Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:14–30, continued
ثم قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧]، في هذه الآية دليل على عِظَم نعيم الجنة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾؛ لأن هذا لا شك أن الإبهام يدل على التفخيم كما قلنا في التفسير.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن في الجنة من قُرَّة العين في المأكول والملبوس والمنقوع والمسكن ما لا يخطر على البال؛ لأن كل هذه الأربعة تقر بها العين، قال الشاعر:
وَلُبْسُ عَــــــــــبَـاءَةٍ وَتَقَرُّ عَيْنِي ∗∗∗ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ لُبْسِ الشُّفُوفِ
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضل الله عز وجل على العباد، على المؤمنين، فضله السابق واللاحق؛ السابق أنْ وَفَّقَهم للإيمان والعمل الصالح، واللاحق أن جعل هذا الجزاء على عملهم، ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، كأن هذه النعم التي في الجنة كأنها جزاء على عمل لهم، ففيه حقيقة العمل لهم، لكن فيه أن الفضل من الله عز وجل عليهم كأنه فضل منهم على أنفسهم.
وقوله: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ مثل قوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ﴾ [الرحمن ٦٠]، إحسان العمل بإحسان الجزاء، ومثل قوله: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا﴾ [الإنسان ٢٢]، يَمُنّ عليهم بالسعي الحميد ثم يشكرهم عليه، يَمُنّ عليهم هنا بالتوفيق للهداية، ثم يقول: أجازيكم على عملكم، وهذا لا شك أنه من تمام مِنَّة الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ [السجدة ١٨].
* في هذه الآية: تقرير أنه لا مساواة بين المؤمن ومَن؟ والكافر، وأن هذا أمر لا يمكن، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [القلم ٣٥، ٣٦]، هذا من السَّفَه، ومن الخطأ في الحكم أن يُجْعَل المسلم كالمجرم، أو الفاسق كالمؤمن، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن خير من الفاسق ولو كان الفاسق أعظم جاهًا في الدنيا عند الخلق، منين نأخذه؟ من العموم، ﴿أَفَمَنْ﴾، (مَن) هذه اسم استفهام، وأسماء الاستفهام من صِيَغ العموم، لا يمكن لأي فاسق أن يكون كالمؤمن، ولو عظمت به الدنيا، ولو نال من الدنيا ما ينال فإنه ليس كالمؤمن ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٩) وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾ [السجدة ١٩، ٢٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن المؤمن لا يساوي الكافر، لا في عمله ولا في الجزاء؛ أما العمل فظاهر، هذا مؤمن وهذا فاسق، وأما الجزاء فبَيَّنَ الله الفرق، الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم جنات المأوى، وأولئك مأواهم النار، وفرق بين هذا وهذا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإيمان لا يَتِمّ إلا بالعمل الصالح؛ لقوله ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، فلا يكفي مجرد العقيدة، بل لا بد من عمل صالح.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات الجنة؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، لكن هل هي موجودة، أو توجَد يوم القيامة؟ موجودة؛ لقوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران ١٣٣]، وهي فعل ماضٍ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: طِيبُ منازل الجنة ومقرّها؛ لقوله: ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، يعني الجنات التي لا يتمنى الإنسان إلا أن يأوي إليها المأوى، كل أحد يتمنى هذا المأوى لكن لا يناله إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أهل الجنة يُكْرَمُون بما يُنَعَّمُون به كما يُكْرَم الضيف بضيافته؛ لقوله: ﴿نُزُلًا﴾، وتعلمون ما يجده الضيف من السرور في نفسه إذا أُكْرِم بالضيافة، بخلاف الذي يقدَّم له الطعام عاديًّا، اللي يُقَدَّم له الطعام عاديًّا يرى أنه شيء معتاد ما له أهمية، لكن الذي يقدَّم له كضيافة وكأنه رجل مُكَرَّم ومحترم يجد في نفسه مع ما.. تلذذه بالطعام، التلذذ الجسدي، يجد تلذذًا وراحة نفسية وإكرامًا، ولهذا سماه الله تعالى: ﴿نُزُلًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الفسق نوعان: فسق أكبر، وهو الكفر، وفسق دون ذلك وهو المعاصي.
* ومن فوائدها: أن الكفار مأواهم النار؛ لقوله: ﴿أَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾.
وهناك فسق آخر ليس مُخْرِجًا عن الملة، مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾ [الحجرات ١١]، هنا قال ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، ولم يقل: فلهم النار مأوى، أو فلهم نار المأوى، الفرق لأن النار كل أحد لا يحب أن تكون مأواه، بخلاف الأول، الجنة كلٌّ يحب أن تكون هي المأوى، وأما هذا فلا، وإن كان هذا الفرق قد يختلف في بعض الآيات، مثل: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات ٣٧ - ٤١]، لكن لكل مقام مقال، هنا المقام مقام معادلة وموازنة، ولهذا فرَّق بينهما، قال: ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، وهنا قال: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، أما هناك فليس هناك معادلة، يعني ما ذُكِرَ أن قومًا يَدَّعُون لأنفسهم أنهم أهل الحق فأنكر الله ذلك.
* من فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّار﴾، وهي موجودة الآن ولَّا توجد يوم القيامة؟ موجودة، الدليل: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة ٢٤].
* ومن فوائد الآية الكريمة: شدة عذاب أهل النار؛ لكونهم يُمَنَّوْن بالخروج ويُرْفَعُون، يرتفع بهم اللهب، حتى إذا ظنوا أنهم يخرجون أُعِيدُوا فيها؛ لقوله: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ [الحج ٢٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: أن أهل النار يُجْمَع لهم بين العذاب الجسمي والعذاب القلبي بالتوبيخ، ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة ٢٠].
ثم قال الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [السجدة ٢١].
* يستفاد من الآية الكريمة: بيان (...) عز وجل فيما يبتلي به من المصائب، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وهذا كقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم ٤١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب الدنيا لا يُنْسَب إلى عذاب الآخرة؛ لما بينهما من الفرق العظيم، فهذا أدنى وذاك أكبر، يعني كلاهما في طَرَفَيْ نقيض، يعني أدنى اسم تفضيل، وأكبر اسم تفضيل، فإذن هل يُنْسَب أدنى شيء إلى أعلى شيء؟ لا، لا نسبة، ولهذا تقول (...) الفرق العظيم بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: قبول التوبة من الكافر؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات حكمة الله؛ لقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فإن (لعل) للتعليل، والتعليل هو الحكمة.
* ومن فوائد الآية الكريمة أيضًا: إثبات العذاب في الآخرة؛ لقوله: ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾، فإن المراد به عذاب الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [السجدة ٢٢] إلى آخره.
* يستفاد من الآية الكريمة: أن مَن كان على هذا الوصف فهو لا يكون أحد أظلمَ منه؛ لقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾، وهاهنا مسألة، وهي أن مثل هذه العبارة جاءت في غير هؤلاء، فقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [البقرة ١١٤]، ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ [الأنعام ٢١] وهنا نحتاج إلى الجمع بين هذه النصوص، وفي السنة: «وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُقُ كَخَلْقِي»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٥٥٩)، ومسلم (٢١١١ / ١٠١)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ، فكيف نجمع بين هذه النصوص؟
ذكرنا فيما سبق أن الجمع بأحد وجهين؛ الوجه الأول أن نقول: إن الآية ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ لا تفيد أنه لا يوجد مشارك أو مساوٍ لهذا الظلم، فإننا نقول: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ﴾، (وَمَنْ أَظْلَمْ مِمَّنْ) اشتركَا في ماذا في الأظلمية، وأن هذا أعلى ما يكون في الظلم، هذا وجه، والوجه الثاني: أن نقول: إن الأظلم بالنسبة لما تحته من نوعه، يعني: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾، يعني هذا أظلم ما يكون من الْمُذَكَّرِين، بخلاف مَن ذُكِّرَ ثم أعرض عن البعض، أو ما أشبه ذلك، يصير هذا الأظلمية بماذا؟ بالنسبة لما تحته من نوعه، ﴿مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾، يعني: لا أحد أظلم في مَنْع شيء من الأشياء ممن مَنَع مساجد الله، وعلى هذا فَقِس، فصار الجواب بأحد وجهين: إما أن يقال (...).
* الآية الكريمة: وجوب القبول على مَن ذُكِّر بآيات الله، منين نأخذه؟
* طالب: من الوعيد في الإعراض.
* الشيخ: نعم، من الوعيد في الإعراض.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان يجب أن يقبل التذكير من أيّ مَن ذَكَّره، منين نأخذه؟
* طالب: من المبني للمجهول.
* الشيخ: من بناء الفعل للمجهول ﴿ذُكِّرَ﴾، ما قال: ممن ذَكَّرَه الرسول أو ذَكَّرَه فلان أو فلان، إذا وقع التذكير أو أتاك التذكير من أي جهة فالواجب عليك القبول.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإعراض بعد العلم أقبح منه حال الجهل، أو لا؟ لأن الله تعالى جعل هذا أعظم الظلم أن تُذَكَّر ثم تُعْرِض، لكن مَن أعرض بدون تذكير فهو أهون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ [السجدة ٢٢].
* ومن فوائدها: أن الإعراض عن آيات الله بعد التذكير بها إجرام؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز إضافة الانتقام إلى الله مُقَيَّدًا؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾، يعني: الإخبار عن الله بأنه منتقم لكن مُقَيَّدًا، كقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات عظمة الله؛ لقوله: ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾، فإن الجمع هنا للتعظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بلاغة القرآن، وأنه في أعلى ما يكون من البلاغة والفصاحة؛ لقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِين﴾، ولم يقل: إنا منه، من أجل أن نستفيد فائدتين؛ الفائدة الأولى أن هذا مُجْرِم، والفائدة الثانية أن الحكم يعمه وغيره من المجرمين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة ٢٣] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات رسالة موسى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾، وتأكيد هذه الرسالة؛ لقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا﴾؛ لأن الجملة مؤكَّدة بثلاث مؤكِّدات: اللام، وقد والقسم المقدَّر.
* ومن فوائدها: أن موسى عليه الصلاة والسلام رسول حقًّا لا يجوز الشك فيه؛ لقوله: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ [السجدة ٢٣]، يعني أن هذا حق لا تكن في شك من أنه حصل لموسى هذا الذي حصل، وهذا على التفسير الذي ذكرنا، أما على ما قاله المؤلف فيستفاد منه أن محمدًا ﷺ سوف يلاقي موسى.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التوراة كالقرآن هدى؛ لقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ لكن هداية مخصوصة، لِمَن؟ لبني إسرائيل، ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة ٢٣].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الإشارة إلى أنه لا ينبغي لنا أن نطلب الهدى من التوراة، منين نأخذه؟ كقوله: ﴿هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، أما مَن بعد بعثة الرسول فالهدى لهم هو القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة ٢٤] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: فضيلة الصبر، منين نأخد فضيلة الصبر؟ من الجزاء عليه، من كون الصابر يكون إمامًا، وهذا دليل على أن الصبر محبوب إلى الله يجازِي عليه بهذا الجزاء العظيم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة اليقين، كقوله: ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: نَيْل الإمامة في الدين بهذين الوصفين، وهما: الصبر واليقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجزاء من جنس العمل؛ لأن هؤلاء لما صبروا وأيقنوا صاروا أئمة يُقْتَدَى بهم، كلما أصاب الإنسان شيء قال: لقد أُصِيب فلان فَصَبَرَ فيصبر، كلما وردت عليه شبهة قال: لقد كان فلان مُوقِنًا فأنا أوقن، فيكون الإنسان بذلك إمامًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الآيات لله، ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [السجدة ٢٥].
* من فوائد الآية الكريمة: أنه لا حاكم في الآخرة إلا الله، من أين تؤخذ؟ من ضمير الفصل ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾، هو وحده يفصل، وقد قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر ١٦]، وقال تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ﴾ [غافر ١٢].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات يوم القيامة؛ لقوله ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
* ومنها: أن الله تعالى يحكم بين المؤمنين والكافرين في ذلك اليوم، ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، فيقول: أنتم على حق، وأنتم على باطل، وهؤلاء للجنة، وهؤلاء للنار، أيهم الغالب؟
* طالب: المؤمنون.
* الشيخ: المؤمنون؟ متأكِّدون؟ أو الكافرون هم الغالبون؟ لا ما هو الأكثر، أيهم الغالب؟
* طالب: أي المنتصر.
* الشيخ: المنتصر.
* طالب: المؤمنون.
* الشيخ: المؤمنون؟ ويش الدليل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا.
* طالب: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾.
* الشيخ: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء ١٤١]، شوف قاضي يُعْلِن الحكم بين الخصمين ويقول: أنت الغالب، فيُعْلِن بالحكم قبل القضية، يجوز هذا ولَّا ما يجوز؟ في حق الله عز وجل لا شك أنه جائز، فالآن نحن نقول: نحن نتخاصم مع الكافرين، ولن يكون لهم علينا سبيل، لكن لو يجيء -مثلًا- قضية في الدنيا يجيء القاضي يقول: طالب فلان (...) وذاك ما له سبيل عليك، يجوز ولَّا لا؟ هذا لا يجوز، أولًا: لأن القاضي إلى الآن ما بعد عُرِضَت عليه القضية ولا يدري، ثم إن الخصم غالبًا ويش يَذْكُر، الحجة اللي له ولَّا اللي عليه؟ الغالب أنه يذكر الحجة التي له، سواء قصد إخفاء قضية خصمه، أم ظن أن هذا تنفعه، إي نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا وفاق بين المؤمنين والكافرين، (...) ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أيّ إنسان يحاول أن يقارِب بين الإسلام والنصرانية، أو بين الإسلام واليهودية فإنه أراد أن يَرُدّ اللبن في الضرع، ممكن ولَّا لا؟ ممكن ولَّا غير ممكن؟ هذا غير ممكن، كل كافر مهما كان، سواء انتسب إلى الإسلام، أم كان كافرًا مُعْلِنًا بكفره، فإنه لا يمكن أن يتوافق مع المؤمنين أبدًا، لا يمكن، ومَن زعم ذلك فقد أبعد النجعة، وحاول شيئًا مستحيلًا.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة ٢٦].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: استعمال ضرب الأمثال، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا﴾، يعني: فإذا كنا أهلكنا مَن قبلهم فسنهلكهم إذا كانوا مثلهم، ولهذا قال الله تعالى في سورة يوسف: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [يوسف ١١١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: الاستدلال بالشيء المحسوس على الشيء المعقول؛ لقوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، أو بعبارة أخرى الاستدلال بعين اليقين على صدق علم اليقين، ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ هذا أيش؟ علم اليقين، ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ هذا عين اليقين، نعم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز المشي بدار المعذَّبِين ومساكنهم، منين نأخذه؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قال: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾، هل ذِكْر الخبر عن الشيء يفيد حِلَّهُ؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: لا، ما يفيد في الواقع، الحقيقة أنه لا يفيد، يعني كون هذا هو الواقع إنهم يمشون في مساكنهم ما يدل على أن هذا مشي مأذون فيه، أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ الظَّعِينَةَ تَمْشِي مِنْ حَضْرَمَوْتَ إِلَى عَدَنَ أَوْ إِلَى صَنْعَاءَ لَا تَخْشَى إِلَّا اللهَ»[[أخرج الحميدي في مسنده (٩٤٠) عن عدي بن حاتم، قال: قال رسول الله ﷺ: «كيف بك إذا أقبلَت الظعينة من أقصى اليمن إلى قصور الحيرة لا تخاف إلا الله»، وأخرج البخاري (٣٥٩٥) عنه أنه حاتم قال: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه آخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: «يا عدي، هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، قال «فإن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدًا إلا الله...». الحديث.]] ، والظعينة وحدها حرام تمشي ولَّا لا؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: حرام، وقال الرسول: «لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ»[[أخرجه أحمد (٢١٨٩٧) من حديث أبي واقد الليثي رضي الله عنه.]] ، اليهود والنصارى، وهذا حرام ولَّا حلال؟
* طالب: حرام.
* الشيخ: حرام، فالإخبار عن كونهم يمشون في مساكنهم ما يدل على أن المشي حلال، لكن هل يدل على أنه حرام؟ لا يدل على أنه حرام، لا على أنه حلال، ولا على أنه حرام، فنرجع إذن إلى الأدلة الدالة على ذلك؛ على التحريم أو التحليل، نجد أن الأدلة تدل على أن السير فيها جائز، وأما السُّكْنَى فلا تجوز، ومع ذلك وقد قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْمُعَذَّبِينَ إِلَّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ، فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوهَا»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٧٠٢)، ومسلم (٢٩٨٠ / ٣٨) من حديث ابن عمر رضي الله عنه.]] ، واضح؟ فالإنسان اللي يقصدها نقول: لا تدخلها إلا باكيًا، وأما الذي يمر بها مرورًا فله أن يمر، ولكن يُسْرِع كما أسرع النبي عليه الصلاة والسلام.
أما الذهاب إلى هذه المساكن من أجل أن يتفرج يقول: ما شاء الله، والله حضارة عظيمة هذه، شوف الحضارة القديمة، هل يوجد حضارة جديدة مثلها؟ ويُشَمّ من كلامه تعظيم هؤلاء، فهذا من السير في الأرض المأمور به، توافقون؟
* طلبة: لا.
* الشيخ: لا نوافق، هذا من السير في الأرض المنهي عنه؛ لأن كوننا ندخل على هؤلاء نتفرج مُنْبَسِطِينَ مُنْبَهِرِين بقوتهم متناسين ما وقع بهم من العذاب لمخالفتهم أمر الله ورسله، هذا مذموم وليس محمودًا، ولا مأمورًا به، وعليه فنقول لكل مَن أراد أن يذهب إلى هذه البلاد: إذا كنتم فعلتم ذلك على سبيل النزهة فهذا حرام عليكم، أما على سبيل الاعتبار والاتعاظ بما جرى لهم من العذاب والنكال، وأن تتأثروا بذلك حتى تبكوا، فهذا جائز، وإلا فلا تدخلوا، لا تُعَرِّضُوا أنفسكم للعذاب.
* طالب: شد الرحال؟
* الشيخ: شد الرحال ما فيه بأس، لأنه ما هو على سبيل التعبد لهذا المكان نفسه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن في إهلاك الأمم عبرة وآية؛ لقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾، فهو آية؛ لكون الله تعالى أخذهم وأهلكهم مع قوتهم، وهي عبرة أن الله أخذهم، لماذا؟ لمخالفته، كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ [غافر ٢١]، وقال في آية أخرى: ﴿فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الحجر ٨٤]، وقال في آية أخرى: ﴿أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ [الروم ٩]، كل هذا يفيد بأنه يجب علينا نحن أن نعتبر بهذه الآيات، وأن نخاف.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ [السجدة ٢٧] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: وجوب النظر في الآيات؛ لأن الاستفهام هنا للتوبيخ ولوم مَن لم ينتفع بذلك.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية ﴿أَنَّا نَسُوقُ﴾.
* ومن فوائدها: بيان قدرة الله عز وجل، حيث يسوق الماء جَوًّا أو بَرًّا إلى هذه الأراضي الخالية الميتة الهامدة فتنبت؛ لقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأصل فيما نبت في الأرض الحِلّ، من أين يؤخذ؟ ﴿أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾، فالأصل فيما نبت في الأرض أنه حلال حتى يقوم دليل على التحريم.
* ومن فوائد الآية الكريمة: بيان قدرة الله عز وجل بإحياء الأرض بعد موتها، ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ [السجدة ٢٧].
* ومن فوائدها: الإشارة إلى أعلى درجات اليقين، وهي حق اليقين، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾، فهم لا ينظرون إليه فقط، ولكنهم يأكلون منه، وهذا هو حق اليقين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الحث على النظر والتبسط، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ [السجدة ٢٧].
* ومن فوائدها: إثبات الملك في الأنعام؛ لقوله ﴿أَنْعَامُهُمْ﴾، الإضافة هنا إضافة ملك، ولكنه سبق لنا أن كل ملك يثبت للإنسان فهو ملك لله، لكنه ملك مقيَّد، الإنسان ما يملك الشيء ملكًا مطلقًا يتصرف فيه كما شاء، وإنما يملكه ملكًا مقيَّدًا في تحصيله وتمويله وتصريفه، أو لا؟ مقيَّد بالتحصيل ما تُحَصِّله إلا على الوجه المشروع، وفي تمويله يعني الاتجار به، وفي تصريفه؛ ما تصرفه إلا مقيَّدًا، فهل بعد هذا يكون الملك حقًّا أو حقيقيًّا؟ لا.
إذن ملكك للأشياء حتى ملكك الخاص، كالبيت والسيارة والثوب، ليس ملكًا مطلقًا، بل هو ملك مقيَّد.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [السجدة ٢٨]، في هذا دليل على سَفَهِ هؤلاء المكذِّبِين وحُمْقِهم؛ لقولهم ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، والاستفهام قلنا: إنه للاستبطاء والتحدي للرسول عليه الصلاة والسلام ومَن كان معه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الحكم بين المؤمن والكافر من الفتح؛ لأن الله قال: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ﴾ [السجدة ٢٩]، فأقَرَّ هذه التسمية.
* ومن فوائد الآية: بيان عُتُوّ الكافرين وإجرامهم؛ لكونهم يتحدون الرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين، يقول: متى هذا الحكم بيننا إن كنتم صادقين؟
* ومن فوائد الآية التي بعدها: أن العذاب إذا نزل لا ينفع الإيمان، من أين يُؤْخَذ؟ ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ [السجدة ٢٩].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه إذا نزل العذاب فلا إنذار؛ لقوله: ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾.
* ومن فوائدها: أن العذاب قد يُؤَجَّل قبل نزوله، أو لا؟ نعم؛ لأنه يقول: ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ﴾، فظاهر الآية أنه لو كان هذا الإيمان قبل نزول العذاب فإن الله تعالى يرفعه بالإيمان، ولهذا أمر النبي عليه الصلاة والسلام عند الكسوف بماذا؟ بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة والتكبير من أجل أن يُرْفَع العذاب الذي هذا إنذار به، فإن الكسوف إنذارٌ بالعذاب، هو نفسه ليس عذابًا، لكنه إنذار بأن يُعَذَّب الخلق، فإذا فزعوا إلى الصلاة وإلى الذِّكْر والدعاء والاستغفار رُفِعَ عنهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠].
* يستفاد من الآية الكريمة: أن الْمُكَابِر يُعْرَض عنه ويُتْرَك حتى ينزل به العذاب، فإذا رأيت مَن يكابر تأمره بالحق ولكن يكابر ويجادل ويعاند فاتركه؛ لأن بقاءك معه لا يجدي شيئًا، فالإنسان المكابِر الذي يقول: هذه ليست بشمس، ولكن هذا قمر، تقول: الآن نحن في النهار في الضحى وشوف الشمس ، قال: لا، أنت غلطان، نحن الآن بعد صلاة العشاء، وهذا الذي ترى إنما هو القمر، تتكلم معه؟ أبدًا، تطلب مَن يقرأ عليه أو مَن يداويه؛ لأنه مجنون، كذلك مَن تُرِيه الحق مثل الشمس، والحق أَبْيَن من الشمس، ثم يقول: لا، هذا غير صحيح، فإن هذا ينبغي أن يُطْلَب له مَن يداوي عقله قبل فكره، هذا مُكَابِر ما فيه فائدة الكلام معه، ولهذا يقول الشاعر:
كَيْفَ يَصِحُّ فِي الْأَذْهَانِ شَيْءٌ ∗∗∗ إِذَا احْتَاجَ النَّهَارُ إِلَى دَلِيـــــلٍ
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الْمُكَذِّب ماذا ينتظر بتكذيبه؟ ما ينتظر إلا العذاب، ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾، وأما تفسير المؤلف: ﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ أن يَحِلّ بك هلاك أو نحوه فهذا فيه نظر، بل يقال: إنهم منتظرون للعذاب بكونهم استمروا على كفرهم، فهم كالمنتظِر لما ينزل بهم.
وقد يقال: إن الآية تشمل المعنيين جميعًا، يعني: هم ينتظرون (...) أن تموت، وينتظرون عذابهم باستمرارهم على المعصية، كما قال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ﴾ [الطور ٣٠، ٣١]، ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ [السجدة ٣٠] نسأل الله العافية.
* طالب: الانتظار هو الترقب؟
* الشيخ: إي نعم، الترقب.
* الطالب: يقال: إنهم ينتظرون العذاب الأليم.
* الشيخ: نعم، كيف؟ هم ينتظرونه، سواء أحسوا بذلك أو ما أحسوا؛ لأن مآلهم إلى العذاب -والعياذ بالله- ولهذا إذا مات الكافر يُعَذَّب على طول، بل هو يُحِسّ بالعذاب في حال النَّزْع، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾ [المؤمنون ٩٩، ١٠٠]، قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٠].
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences