Ibn 'UthayminAs‑Sajdah · 32:14–30

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

As-Sajdah 32:14–30

32:14–30Page 416

فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤

So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."

إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥

Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.

تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦

Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1

فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧

And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.

أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨

Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.

أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩

As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.

وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠

But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."

وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١

And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢

And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ فَلَا تَكُن فِي مِرۡيَةٖ مِّن لِّقَآئِهِۦۖ وَجَعَلۡنَٰهُ هُدٗى لِّبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٢٣

And We certainly gave Moses the Scripture, so do not be in doubt over his meeting.1 And We made it [i.e., the Torah] guidance for the Children of Israel.

وَجَعَلۡنَا مِنۡهُمۡ أَئِمَّةٗ يَهۡدُونَ بِأَمۡرِنَا لَمَّا صَبَرُواْۖ وَكَانُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يُوقِنُونَ ٢٤

And We made from among them leaders guiding by Our command when they were patient and [when] they were certain of Our signs.

إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ٢٥

Indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.

أَوَلَمۡ يَهۡدِ لَهُمۡ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ يَمۡشُونَ فِي مَسَٰكِنِهِمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٍۚ أَفَلَا يَسۡمَعُونَ ٢٦

Has it not become clear to them how many generations We destroyed before them, [as] they walk among their dwellings? Indeed in that are signs; then do they not hear?

أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ ٢٧

Have they not seen that We drive water [in clouds] to barren land and bring forth thereby crops from which their livestock eat and [they] themselves? Then do they not see?

وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡفَتۡحُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٨

And they say, "When will be this conquest,1 if you should be truthful?"

قُلۡ يَوۡمَ ٱلۡفَتۡحِ لَا يَنفَعُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِيمَٰنُهُمۡ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ ٢٩

Say, [O Muḥammad], "On the Day of Conquest the belief of those who had disbelieved will not benefit them, nor will they be reprieved."

فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ وَٱنتَظِرۡ إِنَّهُم مُّنتَظِرُونَ ٣٠

So turn away from them and wait. Indeed, they are waiting.

قال الله تبارك وتعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة ١٤].

المؤلف يقول: (وتقول لهم الخزنة إذا دخلوها: ﴿﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ ﴾)، ولننظر في كلام المؤلف هل يوافق ظاهر الآية؟ نقرأ: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ هل يناسب أن يكون القائل الملائكة، وأن الملائكة تقول: ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾؟

* طالب: لا.

* الشيخ: من القائل إذن؟ الله، نعم، كما قال تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧].

والصواب: أن هذا القول من قول الله عز وجل، يقول لهم تقريعًا وتوبيخًا وتنديمًا أيضًا، يقول: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ﴾ الأمر هنا ليس (...)، ولا لمجرد الأمر، ولكن للتوبيخ والتقريع والإهانة.

﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ قال المؤلف: (فذوقوا العذاب) أفادنا بهذا التقدير أن مفعول (ذوقوا)؟ مفعولها محذوف، تقديره العذاب، ويحتمل ألّا يكون لها مفعول، والمعنى كقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان ٤٩]، يكون المراد مجرد التوبيخ والإهانة.

قال: (﴿﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ ﴾ أي: بترككم الإيمان به والعمل له)، وأفادنا بقوله: (بترككم) أن (ما) مصدرية، وأن (نسيتم) بمعنى تركتم، وهو كذلك، فإن (ما) مصدرية، أي: بنسيانكم، والنسيان هنا بمعنى الترك، وليس النسيان الذي هو ذهول القلب عن معلوم؛ لأن النسيان المعروف هو ذهول القلب عن معلوم، ولهذا لا يُعاقب عليه الإنسان، ويطلق النسيان على الترك، وهو الذي يُعاقب عليه.

والدليل على إطلاق النسيان على الترك قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة ٦٧]، وهذه الآية ﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤] بمعنى تركناكم، وليس معناها ذهول القلب عن معلوم كقوله تعالى: ﴿فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه ٥٢]، فالنسيان المنفي عن الله غير النسيان المُثبت له، النسيان المُثبت له هو الترك، والنسيان المنفي عنه هو الذهول عن الشيء.

﴿بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾ [السجدة ١٤] نسيتم: تركتم لقاءه، تركتم اللقاء، المراد: تركتم العمل له والإيمان به.

﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ [السجدة ١٤] تركناكم في العذاب -نسأل الله العافية- تركهم الله عز وجل، هو ما نسيهم، لا يزال يعلم بهم جل وعلا، ولكنه تركهم، وقال لهم -بعد المراجعة- قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون ١٠٨] هل يتكلمون بعد ذلك داخل العذاب؟ أبدًا؛ لأنه في الآخرة ما يقدروا يخالفوه لما قال: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ انقطع رجاؤهم من كل رجاء -والعياذ بالله- نعم، وأيسوا من كل خير.

(﴿﴿إِنَّا نَسِينَاكُمْ﴾ ﴾ تركناكم في العذاب ﴿﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ ﴾ الدائم ﴿﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴾ من الكفر والتكذيب) هذا إقرار بالتأكيد، وبيان أن ما ذاقوه لا يمكن أن يزول عنهم، مع أنهم قالوا فيما سبق: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢]، فقال: ما فيه رجوع.

﴿وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ يعني: العذاب الدائم، وهذا من باب إضافة الشيء إلى نوعه، أو على تقدير (في) للظرفية؛ يعني: عذاب في الخلد، وعلى كل حال هو عذاب دائم.

﴿عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (ما) هنا يحتمل أن تكون اسمًا موصولًا؛ أي: بالذي كنتم في الدنيا تعملونه، ويحتمل أن تكون مصدرية، ولكن ظاهر تفسير المؤلف أنها اسم موصول، (﴿﴿بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ ﴾ من الكفر والتكذيب).

ثم بَيَّن الله عز وجل من المؤمن حقًّا فقال: (﴿﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ ﴾ [السجدة: ١٥]) (إنما) أداة حصر، حصرت الإيمان في مَن؟ في الذين إذا ذكروا بآيات ربهم خروا سجدًا.

وقوله: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ قال المؤلف: (القرآن) وعلى هذا فهي الآيات الشرعية.

والصواب: أنها عامة، حتى الآيات الكونية، فمن ذُكِّر بما يفعله الله عز وجل في المكذبين والمجرمين فإن ذلك داخل في الآية ﴿بِآيَاتِنَا﴾.

وقوله: (القرآن) يقتضي أن هذا القول خاص بهذه الأمة ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا﴾ لأنهم هم أهل القرآن، ولكنّ الأولى أن تؤخذ على سبيل العموم حتى فيما سبق ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء ١٠٧].

يقول: ﴿إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا﴾ [السجدة ١٥] (الذين) ويش إعرابها؟

(الذين) فاعل (يؤمن) يعني: ما يؤمن إلا الذين، والمراد الإيمان الكامل.

وقوله: (﴿﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا﴾ ﴾ وُعِظوا ﴿﴿بِهَا﴾ ﴾) أي: جعلت موعظة لهم وبينت لهم الآيات، فإذا وُعِظوا بها ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ (خروا) جواب (إذا)، ﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾، الخُرور يكون من أعلى إلى أسفل ومنه خُرور الماء (...) من فوق إلى تحت.

﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ من القيام، ﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ حال السجود ﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة ١٥].

هذه الآية أورد عليها بعض العلماء إشكالًا، وقال: هل كل من ذُكِّر بآيات الله يسجد أم ماذا؟ هل أنتم الآن ما يكون الإنسان مؤمن إلا إذا قرأت عليه الآية سجد أو إذا ما وعظتَه بموعظة سجد؟ ليس كذلك.

إذن ما الجواب عن هذه الآية؟

قال بعضهم: المراد ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ في موضع السجود؛ يعني: خروا سجدًا إذا مرت بهم آية سجدة سجدوا، أما إذا ذُكِّروا بآيات ربهم بدون أن تمر بهم آية سجدة فإنهم لا يسجدون، ولكن الصواب خلاف ذلك، الصواب: أن المعنى الذين إذا ذُكروا بها انقادوا لها وخضعوا لها، ولا يلزم من ذلك أن يكون السجود مباشرًا للتذكير، ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا سُجَّدًا﴾ يعني حتى في المستقبل، فلا يلزم أن يكون الجواب مباشرًا للشرط؛ يعني: لا يلزم أن يكون جواب الشرط مباشرًا له.

وما يقتضي الترتيبُ من حروف أو التركيب قد يُراد به الترتيب في موضعه في كل شيء بحسبه، ولهذا لو قلت: تزوج زيد فوُلد له، الفاء للترتيب والتعقيب، ومن المعلوم أنه لا يُولد له غيرَ عقد النكاح له، أليس كذلك أو لا؟ تأملوا، هل يولد له بمجرد ما يُعقد له الزواج؟

* طلبة: لا.

* الشيخ: إذن الفاء للترتيب والتعقيب، نقول: تعقيب كل شيء بحسبه، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج ٦٣] وهل المطر إذا نزل وصار الصباح فإذا هي مخضرة؟ لا، ولكن بعد مدة تخضرّ، وبعد مدة يُولد لهذا المتزوج، كذلك هذه ﴿إِذَا ذُكِّرُوا بِهَا خَرُّوا﴾ ما يلزم من ذلك مجرد التذكير يسجدون، بل المعنى أنهم يلتزمون بذلك، إذا ذُكروا بها التزموا بذلك في السمع والطاعة، فسجدوا في موضع السجود ولم يوجد منهم استكبار، وعلى هذا فلا إشكال في الآية.

﴿خَرُّوا سُجَّدًا﴾ (سجدًا) حال من فاعل (خروا) و﴿وَسَبَّحُوا﴾ معطوف على (خروا)، ومعنى (سبحوا) أي: نزهوا، فالمفعول محذوف، التقدير: لسبحوا ربهم أو سبحوا الله.

وقوله: (متلبسين ﴿﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن الباء في قوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أن الباء للملابسة يعني معناه أن التسبيح مقرون بالحمد، ولو أنه ذهب إلى أن الباء للمصاحبة وسبحوا تسبيحا مصاحَبا بحمد ربهم لكان أولى.

(﴿﴿وَسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ ﴾ أي قالوا: سبحان الله وبحمده) هذا معنى سبحوا بحمد ربهم يعني قالوا: سبحان الله وبحمده، ويَحتمل ألّا يكون المراد بالتسبيح والحمد تسبيح اللسان وحمده، وأن المراد نزهوه بقلوبهم وحمدوه بألسنتهم، نزهوه بقلوبهم عما لا يليق به وحمدوه بألسنتهم بما يستحق.

﴿وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [السجدة ١٥] الجملة حال؛ يعني: والحال أنهم لا يستكبرون عن الإيمان والطاعة، بل ينقادون ويخضعون.

ثم بين الله تعالى من صفاتهم ما ذكره بقوله: (﴿﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ﴾ ﴾ [السجدة: ١٦] ترتفع) وتبتعد أيضًا؛ لأن المجافاة الإبعاد، ومنه: «كان النبي ﷺ يجافي عضديه في السجود»[[أخرجه البخاري (٨٢٨)، وابن ماجه (١٠٦١) واللفظ له من حديث أبي حميد الساعدي.]] يعني يبعدها عن جنبيه، فمعناها إذن الإبعاد والارتفاع، والارتفاع يستلزم البعد.

﴿عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة ١٦] المضاجِع جمع مَضْجِع وهو مكان الاضطجاع، والاضطجاع هو النوم، يقول المؤلف: (مواضع الاضطجاع بفُرُشها لصلاتهم بالليل تهجدًا)، ما ينامون تتجافى جنوبهم عن المضاجع فلا ينامون، ولكنّ هذا مقيد بما جاءت به السنة أنهم يتهجدون ليس كل الليل ولكن الزمن المشروع التهجد فيه.

(﴿﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا﴾ ﴾ من عقابه ﴿﴿وَطَمَعًا﴾ ﴾ في رحمته): (يدعون) هذه جملة حالية من فاعل (تتجافى) أو من المضاف إليه في (جنوبهم) يعني: حال كونهم يدعون ربهم.

دعاء مسألة ولّا عبادة أو الأمرين؟ يشمل الأمرين، يدعونه دعاء مسألة وعبادة.

﴿رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ خوفًا من عقاب الله عز وجل، وطمعًا في رحمته، لكن ما الحامل على الخوف والطمع؟ إذا نظروا إلى تقصيرهم وعظمة الله وشدة عقابه غلب عليهم جانب الخوف، وإذا نظروا إلى سعة رحمة الله وعفوه، وأنهم قاموا بما ينبغي أن يقوموا به غلب عليهم جانب الطمع، فهم يسيرون بجناحين؛ جناحي الخوف والطمع.

ولكن أيهما ينبغي أن يُغَلَّب؟ ما فيه خلاف: قال الإمام أحمد رحمه الله: ينبغي أن يكون خوفه ورجاؤه واحدًا، فأيهما غلب هلك صاحبه؛ لأنه إن غلّبَ جانبَ الخوف قنط من رحمة الله، وإن غلّبَ جانبَ الرجاء أمن مكر الله، ولكن يكون بين بين.

يقول: الصحيح يغلِّب جانب الخوف، والمريض يُغلِّب جانب الطمع؛ يعني عند المرض يُغلّب جانب الطمع والرجاء، في حال الصحة يُغلِّب جانب الخوف.

وقيل: إن فعل الطاعة فليُغلِّب جانب الرجاء، وإن هَمَّ بالمعصية أو عمِلها فليُغلِّب جانب الخوف.

(﴿﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ﴾ [السجدة: ١٦] يتصدقون)، (مِن) هل هي لبيان الجنس أو أنها للتبعيض؛ يعني: بعض ما رزقناهم ينفقون؟

* طالب: الأول.

* طالب آخر: للتبعيض.

* الشيخ: للتبعيض، إذا قلت: إنها للتبعيض صار من يبذل كل ماله تقربًا إلى الله صار مذمومًا، وإن قلت: إنها لبيان الجنس وأنهم ينفقون مما رزقناهم؛ فإنه لا يقتضي أن يكون من بذل ماله كلَّه مذمومًا؛ لأن المراد بيان الجنس، فيشمل الكل القليل والكثير.

وهذه المسألة اختلف فيها العلماء: هل يبذُل الإنسان كل ماله في طاعة الله وفي سبيل الله أو يقتصر على بعضه؟

والصواب: أن ذلك يرجِع إلى حال الشخص وإلى الأسباب التي بها يدفع الضرورة عن نفسه وأهله، فإن كان الإنسان ضعيف التوكل أو ضعيف القدرة على التكسب، فالأفضل أن يبذل شيئًا ما ماله، وإن كان الأمر بالعكس فله أن يتصدق بجميع ماله كما فعل أبو بكر، أما أبو لبابة لما نذر أن ينخلع من ماله صدقة لله ورسوله قال له الرسول ﷺ: «أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ»[[أخرجه البخاري (٢٧٥٧) من حديث كعب بن مالك.]] فجعل من الخير له أن يمسك بعض المال.

وقوله: ﴿يُنْفِقُونَ﴾ الإنفاق البذل.

قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] فلا تعلم نفس، أيُّ نفس، لا ملك مقرب ولا نبي مرسل، لا تعلم ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ وهذا نفي لعلم الحقيقة لا لعلم المعنى، فإن المعنى معلوم بما أخبر الله من قرة الأعين لكن حقيقة ذلك الشيء مجهولة.

ولهذا قال ابن عباس: «ليس في الدنيا مما في الجنة إلا الأسماء»[[أخرجه البيهقي في البعث والنشور (٣٣٢).]] معلوم أن في الجنة نخلًا ورمانًا وفاكهةً ولبنًا وعسلًا وماءً وخمرًا وطيرًا وما أشبه ذلك، نعلم هذا، ونعلم المعنى، ولكن حقيقة ذلك الشيء مجهولة ولّا لا؟ مجهولة، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ أي: حقيقة ما أُخفي، وليس معنى ما أُخفي، المعنى معلوم.

وقوله: (﴿﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ ﴾ [السجدة: ١٧] ما تقر به أعينهم) قرت عينه بمعنى جمدت، وقرت عينه بمعنى سكنت، فعلى الأول تكون من القُرِّ، وهو البرد، ولهذا يُقال: إن دمعة السرور باردة ودمعة الحزن حارة، ولهذا قال: قَرَّت عينُه؛ إذا سُرت، أما إذا كانت من القرار، وهي أنها لا تلتفت إلى سوى ما هي تنظر إليه؛ يعني أن عيونهم قارة لا تلتفت إلى سوى ما هي عليه، وكلا المعنيين صحيح فإن معنى قرَّت عينه: أي بردت، فلم يلحقها حرارة الحزن، ومعنى قرت عينك؛ أي سكنت، فلا تنظر إلى شيء سوى ما هي عليه، وهذا يكون معناه غاية الأمنية.

قال المؤلف: (وفي قراءة بسكون ياء المضارع) إيش هي سكون الياء؟ (أُخفيَ) هذا فعل ماضٍ، (أُخْفِي) فعل مضارع، أو لا؟ أُخفي يعني أنا.

﴿﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِي لَهُمْ﴾ ﴾ ما أُخْفِي لهم أنا؛ يعني الله عز وجل ﴿مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧]، أما ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ فهو فعل ماضٍ مبني للمجهول، وفاعله مستتر جوازًا ولّا وجوبًا؟ إذا كانت (أُخفيَ) فهو مُستتر؟

* طالب: وجوبًا.

* الشيخ: لا، جوازًا، إذا كانت (أُخْفِيَ) فهي فعل ماض، وفاعله مستتر جوازًا، وإذا كانت (أُخْفِي) بالسكون فهي فعل مضارع، وفاعله مستتر وجوبًا، تقديره: أنا.

والمعنى على كلتا القراءتين صحيح، فالله هو الذي أخفاه حتى على البناء للمجهول ﴿مَا أُخْفِيَ﴾ فإن المُخفي هو الله، ﴿مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة ١٧].

قال: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] (جزاءً) مفعول لأجله، ولكن هل المفعول من أجله هل عامله (أخفي) ولّا (قرة)؟ الظاهر أنها (قرة) يعني قرت أعينهم جزاءً، وليس المعنى أخفيَ لهم جزاءً؛ لأنه قد يُقال: إن الإظهار أبلغ في الجزاء لكنها من قرة أعين جزاءً.

﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة ١٧] أي: بالذي كانوا يعملونه في الدنيا من طاعة الله، فإن قلت: هذا يدل على أنهم يُجازون بعملهم، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟! قال: «وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٤٦٣)، ومسلم (٢٨١٦ / ٧١) من حديث أبي هريرة.]] فما هو الجمع بين هذا الحديث وبين هذه الآية وأمثالها؟

قال أهل العلم: إن الجمع بينهما باختلاف معنى الباء، فالباء التي للسببية هي الموجودة في مثل هذه الآية: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا﴾ أي: بسبب ما كانوا يعملون.

والباء التي للعوض هي المذكورة في قوله: «لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ أَحَدٌ بِعَمَلِهِ»، أي: عوضًا عن عمله؛ لأننا لو أردنا المعاوضة والمقاصة لظهر العامل مغبونًا مطلوبًا أو لا؟ لو أردنا المقاصة والمعاوضة كان العامل مهما عمل من الصالحات فهو مطلوب، نعمة واحدة من نعم الله عليه تستوعب جميع الأعمال، يقول مثلًا القائل: أنا الحمد لله أصلي الصلوات الخمس وأصوم رمضان وأدفع زكاة مالي وأحج البيت، هذه منزلة للجنة صح، ولَّا لا؟ لو أردنا أن نقابله بنعمة من النعم..

وقوله: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة١٨] المراد بالفسق هنا الفسق الأكبر المُخْرِج عن الإسلام، وليس الفسق الأصغر الذي يبقى فيه الإنسان مُؤْمِنًا ناقص الإيمان.

﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ الجواب: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾، وانتبه أيها القارئ فقف على قوله: ﴿فَاسِقًا﴾، فإن كثيرًا من القراء يقرأ ويستمر ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ ما يصلح هذا، ﴿كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ ما يستقيم، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ فقِفْ، ثم قل: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ هذا الجواب جواب مَن؟ جواب الله عز وجل ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ فالله تعالى استفْهَمَ وأجابَ نفسه: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ أجاب: ﴿لَا يَسْتَوُونَ﴾ (أي: المؤمنون والفاسقون)، لماذا؟

(...) (﴿﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا﴾ ﴾ [السجدة: ١٩] وهو ما يعد للضَّيْف ﴿﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴾) ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ﴾ (أمَّا) هذه حرف شرط وتفصيل، وتفيد مع الشرط والتفصيل تفيد التوكيد؛ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل ٥ - ٧] ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ﴾ [الليل ٨ - ١٠].

هنا ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ تكون فيها ثلاث فوائد:

شرطية؛ بدليل أنها أتى لها جواب ﴿فَلَهُمْ﴾.

تفصيلية؛ لأنها أتت بقِسْمين ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ أيش بعد؟

توكيدية؛ لأنه لا شك أن هذه الصيغة تفيد التوكيد ﴿أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ﴾ هذا جواب الشرط ﴿فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾، الجنات جمع (جَنَّة) وهي في اللغة الحديقة الكثيرة الأشجار، وسُمِّيَت به لأنها تُجِنُّ مَن فيها أي: تستره، لكنها في الشرع الدار التي أعدها الله تعالى لأوليائِه فهي أعلى مما يدور في الخيال أو يخطر على البال.

وقوله: ﴿جَنَّاتُ الْمَأْوَى﴾ يعني التي هي مأواهم لا يبغون عنها حولًا ولا يتحولون عنها، فهي مأوى كما أن الجحيم مأوى الكافرين لا يتحولون عنها، فالمأوى مكان الإيواء أي: أنها هي جناتهم التي يأوون إليها ولا يخرجون منها.

﴿نُزُلًا﴾ يقول المؤلف: (هو ما يُعَدُّ للضيف) وعلى هذا فتكون مصدرًا في موضع الحال، يعني أنه معد لهم هذا النزل.

﴿بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الباء هنا للسببية.

(﴿﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾ ﴾ بالكفر والتكذيب ﴿﴿فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ ﴾) والعياذ بالله، مأواهم أي: مرجعهم ﴿النَّارُ﴾ يخرجون منها؟! لا، ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ أعوذ بالله، شوف ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ يُمَنّون بالخروج ترتفع بهم إلى أن يقربوا من أبوابها، ثم بعد أن يتمنون الخروج ويُريدونه يعادون فيها، وهذا أشد والعياذ بالله في التعذيب ولَّا لا؟ لو فرضت أنك محبوس في مكان فقيل لك: تعال، تعال. ثم إذا قربت من الباب رَدّك، أيُّ هذا أو أن تبقى في حجرة الحبس، أيهم أشد؟ أن تبقى في الحجرة أشد؟ أيهما أشد؟

* طالب: الأول.

* الشيخ: إي نعم، أن يُقرَّب من الباب، ثم إذا أراد أن يخرج قيل له: ارجع؛ لأنه والعياذ بالله إذا فُعِلَ هكذا صار كأنه يُحبَس عدة مرات؛ لأن من أشرف على الحياة ثم عاد إلى الموت صار ذلك موتًا آخر، فتكون إعادته إلى محبسه تكون حبسًا ثانيًا، هكذا أهل النار والعياذ بالله، يُمنَّون الخروج، وكلما أرادوا أن يخرجوا أعيدوا فيها.

﴿وَقِيلَ لَهُمْ﴾ أيضًا توبيخًا: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ فيجتمع عليهم -والعياذ بالله- يجتمع عليهم العذاب الجسمي والعذاب القلبي؛ الجِسْمِيّ منين؟ مِن النار والعياذ بالله ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء ٥٦] والقلبي؟ مِن هذا التوبيخ ﴿ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ويش حَسْرَة الإنسان عندما يقال له هكذا؟ ألا يتحَسَّر ويقول: ليتني ما كذبت، كيف أكذب؟ يتمنى، يكون هذا -والعياذ بالله- فيه من التوبيخ والتنديم وإدخال الحسرة ما هو ظاهر؛ ولهذا قال سبحانه وتعالى في آية أخرى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة١٦٧] الآن نحن إذا فاتنا شيء بقضاء الله وقدره وهو مما يَسُرُّنا فهل الواحد يندم؟ يندم يقول: ليتني فعلت وليتني فعلت، مع أنه منهي عنه لأن هذا يفتح عمل الشيطان، يفتح باب الندم أو الاعتراض على القدر؛ ولهذا نهى الرسول عليه الصلاة والسلام عنه.

فالمهم أن هذا التوبيخ يكون عذابًا أيش؟ قلبيًّا، وأما كونهم يرددون ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ فهو عذاب جسمي بدني، فهم دائمون والعياذ بالله في عذاب وحسرة وندم ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ﴾ [الزخرف ٧٥] دائمًا وأبدًا ما فيه فترة راحة؛ ولهذا يقولون: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾ [غافر٤٩] شوف -والعياذ بالله- الخزي، والتقاصر ما قالوا: ادعوا ربكم يرفع العذاب، قالوا: يخفف فقط، ولا قالوا: يخفف دائمًا قالوا: يخفف يومًا، وهذا يدل على شدة يأسهم؛ لأنهم أُيِّسوا من الرحمة والعياذ بالله، يتمنون ولا لهم وجه على الله أنهم اللي يسألون، يطلبون من خزنة جهنم أن يشفعوا لهم إلى الله أن يُخَفِّف عنهم ﴿يُخَفِّفْ﴾ لا يرفع، ﴿يَوْمًا﴾ لا دائمًا ﴿يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ﴾.

ولكن ويش تقول لهم الخزنة؟ توبخهم ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [غافر ٥٠] فيقولون: بلى ﴿قَالُوا بَلَى﴾ ثم يقولون: إذن نحن برآء منكم ما نتدخل في شأنكم ﴿فَادْعُوا﴾ [غافر ٥٠]، ادعوا أنتم، يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ [غافر ٥٠] ضائع ما ينفعهم؛ ولهذا إذا ألَحُّوا على ربهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ [المؤمنون ١٠٦، ١٠٧]، شوف التضرع ﴿رَبَّنَا﴾، والاعتراف ﴿غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾، ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ هم حكموا على أنفسهم، وكل هذا من باب التضرع؛ لأن الإنسان إذا اعتذر بإساءته فإن هذا مدعاة لرحمته، لو جاءك واحد يعتذر بذنبه ويعترف بذنبه هذا يوجب أنك ترحمه، فهم يعترفون لعلهم يُرحمون ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون ١٠٧]، قال الله تعالى: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ ﴿اخْسَئُوا﴾ أي: ذُلُّوا وكونوا حَقَارَى، ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ بأي كلمة حينئذ -والعياذ بالله- ييأسون من كل خير، نسأل الله السلامة؛ ولهذا قال: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠) وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ [السجدة ٢٠، ٢١] هذا فعل مؤكَّد بالنون واللام ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ﴾ تأكيدًا وجوبِيًّا؟ تأكيدًا وجوبيًّا لأنه مثبت، مُستقبل، بجواب قسم، غير (...) باللام.

﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ عذاب الدنيا بالقتل والأسر والجدب والسنين والأمراض.

(﴿﴿دُونَ الْعَذَابِ﴾ ﴾ أي: قبل ﴿﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ ﴾ عذاب الآخرة، ﴿﴿لَعَلَّهُمْ﴾ ﴾ أي: مَن بقي منهم ﴿﴿يَرْجِعُونَ﴾ ﴾ إلى الإيمان) هذا وعيد من الله عز وجل أنه يذيقهم العذاب الأدنى قبل العذاب الأكبر وهو عذاب الآخرة؛ لعلهم يرجعون (لعل) للتعليل، ولكن هل رجعوا؟ منهم مَنْ رجع، ومنهم من لم يرجع، فإنّ قريشًا أصيبوا بالجدب والسنين والقتل في بدر -قَتْل شرفائهم- والأسر أيضًا، ومع ذلك رجعوا ولّا لا؟ منهم مَنْ رجع، ومنهم من لم يرجع، فمَن أراد الله له النجاة أحيا الله قلبه بهذه المواعظ فرجع، ومن طَبَعَ الله على قلبه بقي على ما هو عليه ولم يرجع.

* * *

(﴿﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ ﴾ القرآن ﴿﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ ﴾ أي: لا أحد أظلم منه) ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ (﴿﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ ﴾ أي: من المشركين ﴿﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴾). ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ﴾ أفادنا المؤلف بقوله: لا أحد أظلم أن الاستفهام هنا للنفي؛ أي: لا أحد أظلم منه، والظلم سبق لنا عِدة مرات أن المراد به أيش؟ النقص في الأصل؛ لقوله تعالى: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف ٣٣] أي: لم تنقص، فالمراد به نقص الإنسان فيما يجب عليه فيدعه، أي: نقصه فيما مُنع منه فلا يلتفت ويرتكب المحرم.

وقوله: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ ﴿ذُكِّرَ﴾ ما قال: ممن ذَكَّره الرسول ﷺ لأجل أن يشمل كل مُذكِّر؛ لأن بعض الناس قد يخضع لبعض المذكِّرين لكونه فلانًا، وهذا ليس خاضعًا للآيات، هذا خاضع للأشخاص، تجده إذا ذُكِّر بهذه الآية إن ذَكَّره فلان قَبِل وإن ذَكَّره آخر لم يقبل، أليس كذلك؟ يوجد أناس إذا أمرهم إنسان بأمر معروف ما همه، بل ربما يستهزأ به، وإذا أمره به آخر امتثل وأظهر الموافقة؛ ولهذا قال: ممن ذُكِّر؛ لئلا يَتَقَيَّد بمذكِّر معين، أيّ مذكرٍ يكون.

وقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ قال المؤلف: المراد به القرآن. والأصح أنه أعم من القرآن، ويشمل حتى من ذُكِّروا بالتوراة في زمن التوراة، ومن ذُكِّروا بالإنجيل في زمن الإنجيل، وبالزبور في زمن الزبور؛ لأن هذا حكم عام.

وقوله: ﴿بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ أتى بالربوبية المُقْتَضِيَة للانقياد؛ لأنه ما دام التذكير بآيات ربٍّ لك فأنت مَرْبُوبٌ عَبْد، والمربوب في تدبير مَن؟ ربه.

﴿ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾ وفي آية أخرى ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ [الكهف ٥٧]، والفرق أنه في الآية الأخرى ﴿فَأَعْرَضَ﴾ أنه بادر بالإعراض فأعرض، في الثانية بعدما فكَّر وقدَّر في هذه الآية أعرض، والناس هكذا منهم من يُعرِض لأول وهلة ولا يلتفت ولا يفكر، ومنهم من قد يفكر ولكن في النهاية يعرض.

وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ الجملة استئنافية لتهديد هؤلاء المُعرضين وبيان أنهم من المجرمين؛ ولهذا قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ وهو إظهار في موضع الإضمار، والأصل (إنا منهم)، لكن أظهر في موضع الإضمار للسببين السابقين الذين أشرنا إليهما؛ أنه من أجل أن يحكم على هؤلاء بالإجرام، ولأجل أن يكون الحكم عامًّا لكل مجرم فيهم وفي غيرهم، والإجرام بمعنى الإثم، فالمجرم هو الآثم الذي ارتكب ما لا يحل له كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين٢٩].

قال: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿مُنْتَقِمُونَ﴾ جَمْع ليُطابق المبتدأ، أين المبتدأ؟ (إنا) اللي هو اسم (إن)؛ لأن أصلها (إننا) لكن حذفت النون الثانية تخفيفًا، ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ والجمع هنا وفي كل ما يضاف إلى الله يراد به التعظيم، وقد سبق لنا أن النصراني لو استدل بالجمع على التعدد قلنا له: أنت من أصحاب الزيغ الذين يتبعون ما تشابه منه؛ لأنك لو رجعت إلى قوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة١٦٣] زال عنك هذه الاشتباه.

وقوله: ﴿إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ هي كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران ٤] فكلمة ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ تعني أنه صاحب انتقام؛ يعني ممن يستحقه، وهنا ﴿مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ مقيدة، منتقمون من المجرمين، وبهذا نعرف أن المنتقم ليس من أسماء الله، المنتقم ليس من أسماء الله؛ لأن الاسم من أسماء الله يكون مطلقًا دالًّا على المعنى الأحسن على كل تقدير؛ كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ [الأعراف ١٨٠]، كل كلمة تحتمل هذا وهذا فإنها لا تكون مِن أسماء الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾، والانتقام لا شك أنه حَسَن في محله، وعليه فلا يصح أن يُوصف الله به على سبيل الإطلاق، وهو مَعدود من الأسماء الحسنى المشهورة، لكنَّ هذه الأسماء الحسنى المشهورة كما قال شيخ الإسلام وغيره من أهل التحقيق ليست ثابتة عن الرسول عليه الصلاة والسلام، ما هي ثابتة؛ لأن فيها أشياء من الأسماء لا تصح اسمًا لله.

إذن هل يوصف الله بالانتقام مطلقًا فيقال: (المنتقم)؟ الجواب: لا؛ لأنه ما ورد إلا مقيدًّا، وورد ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ نكرة في سياق الإثبات فلا تدل على العموم؛ لأن النكرة في سياق الإثبات كما هو معروف لا تفيد العموم، إنما تفيد العموم إذا كانت في سياق النفي أو النهي أو الشرط أو الاستفهام الإنكاري كما ذكره أهل الأصول.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ [السجدة ٢٣] ﴿آتَيْنَا﴾ بمعنى أعطينا وهو إعطاء شرعيٌّ قدريٌّ.

وقوله: ﴿مُوسَى الْكِتَابَ﴾ ﴿مُوسَى﴾ مفعول أول و﴿الْكِتَابَ﴾ مفعول ثان، و(أل) في قوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ للعهد الذهني؛ لأنه ما سبق له ذكر حتى يُحال على المذكور، وليس شيئًا حاضرًا حتى يقال: إنه عهد؟

* طالب: ذهني.

* الشيخ: إذن فهو عهد ذهني؛ يعني: الكتاب المعهود المعروف وهو التوراة.

(﴿﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾ ﴾ شكٍّ ﴿﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ ﴾) ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ الخطاب هنا -على ما مشى عليه المؤلف- الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام، والضمير في ﴿لِقَائِهِ﴾ يعود على موسى، والمعنى: ﴿فَلَا تَكُنْ﴾ يا محمد ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أي: في شك ﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ لِقاء مَن؟ لقاء موسى، يعني: فإنك ستلاقيه.

قال المؤلف: (وقد التقيا ليلة الإسراء) هذا ما ذهب إليه المؤلف وذهب إليه كثير من المفسرين أيضًا أن الخطاب للرسول عليه الصلاة والسلام والضمير يعود على موسى، والمعنى: لا تكن يا محمد في شك من ملاقاة موسى فإنك ستلاقيه، وقد لاقاه في ليلة الإسراء.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском