Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic
Al-Ahzab 33:35
33:35Page 422
إِنَّ ٱلۡمُسۡلِمِينَ وَٱلۡمُسۡلِمَٰتِ وَٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ وَٱلۡقَٰنِتِينَ وَٱلۡقَٰنِتَٰتِ وَٱلصَّٰدِقِينَ وَٱلصَّٰدِقَٰتِ وَٱلصَّٰبِرِينَ وَٱلصَّٰبِرَٰتِ وَٱلۡخَٰشِعِينَ وَٱلۡخَٰشِعَٰتِ وَٱلۡمُتَصَدِّقِينَ وَٱلۡمُتَصَدِّقَٰتِ وَٱلصَّٰٓئِمِينَ وَٱلصَّٰٓئِمَٰتِ وَٱلۡحَٰفِظِينَ فُرُوجَهُمۡ وَٱلۡحَٰفِظَٰتِ وَٱلذَّٰكِرِينَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا وَٱلذَّٰكِرَٰتِ أَعَدَّ ٱللَّهُ لَهُم مَّغۡفِرَةٗ وَأَجۡرًا عَظِيمٗا ٣٥
Indeed, the Muslim men and Muslim women, the believing men and believing women, the obedient men and obedient women, the truthful men and truthful women, the patient men and patient women, the humble men and humble women, the charitable men and charitable women, the fasting men and fasting women, the men who guard their private parts and the women who do so, and the men who remember Allāh often and the women who do so - for them Allāh has prepared forgiveness and a great reward.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ إلى آخره.
أولًا: إن القرآن الكريم في غالب ما يتحدث عن الأحكام الجزائية والأحكام العملية أكثر ما يتحدث مخاطبًا الرجال؛ لأن الرجال أشرف من النساء، ولأن الرجال قَوَّامُون على النساء، فإذا صلح الرجال صلحت النساء، ولأنه إذا اجتمع جنسان فإنه يُغَلَّب أيش؟ أشرفهما وأعلاهما، فلهذا أكثر الخطابات الواردة في القرآن توجَّه إلى الرجال؛ لهذه الأسباب الثلاثة ولغيرها، لكن في بعض الآيات تُذْكَر الأحكام للرجال والنساء؛ إما على سبيل التفصيل، وإما على سبيل على الإجمال.
مثال الأول: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخره، ومثال الثاني: قوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران ١٩٥]، فإن في هذا إجمالًا، ﴿أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾.
في هذه الآيات ذكر المفسرون أن من أسباب نزولها أن أم سلمة رضي الله عنها قالت: يا رسول الله، إن الله تعالى إذا تكلم إنما يتكلم عن.. ولا يذكر النساء، فأنزل الله تعالى هذه الآيات: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى آخره، فقوله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾، هذه (إنّ) التوكيدية التي تنصب المبتدأ وترفع الخبر.
(...) ذكور وإناث.
﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾ أيش؟ ذكور ولَّا إناث؟ ذكور، ما قال: أعد الله لهم ولهن، قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ﴾، فدلَّ ذلك على تغليب جانب الذكورية، كما أن في قوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ تقديم الذكور يدل على شرف الذكور، وهذا أمر لا يَمْتَرِي فيه عاقل، لكن لما جاء الغرب الخبيث القبيح المقلوب فطرةً ودينًا، وصار يقدِّم النساء من أجل إثارة الفتنة بهن، وتشريفهنّ على الرجال، لَمَّا جاء هذا الغرب الخبيث تبعه الذين يتبعون كل ناعق، وصاروا يقدِّمُون النساء على الرجال، حتى كانوا لا يطلقون على النساء إلا كلمة السيدات، يعني أنهن سيدات للرجال، فقلبوا الحقائق والأوضاع؛ لأن الله تعالى قد قلب فِطَرَهم، فعبدوا المادة دون خالقها، وكذلك تصرَّفوا في تصرفاتهم هذه، ويجب على المسلمين الحذر والتنبه من مغالطات أولئك الكفرة، لا في هذا، ولا في غيره، حتى يكونوا على بينة من أمرهم، ودينُهم والحمد لله قد بَيَّنَ الله فيه كل شيء.
﴿الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الإسلام في أعمال الجوارح الظاهرة؛ لأنه يشمل أو يُرَاد به أن يستسلم الإنسان لله ظاهرًا بجوارحه؛ بلسانه، بيديه، برجليه، بعينه، بأُذُنه، هذا الاستسلام الظاهر يسمى.. أيش تقولون؟ يسمى إسلامًا، وقد يقع من غير المؤمن، قد يقع من المنافق، وقد يقع من ضعيف الإيمان، قال الله تعالى: ﴿قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات ١٤]، هذا الإسلام مرتبته دون الإيمان، ليش؟ لأنه يقع من المؤمن الحق، ومن المنافق، ومن ضعيف الإيمان؛ لأنه الاستسلام لله تعالى بالجوارح الظاهرة.
﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾، هذا الاستسلام لله تعالى باطنًا، وذلك بالإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، ولسنا بحاجة إلى تفسير أحد للإيمان بعد أن فسَّره مَن؟ النبي ﷺ، حين سأله جبريل: ما الإيمان؟ قال:« «أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٠)، ومسلم (٩ / ٥) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وهو عند مسلم (٨ / ١) من حديث ابن عمر رضي الله عنهما أيضا، واللفظ له.]]، وتفاصيل هذه الجملة قد تكلمنا عليها مرارًا وليس هذا موضع بسطه.
إذن الإيمان هو أيش؟ الاستسلام لله باطنًا، بحيث يؤمن الإنسان بما يجب الإيمان به، وهو.. أكملوا، الإيمان بالله وملائكته، إلى آخره.
الإيمان أعلى من الإسلام لأن الإيمان يستلزم الإسلام، ولا عكس، فكل مؤمن لا بد أن يكون مسلمًا؛ لأنه إذا صلح القلب، أيش؟ صلحت الأعضاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْعَةً إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير رضي الله عنهما.]]، ولكن بعض الناس يعمل المعاصي ويحتج بقول الرسول عليه الصلاة والسلام: «التَّقْوَى هَاهُنَا»[[أخرجه أحمد (٧٧٢٧) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، إذا قلت: يا أخي اتقِ الله، صَلِّ مع الجماعة، اتقِ الله دع حلق اللحية، اتقِ الله اترك الغيبة، وما أشبه ذلك، يقول لك: التقوى هاهنا، كيف ترد؟
* طالب: نعم، صحيح أن التقوى في القلب، لكن إذا صلح القلب تصلح الجوارح، الإيمان باطنًا (...).
* الشيخ: نعم، نقول: لو اتقى ما هاهنا لاتَّقى ما هاهنا، يعني لو اتقى الباطن لاتقى الظاهر؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ»، فجعل الأمر جملة شرطية، والمعروف في اللغة والعرف والشرع أن الجملة الشرطية يتحقق فيها المشروط متى؟ إذا تحقق الشرط.
* طالب: بعضهم يحتج علينا حين المناقشة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء ٤٨]، فكيف نرد عليه؟
* الشيخ: نقول: صحيح، نحن معك أن هذه الذنب الذي تعمله دون الشرك قابل لأن يغفره الله، ولكن الله لم يقل: ويغفر ما دون ذلك لكل أحد، بل قال: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾، فهل تشهد أنك أنت ممن شاء الله أن يغفر له؟ أيش نقول؟ إذن فأنت على خطر، والأصل أن الوعيد على المعاصي ثابت، هذا هو الأصل؛ لأن رَفْعَه تحت المشيئة، ووقوعه بمقتضى الوعد، فالأصل ثبوته، واضح؟ فلا حجة له في هذا.
﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ يقول المؤلف، ما شرحها، ﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، الله يهديه يقول: (المطيعات)، كان عليه أنه يقول -الله يهديه ويغفر له، ولَّا عاد انتهى وقت الهداية- لكن يقول: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ كان عليه أن يقول: المطيعين، ولَّا لا؟ ويصير: ﴿وَالْقَانِتَاتِ﴾ معروف أنها المطيعات، واضح؟ نعم.
﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ القنوت هو ليس مطلق الطاعة كما يُفْهَم من كلام المؤلف، ولكنه الطاعة بدوام وذُلٍّ وسكون، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة ٢٣٨]، ولما نزلت هذه الآية أُمِرُوا بماذا؟ بالسكوت، ونُهُوا عن الكلام، فدلَّ هذا على أن القنوت ليس مجرد فعل الطاعة، بل هي طاعة مع ذُلٍّ وخضوع ودوام.
وقوله: ﴿الْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾، القنوت أعلى مما سبقه؛ لأن القانت معه الإيمان والإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر ٩].
﴿وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ﴾ في الإيمان، الصدق هو الإخبار بما يطابق، هذا الأصل في معنى الصدق؛ الإخبار بما يطابق الواقع، مثل أن أقول لك: إن هذه المروحة تشتغل، هذا صدق؛ لأنه إخبار بما يطابق الواقع، ولو قلت: إن هذه المروحة لا تشتغل، لم يكن صدقًا؛ لأنه إخبار بما يخالف الواقع، ولكن الصدق هل هو في القول فقط، أو يكون الصدق في القول والعمل والعقيدة؟
الجواب: الأخير، يكون الصدق في العقيدة بأن يكون الإنسان صادق الإخلاص لله عز وجل في كل أعماله، صادق العقيدة بحيث تكون مطابقة لما جاء به الشرع، ويكون الصدق كذلك في الأقوال بألا يقول إلا صدقًا، ولو كان الأمر عليه، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾ [النساء ١٣٥]، وانظر إلى نتيجة الصدق في قصة الثلاثة الذين خُلِّفُوا عن أيش؟
* طالب: عن المعركة.
* الشيخ: أي معركة؟
* الطالب: اليرموك.
* الشيخ: اليرموك؟! وين أنت .. اليرموك يا شيخ؟ نعم، الذين خُلِّفُوا؟
* طالب: عن غزوة تبوك.
* الشيخ: عن غزوة تبوك؟ لا، خطأ، ما قال: تخلفوا، فنقول: عن الغزوة، لكن خُلِّفُوا يعني أُرْجِئَ أمرهم؛ لأنهم جاؤوا أخبروا بالصدق، المنافقون كانوا يأتون ويقولوا: يا رسول الله لنا عذر ولنا عذر، فيستغفر لهم، ويَكِلُ سرائرهم إلى الله، لكن هؤلاء صدقوا فخُلِّفُوا، خُلِّفُوا عن أيش؟ عن الحكم عليهم بما حُكِمَ على المنافقين، وليس المراد أنهم خُلِّفُوا عن الغزوة، لو كان كذلك لقال: الذين تخلَّفُوا، هؤلاء الثلاثة وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، هؤلاء صدَقُوا رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأشد مَن تكلم وأَبْيَن مَن تكلم وأفصح مَن تكلم من هؤلاء الثلاثة كعب بن مالك؛ لأنه أشبُّهم رضي الله عنه، فتكلم كلامًا عجيبًا، ويحسن بكم أن تراجعوا قصته؛ لأنها في الحقيقة تزيد في الإيمان.
هؤلاء صدقوا، ماذا كانت نتيجة صدقهم؟ أن الله أنزل فيهم كتابًا يُتْلَى إلى يوم القيامة في مدحهم والثناء عليهم، حتى قال الله للناس كلهم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة ١١٩]، أما الآخرون قال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [التوبة ٩٥]، شوف الفرق بين الأمرين؛ هؤلاء كَذَبُوا فأُرْجِسُوا -والعياذ بالله- وهؤلاء صَدَقُوا فرُفِعُوا، فعليك بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يُكْتَب عند الله صِدِّيقًا[[أخرج البخاري (٦٠٩٤)، ومسلم (٢٦٠٧ / ١٠٣) بسنديهما عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ الصدق يهدي إلى البرِّ، وإنَّ البرَّ يهدي إلى الجنةِ، وإنَّ الرجل ليصدق حتى يكونَ صِدِّيقًا. وإنَّ الكذبَ يهدي إلى الفجور، وإنَّ الفجورَ يهدي إلى النار، وإنَّ الرجلَ ليكذب حتى يكتبَ عند الله كذَّابًا».]].
فالمهم أن الصادقين والصادقات نقول: في الإيمان، وفي القول، وفي العمل، كيف الصدق في العمل، أيش لون؟ الصدق في العمل أن يكون مطابقًا للباطن، فلا تعمل رياءً، ولا سمعة، ولا مصانعة، ولا مجاملة، ولا لأجل شيء من الدنيا.
مثال ذلك: رجل أخرج من جيبه ألف درهم فتصدق بها؛ لأن الناس يشاهدون، فقال: أريد أن يقول الناس: ما أكرم فلانًا! هل صدق في فعله؟ ويش ظاهر فعله؟ أنه لله، صادق، ولكن حقيقة أمره العكس، بل كان كاذبًا.
ومن الصدق في الأعمال متابعة الرسول ﷺ، فإنها دليل على صدق محبة الإنسان لله ورسوله، ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [آل عمران ٣١]، فصار الصدق في العقيدة، في القول، في العمل.
وما هو الأصل في الصدق؟ ما معنى الصدق في الأصل؟
قال لك إنسان: إنه قد طلع الفجر، فنظرت وإذا الفجر طالع، وقال لك آخر: إن الفجر لم يطلع، فنظرت فإذا هو طالع، إذن ما هو الصدق والكذب؟ أيش معنى الصدق؟ الإخبار بما يطابق الواقع، هذا هو الصدق.
ذكرنا أن الصدق يكون في العقيدة، وفي القول، وفي العمل؛ الصدق في العقيدة الإخلاص لله عز وجل، وأن يكون ما يعتقده مطابقًا لما جاء به الشرع، الصدق في القول الإخبار بما يطابق الواقع، ولو كان على نفسك، يقول واحد: إن الكذب منجاة، إذا فعلت جريمة وسألك أحد فقل: ما فعلت، تنجو، قال له الثاني: لكن الصدق أنجى، أيهما أصح؟ الأخير، أنت إذا كذبت وقُدِّرَ أنك نجوت فإن العاقبة وخيمة، لكن إذا صَدَقْتَ وقُدِّرَ أنك عُوقِبْتَ فإن العاقبة حميدة، الصدق في العمل أن يكون مطابقًا لما في الباطن، في القلب، بحيث يتطابق الظاهر والباطن.
* طالب: الصدق والكذب نجوة، الصدق أنجى وأنجوين.
* الشيخ: إذا كان في الكذب.
* الطالب: نجوة يعني نجاة فالصدق أنجى وأنجوين يعني..
* الشيخ: إي نعم، أنجى مرتين، صحيح، نقف على هذا؛ لأنه انتهى الوقت. (...)
* * *
﴿وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ﴾ إلى آخره.
كيف يخاطب الله سبحانه وتعالى المؤمنين (...).
مَن يعتقد ما يوافق الشرع فيما يتعلق بآيات الله وأسمائه وصفاته هذا من الصدق، الصدق في القول أظن (...).
﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، لَمَّا كان الصدق قد يترتب عليه من مجاهدة النفس ما يترتب؛ لأن إخبار الإنسان بالصدق ولا سيما مع نفسه أمر صعب، أعقبه بذِكْر أيش؟ الصبر، يعني كأنما يقول: اصدق واصبر على صدقك، فقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾، والصبر في اللغة الْحَبْس، ومنه قولهم: قُتِلَ صبرًا، يعني حَبْسًا، وفي الشرع: حَبْس النفس عن الكراهة لحكم الله عز وجل والتضجر منه.
أقول: إن الصبر أيش؟ حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لحكم الله، حُطُّوا بالكم لهذا، فقولنا: لحكم الله، يشمل الحكم الكوني والحكم الشرعي، وهذا التعريف يشمل أنواع الصبر الثلاثة التي تكلَّم عليها أهل العلم، حيث قالوا: إن الصبر ثلاثة أقسام، أو ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، فنحن إذا قلنا: حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لحكم الله، يشمل الأنواع الثلاثة ولَّا لا؟ لأنه يقول: حكم الله الكوني والشرعي، فالكوني يتعلَّق بالصبر على أقدار الله، والشرعي يتعلق بالصبر على طاعة الله، وعن معصيته.
الصبر على طاعة الله هو أعلى أنواع الصبر؛ لأنه صَبْرُ النفس على عمل وحركة وتعب، والصبر عن معصية الله دونه في المرتبة؛ لأن فيه حَبْسًا للنفس عما تشتهيه من أجل أنه معصية لله عز وجل، لكن هل فيه عمل كالصبر على طاعة الله؟ ما فيه عمل، ما فيه إلا الكف؛ كفّ النفس عن هذا المحرَّم، فبهذا تميَّز الصبر على طاعة الله على الصبر عن معصيته؛ لأن في كل منهما جهادًا للنفس، لكن الصبر على الطاعة فيه تكليف النفس بالعمل، وهذا ليس فيه تكليف نفس بعمل، ولكن فيه أيش؟ الكف عن معصية الله، فلهذا كان دون الأول في المرتبة، ولكننا نحن نقول: دون الأول في المرتبة، باعتبار نفس النوع، لا باعتبار الصابرين؛ لأن بعض الصابرين يعاني من المشقة من الصبر على معصية الله أكثر مما يعاني من الصبر على طاعة الله، أليس كذلك؟ فلو فرضنا أن رجلًا تُسَاوِرُه نفسه وتدعوه إلى فعل الفاحشة بضغط شديد، ولكنه عندما يصلي يجد نفسه مرتاحًا بدون عناءً ولا مشقة، لا شك أن معاناته الأولى أشد، ولكننا نحن نتكلم عن أنواع الصبر من حيث هي نوع، بقطع النظر عن الصابر وما يتعلق بحاله.
أما القسم الثالث فهو صبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا أدنى أنواع الصبر؛ لأنه صبر على ما لا فِعْل الإنسان به، صبر على أمرٍ ليس من فعله ولا من مقدوره، أليس كذلك؟ لكن الصبر على الطاعة وعن المعصية من مقدوره، أما أقدار الله فإنها ليست بمقدوره، فهو صبر على أمر ليس بمقدورك، لهذا كان أدنى منه.
ولذلك قال بعض السلف في المصاب: إما أن يصبر صبر الكرام، أو يسلو سُلُوَّ البهائم، وهذا صحيح، مَن منا لم يُصَب ببدنه أو أهله أو ماله، ثم تكون المصيبة عظيمة جدًّا، وبعد مُضِيّ مدة من الزمن ينساها، ما كأنها شيء، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى»[[متفق عليه؛ البخاري (١٣٠٢)، ومسلم (٩٢٦ / ١٤) من حديث أنس رضي الله عنه.]]، هذه حقيقة الصبر، أما بعد ذلك تبرد النفس، وتتلهى بأمر بما يحدث لها من شؤونها في حياتها حتى تتسلى، ولا كأن شيئًا جرى.
إذن الصبر كم أنواعه؟
* طالب: ثلاثة.
* الشيخ: ثلاثة، صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة.
ما تقولون في صبر أيوب عليه الصلاة والسلام، من أي أنواع الصبر؟
* طالب: (...).
* الشيخ: ما هي؟
* الطالب: صبر على طاعة الله.
* الشيخ: بماذا؟
* الطالب: والحقيقة أنه صبر على أقدار الله.
* الشيخ: نحن ما نبغي إلا الحقيقة، صبره على ما مَسَّه من الضر، من باب الصبر؟ على أقدار الله، ما تقول في صبر يوسف عن فعل الفاحشة في امرأة العزيز؟
* طالب: عن معصية الله.
* الشيخ: صبر عن معصية الله، ما تقول في صبر يوسف على ما ناله من أَلَم السجن وأذيته؟
* طالب: (...).
* الشيخ: (...) انتهى منه، لكن كونه سُجِن تألم وتأذى وصبر.
* الطالب: أقدار الله.
* الشيخ: على أقدار الله المؤلمة، هل ليوسف صبر على طاعة الله؟
* طالب: دخوله السجن اختياري، ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف ٣٣]، فيدل هذا على أنه اختار الطاعة (...).
* الشيخ: أيضًا دعوته لأهل السجن إلى عبادة الله وإلى توحيده هذا من الصبر على طاعة الله، فاجتمع في حقه أنواع الصبر الثلاثة، وهكذا تكون أنواع الصبر الثلاثة لكثير من عباد الله، الرسول ﷺ صبر على طاعة الله، وعن معصيته، ويش بعد؟ وعلى أقداره، وهذا شيء كثير.
إذن الصبر هل هو واجب أو مستحب؟ الصبر واجب؛ إحنا قلنا: كَفُّ النفس عن؟
* طالب: المعصية.
* الشيخ: لا، المعنى العام للصبر حَبْس النفس عن التسخط والكراهة لأحكام الله، ما قلنا: لشريعة الله، لأحكام الله، لأجل يشمل الصبر على أقدار الله المؤلمة، فالصبر إذن واجب، وفيه أجر كثير، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر ١٠]، ولهذا قال الله تعالى في الصوم: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، إِلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ»[[أخرج الترمذي (٧٦٤) بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنَّ ربَّكُم يقولُ: كلُّ حسنةٍ بعشْرِ أمثالها إلى سبع مئةِ ضعفٍ، والصومُ لي وأنا أجزي به، والصوم جُنّة من النار» الحديث. ]]؛ لأن الصوم حقيقةً اجتمع فيه أنواع الصبر الثلاثة؛ فهو صبر على طاعة الله، وصبر عن معصيته، وصبر على أقداره المؤلمة، فنسأل الأخ يحلِّل لنا هذه الأنواع الثلاثة في الصوم؟
* طالب: صبر على طاعة الله؛ لأن الله أمر به.
* الشيخ: لأنه؟ ما تقول: لأن الله أمره به، لأنه هو.
* الطالب: (...).
* الشيخ: اصبر ما خلصنا منك إلى الآن، صبر على طاعة الله، لماذا؟
* الطالب: لأن الله أمر به.
* الشيخ: لأنه صبر على الصوم، وحبس نفسه على الرضا به فصام، وصبرٌ عن معصية الله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا، الصائم مأمور بأن يجتنب أشياء كثيرة، فاجتنبها، إذن صَبَرَ عن معصية الله، صبرٌ على أقدار الله؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: أنت صُمْتَ هذه السنة في رمضان؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: الحمد لله، جعت وعطشت، وتألمت من هذا الجوع والعطش، إذن صبر على أقدار الله المؤلمة، ففيه أنواع الصبر الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة، ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ﴾.
* طالب: (...)؟
* الشيخ: لا، ما هو متعلق بالإرادة الكونية، متعلق بالإرادة الشرعية، هو مراد لله تعالى شرعًا، وأما كونًا فإنما يكون مرادًا له فيمن صام فقط، انتهى الوقت الآن؟
* طالب: نعم.
* طالب آخر: المؤلف يقول: (على الطاعات).
* الشيخ: لا، فيه نقص: (صابرين على الطاعات) أقول: في هذا نقص، الصواب: الصابرين على الطاعات، وعن المعاصي، وعلى أقدار الله المؤلمة.
* طالب: (...) الصبر حبس النفس عن الجزع، واللسان عن التشكي، والجوارح عن لطم الخدود وشق الجيوب.
* الشيخ: إي، صحيح، إحنا قلنا: عن الكراهة لحكم الله، عام، أعم مما قال رحمه الله. (...)
أو لا يُنَال أجرها ومرتبتها إلا بوجود أسبابها، فأما أن يقول الإنسان: أنا صابر، ثم لا يصبر، فإنه لا ينال تلك المرتبة، ولهذا كان الرسول عليه الصلاة والسلام يناله من أقدار الله المؤلمة أكثر من غيره، كما ثبت عنه أنه قال: «إِنَّهُ يُوعَكُ كَمَا يُوعَكُ الرَّجُلَانِ»[[متفق عليه؛ البخاري (٥٦٦٠) ومسلم (٢٥٧١ / ٤٥). وأخرجه أبو داود الطيالسي في مسنده (٣٦٨) بهذا اللفظ، كلهم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه. ]]، يعني أنه يصاب بالحمى كما يصاب الرجلان، وفي سياق الموت شُدِّدَ عليه عليه الصلاة والسلام من أجل أن تتم له هذه المرتبة، مرتبة الصابرين حتى ينال أعلاها.
قال: ﴿وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾، يقول المؤلف: (المتواضعين) -هذا مبتدأ درس اليوم- الخاشع المتواضع المتطامِن، وضده الْمُتَعَالِي المستَكْبِر، فالخشوع إذن تطامُن وخضوع وتواضع، وهو من أعلى مراتب الإيمان، ومن أكمل أحوال القلب، والخشوع له مواضع، منها: الخشوع في الصلاة، فَسَّرَه الفقهاء بأنه سُكُون في القلب يتبين على الجوارح، وبعضهم قال: معنًى في النفس يظهر منه خشوع الأطراف، فهو في القلب، ويظهر أثره على الجوارح، ولهذا يُرْوَى عن عمر رضي الله عنه أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته وهو يصلي فقال: «لو سكن قلبُ هذا لسكنتْ جوارحه »[[أخرجه عبد الرزاق (٣٣٠٨) عن ابن المسيب موقوفًا عليه، ولفظه: أنه رأى رجلًا يعبث بلحيته في الصلاة فقال: إني لأرى هذا لو خشعَ قلبُه خشعت جوارحه. ]]، وقد رُوِيَ مرفوعًا ولا يصح، وإنما هو عن عمر على ما فيه من ضعف عنه.
فالخشوع في الصلاة هو سكون القلب الذي يظهر أثره على الجوارح، أو معنًى يقوم بالنفس يظهر منه سكون الأطراف، وهناك أيضًا خشوع في بقية الطاعات بأن يؤديها الإنسان وهو متواضِع متطامِن لله عز وجل، ومنه ما حصل لرسول الله ﷺ حين فَتَحَ مكة وانتصر على أهلها، فإنه عليه الصلاة والسلام لم يدخل دخول العالي المستَكْبِر، وإنما دخل مطأطِئًا رأسه ﷺ خاضعًا لله تبارك وتعالى.
ومنه أيضًا الخشوع في الحج والعمرة، حيث يؤديها الإنسان بتطامُن وذُلّ وهو يعتقد أنه يعبد الله، فأنت إذا دخلتَ في العمرة أو الحج فاعتقد أنك في عبادة من حين أن تقول: لبيك اللهم لبيك، إلى أن تنتهي، ولكننا مع الأسف الشديد لا نشعر بهذا، فتجد الإنسان يَتَلَبَّس بمحظورات الإحرام وبغيرها من الْمُحَرَّمَات إلا أن يشاء الله، أو إلا مَن شاء الله.
إذن الخشوع يشمل جميع الطاعات بأن يؤديها الإنسان بتواضع وذُلّ وتطامُن، ليس في قلبه استكبار ولا عُلُوّ، ولا فرق في هذا بين أن يكون الخشوع في أثناء العبادة، أو بعد فعل العبادة أيضًا؛ لأن من الناس مَن يخشع في العبادة، لكن إذا انتهى منها رأى نفسه في درجة عالية، وأنه مرتفع، وأنه قد نال درجة ما نالها غيره، وهذا من الإعجاب بالنفس وبالعمل، فالإنسان ينبغي له إذا أدى العبادة أن يكون كما قال الله عز وجل: ﴿قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون ٦٠]، إن رأوا إلى تقصيرهم خافوا، وإن رأوا إلى فضل الله طمعوا.
﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾، ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ﴾ يعني: الباذلين للصدقة، والصدقة هي بَذْل المال تقربًا إلى الله عز وجل، ويشمل الزكاة فإنها أعلى الصدقات، ويشمل البذل التطوعي؛ كصدقة التطوع، وكالإنفاق على الضيف، وعلى الأهل، وعلى النفس، كل هذا من الصدقة، فما يجعله الإنسان في فَمِ امرأته من الصدقة، وما يأكله من الصدقة، كل شيء من المال تَبْذُلُه لله عز وجل فهو من الصدقة.
وقد يقال: إن المتصدقين أعمّ من الباذلين لمالهم فيما يرضي الله عز وجل، فيشمل فعل كل خير؛ لأن الرسول ﷺ يقول: «كُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، تُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ، تُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَبِكُلِّ خُطْوَةٍ تَخْطُوهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»[[أخرجه مسلم (١٠٠٦ / ٥٣) عن أبي ذرٍّ ولفظه: أنَّ ناسًا من أصحاب النبي ﷺ قالوا للنبي ﷺ: يا رسول الله، ذهب أهل الدُّثُور بالأجور، يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: «أوَليسَ قد جعل الله لكم ما تصدقون؟ إنَّ بكل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وكل تحميدة صدقة، وكل تهليلة صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهيٌ عن منكر صدقة، وفي بُضع أحدكم صدقةٌ»، قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدُنا شهوته ويكون له فيها أجر! قال: «أرأيتم لو وضعها في حرامٍ أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلالِ كان له أجرٌ». ]].
فإذا أخذنا بهذا العموم صار المتصدقون والمتصدقات يشمل مَن قام بأي طاعة من طاعات الله عز وجل، ولكنه من المعروف أن المتصدقين والمتصدقات يتبادر إلى الذهن أنهم الباذلون لمالهم فيما يُرْضِي الله عز وجل.
وقوله: ﴿وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ﴾ لا حاجة بنا إلى التطويل في تفسير الصدقات، وما ينبغي للإنسان أن يتصدق به، وهل يجوز أن يتصدق بكل ماله ويدع عائلته فقراء، أو لا يجوز، فإن هذا له موضع آخر.
المهم أن الله تعالى أثنى على مَن؟ على المتصدقين والمتصدقات.
قال: ﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ﴾ في الصدقة بذل، وفي الصيام إمساك، ﴿وَالصَّائِمِينَ﴾ هم الذين قاموا بالتعبد لله تعالى بالصيام، والصيام هو التعبد لله بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، وهو أنواع؛ منه ما هو ركن من أركان الإسلام، ومنه ما هو واجب وليس بركن، ومنه ما هو سنة معينة مقيَّدة، ومنه ما هو سنة مطلقة، أربعة أنواع، فالواجب الذي هو فرض من فروض الإسلام؟
* طالب: رمضان.
* الشيخ: وغيره؟ ما فيه غيره، والواجب الذي ليس من أركان الإسلام؟
* طالب: (...).
* الشيخ: غيره، النذر أوجبته على نفسك.
* الطالب: القضاء.
* الشيخ: لا، القضاء من أركان الإسلام.
* الطالب: (...).
* الشيخ: لا.
* الطالب: (...).
* الشيخ: صح كصيام الكفارات.
* طالب: (...).
* الشيخ: لا أبدًا، عندما يحنث الإنسان في يمينه ما أَوْجَبَ على نفسه أن يصوم، لكن فعل السبب.
ومنه ما هو سنة مقيَّدة بوقت معين؟
* طالب: (...) الإثنين والخميس.
* الشيخ: نعم، ومنه عاشوراء، وتسع ذي الحجة، ويوم عرفة، لا هذه الظاهر أنها ما تدخل في المعين، أو تدخل في المعين الست من شوال، تدخل في المعين؟ لكنها في كل الشهر، ومنه ما هو مطلَق، مثل أن يصوم الإنسان لله تعالى يومًا من الأيام، إلا أنه يُكْرَه أن يصوم الإنسان يوم جمعة منفردًا، بل إما أن يصوم يومًا قبله، أو يومًا بعده.
الصائمون والصائمات مُمْسِكُون عن ملاذِّهم وشهواتهم؛ عن الأكل، والشرب، والجماع، وما يتبع ذلك، لكن هذه هي الأساسيات في الملاذّ، ولهذا قال الله عز وجل في الحديث القدسي في الصائم: «يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَشَهْوَتَهُ مِنْ أَجْلِي»[[أخرجه مسلم (١١٥١ /١٦٤)، وأحمد واللفظ له (٩١١٢) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. ]]، الصيام ألا يدخل في الصبر؟ بلى، ولكنه عبادة مستقلة بنفسها، متضمِّن للصبر.
﴿وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ من الحرام.
* طالب: (...).
* الشيخ: أيهم؟
* الطالب: (...).
* الشيخ: فيها أنواع الصبر الثلاثة.
﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾، ﴿الْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ﴾ عن أي شيء؟ قال المؤلف: (عن الحرام)، وهي كلمة جامعة تشمل حفظ الفرج عن الزنا، وحفظ الفرج عن النظر، وحفظ الفرج عن العمل المحرَّم الذي هو دون الزنا، وقد بَيَّنَ الله عز وجل مَن يُحْفَظ عنه الفرج، أو مَن لا يُحْفَظ، فقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ [المؤمنون ٥ - ٧].
فأعلى شيء يُحْفَظُ عنه الفرج الزنا، وهو فعل الفاحشة في قُبُل أو دُبُر، إلا أنه إذا تعلَّق بذَكَر سُمِّيَ لواطًا، واللواط أعظم من الزنا -والعياذ بالله- لأن اللواط عقوبته الإعدام بكل حال، بل الأصح عقوبته القتل بكل حال، سواء كان الفاعل مُحْصَنًا أو غير مُحْصَن، لكن بشرط أن يكون مكلَّفًا، أي: بالغًا عاقلًا، فإذا تَلَوَّط ذَكَرٌ بآخر وهما عاقلان بالغان وجب قتلهما وإن لم يكونَا مُحْصَنَيْنِ، ولكن كيف يُقْتَلَان؟ اختلف في ذلك الصحابة رضي الله عنهم ومَن بعدهم، فقيل: يُرْجَمَان بالحجارة كالزاني المحصَن، وقيل: يُلْقَيَانِ من أعلى مكان في البلد ويُتْبَعَان بالحجارة، وقيل: يُحْرَقَان بالنار، كما فعل أبو بكر رضي الله عنه، حين كتب إلى خالد بن الوليد لما قال له: إن عنده رجلًا يُنْكَح كما تُنْكَح المرأة، فكتب إليه أبو بكر أن يحرقه، مبالغةً في عقوبته.
إذن أوجب ما يكون أن يُحْفَظ عنه الفرج هو الزنا، كذلك النظر يجب أن يحفظ الإنسان فرجه عن النظر، حتى الجنس مع جنسه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لَا تَنْظُرِ الْمَرْأَةُ إِلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ، وَلَا الرَّجُلُ إِلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ»[[أخرجه مسلم (٣٣٨ / ٧٤) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، ولفظه: «لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل، ولا المرأة إلى عورة المرأة». الحديث. ]]، فيجب حفظ العورة عن النظر، إلا على الزوجة وما ملكت يمينه، كذلك حِفْظُ الفرج عن الأفعال المحرَّمة غير الزنا واللواط والنظر، كالاستمناء مثلًا، وهو ما يُعْرَف عند الناس بالعادة السرية، ويكون في الرجال، ويكون في الإناث أيضًا، حتى الإناث يَسْتَعْمِلْنَ ذلك، هذه أيضًا مُحَرَّمَة لا تحل، وذلك لأنه ليس فيها حفظ للفرج، فإن الإنسان الذي يبتغي نيل شهوته بغير امرأته وما ملكت يمينه يدخل في قوله تعالى: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾، فهو حرام بالقرآن وبالسنة أيضًا؛ السنة ذكرنا أن من أدلتها قول الرسول عليه الصلاة والسلام، أَجِبْ الحديث..
«وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِنَّهُ لَهُ وُجَاءٌ»[[متفق عليه؛ البخاري (١٩٠٥)، ومسلم (١٤٠٠ / ٣) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.]] ما وجه الدلالة من الحديث؟
* طالب: أن النبي ﷺ أرشد إلى الصوم (...) لو كان فيه خير لأرشد الإنسان إليه.
* الشيخ: لو كان جائزًا لأرشد إليه.
* الطالب: النبي ﷺ قال: «مَا وَجَدْتُ شَيْئًا يُقَرِّبُ إِلَى اللَّهِ إلَّا أَمَرْتُكُمْ بِهِ»[[أخرج البيهقي في سننه الكبرى (٧ / ٧٦) بسنده عن المطلب المخزومي أن رسول الله ﷺ قال: «ما تركت شيئًا مما أمركم الله به إلا وقد أمرتكم به، ولا تركت شيئًا مما نهاكم الله عنه إلا وقد نهيتكم عنه».]] (...).
* الشيخ: وجه الدلالة أن الرسول أرشد إلى الصوم وهو أشق من هذه الفعلة ولو كانت هذه الفعلة جائزة لأرشد إليها الرسول عليه الصلاة والسلام؛ لأنها أسهل وأيسر، وقد قالت عائشة رضي الله عنها: «مَا خُيِّرَ النبي ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرَهما ما لم يكن إثمًا»[[متفق عليه؛ البخاري (٣٥٦٠)، ومسلم (٢٣٢٧ / ٧٨) واللفظ له من حديث عائشة رضي الله عنها.]]. فلما لم يختر هذا الأيسر عُلِمَ أنه إثم محرم.
* طالب: استخدام -يا شيخ- اللواط، الله سبحانه وتعالى أطلق عليه فاحشة.
* الشيخ: الفاحشة؟! مو فاحشة.
* الطالب: الفاحشة، نعم، فنُطْلِق عليها لواطًا، أليس فيها إساءة للنبي؟
* الشيخ: لا، أبدًا هذا شيء متعارف.
* الطالب: ويش (...)؟
* الشيخ: لا، هي أصلًا النسبة يجوز أن تُنْسَب إلى المضاف أو المضاف إليه، هذا مقتضى اللغة العربية، قوم لوط، يعني: لوطي أي: منتسب إلى هؤلاء القوم.
* طالب: إذا استمنى وهو في رمضان المحصن هل عليه الكفارة؟
* الشيخ: لا، ما عليه الكفارة، الكفارة ما تكون إلا بالجماع فقط.
* طالب: فيه أثر عن عن النبي ﷺ سئل عن نكاح المرأة في الخلف قال: «تِلْكَ اللُّوطِيَّةُ الصُّغْرَى»[[أخرجه أحمد (٦٧٠٦) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده.]]؟
* الشيخ: أحاديث وطء المرأة في الدبر كلها فيها مقال، لكن يَشُدُّ بعضها بعضًا وتدل على التحريم، وقد مر علينا في قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى﴾ [البقرة ٢٢٢] مر علينا أن من فوائدها تحريم وطء الدبر، هي مرت علينا.
* الطالب: قصدي على الاسم هذا؛ يعني: اللوطية؛ على الفعل هذا.
* الشيخ: إي نعم، اللوطية الصغرى.
* طالب: يدخل فيه إذا كان صومًا واجبًا يعني محرم عليه..؟
* الشيخ: محرم أيش؟
* الطالب: الوطء.
* الشيخ: معلوم؛ لأن الصوم الواجب لا يجوز قطعه إلا لضرورة بخلاف الصوم اللي غير واجب.
* الطالب: (...)؟
* الشيخ: كيف..؟ لا، مو هذا علشان حفظ الفرج، علشان العبادة، هذا حرام عليه حتى على امرأته.
* الطالب: (...) على امرأته؟
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences