Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:22–27, continued
قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، فقاموا إلى سيدهم سعد بن معاذ وأنزلوه من حماره، وجلس أمام النبي ﷺ، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّ هَؤُلَاءِ رَضُوا بِأَنْ يَنْزِلُوا إِلَى حُكْمِكَ»[[أخرج البخاري (٦٢٦٢)، ومسلم (١٧٦٨ / ٦٤) بسندهما عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد، فأرسل النبي ﷺ إليه فجاء، فقال: «قوموا إلى سيدكم»، أو قال: «خيركم»، فقعد عند النبي ﷺ فقال: «هؤلاء نزلوا على حكمك»، قال: فإني أحكم أن تقتل مقاتلتهم، وتسبي ذراريهم، فقال: «لقد حكمت بما حكم به الملك».]] »، فقال لهم، فالتفت إليهم: أرضيتم بذلك وحكمي نافذ؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى الجانب الآخر فيه المسلمون، فقال: أترضون بهذا؟ قالوا: نعم، إلا أنه لما اتجه إلى الرسول عليه الصلاة والسلام خفض رأسه إجلالًا لرسول الله ﷺ، فحكم هذا الْحُكم الذي أيَّدَه النبي عليه الصلاة والسلام، وقال: «إِنَّهُ حُكْمُ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ»[[السابق، وانظر سيرة ابن هشام (٢ / ٢٤٠).]] »، وكم كان عدد هؤلاء؟
* طالب: (...).
* الشيخ: قالوا: لما رأوا الأحزاب قالوا: ﴿هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، وكان مقتضى الحال أن يلحقهم الخوف والذُّعْر كما حصل للمنافقين.
* ومن فوائدها: كمال تصديقهم لله ورسوله في قولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب ٢٢]، فهم شاهدوا ما وعد الله، ثم أظهروا الإيقان بذلك بألسنتهم؛ لقولهم: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾.
استدل بعض الْجُهَّال بهذه الآية على مشروعية ختم القرآن بقولهم: صدق الله، فقالوا: كيف تُنْكِرُون علينا إذا أكملنا القراءة وقلنا: صدق الله العظيم، مع أن الله يقول: ﴿وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾، ويقول: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ [آل عمران ٩٥]؟ فما هو الجواب عن هذه الشبهة؟
* طالب: الجواب أنه لم يقل: ﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ﴾ عند انتهاء التلاوة (...).
* الشيخ: إي نعم، نقول: نحن لا ننكر أن يقول أحد: صدق الله ورسوله، بل نرى أنه من الإيمان أن يقول الإنسان: صدق الله ورسوله، وأن مَن لم تكن عقيدته هذه فهو كافر، لكننا ننكر أن نجعل هذا الثناء على الله عز وجل عند الانتهاء من التلاوة مع أنه لم يَرِد، فهل نحن أعلم بشريعة الله من رسول الله؟ وهل نحن أحرص منه على تطبيق شريعة الله؟ أبدًا، فإذا لم يكن كذلك فإن الواجب علينا أن نَحْذُوَ حَذْوَه، فإذا كان يقول عند انتهاء تلاوته: صدق الله، فإننا نقولها على العين والرأس، وإذا كان لا يقولها فلا نقولها.
ونقول لهم: إذا كنتم تعتقدون مشروعية ذلك فقولوها أيضًا في الصلاة، إذا انتهيتم من القراءة في الصلاة قبل أن تكبروا قولوا: صدق الله؛ لأن التلاوة في الصلاة أفضل منها خارج الصلاة، المهم أنه لا دليل لهؤلاء في مثل هذه الآية.
* من فوائد الآية الكريمة: أن المؤمن يزداد إيمانًا عند رؤية الآيات الكونية أو الشرعية؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٢].
* ومن فوائدها: تقرير أو صحة مذهب أهل السنة والجماعة الذين يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، كذا؟
* طالب: نعم.
* الشيخ: وقد ذكرنا أن زيادة الإيمان باعتبارات؛ باعتبار قوة اليقين، وباعتبار صحة العمل، وباعتبار الإخلاص فيه، وباعتبار المتابعة للرسول عليه الصلاة والسلام، وباعتبار العامل نفسه، كل هذه الاعتبارات يزيد بها الإيمان، ما هو الأول؟
اعتبار قوة اليقين، فإبراهيم عليه الصلاة والسلام قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة ٢٦٠]، أليس الخبر كالمعاينة؟ لو أخبرك مَن تثق به تمام الثقة عن وجود شيء آمنت به، لكنك إذا رأيته بعينك صار ذلك أقوى إيمانًا (...) اعتبار تفاضل العمل.
فهذا نقصٌ بترك العمل فيلزم منه الزيادة، لماذا؟ لكثرة العمل.
وثالثًا: بحسب الإخلاص في العبادة، كلما كان الإنسان في العبادة أخلص لله كان زيادة الإيمان بها أكمل وأقوى، ولهذا تجد الفرق إذا عَبَدْتَ الله عز وجل بإخلاص، وإذا عبدته بغفلة تجد الفرق العظيم بتأثر قلبك، مع أن العبادة واحدة، فكيف إذا عبدت الله تعالى برياء وسمعة -نسأل الله أن يحمينا وإياكم من ذلك- يكون أشد وأشد في عدم تأثر القلب بهذه العبادة، بالمتابعة أيضًا باعتبار متابعة الإنسان للرسول عليه الصلاة والسلام، كلما ازداد الإنسان اتباعًا للرسول ﷺ في عبادته ازداد إيمانه بذلك؛ لأنه عندما يزداد اتباعًا للرسول عليه الصلاة والسلام يشعر كأن الرسول ﷺ أمامه يتابع أَثَرَهُ، وهذا لا شك أنه يزيد في الإيمان.
والخامس: باعتبار حال العامل، فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١ / ٢٢٢) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه.]]، يعني: الصحابة رضي الله عنهم؛ لأنهم أقوى إيمانًا ممن بعدهم، وأشد ثباتًا.
والحاصل أن الإيمان زيادته لها عدة اعتبارات، ومنها أيضًا السادس: ترك المعاصي خوفًا من الله، فإن الإيمان يزداد به، وسيأتينا إن شاء الله تعالى في كتاب التوحيد شرح ذلك على وجه أكمل.
المهم أن أهل السنة والجماعة يقولون: إن الإيمان يزيد وينقص، وقالت المرجئة: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، ليش؟ قالوا: لأن الإيمان في القلب، والأعمال الصالحة ما لها دخل بالإيمان، وما في القلب لا يتفاوت، فنحن الآن نؤمن بالشمس جميعًا، إيماننا بالشمس على حد سواء ما يتفاوت، فالناس كما قال ابن القيم عنهم:
النَّاسُ فِي الْإِيمَانِ شَيْءٌ وَاحِدٌ ∗∗∗ كَالْمُشْطِ عِنْدَ تَمَاثُلِ الْأَسْنَانِ
وهذا القول لا شك أنه خطأ يرده الواقع والشرع، وقالت الخوارج والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص، إما أن يوجَد جملة كاملًا، وإما أن يُعْدَم بالكلية؛ لأنهم يقولون: إن فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان، فإما كافر، وإما في منزلة بين منزلتين، فالخوارج يقولون: فاعل الكبيرة كافر، ما عنده إيمان أبدًا، والمعتزلة يقولون: لا إيمان عنده، لكن لا نقول: إنه كافر، بل هو في منزلة بين منزلتين، ومَن لم يكن فاعل كبيرة فالناس في الإيمان سواء، كلهم على حد سواء، فالذين لا يرون زيادة الإيمان ولا نقصانه طائفتان؛ إما مرجئة، أو وَعِيدِيَّة وهم الخوارج، ومَن؟ والمعتزلة.
وقال بعض أهل السنة كمالك رحمه الله قال: الإيمان يزيد، ولا نقول: ينقص؛ لأن زيادة الإيمان في القرآن والسنة كثيرة، ولكن ما فيه نقص، ما فيه ذِكْر نقص الإيمان، ولكن قوله رحمه الله ضعيف؛ لأن في السنة: «مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ»[[أخرجه البخاري (٣٠٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ومسلم (٧٩ / ١٣٢) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما.]]، والإيمان بلا شك من الدين، فيكون داخلًا في هذا الحديث.
وأيضًا فإن الزيادة والنقصان من الأمور المتقابلة التي إذا وُجِدَ أحدها انتفى الآخر، ولا يُعْقَل وجود أحدهما إلا بوجود الآخر، فمثلًا الزيادة ما تُعْقَل إلا بنقص، فنقول له: أنت تقول: إن فلانًا أزيد إيمانًا من فلان، معنى ذلك أن الْمَزِيد عليه ناقص، ولا يُتَصَوَّر غير هذا.
والصواب أن الإيمان يزيد وينقص، وأسباب زيادته ونقصانه كما شرحنا قبل.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الناس يختلفون في الانقياد والتسليم كما يختلفون في الإيمان زيادةً ونقصًا؛ لقوله: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾؛ لأن عامة المؤمنين كلهم منقادون للشرع، لكن منهم مَن ينقاد بطمأنينة وانشراح، وقبول ومحبة، ومنهم مَن يُسَلِّم على وجه دون ذلك، ومنهم مَن يأتي إلى الصلاة –مثلًا- وهو يرى أنها نعمة من الله عز وجل، ويأتي إليها مُقْبِلًا غير مُدْبِر، نشطًا منشرح الصدر، محبًّا لها، ينتظر الصلاة بعد الصلاة بفارغ الصبر، ومنهم أناس بالعكس، يأتون إلى الصلاة لا يتخلفون، لكن ببطء وتثاقل، وعدم انقياد تامّ، أليس كذلك؟ إذن الناس يختلفون في التسليم، ولهذا قال: ﴿إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن التأمل في الآيات ووضوح الآيات للعبد تزيد في إيمانه وتسليمه؛ لقوله: ﴿وَمَا زَادَهُمْ﴾، أي: ما رأوه من الأحزاب، ﴿إِلَّا إِيمَانًا﴾ بالله، ﴿وَتَسْلِيمًا﴾ لشرعه.
مَن يبغي يسأل؟
* طالب: (...) أو أن ايمان الانسان ناقص؟
* الشيخ: إي، فيه صريح من الإيمان ينقص.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، لكنه ناقص بالنسبة للرجال.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، إنه يزيد وينقص، الرسول أثبت نقصانه.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، أبدًا ما هو بدرجات، هذا النقصان يختلف حتى بالنسبة للنساء اللي هي ناقصات، ففيه إثبات أصل النقص بالنسبة للرجال؛ لأنهن لا يصلين ولا يَصُمْن، ثم هنّ بأنفسهن ما دام تَرْك الصلاة نقصًا كلما كان قيامهن بالصلاة أكمل كان إيمانهن أكمل.
* طالب: (...).
* الشيخ: بدليل، يعني: لو لم تصل المرأة إلا أربع صلوات كانت أنقص ممن تصلي خمسًا؛ لأنه ما دام عرفت أن النبي عليه الصلاة والسلام أصلًا جعل ترك الصلاة نقصًا، فترك بعض الصلاة أيضًا نقص.
ثم قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب ٢٣].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: الثناء على أولئك المؤمنين الذين عاهَدُوا الله فصَدَقُوه، وجه ذلك: السياق: ﴿رِجَالٌ﴾، فإن ﴿رِجَالٌ﴾ نكرة للتعظيم، رجال عظماء صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
* ومن فوائدها: أن أولئك الذين صَدَقُوا ما عاهدوا الله منهم مَن تُوُفِّي واستشهد، ومنهم مَن بقي، وقد ذكرنا مثلًا لمن استشهد، مَن؟ أنس بن النضر رضي الله عنه، فإنه استشهد في أُحُد ووُجِدَ فيه بضع وثمانون ضربة.
* ومن فوائدها أيضًا: أن الله أثنى على هؤلاء أنهم أتوا بما عاهدوا الله عليه على وجه الكمال بدون نقص ولا تغيير؛ لقوله: ﴿وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾.
* ومن فوائدها: أن مَن مات سابقًا ومَن مات لاحقًا إذا كانَا سواء فيما قامَا به مما يجب فإنه لا فرق بين المتقدم والمتأخر، كما قال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ﴾، وجعل الثناء عليهم واحدًا، لكن في الأعمال الأخرى مَن تأخر موته فازداد عملًا صالحًا فهو أكمل من الأول، ولكنه بالنسبة لما اتفقَا فيه من العمل الصالح لا فرق بين الأول والآخر.
ثم قال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الأحزاب ٢٤].
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان حكمة الله عز وجل في المجازاة على العمل؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ﴾.
* ومن فوائدها: أن الجزاء من جنس العمل؛ لقوله: ﴿بِصِدْقِهِمْ﴾، فإن الباء للسببية، والْمُسَبَّب مربوط بالسبب، يقوى بقوته ويضعف بضعفه، ويزداد بزيادته وينقص بنقصانه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: الثناء على الصادقين، وأنهم أهل للجزاء الحسَن؛ لقوله: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾؛ الصادقين في العقيدة وفي القول، أيش بعد؟ وفي العمل، وقد أمر الله بالصدق، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، وقال النبي عليه الصلاة والسلام حَاثًّا على الصدق: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ؛ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا، وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ كَذَّابًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.]].
والصدق كما أنه محل ثناء من الله عز وجل، ومحل ثواب جزيل، فإنه محل ثناء من الخلق، ولهذا تجد الصادقين تُنْشَر آثارهم، وتُؤْثَر أقوالهم، ويُثْنَى عليهم في المجالس حتى بعد موتهم، بخلاف أهل الكذب -والعياذ بالله- والنفاق، فإنهم على العكس من ذلك، فعليك بالصدق، ولا تظن أن الصادق يَخِيبُ أبدًا، كما يصوِّر الشيطان أحيانًا للإنسان أنه لو صَدَق لكان في ذلك ضرر عليه، فليكن كاذبًا، أو فليكذب، فإن هذا من وساوس الشيطان، فالصدق مَنْجَاة، ولهذا قال أحدهم: رأيت في الكذب نجاةً، فقال الثاني له: فالصدق أَنْجَى، وصدق.
واعلم أن الصادق وإن كان قد يكون الأمر مُرًّا عليه في أول أمره، لكنه تكون العاقبة له في النهاية، وإذا أردت مثلًا على ذلك فانظر إلى حال الثلاثة الذين خُلِّفُوا في غزوة تبوك، كيف كان أول أمرهم؟ كانوا في تلك المرارة العظيمة، حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم، وتَنَكَّرَت الأرض لهم.
حتى يقول كعب بن مالك: «حتى كأن الناس الذين على الأرض كأنهم ليسوا هم الناس الذين أعرفهم»[[أخرج أحمد (٢٧١٧٥) بسنده عن كعب بن مالك قال: ... فجعلت أخرج إلى السوق فلا يكلمني أحد، وتنكَّر لنا الناس، حتى ما هم بالذين نعرف، وتنكّرت لنا الحيطان التي نعرف حتى ما هي الحيطان التي نعرف. الحديث.]]، ضاقت عليه الأرض، والنتيجة أنه نزلت فيهم آيات تُتْلَى إلى يوم القيامة، لولا هذا الصدق ما بقيت هذه الآيات، حتى قيل للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، عندما ذكرت قصتهم، هذه نهاية عظيمة جدًّا للصادقين، فأنت اصدق وإن حصل عليك ضرر في أول أمرك، لكن العاقبة لك، لا تُعَوِّد نفسك الكذب، ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ﴾.
* ويستفاد من الآية الكريمة: ذم النفاق وأنه سبب للعذاب؛ لقوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ﴾.
* ويستفاد منه: أن المنافِق له توبة؛ لقوله: ﴿إِنْ شَاءَ﴾، فإنه يشاء أن يُعَذِّبهم إذا ماتوا على النفاق، أما إذا تابوا فقد شاء ألَّا يعذبهم، ولكنكم كما سمعتم التفسير على هذه الآية توبة المنافق ذُكِرَ فيها شروط لا بد من مراعاتها، ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ [النساء ١٤٦]، لا بد أن تظهر هذه الأمور على المنافق، وإلا فإن توبته لا تُقْبَل في الدنيا، أما في الآخرة فأَمْرُه إلى الله، لكن في الدنيا ما نقبلها إلا إذا ظهرت عليه هذه الأوصاف التي اشترطها الله عز وجل.
* ويستفاد من ذلك: ترغيب المنافق بالتوبة؛ لقوله: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، منافق خَادِع خاذِل ماكِر، ومع ذلك يقال له: ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾، وهذا دليل على أن رحمة الله تعالى سبقت غضبه، ولهذا أولئك الذين يعذِّبون أولياءه ويحرقونهم بالنار يقول الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ﴾ [البروج ١٠]، وكذلك الذين قالوا ﴿إن الله ثالث ثلاثة﴾ عرض الله عليهم التوبة، كل هذا دليل على أن الله سبحانه وتعالى يحب العفو أكثر من الانتقام.
* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: الغفور والرحيم، وما تَضَمَّنَاه أيضًا من الصفتين، وهما المغفرة والرحمة، وما يتعلق بهما من حكم وأَثَر، وهو أنه يغفر ويرحم، فالاسمان هذان الكريمان الغفور الرحيم من الأسماء المتعدية التي لا يتم الإيمان بها إلا بأمور ثلاثة، وهي؟
* طالب: (...)
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، صح، أسماء الله تعالى نوعان: مُتَعَدٍّ ولازم، فالمتعدي لا يتم إيمانك به إلى بأمور ثلاثة: أن تؤمن به اسمًا لله، وأن تؤمن بما تضمنه من صفة، والثالث: أن تؤمن بما تضمَّنَه من الحكم والأثر؛ الغفور تؤمن بأن الغفور من أسماء الله، وأنه تعالى ذو مغفرة، والثالث: وأنه يغفر، ومثله الرحيم.
النوع الثاني: إذا كان غيرَ متعدٍّ فلا يتم الإيمان به إلا بأمرين: الإيمان به اسمًا من أسماء الله، والثاني: الإيمان بما تضمنه من الصفة، مثل: العَلِيّ، العظيم، الكريم، وما أشبه ذلك، وربما نقول: إن الكريم من النوع الأول.
في الآية إشكال ما أدري هل أوردتُه وأجبتُ عنه، وهو قوله: ﴿وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿كَانَ اللهُ﴾ يعني: والآن؟
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكن كيف نجيب عن قوله: ﴿كَانَ اللهُ﴾؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، ما للاستمرار، (كان) ما تأتي للاستمرار في حد ذاتها.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، أنا قلت محقق أن الله كان غفورًا رحيمًا، لكن (كان) فبانَ.
* الطالب: (...).
* الشيخ: نعم، نقول: إن (كان) يراد بها أحيانًا اتصاف اسمها بخبرها، بقطع النظر عن الزمن، وهو ما تُعْرَف بمسلوبة الزمن، يعني: ما يراد بها الزمن إطلاقًا، بل يراد بها تحقُّق هذا الوصف، (كان) يعني: ثَبَتَ، عرفتم؟ فــ﴿كَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني: أنه عز وجل لم يَزَل ولا يزال كذلك غفورًا رحيمًا، أظن ما يمكن أن نكمل..
* طالب: يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ﴾، هذا ثناء من الله سبحانه وتعالى على المؤمنين أنهم رجال (...)؟
* الشيخ: قد نقول –مثلًا-: إن الرجال حصل الثناء بالتنكير الدالّ على التعظيم، أما مجرد كلمة (رجال) فتُطْلَق على المؤمن وغير المؤمن.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، لكني ما أذكره الآن، العدد هو أربعة أو خمسة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي، كانوا منافقين فمَنَّ الله عليهم فتابوا من النفاق، لو رجعت إلى التفسير ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً﴾ [التوبة ٦٦] تجد فيها هذا.
* فيستفاد من هذه الآية الكريمة: بيان قدرة الله سبحانه وتعالى، حيث رد هذه الأحزاب الكثيرة العظيمة مع ما في قلوبهم من الغيظ والحنق الشديد على رسول الله ﷺ وأصحابه، رَدَّهم الله عز وجل بغيظهم، ما اشتفوا ولا نالوا مرادهم، قال الله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ﴾، ولهذا أثنى النبي ﷺ على ربه بهزيمة الأحزاب، قال: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»[[أخرجه البخاري (٣٠٨٤)، ومسلم (١٢١٨ / ١٤٧) واللفظ له من حديث جابر رضي الله عنهما.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن هؤلاء الأحزاب قد امتلأت قلوبهم غيظًا على رسول ﷺ؛ لقوله: ﴿بِغَيْظِهِمْ﴾، فإن الباء للمصاحبة والملابسة.
* ومن فوائدها: أنهم –أي: الأحزاب- لم ينالوا مع هذا التعب الشديد خيرًا، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فما نالوا خيرًا في الدنيا من غنائم وغيرها، ولا نالوا خيرًا في الآخرة من الأجور والثواب.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل كفى المؤمنين القتال بعد هذه الغزوة، ولهذا لم يقاتل النبي ﷺ أحدٌ من المشركين بعد تلك الغزوة، حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الْآنَ نَغْزُوهُمْ وَلَا يَغْزُونَنَا»[[أخرجه البخاري (٤١١٠) من حديث سليمان بن صرد رضي الله عنه.]]؛ لأن الله قال: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ في هذه الغزوة وفيما بعدها، فإن العرب لم يقوموا بغزوٍ لرسول الله ﷺ بعد هذه.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل يدافع عن المؤمنين؛ لقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾.
وما وجه اختصاص ذلك بالمؤمنين؛ من أين يؤخذ من الآية أنه خاص بالمؤمنين؟
* طالب: (...).
* الشيخ: نعم، خَصَّهُ بالمؤمنين، فدَلَّ هذا على أن كفاهم القتال لإيمانهم، فالمؤمنون يكفيهم الله عز وجل ما أهَمَّهُم ويدافع عنهم لإيمانهم، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَجِّي اللَّهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفَازَتِهِمْ لَا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الزمر ٦١].
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القوة والعزة لله؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾، وفيها إثبات هذين الاسمين من أسمائه، وهما القوي والعزيز.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.
* يستفاد من هذه الآية الكريمة: مِنَّةٌ أخرى على المؤمنين، وهي إنزال هؤلاء الذين غدروا من اليهود من بني قريظة من حصونهم اللاتي تَحَصَّنُوا بها؛ لقوله؟
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، خلوه هو يتم لأنه الظاهر إنه راح يتهوجس في البيت.
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن اليهود والنصارى أعداء للمسلمين موالون للمشركين؛ لأن بني قريظة والَوا الأحزاب وظاهَرُوهم على رسول ﷺ مع ما عليهم من العهد والميثاق الذي بينهم وبين رسول الله ﷺ.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن إلقاء الرعب في القلوب من أعظم الهزيمة؛ لقوله: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾.
* ومن فوائدها: الإشارة الى انحطاط هؤلاء اليهود وذُلِّهم، ونزولهم من الأعلى إلى الأسفل، ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾، وفعلًا فإنهم حصل لهم مع خروجهم من حصونهم من الذل والعار والخزي ما هو باقٍ إلى يوم القيامة.
* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل أباح للمؤمنين هؤلاء اليهود قتلًا وأسرًا؛ لقوله: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾.
* ومن فوائدها في قوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ﴾ إلى آخره: أن المؤمنين إذا فتحوا بلدًا ملكوا الأرض؛ لقوله: ﴿أَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾، وإذا مَلَكُوا الأرض فهل تُقْسَم بين الغانمين، أو تُوقَف لبيت المال، أو تُوَزَّع على المؤمنين بخراج؟
فيه خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنه يجب على ولي الأمر أن ينظر ما هو الأصلح، إن رأى أن يوزعها على الغانمين فعل كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام في خيبر، وإن رأى أن يبقيها في مصالح المسلمين أبقاها، وإن رأى أن يوزعها على المسلمين بخراج يُضْرَب عليها فعل كما فعل عمر رضي الله عنه، فيقول –مثلًا-: نحن نقسمها عليكم على أن يكون على كل مئة متر كذا وكذا دراهم، مثل الصُّبْرَة، وتكون هذه الدراهم للمسلمين ينتفعون بها، المهم أن أرض الكفار إذا فُتِحَت عَنْوَةً فهي لِمَن؟ للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ﴾.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ملك لهم بدون عِوَض.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا لا، المسلمون الذين تَمَلَّكُوا ما جعل عليهم شيئًا، لكن أهل خيبر اليهود أبقاهم فيها على أنهم فلاليح؛ لأنهم يعرفون كيف يدبرون هذه الفلائح، فجعل لهم شطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع، ولَّا الأرض للمسلمين ما هي لهم.
* ومنها أيضًا: حِلّ أموال الكفار للمسلمين؛ لقوله: ﴿وَأَمْوَالَهُمْ﴾، فإن الغنائم تحل للمسلمين، وهي من خصائص هذه الأمة، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً»[[متفق عليه؛ البخاري (٤٣٨)، ومسلم (٥٢١ / ٣) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.]].
* ومن فوائد الآية الكريمة: البشارة بأن المسلمين سيَتَوَلَّوْنَ على أراضٍ أخرى للكفار، من أين تؤخذ هذه البشارة؟
* طالب: (...).
* الشيخ: طالب العلم لازم يفهم، لازم يكون مع طالب العلم كتاب، الكتاب المقرَّر سواء القرآن، ولَّا في الحديث، ولَّا الفقه، ولَّا الأصول، ما طالب العلم يجيء كمستمع، يجيء كمستمع يكون مثل عامة الناس اللي في السوق، فطالب العلم يجب أن يكون طالبًا بمعنى الكلمة، وإلا لا فائدة من طالب العلم، الطالب يمشي مثل البعير الذي يحمل الغَرْبَل مُنْشَقّ مُتَخَرِّق، ما يحمل الماء، فنصيحتي لك أن تأخذ كتبًا مثل غيرك من الطلبة، وأن تتابع المدرِّس، وأن تأتي عند الدروس.
* طالب: (...).
* الشيخ: قوله: ﴿وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا﴾، وهي خيبر وغيرها من بلاد الكفار، إنما فيه بشارة بأن الله سبحانه وتعالى سيُوَرِّث المسلمين أراضي الكافرين.
* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات القدرة لله تعالى على كل شيء؛ لقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾، فكل شيء فإن الله قادر عليه لا يعجزه، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس ٨٢]، مهما ظننت من بعد وقوع الشيء فلا تستبعده على قدرة الله، فإن الأمر عليه هَيِّن كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ [الروم ٢٧]، الكل عليه هَيِّن، ولكن هذا أهون.
والحاصل أن الله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير، وقد قال المؤلف صاحب تفسير الجلالين في سورة المائدة لما قال: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٧] قال: (وخص العقلُ ذاتَه فليس عليها بقادر)، أي أن الله لا يقدر على ذاته، والذي خَصَّصَ هذا العموم هو العقلُ -على زعمه- فيقال له: ما هذا العقل الذي يخصص هذا العموم؟ وكيف لا يكون الله قادرًا على ذاته؟ بل هو سبحانه وتعالى قادر على كل شيء، حتى على ذاته فهو سبحانه وتعالى يستوي على العرش، وينزل إلى السماء الدنيا، ويأتي للفصل بين عباده، ويفعل ما يشاء، وهذه قدرة على الذات، أما إن أراد أنه غير قادر على ذاته فلا يعدمها –مثلًا-، فيقال: إن هذا الشيء مستحيل، والمستحيل لا تتعلق به القدرة أصلًا، فهو غير وارد، ولا داخل في الآية من الأصل، فأما أن نقول: إنه داخل فيما يخصه العقل فهذا تخصيص لما عَمَّمه الله عز وجل.
* طالب: (...).
* الشيخ: أي آية؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة ١٢٠]، آخر السورة.
* الطالب: (...).
* الشيخ: إي نعم، يعني لو قال قائل: هل يقدر الله عز وجل على أن يجعل الشيء متحركًا ساكنًا في آن واحد؟ نقول: هذا شيء مستحيل؛ لأنه إن كان متحركًا فليس بساكن، وإن كان ساكنًا فليس بمتحرك، فإذا جعله الله متحركًا لم يكن ساكنًا، وإن جعله ساكنًا لم يكن متحركًا من الأصل.
* طالب: (...).
* الشيخ: إي نعم.
* يستفاد: إثبات غدر اليهود، وأنهم أهل غدر وخيانة، هذا شيء معلوم من اليهود من حالهم منذ كان فيهم نبيهم عليه الصلاة والسلام موسى إلى يومنا هذا، فهم أشد الناس مكرًا وغدرًا وخيانة، من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ﴾.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا شيء عقلًا واضح؛ لأنك إذا وصفته بالحركة انتفى عنه السكون، وإن وصفته بالسكون انتفى عنه الحركة قطعًا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، هذا شيء معروف، ما يحتاج إلى إيمان، كما لو قلت: كل حادث لا بد له من مُحْدِث، شيء معقول، والأمور العقلية المعلومة بالضرورة ما تحتاج إلى تأمل ولا إلى تفكير.
* الطالب: (...).
* الشيخ: متناقضان، الحركة والسكون متناقضان، والسواد والبياض متضادان.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences