Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:14–30, continued
قال المؤلف: (الإسراء)؛ لأن الإسراء والمعراج في ليلة واحدة، هذا ما ذهب إليه المؤلف، ويحتمل أن قوله: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ الخطاب لموسى؛ يعني: آتينا موسى الكتاب قائلين له: لا تكن في مرية من لقائه أي: لقاء الجزاء عليه أي: على الكتاب، والمعنى: أن هذا الكتاب الذي آتيناك إياه لا بد أن يُحاسَبَ عليه مَنْ نزل إليهم حتى يلاقوا جزاءهم.
ويحتمل المعنى: ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي: لقاء موسى أي: لقاء مثل ما لقيه منين؟ من الأذى ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ أي: لقاء ما لقيه موسى من الأذى فإن موسى أوذي، وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣١٥٠)، ومسلم (١٠٦٢ / ١٤١) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]] ، وهذا أيضًا معنى حسن أن المعنى: أننا آتيناه وآتيناك أيضًا وأوذي فستؤذى، فلا تكن في شك من هذا، وهذا هو الواقع؛ فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لقي من الأذى الشيء الكثير، وكل من تَبِع شريعته وانتهَج منهاجه في الدعوة إلى الله والعمل في شريعة الله فسيلقى الأذى، ولكن الشأن كل الشأن هل يلزم من الأذى الضرر؟
* طالب: ما يلزم.
* الشيخ: ما يلزم من الأذى الضرر؟ ما يلزم؛ ولهذا يصح أن نقول: إن الله يؤذى ولا يتضرر، كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ [الأحزاب٥٧] وكما قال تعالى في الحديث القدسي: «يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبَُ الدَّهْرَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٧٤٩١)، ومسلم (٢٢٤٦ / ٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] مع أنه قال سبحانه وتعالى في الحديث القدسي: «يَا عِبَادِي إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضُرُّونِي»[[أخرجه مسلم (٢٥٧٧ / ٥٥) من حديث أبي ذر رضي الله عنه.]] فلا يلزم من الأذى الضرر، ها نحن الآن نتأذى برائحة إنسان أكل بصلًا أو ثومًا ولّا لا؟
* طلبة: نعم.
* الشيخ: ونتضرر؟
* طالب: لا، ما نتضرر.
* الشيخ: ما نتضرر؛ فلا يلزم من الأذى الضرر، والرسول عليه الصلاة والسلام لا شك أنه أوذي، ولكن ما ضره ذلك والحمد لله صار الأمر والعاقبة للرسول ﷺ.
* طالب: لا يكون ضرر (...) لا بد للأذى أن يكون فيه ضرر.
* الشيخ: لا ما هو بلا بد.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما يتضرر أحد حتى الآن (...) لو تأذيت من كلامك مثلًا أو تأذيت من رائحة شخص أو ما أشبه ذلك ما أتضرر، وأما قوله تعالى: ﴿لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذًى﴾ [آل عمران ١١١] فالمعنى أنهم لن يضروكم أبدًا، ولكن أذى، ولهذا قالوا: إن الاستثناء في هذه الآية منقطع.
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة ٢٣] ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى﴾ جعلناه الضمير يعود على موسى أو الكتاب؛ ولهذا قال: ﴿وَجَعَلْنَاهُ﴾ أي: موسى أو الكتاب، ﴿هُدًى﴾ هاديًا ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، ﴿هُدًى﴾ مصدر قال المؤلف: إنه بمعنى اسم الفاعل، هاديًا لبني إسرائيل، واسم الفاعل صالح للكتاب، وصالح للرسول لموسى.
﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ (بني إسرائيل) أي: ذرية إسرائيل، ذريته فيشمل أيش؟ الذكور والإناث، لكن لو قلت: بني فلان وهو شخص ما هو قبيلة، فبني للذكور وإذا قلت مثلًا: بني محمد؛ المعنى: الذكور، وإذا قلت: بني تميم يشمل الذكور والإناث؛ لأنهم قبيلة وإذا قلت: بنو آدم؟
* طالب: الذكور والإناث.
* الشيخ: يشمل الذكور والإناث؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: طيب إذن الرسول يقول: «إِنَّ هَذَا شَيْءٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٩٤)، ومسلم (١٢١١ / ١١٩) من حديث عائشة رضي الله عنها.]] .
ويش نقول؟
* طالب: واضح.
* الشيخ: واضح ليش؟
* الطالب: لأنه خاص بهم.
* الشيخ: خاص بهم، نعم، (بني إسرائيل) إسرائيل هو يعقوب بن إسحاق، فهو نبي من الأنبياء، ويقولون: معنى إسرائيل أي: عبد الله وهو لقب له.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة ٢٤] ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً﴾ أي: صيرنا، والجعل هنا كوني ولَّا شرعي؟ كوني، وغالب الجعل المذكور في القرآن كونيٌّ، وإن كان يأتي بمعنى الشرعي؛ مثل قوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ﴾ [المائدة ١٠٣] المعنى: ما جعلهم شرعًا، وأما كوني فقد وقع.
﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ﴾ أي: من بني إسرائيل أئمة بتحقيق الهمزتين وإبدال الثانية ياء، قادة تفسير لأئمة، أئمة هذا تحقيق، ﴿﴿أَيِمَّةً﴾ ﴾ إبدال الثانية ياء، والمؤلف ما ذكر التفصيل فلا أدري هل أنه ليس فيها قراءة أو أنه غفل عنها، تحتاج إلى مراجعة، لأن كثير من القراء عندنا يقرؤونها بالتسهيل (وجعلناهم أئمة) دائمًا يقولون ﴿﴿أَيِمَّةً﴾ ﴾ بالتسهيل تحتاج إلى مراجعة.
يقول: (قادة) تفسير لأئمة؛ لأن الإمام هو الشيء الذي يُقْتدى به ويُتْبَع.
* طالب: أقول: الجعل يا شيخ ما يكون (...)؟
* الشيخ: (...)، الحكم مشهور هذا شيء مقدم.
وقوله: ﴿يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ (﴿﴿يَهْدُونَ﴾ ﴾ الناس ﴿﴿بِأَمْرِنَا﴾ ﴾) يهدون: أي يدلون الناس، والمراد بالهداية هنا هداية الدلالة؛ لأن هداية التوفيق لا تكون إلا لله عز وجل، لكن هذه جواب دلالة.
وقوله: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ يحتمل أن يكون الأمر الشرعي أو الأمر الكوني؛ فإن كان المراد بالشرعي فالمعنى: يهدون الناس بالشرع أي: إليه، وإن كان الأمر قدريًّا فالمعنى أنهم يهدون ذلك ويدلونهم بقدرنا وتقديرنا، والحقيقة أن الأمر هنا شامل للمعنيين جميعًا.
وقوله: (﴿﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ ﴾ على دينهم وعلى البلاء من عدوهم) ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ ﴿لَمَّا﴾ هذه فيها قراءتان؛ قراءة: ﴿﴿لِمَا صَبَرُوا﴾ ﴾، وقراءة: ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾، أما على قراءة ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾ فهي بمعنى أيش؟
* طالب: حين.
* الشيخ: بمعنى حين، فهي إذن ظرف ﴿لَمَّا صَبَرُوا﴾، وأما على قراءة: ﴿﴿لِمَا صَبَرُوا﴾ ﴾ فاللام حرف جر، و(ما) مصدرية؛ أي: لصبرهم، وتكون اللام هنا تكون اللام للتعليل.
وقولهم: ﴿صَبَرُوا﴾ قال المؤلف: (على دينهم وعلى البلاء من عدوهم)، وهو الحق، فيكون الصبر هنا على أحكام الله الكونية، ويش بعد؟ والشرعية، الأحكام الكونية والشرعية، فالأحكام الشرعية على دينهم، والكونية على قوله، وعلى البلاء من عدوهم.
(﴿﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ الدالة على قُدْرَتِنا ووَحْدَانِيَّتِنا ﴿﴿يُوقِنُونَ﴾ ﴾) ﴿وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ الواو حرف عطف، و(كان) معطوفة على ﴿صَبَرُوا﴾؛ يعني: لهذين الأمرين، الصبر ويش بعد؟ واليقين، الصبر واليقين، واليقين هو أعلى درجات الإيمان؛ لأن اليقين معناه أنه يقينًا لا تَزَعْزُع معه ولا شك فيه، وقد قيل: (بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين)، مأخوذ من هذه الآية: ﴿لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾.
وقوله: (﴿﴿بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا﴾ يشمل الآيات الشرعية والكونية، وفي قراءة بكسر اللام وتخفيف الميم وهي: ﴿﴿لِمَا صَبَرُوا﴾ ﴾.
(﴿﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ٢٥] من أمر الدين).
﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلُ﴾ الفصل بمعنى القضاء؛ أي: يقضي ويحكم حتى يُمَيِّز الحق لهؤلاء وهؤلاء، والحكم -كما قال الفقهاء- هو فصل الخصومات؛ لأن به يتميز هذا من هذا.
﴿يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ في حكمه الجزائي أو الشرعي؟ الجزائي؛ لأن حكمه الشرعي فاصل في الدنيا، هؤلاء على حق، وهؤلاء على ضلال، لكن أراد الحكم الجزائي الذي هو غاية الشرعي، فيوم القيامة يفصل بينهم هؤلاء إلى النار، وهؤلاء إلى الجنة.
وقوله: ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ متى كانوا يختلفون؟ في الدنيا يختلفون، فالمؤمنون يقولون: إن هذا هو الحق، وأولئك يقولون: ليس هذا هو الحق، لكن يوم القيامة يُفصَل بينهم ﴿فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، ويتبين مَنْ هو الذي على الحق.
(﴿﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ ﴾ [السجدة: ٢٦] أي: يتبين لكفار مكة إهلاكُنا كثيرًا من القرون).
قوله: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الهمزة هنا للاستفهام، والواو حرف عطف، وقد سبق لنا في مثل هذا التركيب أن للعلماء في ذلك قولين في الإعراب.
وقوله: ﴿يَهْدِ لَهُمْ﴾ قال المؤلف: (يتبين لهم)، وفي الحقيقة أن هذا التفسير تفسير باللازم، وإلا فإن الهداية في الأصل الدلالة، لكن بالدلالة يكون ويش يكون؟ البيان بالدلالة؛ فلهذا فسَّروها باللازم أو لم يتبين لهم.
وقوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ ﴿كَمْ﴾ هذه تفسيرية، وهي في محل نصبٍ؛ مفعولٌ مُقَدَّمٌ لـ﴿أَهْلَكْنَا﴾، وهذه الجملة ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا﴾ تُؤَوَّل بمصدر من غير حرف مصدري؛ يعني: أو لم يتبينْ لهم إهلاكُنا؟ وقد سبق لنا أن الجمل قد تُؤَوَّل بمصدر من غير حرف مصدري، ولها مثال هل تذكرونه؟
* طالب: تسمع بالمَعِيدِيِّ خيرٌ من أن تراه.
* الشيخ: وغيره؛ من القرآن؟ ﴿أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦] ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ [البقرة ٦]؛ لأن سواء عليهم إنذارك وعدمه ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ﴾ [المنافقون ٦] استغفارك وعدمه، هذه من هذا الباب مما يُؤَوَّل بمصدر بدون حرف مصدريٍّ.
﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ وقوله: (يتبين لكفار مكة) المؤلف دائمًا يخصُّ مثل هذه العبارات لأهل مكة، وكأنه -رحمه الله- يرى أن كون الآية مكية تُعَيِّن أيش؟ المراد.
ولكن الأولى أن يقال: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص المكان، كما أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فإذا كان ما هناك سبب يقتضي تخصيص المكان به فإن العبرة بالعموم.
(﴿﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ﴾ ﴾ الأمم بكفرهم) أي: بسببه، بسبب الكفر، والقرون جمع قرن، وما المراد بالقرن، القرن الأمة من الناس، كما في الحديث الصحيح: «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٢٦٥٢)، ومسلم (٢٥٣٣ / ٢١٢) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]] يمشون حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ من اللي ﴿لَهُمْ﴾؟
* طالب: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ حال من ضمير ﴿لَهُمْ﴾ وإن كان يحتمل تكون حالًا من ضمير قبلهم، لكن لهم أحسن؛ لأن هي مبتدأ الكلام، يعني حال كون هؤلاء ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ [طه ١٢٨] في أسفارهم إلى الشام وغيرها، يعني أن هؤلاء الذين بقوا إلى وقت نزول القرآن قد تبيَّن لهم إهلاك الأمم السابقة فهؤلاء الذين بَقوا إلى وقت نزول القرآن يمشون في مساكن أولئك المعذبين.
وقوله: (في طريقهم إلى الشام) بناء على أن المراد كفار مكة، مثل أيش؟ مثل ديار ثمود، ومثل ديار قوم لوط، كما قال تعالى في سورة الحجر: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر ٧٩]، وكونهم يمشون في مساكنهم هذا أبلغ في النظر وفي التبيُّن؛ لأنهم يرون ذلك عين اليقين، وعين اليقين أشد من علم اليقين أو لا؟ ولهذا قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠] فإحياء الموتى عند إبراهيم قبل أن يشاهده بعينه من باب علم اليقين، فإذا شاهده صار من باب عين اليقين، وقد ذكر العلماء أن لليقين ثلاث درجات: علمًا، وعينًا، وحقًّا. وكل ذلك مذكور في القرآن ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٥]، ﴿ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ﴾ [التكاثر ٧] هذه علم وعين في سورة واحدة، ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ [الواقعة ٩٥] هذا حق اليقين، هذه مراتب اليقين الثلاث.
والفرق بينها أننا نحن نعلم علم اليقين أن في الجنة نخلًا ورمانًا وفاكهة، أليس كذلك؟ فإذا رأيناها بأعيننا -نسأل الله أن يجعلنا وإياكم نراها- فإذا رأيناها بأعيننا صار ذلك عَيْنَ اليقين، فإذا أكلناها صار حق اليقين، ولَّا لا؟
لو قال قائل: لماذا لا يكون عين اليقين حق اليقين؟
نقول: الآن في عناقيد من البلاستيك عناقيد عنب، الذي يراها عين اليقين يَحْسِبها عنبًا، يمكن لو تعطيها بذر صغير يأخذها ويأكلها ولَّا لا؟ ما، ﴿يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً﴾ [النور ٣٩].
هذه رأيناها عين اليقين، لكن عندما نأكل هذا البلاستيك، ويش يتبين؟
* طالب: حق اليقين.
* الشيخ: لكن ويش اللي يتبين الحقيقة ولَّا لا؟ الحقيقة، فتبيَّن الحق الذي أعلى من عين اليقين، حق اليقين أعلى من عين اليقين، لكن ما لا يُدْرك إلا بالرؤية تكون رؤيته حق اليقين.
(...) كل هذا تقرير على قوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾؛ لأن كونهم يمشون في مساكنهم معناه أنهم يُدْرِكون ذلك عين اليقين، شاهدون بأعينهم وهو أبلغ من الخبر.
(﴿﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ﴾ ﴾ دلالات على قدرتنا) ولو قال المؤلف: وعلى انتقامنا من المجرمين لكان أولى وأنسب؛ لأن المقام الآن مقام اعتبار بما جرى، فيكون هذا فيه دلالة على أيش؟ على الانتقام من المكذبين، فيكون أدعى للاعتبار.
* طالب: قوله: ﴿يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾ ما سمع (...) اليقين (...).
* الشيخ: لا، اليقين لمن وقع عليه العذاب (...) فهذا عين اليقين.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ [السجدة ٢٦] هذا للتوبيخ الاستفهام للتوبيخ، والمراد ﴿أَفَلَا يَسْمَعُونَ﴾ سماع تدبر واتعاظ، وإلا فهم يسمعون سماع إدراك، لكنَّ سماع الإدراك لا يُجْدِي بل يضر إذا لم ينفع، سماع الإدراك يعني بالأذن إذا لم تنتفع به كان ضررًا عليك، كما أن العلم إذا لم تنتفع به كان ضررًا. فالمراد هنا سماع الاتعاظ والاعتبار.
ثم قال عز وجل: (﴿﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ ﴾ [السجدة: ٢٧] اليابسة التي لا نبات فيها ﴿﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ ﴾ هذا فيعلمون أنا نقدر على إعادته).
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ﴾ أسألكم هل المراد بالرؤية رؤية البصر أو العلم أو كلتاهما؟ كلتاهما، نعم، إذا كان ذلك بأرضهم رَأَوْه بأعينهم، وإذا كان في أرض غيرهم رأوه بقلوبهم رؤية علم، وهذا مُشاهَد.
﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ نسوق الماء في الجو أو نسوقه على الأرض؟ أو كلاهما؟ كلاهما فالأول ماء المطر نسوقه في الجو كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ﴾ [النور ٤٣]، والثاني؟
* طالب: البحر.
* الشيخ: البحر ما هو يساق، البحر راكد.
* طالب: الأنهار.
* الشيخ: الأنهار تساق إلى الأراضي القاحلة فتنبت، وسواء كانت الأنهار كبيرة كالأنهار المشهورة المعروفة أو صغيرة كالمياه النابعة فإنها أنهار، عيون.
﴿نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ﴾ ﴿الْجُرُزِ﴾ بمعنى الخالية؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف ٨] خالية من كل شيء، أرض جرز ما فيها شيء، ما فيها أي شجرة فيأتيها المطر أو يأتيها ماء النهر.
يقول الله عز وجل: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾ ﴿تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ﴾ أي: الإبل والبقر والغنم، وكذلك غيرها، لكن خص الأنعام لأنها أكثر بأيدي الناس وأكثر ملابسة.
﴿وَأَنْفُسُهُمْ﴾ يأكلون من هذا الزرع النابت.
* طالب: من بعض.
* الشيخ: من بعضه، المهم يأكلون منه؟
* طالب: إي نعم.
* الشيخ: صح؟
* طالب: إي.
* الشيخ: مثل أيش؟ (...).
هذا غير مباشر؛ يعني: كونه ينتفع بالبهائم التي انتفعت من الأشجار هذا غير مباشر.
* طالب: ما نقول: (...) الأنعام بأن أصول الزرع (...) الأنعام (...).
* الشيخ: لا، غالب اللي ينبت من الماء، من الأنهار، ومن السيول ما يحتاج إلى حرث، تنبته الأرض، كل البراري تنبت بدون حرث.
* طالب: (...).
* الشيخ: بس مشكلة، هذه يعتريها قوله تعالى لما ذكر: ﴿وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا﴾ [عبس ٢٨، ٢٩] إلى أن قال: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس ٣٢] فبدأ بالمتاع لنا.
على كل حال إن صح هذا التعبير بأن الأنعام ترعى من هذا الخارج من الأرض أكثر مما يرعى منه الإنسان وإن كان كل منهما لا يقوم إلا بالخارج من الأرض، لكن لا شك أن البهائم مثلًا تأتي على هذه البرية تأكل من كل شجرة، والآدمي هل يأكل من كل شجرة؟ ما يأكل من شجر العروشين، ولا يأكل من كثير من المنابت، ما يأكل الجط يأكل (...)، ولَّا لا؟ الآدمي ما يأكله معلوم، نعم.
﴿أَفَلَا يُبْصِرُونَ﴾ الاستفهام هنا للتوبيخ؛ يعني: فالواجب أن يبصروا ما يرونه بأعينهم ويستدلوا به على كمال نعمة الله تعالى وقدرته، ويستدلون به على أمر آخر وهو القدرة على أيش؟ إحياء الموتى، فالأرض الجرز الخالية من النبات يأتيها هذا الماء فتنبت بإذن الله عز وجل، فالله تعالى القادر على إحيائها قادر على إحياء الموتى.
قال تعالى: (﴿﴿وَيَقُولُونَ﴾ ﴾ للمؤمنين ﴿﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾ ﴾ بيننا وبينكم ﴿﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ﴾) أعوذ بالله استبطؤوا العذاب فقالوا: ﴿مَتَى هَذَا الْفَتْحُ﴾، ليس المراد فتح مكة، بل المراد الفتح الحكم بيننا بأن تكون العاقبة لكم أيها المؤمنون، وعلينا أيها الكافرون، متى يكون هذا الذي توعدوننا به؟! فهو كقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [يونس ٤٨]، وهذا الاستفهام للاستبطاء الدالِّ على الإنكار وليس للاستعلام والاسترشاد، ولكنه استبطاء دالٌّ على الإنكار؛ يعني: كأنهم يقولون: إن كانوا هم صادقين بأنكم على حق وأن العاقبة ستكون لكم فأين ذلك؟ وهذا في غاية ما يكون من العناد -والعياذ بالله- وكان الواجب عليهم أن يخافوا مما وَعَدَهم به المؤمنون، لكنهم لا يصدقون كِبرًا وعنادًا كما قال الله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام ٣٣].
﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ قال الله تعالى: (﴿﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ ﴾ بإنزال العذاب بهم ﴿﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ﴾) فيه التفات من الخطاب للغيبة؛ ما قال: قل يوم الفتح لا ينفعكم، قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ لماذا؟ للعموم وللتسهيل عليهم بماذا؟ بما يقتضيه الفعل وهو الكفر.
﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾ يعني: يوم الفصل بيننا وبينكم والحكم.
(﴿﴿لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ﴾ يمهلون لتوبة أو معذرة) فإذا جاء العذاب بالمكذبين فإن ذلك لا ينفعهم لو قالوا: آمنا، ويش الدليل؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، وغيره هذه قضية واقعة.
* طالب: (...).
* الشيخ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ [غافر ٨٤، ٨٥] إلى الآن نحن في قضية معينة، ما فيه عموم، لكن قال ﴿سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ﴾ [غافر ٨٥] قد مضت؛ يعني: مضت سنت الله عز وجل أن مَن آمن بعد معاينة العذاب فإن ذلك لا ينفعه، كما قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآن﴾ [النساء ١٨] ما له توبة، ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ [النساء ١٨] واضحة مات على الكفر.
إذن ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ ويش إعراب ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ﴾؟ ﴿يَوْمَ﴾ ظرف منصوب على الظرفية، وعامله قوله: ﴿يَنْفَعُ﴾، ومن هنا نأخذ فائدة نحوية عظيمة؛ وهي أن (لا) النافية لا تمنع عمل ما بعدها فيما قبلها.
(﴿﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾ ﴾ يعني يمهلون ﴿﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ﴾ ﴾ إنزال العذاب بهم ﴿﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ ﴾ بك حادثًا موت أو قتل فيستريحون منك، وهذا قبل الأمر بقتالهم).
﴿أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ﴾ ﴿أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ليس المراد الإعراض عن دعوتهم، المراد لا تهتم بهم، هذا المراد، يعني لا تجعل نفسك متعلقاً بهم، ﴿وَانْتَظِرْ﴾ وهنا المفعول محذوف؛ يعني: انتظر نزول العذاب بهم، انتظر.
﴿إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ﴾ يحتمل أن يكون المعنى ما قاله المؤلف؛ أي: منتظرون أن ينزل بك هلاك بقتل أو غيره، أو إنهم منتظرون باعتبار الواقع؛ يعني أنهم منتظرون العذاب الواقع بهم، فهم كأنهم لتماديهم بالكفر كأنهم ينتظرون ما ينزل بهم من العذاب.
وقول المؤلف: إن هذا قبل الأمر بقتالهم معناه أن الآية منسوخة، وليس كذلك، هو صحيح أنها قبل الأمر بالقتال؛ لأن هذه السورة مكية فهي قبل الأمر بالقتال بلا شك، لكنها ليست منسوخة؛ لأن الأمر هنا بالإعراض عنهم والانتظار ليس معناه ألا نقوم بما يجب، فالآن نحن ننتظر أن ينزل الله تعالى عذاب بالكفار، لكن مع ذلك ندعوهم ولا لَا؟ ندعوهم ونقاتلهم إذا كان لدينا قدرة، وبهذا انتهت هذه السورة التي كان الرسول عليه الصلاة والسلام يقرأ بها في فجر يوم الجمعة، ويضيف إليها في الركعة الثانية (هل أتى على الإنسان)، ونرجع الآن للفوائد.
* طالب: أقول: آية السيف..
* الشيخ: ما عندي، وهذا قبل أن ينزل القتال.
* الطالب: قبل أن ينزل آية السيف؟
* الشيخ: ما ذكره المؤلف.
المراد بآية السيف يعني آية القتال، هذا ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ﴾ [التوبة ٥]، السؤال الثاني؟
* طالب: قوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة ١٥] هل تفيد معنى كل ما ذكر لفظ آية من الآيات (...)؟
* الشيخ: ما ذكرنا إحنا في التفسير أنه لا يلزم من كون هذا جوابًا للشرط أن يقع حين وقوع الشرط؟ ما تقدم لنا هذا أو لا؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، تقدم وقلنا لكم: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣]، وقلنا: تزوج زيد فوُلِدَ له، وأن التعقيب بحسبه، تعقيب كل شيء بحسبه، وأنه لا يلزم من قوله: ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا﴾ أنهم يخرون من حين التذكير، وهذه نسينا نقولها في المناقشة، فهذه المعنى ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ يعني معناه يسجدون لله ويسبحونه في حال السجود؛ ولهذا مما يشرع في السجود أن تقول: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك.
قال الله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ إلى آخره [السجدة: ١٤].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن أهل النار يُوَبَّخون بتركهم العمل بالنجاة منها؛ لقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾، ويتفرع على هذه الفائدة زيادة التعذيب؛ التعذيب الجسدي أو القلبي؟ القلبي؛ لأن الإنسان إذا وُبِّخ على عمل عمله هو يزداد حسرة وندمًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إطلاق النسيان على الترك؛ لقوله: ﴿نَسِيتُمْ﴾ ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾.
* ومن فوائدها: إثبات الأفعال الاختيارية لله عز وجل، منين؟ ﴿نَسِينَاكُمْ﴾ يعني: تركناكم، وهذا يدل على أنه تعالى يترك مَنْ شاء ويُقْبِل على من شاء.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن عذاب النار جائز؛ لقوله: ﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ وهذا هو الذي عليه أهل السنة والجماعة أن عذاب النار أبديٌّ سرمديٌّ، كما أن نعيم الجنة أبديٌّ سرمديٌّ، لكن ذكر ابن القيم رحمه الله أن للسلف في أبدية النار قولين؛ وأما عذابها فهو أبديٌّ ما دامت النار موجودة، فلا يخرج منها أهلها ما دامت موجودة أبدًا، لكن الكلام في أبديتها هي، هل هي مؤبدة أو مؤمدة؟ لكن الصواب أنها مؤبدة، وقد ذكر الله تعالى ذلك في ثلاث آيات من القرآن؛ في سورة النساء وفي سورة الأحزاب، وفي سورة الجن. في سورة النساء أعطنا الآية.
* الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾ [النساء ١٦٨]
* الشيخ: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾ [النساء ١٦٨].
* الطالب: سبيلًا.
* الشيخ: ﴿طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩] هذه آية النساء، الثانية في الأحزاب..
طالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا﴾ [النساء ٥٦].
* الشيخ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا﴾.
* الطالب: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ﴾.
* الشيخ: ﴿وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ﴾.
* الطالب: سبيلًا.
* الشيخ: ﴿طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء ١٦٨، ١٦٩]، هذه آية النساء، الثانية في الأحزاب، ما هي آية الأحزاب؟
* طالب: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [الأحزاب ٦٥]
* الشيخ: في آية الجن.
* طالب: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [الجن ٢٣].
* الشيخ: ﴿فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.
فإذا قال قائل: إن التأبيد هنا لخلودهم؟
قلنا: لا تأبيد لخلود إلا والمكان الخالد فيه يكون مؤبَّدًا، إذا تأبَّد الخلود فإن مكان الخلود يكون مؤبَّدًا بالضرورة، ولهذا الصواب المقطوع به أن النار أبدية.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله تعالى لا يظلم أحدًا؛ لقوله: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٤].
* ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل، فكما أنهم أَفْنَوْا حياتهم في معصية الله فإن حياتهم الآخرة أيضًا ستكون بعذاب الله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة ١٥].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: أن للإيمان علامات؛ لقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ إلى آخره.
* ويستفاد منها: أن مَن ادَّعَى الإيمان بدون علامة فدعواه باطلة.
* ويستفاد من الآية الكريمة: الاستدلال بالأحوال والقرائن، من أين تؤخذ؟ لأن الله ذَكَرَ علامة على الإيمان بهذه الأفعال، والإيمان محله القلب لا يُعْلَم، لكن هذه الأعمال قرائن وأحوال تدل على وجود ما هي دليل عليه، فيستفاد من الآية الاستدلال بالقرائن، ويش بعد؟ والأحوال على حقيقة الشيء، وهذه مفيدة غاية الفائدة للقضاة.
وقد استدل بالقرائن أحد الأنبياء الكرام، مَن هو؟ سليمان، استدل بالقرائن، واستدل بالقرائن أيضًا النبي عليه الصلاة والسلام في قصة مال حُيَيّ بن أخطب لما سأل عنه بعد خيبر «قال: إنه أَفْنَتْه الحروب، فقال الرسول عليه الصلاة والسلام: «الْمَالُ كَثِيرٌ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ»، ما يمكن تفنيه وحُيَيّ بن أخطب من أغنياء بني النضير، وين ذهب ماله؟! «ثم دفعه إلى الزبير بن العوام وقال له: «مُسَّهُ بِعَذَابٍ»، ولما ضربه قال: والله أنا بادُلُّكم على شيء كان حُيَيّ يختلف إليه كثيرًا، فدَلَّهُم على خربة، فإذا المال مدفون فيها[[أخرج ابن حبان (١٦٩٧) عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال رسول الله ﷺ لعم حيي: «... ما فعل مَسْك حيي الذي جاء به من النضير؟» ،فقالأذهبته النفقات والحروب، فقال رسول الله ﷺ: «العهد قريب والمال أكثر من ذلك»، فدفعه رسول الله ﷺ إلى الزبير فمَسَّه بعذاب، وكان حيي قبل ذلك قد دخل خربة، فقال: قد رأيت حييًّا يطوف في خربة هاهنا، فذهبوا فطافوا فوجدوا الْمَسْك في الخربة... . الحديث.]] ، فاستدل الرسول عليه الصلاة والسلام بالقرائن على وجود الشيء.
* ويستفاد من الآية الكريمة: أن للإيمان تمامًا ونقصانًا؛ لأن هذه الآية لا شك أنها في كمال الإيمان.
* ومن فوائد الآية الكريمة: انقياد المؤمن للمواعظ، أن من علامة المؤمن انقياده للمواعظ؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ [السجدة ١٥].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان المؤمن قد يطرأ عليه الجهل والنسيان، من أين تؤخذ؟ ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ قد ينسون أو يجهلون.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فريضة السجود؛ لقوله: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ [السجدة ١٥]، وقد ثبت في الحديث أَنَّ: «أَقْرَبَ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ»[[أخرجه مسلم (٤٨٢/٢١٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]] ، وأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالاجتهاد بالدعاء في حال السجود، وأخبر أنه أحرى بالإجابة[[أخرج عبد الرزاق (٢٨٣٩) عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: «إني نهيت أن أقرأ في الركوع والسجود، فأما الركوع فيعظم فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم».]] .
* ومن فوائد الآية الكريمة: الجمع بين انتفاء العيب والنقص عن الله مع ثبوت الكمال له، منين نأخذه؟ ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [السجدة ١٥]، ففي التسبيح تنزيه، وفي الحمد كمال.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن من صفات المؤمن التواضع؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ التواضع لمن؟ للحق وللخلق، ولكن يجب أن نعرف الفرق بين التواضع والذل، فالمؤمن لا يكون ذليلًا، ولكنه يكون متواضعًا، إذا تبين له الحق انقاد له، هذا تواضع للحق، وإذا عامل الْخَلْق عاملهم بماذا؟ بالتواضع، لكن ما يُذِلّ نفسه، هو لا يستكبر على الناس، ولا يَغْمِط الناس حقَّهُم، ولكنه لا يَذِلّ لهم.
* ويستفاد من هذه الآية الكريمة: أن التعصب في التقليد ليس من طريق المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، ويوجد في المتعصبين للتقليد مَن يستكبر عن الحق، إذا عُرِضَ عليه أبى، ضرب بقول فلان كذا وكذا من مُقَلَّدين، وهذا نوع من الاستكبار عن الحق.
* ويستفاد من الآية الكريمة أيضًا: ذَمُّ مَن أصر على رأيه بباطل، من أين تؤخذ؟
* طالب: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
* الشيخ: ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، من الناس مَن إذا قال قولًا لا يمكن أن يتنازل عنه ولو بَانَ الحق، وهذا نوع من الاستكبار، الواجب أن تعرف نفسك، وأنك بشر، وأنه يفوتك العلم إما نسيانًا وإما جهلًا، ويفوتك أيضًا الوصول إلى الغاية، قد يكون عندك علم لكن ينقصك التركيز والتأمل، والجمع بين الأدلة، وما أشبه ذلك، فتحتاج إلى أن تذكر.
ثم قال تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة ١٦] إلى آخره.
* يستفاد من هذه الآية: فضيلة قيام الليل؛ لأن الله تعالى ذكره في سياق النفي ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾، لكن هذا الإطلاق مقيَّد، بماذا؟ بِمَا جاءت به السنة، يعني بألَّا يكون جميع الليل، ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ في حدود ما جاءت به السنة، وبهذا نعرف خطأ ما يوجد في كتب الوعظ من أن فلانًا صلى صلاة الفجر بوضوء العشاء أربعين سنة، يعني أنه ما نام الليل، يقوم الليل، هذا خطأ، هذا تَبَرَّأَ منه الرسول عليه الصلاة والسلام، فقال في الجماعة الذين قال أحدهم: أنا أقوم الليل ولا أنام، قال: «أَمَّا أَنَا فَأَقُومُ وَأَنَامُ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي».»[[أخرج البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم واللفظ له (١٤٠١ / ٥) عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ﷺ قال: «... ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ لكني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني».]]
لكن مشكل هؤلاء الوعَّاظ الذين يكتبون هذه الكتب يريدون أن يُرَغِّبُوا الناس، لكن يرغبونهم في الباطل، ولو أن الناس اختُصِرَ لهم بما صح عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من التبشير والإنذار، ومن الأعمال الصالحة لاستقاموا، لكن عندما أسمع هذا رجل يُثْنَى عليه أنه أربعين سنة صلَّى الفجر بوضوء العشاء أقول: أين أنا من هذا؟ خلاص أبقى على ما أنا عليه، وأصلي سُنَّة العشاء ركعتين، والوتر أقله ركعة أصلي ركعة، ولا يجب إلا قراءة الفاتحة، يقتصر على الفاتحة، ولا يجب إلا سبحان ربي الأعلى مرة في السجود، وسبحان ربي العظيم مرة في الركوع أقتصر عليها أيضًا، ويمشي، لكن لو أن الناس بُيِّنَت لهم السُّنَّة حقًّا لكفى بها واجبًا.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الدعاء؛ لقوله: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾.
* ومن فوائدها: أنه ينبغي للداعي وللعامل أيضًا، للداعي وللعامل العابد أن يكون دعاؤه وعبادته بين الخوف والرجاء؛ لقوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة الإنفاق مما رزقك الله؛ لقوله: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [السجدة ١٦]، على حسب التفصيل اللي ذكرناه في التفسير.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences