح، هذه من الآيات، ما في البحر من الأسماك والحيتان العظيمة المتنوعة، وكذلك أيضًا من آياته ما يشاهَد في البحر في أمواجه وشدتها وخفتها، وكذلك أيضًا ما يشاهَد من البحر من الأبخرة التي تتصاعد وتتكون سحابًا بإذن الله عز وجل.
المهم أن هذه الآيات العظيمة أيضًا هي ليست كل الآيات، ولكنها من آيات الله، بعض آياته.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ المشار إليه ما ذُكِرَ في البحر من جريان السفن بنعم الله، وما يشاهَد في البحر من آيات الله.
﴿لَآيَاتٍ﴾ أي: لعلامات كثيرة، و(آيات) هذه اسم (إنَّ) مؤخر، و﴿فِي ذَلِكَ﴾ جارٌّ ومجرور خبرها مقدم.
يقول المؤلف: (﴿لَآيَاتٍ﴾ عِبَرًا)، يعتبر بها الإنسان، ويستدل بها على كمال قدرة الله سبحانه وتعالى.
(﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن معاصي الله ﴿شَكُورٍ﴾ لنعمه)، (صَبَّار) صيغة مبالغة، يعني كثير الصبر، (شكور) أيضا صيغة مبالغة: كثير الشكر.
وقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾ ويش المناسبة لذِكْر الصَّبَّار الشَّكُور بعد ذكر أن الفلك تجري في البحر بنعمة الله؟ المناسبة ظاهرة جدًّا؛ لأن هذه الفلك التي تجري في البحر تارة تعصف بها الأمواج، ويتأذى الإنسان بذلك، وربما يتضرر فيقابل ذلك بماذا؟ بالصبر، وقد يكون الأمر بالعكس، فيسهل العبور على البحر، ويحصل بذلك خير كثير، فيقابل ذلك بالشكر، فلما كانت هذه السفن فيها سَرَّاء وضَرَّاء ختم الله الآية بقوله: ﴿لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾.
وعلى هذا فنقول: في قول المؤلف: (﴿لِكُلِّ صَبَّارٍ﴾ عن معاصي الله) فيه شيء من القصور، بل نقول: لكل صبار عن معاصيه وعلى أقداره المؤلمة، وشكور لماذا؟ لنِعَمِه كما قال المؤلف.
(﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ﴾، أي: عَلَا الكفارَ ﴿مَوْجٌ كَالظُّلَلِ﴾ [لقمان ٣٢] كالجبال التي تُظَلِّل مَن تحتها).
﴿غَشِيَهُمْ﴾ يقول المؤلف: (أي: عَلَا الكفار)، وأصل التغشية التغطية، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً﴾ [الأنفال ١١]، وقوله: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾ [الأعراف ٥٤] أي: يُغَطِّيه، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل ١] أي: يغطي ويستر، وأمثلة ذلك كثيرة.
فمعنى قوله: ﴿إِذَا غَشِيَهُمْ﴾ أي: غَطَّاهم، ولا يغطيهم إلا بعد عُلُوِّه عليهم، والموج ما يحصل من الماء المتجمِّع الذي يعلو حتى ما يغطي السفن ويغرقها.
وقوله: ﴿كَالظُّلَلِ﴾ يقول المؤلف: (الجبال التي تظلل مَن تحتها) وهذا مشاهَد، الله أكبر، إذا رأيت البحر في شدة الأمواج تجد المياه تأتي كأنها جبال، وأحيانًا تتلاطم ثم يعلو منها زُمْرة كبيرة عالية جدًّا في البحر، هذه الأمواج إذا غشيتهم ﴿دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [لقمان ٣٢] مَن هم؟ الكفار، يدعون الله ويسألونه، ﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، ما يسألون غيره في هذه الحال، هل يقول عابد اللات: يا لات أنقذينا؟ لأنه يعرف ما تنقذه، ولا عابد العزى ومناة، ولا عابد هُبَل، ولا غيرها من الأصنام، لا يمكن أن يدعو الأصنام في هذه الحال؛ لأنه يعرف أنها لا تنقذه، وإنما يدعو الله تعالى مخلصًا له الدين.
وقوله: ﴿لَهُ الدِّينَ﴾ المراد به (أي: الدعاء بأن ينجيهم، أي: لا يدعون معه غيره)، من أين أخذ المؤلف (لا يدعون معه غيره)؟ من قوله: ﴿مُخْلِصِينَ﴾؛ لأن الإخلاص بمعنى التخليص، يعني أنه يُجْعَل لهذا الشيء وحده، ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ﴾ [البينة ٥] فهم في هذه الحالة يعرفون الله ويدعونه، وهذا يدل على أن شرك مَن سبق أخف من شرك مَن لحق، فيه أناس الآن إذا غَشِيَهم موج كالظلل، أو أصابتهم الضراء مين يدعون؟ يدعون مخلوقًا، تجده بدل ما يقول: اللهم أَنْقِذْنِي يقول: يا علي أنقذني، يا عبد القادر أنقذني، يا فلان يا فلان أنقذني، فصار شرك هؤلاء أقبح من شرك الأولين؛ لأن الأَوَّلِين يعرفون الحق إذا أصابتهم الضراء، وأنه لا يكشف هذه الضراء إلا الله، أما هؤلاء فإنهم يزدادون عَمًى إلى عماهم، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يكشف ما نزل بهم من الضراء لا عبد القادر ولا البدوي ولا علي بن أبي طالب ولا غيرهم، كل هؤلاء هم بأنفسهم لو أصابتهم الضراء ما استطاعوا أن يكشفوها عن أنفسهم، فكيف يكشفونها عن غيرهم؟! هذا مع أنهم قد ماتوا وانقطع الرجاء بهم من كل وجه، لو كانوا أحياء حاضرين ربما يستغيث الإنسان بهم فينتفع، لكن إذا كانوا أمواتًا هل يمكن أن يستغيث بهم إلا جاهل؟ ما يمكن، هل يمكن أن يأتي علي بن أبي طالب من قبره من أجل أن ينقذك، أو عبد القادر الجيلاني من قبره لينقذك، أو البدوي من قبره لينقذك، أو غيره ممن يُدْعَى عند الشدائد لينقذ؟ أبدًا، والله أعلم. (...)
﴿مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ يعني: لا يدعون غيره، ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ [لقمان ٣٢]، نَجَّاهم إلى البر هذه (...) بمعنى الإيصال، يعني نجاهم وأوصلهم إلى البر، لم يقل: نجاهم من هذه الظُّلَل فقط، بل نجاهم إنجاءً وصلوا فيه إلى شاطئ السلامة إلى البر، والبر هنا ضد البحر، فيشمل ما لو نجاهم إلى بلد، فإن البلد في هذه الآية مِن الْبَرّ، ﴿لَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ أين جواب (لما)؛ لأن (لما) هنا شرطية؟ الجواب: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ [لقمان ٣٢] يعني: ومنهم غير مقتصد، فالجواب إذن محذوف دَلَّ عليه قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: فلما نجاهم إلى البر انقسموا قسمين؛ فمنهم مقتصد، ومنهم كافر، و(لما) لها عدة معاني؛ تأتي شرطية، وتأتي جازمة نافية، وتأتي بمعنى (إلا)، وتأتي بمعنى (حين) ظرف، هذه أربعة معانٍ.
فتأتي شرطية كما في هذه الآية، ومثل: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف ١٦٦]، وتأتي بمعنى (إلا) كما في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤] أي: إلا عليها حافظ، وتأتي جازمة نافية، كقوله تعالى: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، أي: بل لم يذوقوا عذابي، وتأتي ظرفًا بمعنى (حين) تقول: زُرْتُك لما سمعت بقدومك، أي: حين سمعت بقدومك.
﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ انقسموا إلى قسمين، هذا الجواب محذوف، ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾، هذه (مِن) للتبعيض، يعني: فبعضهم مقتصد، قال: (متوسط بين الكفر والإيمان، ومنهم باقٍ على كفره)، هذا التقسيم الثاني، ﴿فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ أي: متوسط، والاقتصاد في كل شيء هو التوسط فيه، فالمعنى أن منهم مَن صار لا مؤمنًا ولا كافرًا، إذا ذَكَرَ نعمة الله عليه بالإنجاء آمَن وشكر ربه، وإن غَرَّتْه السلامة كفر وطغى، فيكون مقتصدًا، ومنهم المقابل، ويش هو؟ كافر، ومنهم كافر.
الدليل أن المراد بالمقابل هنا الكافر قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ [لقمان ٣٢]، وإلا فقد يقول قائل: من الذي يَدُلُّكم على أن المقابل هو الكافر، ألا يمكن أن يكون المقابل هو المؤمن كما في قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر ٣٢]؟ قلنا: هذا ممكن، لكن قوله: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ يدل على أن المقابل للمقتصد مَن؟ الكافر.
قال: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾ الجحد بمعنى: النفي والكتمان، وقد يُضَمَّن معنى التكذيب كما هنا، فإنه ضُمِّنَ معنى التكذيب؛ لأن الجحد الذي بمعنى الكتمان يتعدى بنفسه، فيقال: جَحَدَه، أي: كَتَمَه، لكن هنا ضُمِّنَ معنى التكذيب، ولذلك تَعَدَّى بالباء، فقيل: ﴿وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا﴾، أي: ما يُكَذِّب بها.
(ومنها الإنجاء من الموج، ﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ﴾ غَدَّار، ﴿كَفُورٍ﴾ لنعم الله)، أعوذ بالله، ما يجحد بآيات الله عز وجل وينكرها ويكذِّب بها، والمراد بالآيات هنا ما يدل على نِعَمِه، كل ما يدل على نِعَمِه وتوحيده من الآيات الشرعية والآيات الكونية ما يجحد بها ويكذِّب إلا مَن جمع هذين الوصفين؛ الْخَتْر وهو الغَدْر، والثاني الكُفْر وهو الاستكبار.
فإذا قال قائل: كيف الغدر هنا؟ قلنا: لأن كل إنسان قد عاهد ربه، ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف ١٧٢]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠]، كل إنسان قد عاهد ربه بمقتضى فطرته أن يؤمن به، فإذا كفر صار غادرًا ولَّا لا؟ صار غادرًا، لم يَفِ بالعهد.
﴿إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ﴾ بنعم الله.
ثم قال تعالى: (﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾ [لقمان ٣٣] أي: أهل مكة) (...).
هو الرب، فهو الخالق، وما دام هو الخالق فيجب أن يكون هو الذي يُتَّقَى، فكأنه يُعَلِّل الأمر بالتقوى، اتقوا ربكم لأنه ربكم الذي أوجدكم وأَعَدَّكُم وأَمَدَّكُم، فهنا إيجاد وإعداد وإمداد، أوجد الله الناس وأَعَدَّهُم هَيَّأَهم لما ينبغي أن يكونوا عليه، والثالث أمدَّهم بالعقول وأمدهم بالرسل التي جاءت بشريعة الله.
(﴿اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي﴾ لا يغني ﴿وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ [لقمان ٣٣] فيه شيئًا)، ﴿اخْشَوْا يَوْمًا﴾، الخشية تقدَّم لنا أنها أخص من الخوف؛ لأنها تكون مع العلم بحال الْمَخْشِيّ؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر ٢٨]، ولأنها تكون من قوة الْمَخْشِيِّ، وأما الخوف فسببه ضعف الخائف، هذا هو الغالب، فالخشية أخف، يعني: اخشوا هذا اليوم العظيم الذي صفته كيت وكيت، وقد بَيَّنَها الله عز وجل.
(﴿يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ فيه شيئًا)، ومعنى يجزي: يُغْنِي، فلا أحد يستطيع أن يدفع عن أولاده شر ذلك اليوم أبدًا، مع أنه في الدنيا يغني عنهم ولَّا لا؟ يُغْنِي ويدافع، وربما يلقي بنفسه إلى التهلكة من أجل حياة أولاده، لكن في الآخرة ما فيها، بل إنه يَفِرُّ المرء من أخيه، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه، يَفِرُّ منهم خشية أن يتعلَّقُوا به بتقصير حق قَصَّر فيه نحوهم، ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون ١٠١]، ما أحد يسأل عن أحد، كلٌّ يقول: نفسي نفسي؛ لأن الأمر عظيم، الجبال تَنْدَكُّ حتى تكون كثيبًا مَهِيلًا، ثم بعد ذلك تكون كالعهن المنفوش، ثم تتطاير وتكون هباء منثورًا، هباء يطير في الجو، فالأمر أعظم من أن يَجْزِي والد عن ولده شيئًا.
وكلمة ﴿وَالِدٌ﴾ نكرة في سياق النفي، يشمل الأب، والجد، والأم، والجدة، وإن عَلَوْا.
﴿عَنْ وَلَدِهِ﴾ أي الذَّكَر؟ أيهم؟
* طالب: الذكر والأنثى.
* الشيخ: الذكر والأنثى؛ لأن الولد يُطْلَق على الذَّكَر والأنثى في اللغة العربية، ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء ١١].
﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لقمان ٣٣]، قال: (﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ﴾ فيه ﴿شَيْئًا﴾ )، قوله: ﴿مَوْلُودٌ﴾ يجوز أن تكون مبتدأ، و﴿هُوَ جَازٍ﴾ الجملة هذه خبر المبتدأ، يعني ﴿مَوْلُودٌ﴾ مبتدأ، و﴿هُوَ﴾ مبتدأ ثان، و﴿جَازٍ﴾ خبر المبتدأ الثاني، والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول، وسَوَّغَ الابتداء بالنكرة في قوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ أنها واردة في مقام التقسيم، ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ معطوفًا على قوله: ﴿وَالِدٌ﴾، يعني: ولا يجزي مولود، لكن على هذا التقدير يُشْكِل معنى قوله: ﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾، يصير المعنى: ولا يجزي مولود هو جازٍ عن والده شيئًا، فقد يظن ظانٌّ أن في هذه العبارة ركاكة، والأمر ليس كذلك، ويكون معنى قوله: ولا يجزي مولود هو جاز، يعني: لا يجزي مولود هو في الكفاءة محل لأن يجزي عن والده، فيكون ﴿هُوَ جَازٍ﴾ بيان لصفته، وأنه أهل لأن يجزي عن والده شيئًا ولكنه لا يجزي، وعلى هذا فيكون نظم الآية غير مختلف؛ لأن الْمَنْفِيَّ هو الفعل في الجملة الأولى وهي ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ﴾، وفي الجملة الثانية وجهها؟
* طالب: ولا يجزي مولود.
* الشيخ: ولا مولود؛ لأن التقدير: ولا يجزي مولود، لكن يكون قوله: ﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ يكون فيها بيان أن هذا المولود أهل لأن يجزي.
فإذا قال قائل: لماذا لم يُقَيِّد الوالد بهذا القيد أيضًا؟ قلنا: لأن الوالد غالبًا أهل لأن يجزي؛ لأن الوالد هو الأكبر، ويمكن يجزي، بخلاف الولد فالولد قد يكون صغيرًا ما يدري شيئًا، فلهذا قُيِّدَت بالنسبة للمولود بكونه أهلًا لأن يجزي.
إذن في قوله: ﴿وَلَا مَوْلُودٌ﴾ وجهان في الإعراب، أحدهما؟
* طالب: ﴿مَوْلُودٌ﴾ هذا وجهان.
* الشيخ: في إعرابه وجهان.
* الطالب: إي نعم، وجه أن (مولود) هو مبتدأ، و(هو) مبتدأ ثانٍ، و(جاز) خبر المبتدأ الثاني.
* الشيخ: والجملة؟
* الطالب: والجملة من المبتدأ الثاني وخبره في محل خبر المبتدأ الأول.
* الشيخ: في محل رفع..
* طالب: رفع خبر المبتدأ الأول.
* الشيخ: الأول، هذا وجه.
* طالب: ووجه ثانٍ أن الجملة الأخيرة معطوفة على..
* الشيخ: لا، أن ﴿مَوْلُودٌ﴾ معطوف على؟
* الطالب: على ﴿وَالِدٌ﴾.
* الشيخ: على ﴿وَالِدٌ﴾، وجملة ﴿هُوَ جَازٍ﴾ صفة لـ﴿مَوْلُودٌ﴾، على الوجه الأول لا إشكال في المعنى، لكن فيه إشكال في تغيير النَّظْم، يعني في تغيير الأسلوب، حيث أتى بالنسبة للوالد بالفعل، وأتى بالنسبة للمولود بالجملة الاسمية، والجواب على هذا أن يقال: إنه أتى لمولود بالجملة الاسمية لئلا يطمع أحد من المسلمين الذين كانوا قد أسلموا في كفايتهم عن آبائهم شيئًا، أي: لئلا يطمع المولود المسلم في الإغناء عن أبيه الكافر أتى بالجملة الاسمية الدالة على الثبوت والاستمرار.
الوجه الثاني: قلنا: إنه معطوف على ﴿وَالِدٌ﴾، وعلى هذا الوجه يَرِد إشكال في قوله: ﴿هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾؛ إذ إن المعنى يكون: ولا يجزي مولود هو جازٍ عن والده شيئًا.
قلنا: الجواب على ذلك أن معنى ﴿هُوَ جَازٍ﴾ أي: هو أهلٌ لأن يجزي لكفايته، ولكنه في ذلك اليوم لا يجزي وإن كان من أهل الإجزاء، أو من أهل الجزاء.
﴿وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾، إذن ما الذي ينفع الإنسان في ذلك اليوم؟ ينفعه ما ذكره الله عن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء ٨٧ - ٨٩]، هذا اللي ينتفع؛ مَن أتى الله بقلب سليم، أي : سليم مِن كل ما يُنَقِّصه من الشرك فما دونه.
يقول: (﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ [لقمان ٣٣] بالبعث)، يعني: بالبعث وما فيه، ليس بالبعث فقط، بالبعث والحساب والجزاء من خير وشر، ﴿حَقٌّ﴾ بمعنى: ثابت واقع، وهذا من ضمن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ [لقمان ٣٠]، من كونه حقًّا أن وَعْدَه سبحانه وتعالى حق، وَعْد غيره قد يكون حقًّا وقد يكون باطلًا غير مُوفًى به؛ لأن غير الله عز وجل قد يتخلف موعوده إما لكذب في الواعد، وإما لعجز فيه، هذا رجل قال لك: سآتي لك بعد صلاة العصر مباشرة بطَبَق من الخبز، أو ما يصلح طبق من الخبز.
* طالب: إذا كان مع الْمَرَق يصلح.
* الشيخ: يصلح؟
* الطالب: إي نعم.
* الشيخ: معه مَرَق.
* الطالب: نعم.
* الشيخ: بطبق من الخبز، وكأس من الْمَرَق، بعد العصر ما جاء لك بشيء، وعنده أطباق الخبز، وعنده كؤوس الْمَرَق، لكن ما جاء لك، لماذا؟ لكذبه، في اليوم الثاني ما جاء لك بشيء؛ لأنه ما عنده شيء، لا عنده فلوس يشتري بها، ولا عنده شيء في البيت، هذا أيضًا أخلف الموعِد لماذا؟ للعجز، ومن العجز أيضًا النسيان؛ لأن النسيان بالحقيقة نقص في الإنسان.
فالله عز وجل وَعْدُه حق لا بد أن يقع، ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾، وقال المؤلف: (بالبعث)، والصواب: بالبعث وغيره مما يكون في ذلك اليوم من الحساب والجزاء.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences