Ibn 'UthayminAl‑Ahzab · 33:22–27

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:22–27

33:22–27Page 420

وَلَمَّا رَءَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥۚ وَمَا زَادَهُمۡ إِلَّآ إِيمَٰنٗا وَتَسۡلِيمٗا ٢٢

And when the believers saw the companies, they said, "This is what Allāh and His Messenger had promised us, and Allāh and His Messenger spoke the truth." And it increased them only in faith and acceptance.

مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ رِجَالٞ صَدَقُواْ مَا عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ عَلَيۡهِۖ فَمِنۡهُم مَّن قَضَىٰ نَحۡبَهُۥ وَمِنۡهُم مَّن يَنتَظِرُۖ وَمَا بَدَّلُواْ تَبۡدِيلٗا ٢٣

Among the believers are men true to what they promised Allāh. Among them is he who has fulfilled his vow [to the death], and among them is he who awaits [his chance]. And they did not alter [the terms of their commitment] by any alteration -

لِّيَجۡزِيَ ٱللَّهُ ٱلصَّٰدِقِينَ بِصِدۡقِهِمۡ وَيُعَذِّبَ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ إِن شَآءَ أَوۡ يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٤

That Allāh may reward the truthful for their truth and punish the hypocrites if He wills or accept their repentance. Indeed, Allāh is ever Forgiving and Merciful.

وَرَدَّ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِغَيۡظِهِمۡ لَمۡ يَنَالُواْ خَيۡرٗاۚ وَكَفَى ٱللَّهُ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱلۡقِتَالَۚ وَكَانَ ٱللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزٗا ٢٥

And Allāh repelled those who disbelieved, in their rage, not having obtained any good. And sufficient was Allāh for the believers in battle, and ever is Allāh Powerful and Exalted in Might.

وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا ٢٦

And He brought down those who supported them among the People of the Scripture1 from their fortresses and cast terror into their hearts [so that] a party [i.e., their men] you killed, and you took captive a party [i.e., the women and children].

وَأَوۡرَثَكُمۡ أَرۡضَهُمۡ وَدِيَٰرَهُمۡ وَأَمۡوَٰلَهُمۡ وَأَرۡضٗا لَّمۡ تَطَـُٔوهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٗا ٢٧

And He caused you to inherit their land and their homes and their properties and a land which you have not trodden.1 And ever is Allāh, over all things, competent.

قال الله تعالى -مبتدأ درس اليوم-: (﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ من الابتلاء والنصر ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ في الوعد، ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾ ذلك ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ تصديقًا بوعد الله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢] لأمره).

﴿لَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾ هذه ﴿لَمَّا﴾ شرطية لكنها لا تجزم، وفعل الشرط في الآية ﴿رَأَى﴾، وجوابه ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ﴾، وقد مَرَّ علينا أن (لَمَّا) تأتي في اللغة العربية على عدة وجوه، منها الشرطية كما في هذه الآية، ومنها الجازمة كما في قوله: ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾ [ص ٨]، هذه جازمة، ومنها أن تكون بمعنى (إلا) كما في قوله: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق ٤]، يعني: إلا عليها حافظ.

﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ﴾، والمراد بالأحزاب هنا الأحزاب الذين تَأَلَّبُوا على النبي ﷺ من قريش وغطفان وبني أسد وغيرهم، لَمَّا رأوهم رؤية بصرية أو قلبية؟ بصرية، لما رأوهم ﴿قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، كيف وعدنا الله ورسوله، أين الوعد من الله ورسوله بأن هؤلاء الأحزاب سيأتون؟ قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة ٢١٤]، فإن الله تعالى بَيَّنَ في هذه الآية أنهم ما يمكن أن يدخلوا الجنة إلا بعد هذه الأمور، فيكون متضَمِّنًا بوعد الله سبحانه وتعالى لهم أن يَرَوْا مثل هذه الأشياء التي تزلزلهم.

يقول: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، وهذا دليل على ثباتهم وإيمانهم، وصِدْق نواياهم، لكن المنافقون تقدم أنهم كانوا يهزؤون بالرسول عليه الصلاة والسلام لَمَّا ضرب الْحَجَر الذي اعترضهم في حفر الخندق وقال: إنه رأى مدائن كسرى وقصور قيصر واليمن، أيش قالوا؟ ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [الأحزاب ١٢]، إيشلون هذا يبغي يملك اليمن والشام والعراق وهو الآن مضيَّق عليه هذا .. هذا كذب وليس بصحيح، لكن المؤمنين قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، عكس هؤلاء المنافقين قالوا: ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾.

﴿صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الصدق هو الإخبار بالواقع على حسب ما هو واقع، وإن شئت فقل: هو الإخبار المطابق للواقع، هذا الصدق، وضده الكذب، ويقال: صَدَقني الحديثَ، وصدَّقني الحديث، وبينهما فرق؛ صَدَقَنِي الحديث يعني: أخبرني بالصدق، وصدَّقَنِي الحديث يعني: قال: إن ما حدثته به صدق، عرفتم؟

﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ [آل عمران ١٥٢] أيش معنى ﴿صَدَقَكُمُ﴾؟ يعني: أخبركم بالصدق وبَيَّنَ لكم أن ما وعدكم به حق إذ أَحْسَسْتُمُوهُم بإذنه.

يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، في هذه الجملة ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ سِيقَ هذا الكلام على سبيل الذم ولَّا على سبيل المدح؟ على سبيل المدح، ولكنه قد يشكل عليكم كيف قَرَنَ وَعْدَ رسول الله بوعد الله بالواو، وقَرَن أيضًا صدق رسول الله بصدق الله بالواو، وقد قال النبي ﷺ لرجل حين قال له: ما شاء الله وشئت، قال له النبي ﷺ: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا»، فكيف نجمع بين هذا، وبين ما في هذه الآية؟

الجواب أن يقال: ما كان من أمور الشرع فإنه لا بأس أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو؛ لأن ما شَرَعَه النبي عليه الصلاة والسلام فهو من شرع الله، كما قال الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء ٨٠]، وأما ما كان من أمور القَدَر فإنه لا يجوز أن يضاف إلى الله ورسوله بالواو، بل لا بد أن يكون بـ(ثم)، وذلك لأن قدرة الإنسان ومشيئة الإنسان تابعة لمشيئة الله وقدرته.

فمثلًا تقول لرجل سألك: ما حكم كذا وكذا؟ يعني: ما حكم الصلاة جماعة، وأنت لا تدري ما حكمها، فتقول: الله ورسوله أعلم؛ لأن هذا حكم شرعي، وأما إذا كان من الأمور القَدَرِيَّة فإنه لا يمكن أن يشرك غير الله بالله بالواو، وذلك لأن مشيئة غير الله وقدرة غير الله تابعة لمشيئة الله، لا يمكن أن تكون مساوية لها.

قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿مَا زَادَهُمْ﴾ الفاعل في ﴿زَادَهُمْ﴾ يعود على أيش؟ يعني: رؤية الأحزاب، يعني: ما زادهم رؤية الأحزاب وتأَلُّبهم على رسول الله ﷺ، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾، يقول المؤلف: (تصديقًا بوعد الله ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لأمره)، إيمانًا بالقلب وتسليمًا بالجوارح؛ لأن الإيمان محله القلب، والتسليم والانقياد محله الجوارح، والإنسان لا يتم دينه إلا بهذين الأمرين؛ بالإيمان والتسليم، فمَن استسلم ولم يؤمن فهو منافق، ومَن آمن ولم يستسلم فهو مُسْتَكْبِر، فإذا اجتمع في الإنسان الإيمان والتسليم صار مؤمنًا حقًّا عابدًا حقًّا.

فالإنسان المؤمن لكنه ما يستسلم نقول: هذا مستكبر، والإنسان المستسلم لكنه غير مؤمن نقول: هذا منافق؛ لأن المنافقين يستسلمون ظاهرًا، ولا يتم الإيمان إلا بهذين الأمرين؛ الإيمان والتسليم، ما يتم الشرع إلا بهذين الأمرين الإيمان والتسليم.

قال: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾، ﴿إِيمَانًا﴾ هذه مفعول لأجله؟ ما إعرابها؟

* طالب: (...).

* الشيخ: لا.

* الطالب: (...).

* الشيخ: مفعول بأيش؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: مفعول أول ولَّا ثانٍ؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: مفعول ثانٍ، والمفعول الأول؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: الهاء، إي نعم، فـ(زاد) تنصب مفعولين أولهما الهاء، والثاني في هذه الآية ﴿إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.

قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ من الثبات مع النبي ﷺ.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾ الجملة هذه مكوَّنة من مبتدأ وخبر، والخبر مقدَّم والمبتدأ مؤخَّر، المبتدأ قوله: ﴿رِجَالٌ﴾، والخبر ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.

.. والابتداء بالنكرة ليس جائزًا، والجواب أن ابن مالك النحوي رحمه الله:

وَلَا يَجُـــوزُ الِابْتِدَا بِالنَّكِرَهْ ∗∗∗ مَا لَمْ تُفِدْ كَـ(عِنْدَ زَيْدٍنَمِرَهْ)

الآية التي معنا مثل هذا المثال، أو لا؟ (عند زيد نمرة)، الْمُسَوِّغ للابتداء بالنكرة هنا تأخير المبتدأ، و﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ [الأحزاب ٢٣] المسوِّغ تأخير المبتدأ، كما أن في الآية أيضًا مسوغًا آخر وهو وصف هذه النكرة؛ لأن وصف النكرة يُخَصِّصُها.

﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾، و﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ للتبعيض؛ لأنها تُقَدَّر بـ(بعض)، واختلف النحويون في (مِن) التبعيضية؛ فقال بعضهم: إنها اسم، وهي بحسب العوامل، لكن لا يظهر عليها عمل العامل؛ لأنها حرف، فينتقل العمل إلى ما بعدها.

ومنهم من قال: إنها حرف جر، ولكن معناها التبعيض، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النحو.

﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، أيش معنى ﴿صَدَقُوا﴾؟ أي: قاموا به، كما تقول: صَدَقَنِي الوعد، يعني: وَفَى لي بالوعد، فهم وفوا بما عاهدوا الله عليه من الثبات مع النبي ﷺ، مثل مَن؟ مصعب بن عمير وغيره، أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، كثير من هذا.

يقول الله عز وجل: (﴿﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ ﴾: مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ﴾ ذلك، ﴿﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ ﴾ في العهد، وهم بخلاف حال المنافقين).

قسم الله هؤلاء الرجال الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه إلى قسمين: قسم قضى نحبه، يعني: قضى حياته وقُتِلَ في سبيل الله، كحمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه، فإنه قُتِلَ شهيدًا في سبيل الله، وكذلك بقية شهداء أُحُد، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، ويش ينتظر؟ ينتظر القتال في سبيل الله؛ لأنه قد صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه، فهم ينتظرون أن يستشهدوا.

ولكن هل يحصل لهم ذلك أو لا؟ قد يحصل، وقد لا يحصل، ولهذا يقال: إن خالد بن الوليد رضي الله عنه تأسَّف في حال مرضه أنه لم يُقْتَل شهيدًا في سبيل الله، وقال -يعني يندم إنه ما ترك معركة إلا خاضها-: «وها أنا أموت على فراشي كما يموت الحمار»[[أخرج الدينوري في "المجالسة" (٨٣٦) بسنده أن خالد بن الوليد لما حضرته الوفاة بكى، وقال: لقد لقيت كذا وكذا زحفًا، وما في جسدي شبر إلا وفيه ضربة بسيف أو رمية بسهم أو طعنة برمح، فها أنا أموت على فراشي حتف أنفي كما يموت العَيْر، فلا نامت أعين الجبناء. والعَيْر بفتح العين هو الحمار أهليًّا كان أو وحشيًّا.]]؛ لأنهم يريدون أن يستشهدوا في سبيل الله.

قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ هذا المعطوف على ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ يعني: ومنهم رجال ما بَدَّلُوا تبديلًا، أيش بدلوا؟ يقول المؤلف: (في العهد)، والتبديل في العهد يشمل نَقْضَه بالكلية، ويشمل الإخلال بشيء من شروطه، يعني: يشمل نَقْضَه بالكلية وعدم الالتفات إليه، أو الإخلال بشيء من شروطه.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، قال الله عز وجل: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب ٢٣]، ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ خبر مقدَّم، ﴿رِجَالٌ﴾ مبتدأ مؤخَّر، و﴿صَدَقُوا﴾ الجملة صفة لـ﴿رِجَالٌ﴾، ﴿صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ أي: أنهم صَدَّقوا أقوالهم بأفعالهم، فالعهد الذي عاهدوا الله عليه قاموا به ووفوا به.

واعلم أن معنى قوله: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا﴾ أن معناها: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، وليس المعنى أن من المؤمنين رجالًا صدقوا ومنهم مَن لم يصدق حتى يتشبث به مَن سَبَّ الصحابة، أو قال: إنهم ليسوا كلهم صادقين، بل المعنى: من المؤمنين رجال عاهدوا الله فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، بل مِن المؤمنين مَن لم يعاهد الله سبحانه وتعالى على شيء، بل هو مستمر على طاعة ربه حيث ما أُمِرَ.

مِمَّنْ عاهَد الله أنس بن النضر رضي الله عنه، فإن أنس بن النضر لم يشهد بدرًا، فلما رجع النبي ﷺ من بدر قال: يا رسول الله، هذه أول غزوة قاتلت فيها المشركين، والله لئن أبقاني الله تعالى لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما صارت غزوة أحد قاتَل رضي الله عنه حتى قُتِلَ، فكان فيه بضع وثمانون ما بين طعنة رمح، أو ضربة سيف[[أخرج البخاري (٢٨٠٥) بسنده عن أنس قال: غاب عمي أنس بن النضر عن قتال بدر، فقال: يا رسول الله، غبتُ عن أول قتال قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين ليرين الله ما أصنع، فلما كان يوم أحد وانكشف المسلمون قال: اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء - يعني أصحابه -، وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء - يعني المشركين -، ثم تقدم. فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها من دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بضعًا وثمانين ضربة بالسيف أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قُتِلَ وقد مثَّل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] إلى آخر الآية.]]، فصَدَقَ ما عاهَد الله عليه، هذا هو معنى الآية.

فقوله: ليَرَيَنَّ الله ما أصنع، هذا عهد؛ لأنه التزام التزم به على نفسه.

قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: فمن هؤلاء الذين عاهدوا الله عز وجل ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: عهده والتزامه، وقيل: ﴿مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ أي: أجله، أي: مات وقُتِلَ، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ [الأحزاب ٢٣]، يعني: ينتظر الموت والقتل شهيدًا في سبيل الله عز وجل.

قال: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ على الثبات مع النبي ﷺ، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ﴾ مات أو قُتِلَ في سبيل الله، ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾ ذلك ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، يعني: ما حصل منهم تبديل لا بالنقض بالكلية ولا بالتغيير، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا﴾، والتبديل يكون بالتَّرْك كليَّةً، ويكون بالتغيير بالنقص أو بالزيادة، ولهذا قال: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾، قال المؤلف: (وهم بخلاف حال المنافقين)؛ لأن حال المنافقين على العكس، يعاهدون الله ولا يوفون، قال الله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [التوبة ٧٥-٧٧] ، أما المؤمن فإنه يَفِي بما عاهد الله عليه.

قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿لِيَجْزِيَ﴾ اللام هذه للتعليل، يعني أن الأمر يقع كذلك على الوفاء وعلى النقض، على الوفاء مِمَّن؟ من المؤمنين، وعلى النقض من المنافقين، وقع هذا ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، ولولا اختلاف الناس في الأعمال ما اختلفوا في الجزاء، ولو لم يختلفوا في الجزاء ما كان لِخَلْق الجنة والنار فائدة، ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [هود ١١٨، ١١٩]، فالله عز وجل حكيم، «خَلَقَ الجنة وخلق لها سكانًا، وخلق النار وخلق لها سكانًا»[[أخرج مسلم (٢٦٦٢) بسنده عن عائشة أم المؤمنين، قالت: توفي صبي فقلت: طوبى له عصفور من عصافير الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «أوَلَا تدرين أن الله خلق الجنة وخلق النار، فخلق لهذه أهلًا ولهذه أهلًا».]]، وسكان هذه وهذه لا بد أن يكون لهم أعمال يقومون بها حتى يستحقوا أن يكونوا من أهلها.

وقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾، الباء هنا للسببية وليست للعِوَض؛ لأن الجزاء على الأعمال ليس من باب المعاوضة، ولكنه من باب قَرْن الْمُسَبَّب بسببه؛ لقول النبي ﷺ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ»[[أخرجه مسلم (٢٨١٦ / ٧١) وأحمد (٧٤٧٨) واللفظ له من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.]].

فالأعمال الصالحة أسباب، وإلا فلو أن الله عز وجل أراد أن يعاوِضَنَا على أعمالنا معاوضة بمعنى المعاوضة لكان لو قابلنا بنعمة واحدة من نعمه علينا ما قابلتها كل أعمالنا، ولكن الأعمال سبب.

وقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، إذا كان الجزاء بالصدق فسيكون على حسب ذلك الصدق، فالذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله عليه يكون جزاؤهم على صِدْقِهم بحسب ما قاموا به، فإذا كانوا أَطْوَعَ لله عز وجل وأشد تنفيذًا لأوامره وأكثر فعلًا لطاعته صار جزاؤهم أكثر، والعكس بالعكس.

﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ [الأحزاب ٢٤]، المنافق مَن؟ هو الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر، مأخوذ من النافِقَاء وهي نافقاء اليربوع التي يجعلها في جُحْرِه، حتى إذا أتاه أحد من بابه خرج من هذه النافقاء.

(﴿﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ﴾ ﴾ بأن يميتهم على نفاقهم)، أشار المؤلف في قوله: (بأن يميتهم على نفاقهم) إلى أن تعذيب المنافقين المعلَّق بالمشيئة هنا ليس المعنى أنه إن شاء عذَّبَهم وإن شاء لم يعذبهم وقد ماتوا على النفاق، لا، إذا ماتوا على النفاق فقد أخبرنا الله تعالى أنهم في الدرك الأسفل من النار، وليسوا تحت المشيئة، فيكون قوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾ بأن يبقوا على نفاقهم حتى يموتوا، فإذا بقوا على نفاقهم إلى الموت علمنا أن الله قد شاء تعذيبهم، أما إن هداهم الله فإن المنافقين قد يهتدون، فلهذا قال: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [الأحزاب ٢٤] بأن يوفِّقَهم للتوبة.

والصواب كما مَرَّ علينا كثيرًا أن المنافق تصح توبته، وهي نص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء ١٤٥، ١٤٦]

فقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ بأن يَمُنّ عليهم بالتوبة فيتوبوا، وحينئذ لا يُعَذَّبُون.

﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤]، ﴿غَفُورًا﴾ هذه اسم فاعل على صيغة المبالغة، يعني: كثير المغفرة، ويجوز أن تكون صفة مُشَبَّهَة، أي: ذو مغفرة، فالصفة المشبهة أبلغ من اسم الفاعل؛ لأن اسم الفاعل يدل على الفعل، والصفة المشبهة تدل على الوصف، أي: على اتصاف مَن هو وصفه بها دائمًا.

وقوله: (﴿﴿غَفُورًا﴾ ﴾ لمن تاب)، فيه شيء من النظر؛ لأن الله تعالى يغفر حتى لمن لم يتب ممن هو تحت المشيئة، كفاعل المعاصي، ولو أن المؤلف رحمه الله أبقاها على إطلاقها لكان أسلم له، فنقول: ﴿غفورًا﴾ أي: كثير المغفرة، أو: ذو مغفرة مُتَّصِفٌ بها دائمًا.

وهذا أقرب كما قلت؛ لأنه يدل على الوصف الدائم، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرعد ٦].

وقوله: (﴿﴿رَحِيمًا﴾ ﴾ به)، يقول: (به) أي: بمن تاب.

والصواب أنه رحيم بِمَن تاب وبغيره، وأن رحمة الله عز وجل بالمعنى العام تشمل المؤمن والكافر، والبَرّ والفاجر، وكل أحد فإنه داخل في رحمة الله، هذا بالمعنى العام، أما المعنى الخاص فإن الرحمة تختص بالمؤمنين.

قال الله عز وجل: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ [الأحزاب ٢٥]، رَدَّهُم أي: أرجعهم على أدبارهم خائبين.

﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: الأحزاب من قريش وغيرهم.

وقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾ الباء هنا للملابسة، أي: مُتَلَبِّسِين بالغيظ، فالجارّ والمجرور في موضع نصب على الحال، يعني أنهم رجعوا مُغْتَاظِين غاية الغيظ، ووجه اغتياظهم أنهم جاؤوا بهذا الجمع الكثير الذي لم يُشْهَد له نظير في ذلك الوقت، يريدون ماذا ؟ يريدون القضاء على النبي ﷺ، ومع ذلك ما الذي حصل لهم؟

حصل لهم التعب والعَنَت والجوع والبلاء، وآخر الأمر أن رجعوا هاربين، ولا شك أن مثل هذا سوف يؤثر على الإنسان، سوف يملأ قلبه غيظًا وحسرة وندمًا، كيف يأتي بهذا الجيش الذي جمعه لهم وأبدأ فيه وأعاد، وآخر الأمر أن ينقلب ولا يكون معركة، ولهذا قال: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾، خيرًا منين؟

خيرًا لا من أمر الدنيا ولا من أمر الآخرة؛ أما أمر الآخرة فإنهم لم ينالوا خيرًا؛ لقتالهم للنبي ﷺ على كل حال، وأما أمر الدنيا فالذي يرونه هم خيرًا لأنفسهم فهل نالوه؟ لا، فهم ما نالوا خيرًا لا في الدين ولا في الدنيا ولله الحمد، حتى ما يظنونه خيرًا من هزيمة رسول الله ﷺ والقضاء عليه وعلى أصحابه ما حصل لهم ذلك، ﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾.

وقوله: ﴿خَيْرًا﴾ نكرة في سياق النفي، ﴿لَمْ﴾ فتفيد العموم، يعني: ما نالوا أي خير لا قليلًا ولا كثيرًا، وهذه من نعمة الله عز وجل.

وأضاف الله الرد إلى نفسه: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ لأن رجوعهم ليس بحول النبي ﷺ ولا قوته، ولا بحول أصحابه ولا قوتهم، ولكنه بحول الله تعالى وقوته، ولهذا قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب ٢٥].

يقول المؤلف: (﴿﴿لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا﴾ ﴾ مرادهم من الظَّفَر بالمؤمنين).

﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، الحمد لله، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾، يعني: أن الله أراح المؤمنين من القتال فلم يقاتلوا، وأما ما حصل من المناوشات التي حصلت لبعض الصحابة مع بعض المشركين فهذا لا يُعَدّ قتالًا؛ لأن الكلام على الجيش كله جمعاء، فإنه لم يحصل فيه قتال، ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وهو نِعْم الْحَسْب، وهو الكفيل سبحانه وتعالى، قال: (بالريح والملائكة)، الريح سبق أن الله تعالى أرسل عليهم الريح الشرقية باردة شديدة، وأنها كفأت قُدُورَهم، وزلزلت خيامهم، ورَمَتْهُم بالحجارة تحملها الرياح مع البَرد الشديد، حتى كانوا يصطلون بالنار ويقولون: النجا النجا، فهذه الريح، أما الملائكة فإن الله سبحانه وتعالى سَلَّطَ الملائكة عليهم بأن تلقي في قلوبهم الرعب والفزع والخوف، وتَحُوشَهم حتى ينصرفوا من المكان، وهذا من نصر الله عز وجل للرسول ﷺ.

(﴿﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٥] على إيجاد ما يريده، ﴿﴿عَزِيزًا ﴾ ﴾ غالبًا على أمره).

﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا﴾ القوة صفة يتمكن بها القوي مِن فِعْل ما يريد بدون ضعف، وهي أعلى من القدرة؛ لأن القدرة صفة يتمكن بها القادر مِن فِعْل ما يريد بدون عجز، فالقوة أعلى، وانظر إلى رجلين حَمَلَا صخرة، فأحدهما حَمَلَهَا لكن مع نوع من المشقة، فنقول: هذا قادر ولكن ليس بقوي، والآخر حَمَلَهَا وكأنها شيء بسيط، نقول: هذا قوي.

وقوة الله عز وجل لا منتهى لها، ولا مقياس لها، بل هو فوق ما يتصوره الإنسان، لَمَّا قالت عادٌ: ﴿من أشد منا قوة﴾ قال الله عز وجل: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾ [فصلت ١٥، ١٦].

وأما قوله: ﴿﴿عَزِيزًا﴾ ﴾ يقول: (غالبًا على أمره)، العزيز من أسماء الله تعالى له ثلاثة معانٍ: عزيز القدر، وعزيز القهر، وعزيز الامتناع.

أما عزيز الامتناع فمعناه أنه يمتنع أن يناله سبحانه وتعالى سوء أو نقص في جميع صفاته وجميع أفعاله.

وأما عزة القدر فمعناه أنه ذو قَدْر عظيم رفيع، مثلما تقول: فلان عزيز النفس؛ يعني له عزة وتَرَفُّع عن الدنايا.

وأما عزة القهر فتأتي معناها الغلبة، فمعناها أنه غالب على كل شيء، حتى في الجاهلية يقول الشاعر:

أَيْنَ الْمَــــفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّـــالِـــبُ ∗∗∗ وَالْأَشْرَمُ الْمَغْلُوبُ لَيْسَالْغَالِبُ

فالله عز وجل هو الغالب على أمره، وهو غالب على كل شيء، لا شيء يكون أمام غلبته، فصار العزيز له ثلاثة معانٍ: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع، وكلها ثابتة لله عز وجل.

قال: (﴿﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ﴾ أي: قريظة، ﴿﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ ﴾ حصونهم، جمع صِيصَة؛ وهو ما يُتَحَصَّنُ به، ﴿﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ﴾ [الأحزاب: ٢٦]).

﴿أَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود على مَن؟ على الله، وقوله: ﴿الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم، والمظاهرة بمعنى المساعدة، وتظاهَر على كذا، تظاهر أي: تساعد وتساند عليهم، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ﴾ [التحريم ٤]، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإِنسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء ٨٨]، يعني: مساعدًا ومُعِينًا.

وقوله: ﴿ظَاهَرُوهُمْ﴾ أي: أعانوهم وساعدوهم من أهل الكتاب.

وقوله: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ المراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى، لكن المراد بهم هنا في الآية طائفة من اليهود، وهم بنو قريظة، وسبق أن بني قريظة وبني النضير وبني قينقاع ثلاث قبائل من اليهود قَدِمَ النبي ﷺ المدينة وهم ساكنون فيها، فأجرى بينهم وبينه عهدًا، ولكنهم نقضوا ذلك العهد، ولم يَبْقَ إلا بنو قريظة، ثم إن بني قريظة نقضوا العهد بمساعدتهم مَن؟ الأحزاب على رسول الله ﷺ.

ولما رجع النبي ﷺ من الأحزاب ودخل بيته واغتسل جاءه جبريل وقال له: «اخرج إلى هؤلاء، يشير إلى بني قريظة، فإنهم نقضوا العهد، فأمر النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه بالخروج، وقال: «لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ»[[أخرج البخاري (٢٨١٣)، ومسلم (١٧٦٩) بسنده عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله ﷺ لما رجع يوم الخندق ووضع السلاح واغتسل فأتاه جبريل وقد عصب رأسه الغبار، فقال: وضعت السلاح؟ فوالله ما وضعته، فقال رسول الله ﷺ: «فأين»، قال، هاهنا، وأومأ إلى بني قريظة... الحديث. وانظر الثقات لابن حبان (١ / ٢٧٤).]].

ما توانى الصحابة رضي الله عنهم ولا تأخروا، مع ما هم فيه من التعب والضعف، فخرجوا فحاصَروا بني قريظة لمدة نحو عشرين يومًا، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ رضي الله عنه.

يقول الله عز وجل هنا: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ جارّ ومجرور متعلِّق بـ﴿أَنْزَلَ﴾ يعني: أنزل هؤلاء من صياصيهم، أي: من مَآمِنِهم، والأصل في صياصي حظائر البقر؛ لأنها تُؤَمَّن فيها، فـ﴿مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾ يعني: من مَآمِنِهم وحصونهم التي يُتَحَصَّن فيها، ولكن ذلك لم يُغْنِهِم من الله شيئًا، أنزلهم من صياصيهم.

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾، ﴿قَذَفَ﴾ بمعنى: رمى، وهو أشد وقعًا من قوله: وضع، يعني لو قال: وضع في قلوبهم الرعب، أفاد أن الرعب صار في القلوب، لكن إذا قال: ﴿قَذَفَ﴾ صار أشد، والرعب بمعنى الخوف، وإذا وقع الخوف في القلب فلا تسأل عن الخائف، يظن أن الشجر نَفَر، لا يتصور الأمور على حقائقها، حتى لو ناداه أحد من أصحابه ظن أنه عدوه يناديه ليقتله، ولا أشد من سلاح يفتك بالعدو من الرعب، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]].

أما إذا ثبت القلب واطمأن فإن المقاتل سيثبت، كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال ٤٥]، وذِكْر الله تعالى تطمئن به القلوب، ﴿أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد ٢٨].

وأخبر الله عز وجل أن الله أنزل على أهل بدر المطر ليُثَبِّت به الأقدام، وتكون به السكينة.

فالحاصل أن الرعب من أشد الأسلحة فتكًا بالعدو.

﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، قال المؤلف: (﴿﴿فريقًا﴾ ﴾ تقتلون منهم، وهم المقاتلة، ﴿﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ ﴾ منهم، أي: الذراري).

هم لما طال بهم الحصار ونزلوا على حكم الرسول عليه الصلاة والسلام خَيَّرَهم قال: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ تَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِهِ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]]، قالوا: نريد أن ننزل على حكم سعد بن معاذ، وكان سعد بن معاذ رضي الله عنه حليفًا لهم، فظنوا أنه سيفعل مثلما فعل عبد الله بن أُبَيّ لحلفائه من اليهود حين شفع فيهم إلى رسول ﷺ وتركهم، لكن سعدًا رضي الله عنه لما جاء وكان في خيمة له في المسجد؛ لأنه أصيب في الأحزاب بأَكْحَلِه، وضرب له النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب؛ لأنه سيّد قومه، سيد الأوس.

جاء على حِمَار من مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام إلى مكان الحصار، فأخبره النبي عليه الصلاة والسلام بأنهم حَكَّمُوه، فقال: حُكْمِي فيهم نافذ؟ ويشير إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، ويشير إليهم أيضًا، قالوا: نعم، كلهم رضوا، النبي عليه الصلاة والسلام رضي، وكذلك هؤلاء اليهود رضوا، فقال: لقد آنَ لسعد ألَّا تأخذه في الله لومة لائم، هذا مقام محنة عظيمة، فحكم فيهم رضي الله عنه بِحُكْم عظيم، حكم صواب مطابق للحق، «قال: أحكم بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وتُسْبَى ذريتهم، وتُغْنَم أموالهم، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]].

ثم أمر النبي عليه الصلاة والسلام بأن تُقْتَل مقاتلتهم، وهم الرجال البالغون، وأما الذراري من النساء والرجال غير البالغين فإنها تُسْبَى، والأموال تُغْنَم، فقتلوا في المدينة ما بين السبع مئة إلى ثمان مئة قُتِلُوا في يوم واحد بناء على حكمٍ هم الذين رضوا به، فهذا هو معنى قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هنا قدَّم المفعول في قوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، وأَخَّر المفعول في قوله: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، فهل الفائدة من ذلك مراعاة الفواصل فقط، فتكون الفائدة لفظية، ولَّا هناك فائدة معنوية؟

* طالب: (...).

* الشيخ: نعم، بل الأمران.

* الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، ليسوا سِيَّان.

* الشيخ: كيف ذلك؟

* الطالب: الفريقان بينهم اختلاف، الفريق الأخير يعني النساء، والأول الرجال فقط.

* الشيخ: لا.

* الطالب: لأن الأول هم الرجال يعني، والثاني: الذين لا يقاتلون. (...).

* الشيخ: إي نعم، هذا هو الظاهر؛ لأن الحكم الأول أشد وأبلغ، فلهذا قُدِّمَ مفعوله ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾، والثاني دون ذلك؛ لأن الأسير ربما يُمَنَّ عليه بإطلاقه، فقال: ﴿وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾، هذا مع مراعاة اللفظ الذي هو مراعاة الفواصل؛ فواصل الآيات، ولهذا قال تعالى في سورة البقرة: ﴿فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ﴾ [المائدة ٧٠]، أو ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة ٨٧]، لما كان التكذيب للرسل شديدًا قَدَّمَ فيه المفعول كما قَدَّمَ المفعول في قتلهم، فهذه قصة الأحزاب انتهت على قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ [الأحزاب ٢٧] بعد، وهي خيبر، وأُخِذَت بعد قريظة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب ٢٧].

﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، هذه تنصب مفعولين؛ المفعول الأول: الكاف، والثاني: أرضهم، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، ﴿وَدِيَارَهُمْ﴾ كيف الأرض والديار، بينهما فرق؟ الديار جمع دار، وهي المساكن والأحياء، وأما الأرض فهي أعمّ من ذلك، والأموال هي الأمتعة والدراهم والدنانير، وغير ذلك.

﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾ يعني: ما وطأتموها حتى الآن، ولكنكم سترثونها، وهي أرض خيبر، فإن النبي ﷺ فتحها بعد ذلك في السنة السادسة، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ فلا يعجزه شيء.

وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ قدَّم المفعول لتحقق وقوع الفعل به، ولهذا قال: ﴿كَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، ولا تقل كما يقول بعض الناس: إنه على ما يشاء قدير؛ لأنك إذا قلت: على ما يشاء قدير، خَصصت قدرته بما يشاء، مع أن القدرة تُعَلَّق بالذي شاءه والذي لم يشأه، حتى الذي لم يشأه هو قادر عليه، والله أعلم .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском