Ibn 'UthayminAs‑Sajdah · 32:7–13

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

As-Sajdah 32:7–13, continued

ولو شاء الله تعالى لفعل كما قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله تعالى لو شاء لجعل الناس أمة واحدة على الإيمان والتوحيد والاستقامة، ولكنَّ حكمة الله تأبى ذلك لأسباب كثيرة، منها: أنه جل وعلا قال للنار: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ وهذا قسم وتعهد من الله عز وجل للنار أن يملأها ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾.

ولو كان الناس أمة واحدة على التوحيد صَدَق هذا ولّا ما صَدق؟ ما صدق، فإذن لا بد أن يصدق.

ثانيًا: لو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد هل يتميز المؤمن من الكافر؟ كلهم واحد، ما فيه امتحان واختبار، ولو كان الناس أمَّة واحدة على التوحيد لانسَدَّ بابُ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، السبب؟ ما فيه منكر حتى يحتاج إلى نهي عن منكر، ولو كان الناس على أمة واحدة على التوحيد لبطل الجهاد أو لا؟ مَن نجاهد؟ ما فيه أحد.

المهم: أن هناك حكم كثيرة في كون الله عز وجل جعل الناس إلى قسمين؛ ولهذا قال هنا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة ١٣] ﴿حَقَّ﴾ بمعنى وجب وثبت، و﴿الْقَوْلُ﴾ فاعل، و﴿مِنِّي﴾ متعلق بمحذوف حال من القول، ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ﴾ صادرًا ﴿مِنِّي﴾، ما هذا القول؟ ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ﴾ الجن ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣]، وهنا الفعل مؤكد بالنون وباللام وبالقسم المقدر والتأكيد هنا واجب نحويًا ولّا لا؟ واجب؛ لأنه فيه قسم مثبت مستقبل، لم يُفصل بينه وبين لامه فاصل.

وقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ جهنم هذه اسم من أسماء النار، قيل: إنها عربية، والنون فيها زائدة، وأنها من الجهم أو التجهم وهو الظلمة.

وقيل: إنها اسم مُعَرَّب، مو هو عربي لكنه مُعَرَّب، وعلى كل الأقوال فالمراد بها النار -نسأل الله العافية.

﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [السجدة ١٣] ﴿الْجِنَّةِ﴾ الجن، و﴿وَالنَّاسِ﴾ بنو آدم، ﴿أَجْمَعِينَ﴾ تُملأ من هؤلاء وهؤلاء، وأيهما أكثر؟

* طلبة: الله أعلم.

* الشيخ: الله أعلم، لكن ظاهر القسمة أنهم سواء ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾.

هل الجن -فُهِمَ الآن من هذه الآية ومن آية أخرى أنهم يدخلون النار، كما قال تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ فِي النَّارِ﴾ [الأعراف ٣٨]، يدخلون النار، وهذا بإجماع المسلمين أن كافر الجن يدخل النار- مؤمن الجن هل يدخل الجنة ولّا لا؟

اختلف فيه العلماء، والصواب أنهم يدخلون الجنة، قال تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾ فمن اتقى وأصلح، منين؟ من الجن والإنس ﴿فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٥) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الأعراف ٣٥، ٣٦].

وقال تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرحمن ٤٦]، ثم ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا﴾ [الرحمن ٤٧] يخاطب مَن؟ الجن والإنس، فهذا دليل أيضًا على أنهم يدخلون الجنة.

وكذلك قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن ٥٦]، يدل على أنهم يدخلون الجنة؛ وهذا الذي عليه جمهور أهل العلم.

وقال بعضهم: إنهم لا يدخلون الجنة؛ لأن الذين ولَّوْا إلى قومهم منذرين ﴿قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأحقاف ٣٠، ٣١] ولا قالوا: يدخلكم الجنة. فهذا يدل على أن المؤمن منهم يُجار من العذاب الأليم فقط.

فيُقال: إن هذا استدلال بنص وترك نصوص، وما هكذا حال الإنسان الذي يوفق بين الأدلة، ثم إن مقام هؤلاء القوم مقام إنذار وتخويف ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف ٢٩] دون مبشرين (...).

أليس كذلك؟ أعتقد أن البقرة لو فرضت مسابقة في وظيفة تذهب تسابق؟ لا طبعًا؛ لأنه ما هو من شأنها، لكن لو أُلقي علف في زاوية من البيت تسابق إليه؟ نعم، تُسابق إليه؛ لأن الله هدى كل مخلوق لما يناسبه.

* ومِن فوائد الآية الكريمة: تكذيب النظرية (...)، وهي نظرية داروين الذي يقول: إن الخلق نشأ بالتطور، وأن أصل الإنسان قرد، ثم صار على طول الزمن إنسانًا، وعلى قاعدته ما ندري ماذا سيكون الإنسان على طُول الزمن، ولا شك أنَّ هذه النظرية باطلة، وكفر بالله عز وجل، نأخذها من قوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾ [السجدة ٧] ما أصرح من هذه الآية شيء، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾.

* ومِن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرته تبارك وتعالى، حيث خلق هذا الإنسان العجيب في خلْقه وفهمِه وتدبيرِه وذكائِه من هذا الشيء الجماد؛ وهو الطين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات أفعال الله الاختيارية التي تتعلق بمشيئته، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿وَبَدَأَ﴾ فإن البدء يكون عن عدم.

* ومن فوائدها: أن الإنسان حادث بعد أن لم يكن؛ لقوله: ﴿وَبَدَأَ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة ٨].

* من فوائد الآية الكريمة: أن هذا الإنسان الذي خُلق من الطين له نسل، جُعل له نسل من أجل أن يبقى هذا النوع من المخلوقات؛ لقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ﴾.

* ومن فوائدها: أن الإنسان يُخلق من المني لقوله تعالى: ﴿نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ﴾ [السجدة ٨]، والسلالة هي الخلاصة، والماء المهين هو الْمَنِي، وعلى هذا فهو مخلوق من مَنِي الرجل لا مني الأنثى؛ لأنه ما الماء المهين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: حكمة الله عز وجل لهذا الماء حيث جعله على هذا الضعف وعلى هذا النوع من أجل حفظ الحيوان المنوي، إذ لو كان سائلًا سيولة الماء ما احتفظ بهذه الحيوانات، ولو كان غليظًا أكثر من هذا لكان منه ضرر على هذه الحيوانات فربما تموت، ولكن الله عز وجل جعله على هذا الوضع (...).

ثم قال: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ إلى آخره [السجدة: ٩].

* يُستفاد من هذه الآيات الكريمة: أن الله تعالى أكمل خلق الإنسان؛ لقوله: ﴿ثُمَّ سَوَّاهُ﴾ ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين ٤]، وقوله: ﴿صَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ [غافر ٦٤].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الإنسان جسم لا يكون إنسانًا إلا بالروح؛ لقوله: ﴿وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ﴾ [السجدة ٩].

* ومنها -وليس بذاك القوي: أن الروح جسم؛ لأنها تُنفخ في هذا الجسم البائد، وهو كذلك، فإن الروح جسم لكنها جسم لطيف لا يُرى، مع أن الملائكة تقبضه وتجعله في الحنوط وتصعد به إلى السماء، لكن نحن لا نراه عندما تخرج روح الميت، فنحن عنده هل نرى شيئًا؟ لا، ما نرى شيئًا.

* ومِن فوائد الآية الكريمة: بيان نعمة الله عز وجل على الإنسان بجعل السمع والأبصار والأفئدة التي بها إدراك المعقول وعقله، إدراك المعقول بماذا؟ بالسمع والبصر، وعقله؟ بالقلب ووعيه.

* ومِن وفوائد الآية الكريمة: أن الإنسان قليل الشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩]، كما أن الشاكر قليل أيضًا، الشاكر قليل والقائم بالشكر على الوجه المطلوب قليل، قال الله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣].

* طالب: (...).

* الشيخ: الشاكر قليل؛ لأن معناه أنه من حيث الأفراد والأشخاص واحد في العشرة، هذا قليل، ونفس الواحد هذا أيضًا شكره قليل، والشاكر قليل، وشكر الشاكر أيضًا قليل، فقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩] هذا باعتبار شكر الشاكر، وقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ ١٣] باعتبار الأفراد الشاكرين.

* ومن فوائد الآية الكريمة: ذم من لا يشكر لقوله: ﴿قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾ [السجدة ٩].

* ومنها: أنه ينبغي للإنسان أن يكون شكرُه على حسب النعمة، ففي السمع يستعمل السمع فيما يقرب إلى الله ويمنعه عما حرم الله.

وكذلك في البصر، أما القلب فنعم يجب عليه أن يُعْرِضَ بقلبه عن كل ما حرم الله، وأن يقبل بقلبه على كل ما أمر الله به.

ثم قال عز وجل: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠].

* يُستفاد من هذه الآية الكريمة: توبيخ هؤلاء المنكرين كما سيأتي في آخرها: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].

* ومن فوائدها: أن هؤلاء المكذبين كانوا شاكِّين في قدرة الله، لقولهم: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾، ﴿أَإِنَّا﴾.

ويَحتمل أن يكون ذلك منهم مكابرة، وأنهم عالمون بقدرة الله، لكن يكابرون، ويؤيد هذا قوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ يعني الأمر واضح، لكن هؤلاء كفار.

* ومن فوائد الآية الكريمة: تمام قدرة الله عز وجل بإعادة الأموات بعد أن غابوا في الأرض واضمَحَلُّوا فيها، ينشئهم الله تعالى خلقًا جديدًا.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إبطال قول من يقول: إن البعث إيجاد من عدم؛ لأن فيه من يقول: إن هذا الخلق يعدم بالكلية ثم يُنشأ من جديد، وهذا القول باطل؛ لأنه لو كان الأمر كذلك لكان الثواب لمن لا يعمل، والعقوبة على من لم يعمل، لو قلنا: إنه يعدم بالكلية ثم ينشأ خلق جديد ويُحاسب، هذا الجديد ما هو موجود الأول، فيكون معاقبًا على ما لم يفعل، ومثابًا بما لا يفعل، والله تعالى قد بين أن الإنسان نفسه هو الذي يُعاد، فليس يُعدم ثم يُخلق من جديد، ولكنه يُعاد: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء ١٠٤]، ما قال: نخلق غيره، الشاهد قوله: ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة ١٠] ﴿أَإِذَا ضَلَلْنَا﴾ يجي يقول: كيف بعد ما نُغيَّب في الأرض ونكون تُرابًا كيف نُبعث؟ فدل هذا على أن البعث هو إعادة ما سبق، وليس ابتداء خلق جديد.

* ومن فوائد الآية: أنَّ هؤلاء المنكرين للبعث ليس عندهم حُجَّة إلا مجرد الكفر؛ لقوله: ﴿بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾ [السجدة ١٠].

* ومن فوائدها: إثبات ملاقاة الله عز وجل يوم القيامة؛ لقوله: ﴿بِلِقَاءِ﴾، ومثله قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾ [الانشقاق ٦].

قال تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١١].

* يُستفاد من الآية الكريمة: أن الذي يتولى قبض الأرواح ملك الموت؛ لقوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾.

* ومن فوائدها: إثبات الملائكة؛ لقوله: ﴿مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ والملائكة عالم غيبي خلقهم الله عز وجل من نور، وجعلهم من السامعين المطيعين له، وأقدرهم على فعل المأمور؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء ١٩، ٢٠]، وقال عز وجل: ﴿عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم ٦] من كمال الامتثال، وكمال القدرة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: كمال تنظيم الله عز وجل للأمور وإحكامه لها؛ لقوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فإن كل ملك موكل بشيء من الأشياء بتمام النظام وإحكامه وإحسانه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: عظمة سلطان الله، من أين تؤخذ؟ من قوله: ﴿الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ فقد سبق لنا في الدرس أن هذا التوكيل ليس عجزًا من الله عز وجل، ولكنه لبيان سلطانه وعظمته.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات الرجوع إلى الله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ [السجدة ١١].

ويُؤخذ منه إثبات الجزاء؛ لأن هذا هو المقصود من قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ إلى آخره [السجدة: ١٢].

في هذا بيان فظاعة ما يحل بالكافرين يوم القيامة، من أين يؤخذ؟ من قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى﴾ والمقدر جوابها: لرأيت أمرًا فظيعًا.

* ومن فوائدها: أن هؤلاء المجرمين المستكبرين في الدنيا الرافعي رؤوسهم ستكون حالهم في يوم القيامة على العكس من ذلك لقوله: ﴿نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ﴾ المؤلف يقول: (حياءً) والصواب أنه: ذلًّا وعارًا وخزيًا، والعياذ بالله.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن المجرمين يوم القيامة يقروُّن بالحق، من أين تؤخذ؟ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ [السجدة ١٢] ولكن هل ينفع هذا؟ لا، بعد أن شاهد الإنسان العذاب أو الجزاء ما ينفعه هذا اليوم.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء يطلبون الرجعة إلى الدنيا؛ لقوله: ﴿فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢].

ويتفرع عليها أن الآخرة قد يكون فيها شيء من العبادات؛ لأن الدعاء من العبادة، وهم يدعون الله.

وعليه؛ فمن نفى أن الآخرة دار تكليف أو دار عمل فإن نفيه على سبيل العموم فيه نظرٌ ظاهرٌ، فإن الآخرة قد يكون فيها تكليف: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ [القلم ٤٢]، ﴿يُدْعَوْنَ﴾ هذا تكليف ولّا لا؟ تكليف، فالآخرة قد يكون فيها تكليف.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء المكذبين يوقنون بالأمر بالآخرة لقوله: ﴿إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة ١٢].

* ومن فوائدها: إقرارهم على أنفسهم بأن عملهم السابق ليس بصواب، منين؟ من قوله: ﴿نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ [السجدة ١٢] يعني: وكأنهم في الأول لا يعملون صالحًا.

ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ إلى آخره [السجدة: ١٣].

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: إثبات مشيئة الله؛ لقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا﴾.

* ومن فوائدها: كمال سلطانه؛ قال: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾.

* ومن فوائدها: أيضًا إثبات حكمته، حيث لم يعطِ كل نفس هداها، وقد سبق لنا شيء من الحِكَم في اختلاف الناس إلى مؤمن وكافر.

* ويُستفاد من هذه الآية الكريمة: الرد على القدرية، من هم القدرية؟

القدرية هم الذين يقولون: إن الإنسان مستقل بعمله، ما لله تعالى فيه تقدير ولا خلق، يشاء لنفسه ويفعل بنفسه، ولكن لا تعلق بفعله. هؤلاء هم القدرية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا﴾ يرد عليهم.

ولكن هل في الآية دليل لمسألة الجبرية؟ ظاهرها، إلا أن الآيات الأخرى تدل على أنه لا حجة فيها لهم؛ لأن الله تعالى أعطى الإنسان قدرة واختيارًا، ونحن معشر أهل السنة لا نأخذ ببعض الكتاب ونضع بعضًا، بل نأخذ بالكتاب كله، فنؤمن بأن مشيئة الله فوق كل شيء، ونؤمن بأن للإنسان مشيئة وإرادة وقدرة على العمل؛ وأن الإنسان هو الفاعل، وليس الله هو الفاعل.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات كلام الله، أن الله يتكلم؛ لقوله: ﴿حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾ [السجدة ١٣].

* ومن فوائدها: أن كلامه سبحانه وتعالى بحرف؛ لأن قوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ﴾ حروف ولَّا لا؟ حروف، فكلام الله تعالى بحرف.

* ومن فوائد الآية الكريمة: الرد على من زعم أن كلام الله هو المعنى القائم بالنفس، إذ لو كان كذلك لقال سبحانه وتعالى: ولكن أردت أن أملأها، ولم يقل: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ﴾.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات النار؛ لقوله: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾.

* ومن فوائدها: أن الله جل وعلا أوفى المعاهدين، أين؟ أنه وعد النار أن يملأها فوفى لها بما وعدها، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة ١١١]، وقال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة ٤٠].

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الجن يدخلون النار، منين؟ ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة ١٣].

وهل يدخلون الجنة؟ تقدم أن في ذلك خلافًا، وأن الصواب أنهم يدخلونها، وبينَّا الأدلة على ذلك من القرآن.

نبدأ درسًا جديد الآن.

* طالب: (...).

* الشيخ: هذه ذكرها الشيخ رحمه الله (...) وقد نُقلت عن بعض السلف، ولكن ما فيه دليل (...).

* طالب: التكليف في الآخرة يكون عليه ثواب؟

* الشيخ: نعم، ولهذا أهل الفترة يكلفون في الآخرة، فمن أطاع منهم دخل الجنة ومن عصى دخل النار.

* طالب: (...).

* الشيخ: (...) للترتيب، من بعد خلق السماوات استوى، لكن قبل أن يخلق السماء ما (...)، فهو حين الخلق غير مستوٍ، وبعد الخلق مستوٍ، وأما قبله فالله أعلم.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском