Ibn 'UthayminAl‑Ahzab · 33:36–40

Ibn 'Uthaymin · Tafsir · in Arabic

Al-Ahzab 33:36–40, continued

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن معصية الرسول عليه الصلاة والسلام كمعصية الله؛ لقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ فإذا أتانا آتٍ ونهنيناه عن أمر جاء به النهي في السنة، وقال: هذا ليس في القرآن، ماذا نقول له؟ نقول: ما في السنة كما في القرآن، وقد توقع النبي ﷺ ذلك فقال: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُكُمْ مُتَّكِئًا عَلَى أَرِيكَتِهِ يَأْتِيهِ الْأَمْرُ مِنْ أَمْرِي فَيَقُولُ: لَا نَدْرِي، مَا وَجَدْنَا فِي الْكِتَابِ اتَّبَعْنَاهُ. أَلَا وَإِنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ»[[أخرج ابن ماجه (١٢) بسنده عن المقدام بن معد يكرب الكندي أن رسول الله ﷺ قال: «يوشك الرجل متكئًا على أريكته يحدث بحديثٍ من حديثي فيقول: بيننا وبينكم كتاب الله عز وجل، فما وجدنا فيه من حلال استحللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه، ألا وإن ما حرَّم رسول الله ﷺ مثل ما حرم الله».]].

وهذا الذي توقعه النبي عليه الصلاة والسلام وقع، بل صرحوا بأنه لا احتجاج إلا بما جاء في القرآن، وكما رأيتم الآن ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء ٨٠].

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تشريك الله ورسوله بالواو في الأحكام الشرعية، منين؟ ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ بخلاف الأمور الكونية فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يُشارَك مع الله بالواو؛ ولهذا لما قال له الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: «أَجَعَلْتَنِي لِلَّهِ نِدًّا؟! بَلْ: مَا شَاءَ اللَّهُ وَحْدَهُ»[[أخرج البخاري في الأدب المفرد (٧٨٣) بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: رجل للنبي ﷺ: ما شاء الله وشئت قال: «جعلتَ لله نِدًّا ما شاء الله وحده».]].

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات رسالة النبي ﷺ؛ لقوله: ﴿إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ورسالة النبي ﷺ عامة لجميع البشر منذ بعث إلى أن تقوم الساعة؛ ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠] والخاتم لا شيء بعده، وكانت شريعة الرسول ﷺ لكونها عامة شاملة إلى يوم القيامة كانت صالحة لكل زمان ومكان وأمة، ومعنى كونها صالحة أن العمل بها لا ينافي المصالح في أي زمان أو مكان، بل هو المصلحة هو عين المصلحة، وليس كما فعله بعض الناس وتصرف بهذه العبارة حيث زعم أن الدين أو أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان بمعنى أنه خاضع لكل زمان ومكان، فجعلوا الشرع تابعًا لا متبوعًا، وقالوا: إن العصر إذا اقتضى في زعمهم المصلحة فإن الشرع لا يعارضه، وبَنَوا على ذلك استحسان ما استحسنوه من الأمور التي لا شك في تحريمها؛ كتجويز الربا وأن هذه ينمي الاقتصاد ويقوِّي الأمة، وكتجويز التأمينات التي هي الميسر حقيقة والتي قرنها الله تعالى بالخمر والأنصاب والأزلام، إلى غير ذلك مما يرون أنه داخل في مسمى الدين الإسلامي بحجة أن الإسلام صالِح لكل زمان ومكان.

ونحن نقول: صالِح. ما نقول: خاضع. أنت اعمل بالإسلام في أي زمان أو مكان أو أمة وشوفها، وانظر هل ينافي المصالح أو ينمي المصالح، ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾.

ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ إلى آخره.

* يستفاد من هذه الآية الكريمة: تذكير النبي ﷺ بالأمور التي يحسُن أن يوعظ فيها؛ لقوله: ﴿وَإِذْ تَقُولُ﴾؛ حيث قلنا: إنها منصوبة بفعل محذوف تقديره (اذكر).

* ومن فوائدها: بيان منة الله على زيد بن حارثة بالإسلام والتمسك به حتى إن أباه وأعمامه لما جاؤوا يطلبونه وخيره النبي عليه الصلاة والسلام بينهم وبينه اختار أن يكون مع الرسول ﷺ.

* ومن فوائدها أيضًا: أن الإعتاق نعمة مِنَ المعتق على عَتِيقه وهو كذلك، والْفَرَضيون يعبرون بها -يعبرون بالنعمة- عن الإعتاق.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه يجوز عطف الأمور غير الشرعية بالواو إذا اختلف المعنى، وقلنا: إن الرسول ما يُسَوَّى بين الله وبين الرسول بالواو في غير الأمور الشرعية.

هنا عُطِفَ نعمة الرسول على نعمة الله بالواو مع أنها ليست من الأمور الشرعية، لكن الذي سَوَّغ ذلك اختلاف النعمتين؛ فالنعمة الأولى الإسلام والنعمة الثانية العتق.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الزوجة تابعة للزوج؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ﴾ فكأنها يَضُمُّها ويحرسها ويصونها وكأنها تابعة له كما في قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة ٤].

* ومن فوائد الآية الكريمة: استشارة ذوي الرأي؛ لأن زيدًا استشار النبي ﷺ.

* ومن فوائدها: أنه يجب على المستشار أن يبذل ما يراه -ولو باجتهاده- ما يراه هو الأولى؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أشار على زيد بإمساكها اجتهادًا منه خوفًا من إثارة المنافقين والمشركين عليه، ولكن لا يعني ذلك أن يكون الْمُشير مصيبًا فيما يتصرف فيه، قد يخطئ فيما يتصرف فيه، لكن هو في حال إشارته يرى أن ذلك هو الصواب.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الأفضل للزوج ألا يتعجل بالطلاق وأن يمسك عليه زوجته؛ لقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ فأشار عليه بعدم الطلاق، وإن كان للرسول عليه الصلاة والسلام أغراض أخرى، لكن لا يمنع أن تتعدد الأسباب في الأمر بإمساكها، ومعلوم أن الله عز وجل قال في كتابه المبين: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [النساء ١٩].

* ومن فوائد الآية الكريمة: ثبوت رسالة النبي ﷺ وأنها رسالة حق؛ لقوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فلو كان النبي عليه الصلاة والسلام كاذبًا -وحاشاه من ذلك- لكان يَكْتُم مثل هذه الأشياء؛ لأنها صعبة في حقه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن الله عز وجل قد يفعل خلاف ما كان الرسول عليه الصلاة والسلام عليه؛ بمعنى أن اجتهاد النبي ﷺ قد يكون مخالفًا لما يريده الله سبحانه وتعالى؛ لقوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فالرسول أخفى في نفسه هذه الأمر لكن الله تعالى خالفه في ذلك فأبداه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن خوف الناس قد يقع من الأنبياء ولكنهم لا يُقَرُّون عليه؛ لقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾.

* ومنها: وجوب تقديم خشية الله عز وجل على خشية كل أحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾؛ فالواجب على المرء ألا يخاف في الله لومة لائم وأن يتقيَ الله عز وجل في بيان الحق والعمل به، لا يَقُل: إن الناس يشمتون بي، إن الناس يسخرون مني، إن الناس يستهزؤون بي، وليكن ذلك فإنه لا يزداد بهذه السخرية والاستهزاء إلا رفعة عند الله سبحانه وتعالى.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنه لا يصح التزويج حتى ينتهي حق الزوج الأول من الزوجة بالكلية؛ لقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ فكان التزويج بعد انتهاء زيد منها بالكلية، ولا يَرِدُ على ذلك أن يقال: إن ظاهر الآية جواز التزويج بعد الطلاق مباشرة؛ لأن نقول: إن الوطر والحاجة ما تنتهي إلا بانتهاء العدة؛ إذ إن الإنسان لو أراد أن يرجع إلى زوجته في العدة وهي رجعية لحصل له ذلك.

* ومن فوائد الآية الكريمة: إثبات العظمة لله عز وجل والسلطان؛ لقوله: ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ لما له من العظمة والسلطان.

* ومن فوائد الآية الكريمة: فضيلة زينب رضي الله عنها؛ حيث زوجها الله سبحانه وتعالى لرسوله ﷺ، ما وجهه؟ أن غيرها يزوجه أولياؤه وأهلها، وأما هي فقد تَوَلَّى الله عز وجل تزويجها، وهذه منقبة عظيمة لها.

* ومن فوائدها: أن الله سبحانه وتعالى يثيب عبده أكثر من عمله؛ لأن هذه المرأة -كما سبق- تزوجت زيد بن حارثة مع أن زيدًا من الموالي وهي من صميم العرب وقد يكون في ذلك غض من حقها ومرتبتها، فرفع الله تعالى من شأنها؛ حيث زوَّجها رسوله محمدًا ﷺ هو بنفسه تبارك وتعالى، ولا شك أن هذا رفعة من شأنها؛ فهي بعد أن كانت تحت هذا المولى -وهي من صميم العرب وكان في ذلك شيء من الغضاضة عليها- رفع الله من شأنها بهذا الأمر.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن ما ثَبَت في حق النبي من أحكام فهو ثابت في حق الأمة، منين نأخذها؟ ما وجه ذلك؟

* الطالب: وجه ذلك أن هذا الحكم ثابت له وللمسلمين.

* الشيخ: نعم؛ لأنه هذا الحكم خوطب به الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم.. ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ فدلَّ ذلك على أن ما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الأحكام فأمته تبع له إلا ما قام الدليل على تخصيصه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: جواز تزوج الرجل بزوجة مَنْ تبناه، منين تؤخذ؟ ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾.

* ومن فوائدها: أن ابن التبني لا يُسَمَّى شرْعًا ابنًا، وما سماه الله ابنًا؛ لقوله: ﴿أَدْعِيَائِهِمْ﴾ وقوله في أول السورة: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ﴾ [الأحزاب ٤]، ويتفرع على هذه الفائدة أن قوله تعالى: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ﴾ [النساء ٢٣] أن هذا القيد ليس لإخراج ابن التبني؛ لأنه ما دخل في الأبناء حتى يحتاج إلى إخراجه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله عز وجل الأمر الكوني لا بد أن يقع. السؤال موجه الآن إلى واحد.

* طالب: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧].

* الشيخ: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [الأحزاب ٣٧]، لو قال قائل: ﴿أَمْرُ اللَّهِ﴾ مفرد مضاف فيعُمُّ الأمر الكوني والشرعي، فبماذا نجيبه ونحن قد خصصناه الآن بالأمر الكوني؟

* الطالب: أن الله سبحانه وتعالى يذكرها ولا تتحقق؛ الأمور الشرعية.

* الشيخ: الشرعية. صح.

* الطالب: (...).

* الشيخ: نعم، أحسنت؛ لأن الأمر الشرعي ليس مفعولًا لكل أحد، بل فيه مَنْ لا يفعله.

ثم قال تعالى: ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾ [الأحزاب ٣٨] إلى آخره.

* يستفاد منها؛ من الآية الكريمة: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما أحلَّ الله له وإن كان مخالفًا لما يعتاده الناس؛ لعموم قوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ و﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ﴾؛ لأن (ما) اسم موصول، فكل ما أحل الله للرسول فلا حرج عليه فيه.

* ويستفاد منه أيضًا: أنه لا حرج على الإنسان غير الرسول فيما أحل الله له، لا حرج عليه فيما أحل الله له منين يؤخذ؟ لأن ما ثبت في حق النبي ﷺ ثبت في حق أمته إلا بدليل ولكن يجب على الإنسان أن يراعي أحوال الناس وما يُسْتَنْكَر عليه فيه حتى لا يعرِّض نفسه للذم والقدح، فمراعاة أحوال الناس أمر لا بد منه إلَّا في الأمور الشرعية فإن الواجب على المرء إبانتُها وإظهارها.

* طالب: ألا يخصص هذا بحديث: (...)؟

* الشيخ: نعم، لا، كيف دنيا ويش معناها؟

* الطالب: يعني في مسألة الزواج كونهم يتعففون عن الزواج بزوجة من التبني قد يدخل في الأمور الدنيوية.

* الشيخ: إي، هو من الأمور الدنيوية؛ لأن الله ما حرمها.

* الطالب: ولذلك لماذا لا نقول: ليس عليه حرج فيما (...)؟

* الشيخ: لا فيما أحل الله له خاصة.

* طالب: الحلال يتعلق (...).

* الشيخ: نعم، وفيما حرم الله عليه عليه حرج.

* الطالب: مسألة الذم والقدح فيما أحل الله له كيف..

* الشيخ: نعم، ذَمَّ الناس له، ما هو ذم الله؛ يعني: بعض الأشياء المحللة إذا فعلها الإنسان صارت خارجة عن المروءة في عُرْف الناس، فمراعاة هذا الأمر ما نأخذه من هذه الآية، مراعاة هذا الأمر أمر لا بد منه؛ يعني: افرض أن هناك شيئًا حلالًا لكن الناس ينتقدونه عليك، ما هو من الأمور الشرعية التي لا بد من إبانتها فالأفضل للإنسان أن يَدَعَ هذا.

* الطالب: ألا يخصص هذا بحديث: «لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُو عَهْدٍ بِكُفْرٍ»[[أخرج ابن ماجه (٢٩٥٥) بسنده عن عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله ﷺ عن الحجر، فقال: «هو من البيت» قلت: ما منعهم أن يدخلوه فيه؟ قال: «عجزت بهم النفقة» قلت: فما شأن بابه مرتفعًا لا يصعد إليه إلا بسلم؟ قال: «ذلك فعل قومك، ليدخلوه من شاؤوا، ويمنعوه من شاؤوا، ولولا أن قومك حديث عهد بكفر، مخافة أن تنفر قلوبهم، لنظرت هل أغيره، فأدخل فيه ما انتقص منه، وجعلت بابه بالأرض».]]؟

* الشيخ: لا، هذه من مراعاة المصالح، من دفع المفاسد؛ لأنه إذا تحققت المفسدة فإن المفسدة لا يجوز أن الإنسان أن يمارسها، يجب عليه الكف عنها فلا تكون داخلة في ما أحل الله له.

* ويستفاد من الآية الكريمة: تكليف النبي ﷺ وأنه يلحقه الحرج فيما لم يُحِلَّه الله له؛ لقوله ﴿فِيمَا فَرَضَ اللَّهُ لَهُ﴾ فيستفاد من هذا أن الرسول ﷺ عبد من عَبِيدِ الله أو من عباد الله لا يخرج عن طاعته وشريعته كما قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: إن الرسول محمدًا ﷺ عَبْدٌ لا يُعْبَد ورسول لا يكذب. وهو كذلك، ويأتي إن شاء الله بقية الكلام عن الآية.

(...) البيان بالفعل أبلغ من البيان بالقول أو لا؟ لو تلحقونها. ذُكِرَت؟ ما أظن ذكرناها.

* الطالب: (...).

* الشيخ: (...) بالفوائد، إن البيان بالفعل أبلغ وأقوى من البيان بالقول، من أين يؤخذ؟ من كون الله تعالى زوَّج زينب بنت جحش رسولَه ﷺ فإن هذا أبلغ في الطمأنينة وثبوت الحكم. سبحان الله! هل ذكرنا أن في الآية دليل على أنما ثبت للرسول عليه الصلاة والسلام من الحكم فهو ثابت للأمة؟

* طلبة: نعم.

* الشيخ: ذكرناه وبيَّنا وجه الدلالة، وبيَّنَّا أن أمر الله الكوني لا بد من وقوعه.

إذن ﴿مَا كَانَ عَلَى النَّبِيِّ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الأحزاب ٣٨] ويش أخذنا منها؟

* الطالب: أنه لا حرج على النبي ﷺ فيما يفعله وإن كان مخالفًا للناس فيما أحل الله (...).

* الشيخ: تكليف؟

* الطالب: تكليف. أن النبي ﷺ عبد من عباد الله (...).

* الشيخ: نعم، طيب.

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم قال الله تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب ٣٨].

* من فوائد الآية الكريمة: أن ما شرعه الله لرسوله في هذه الآية فهو مشروع لمن كان قبله؛ لقوله: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾.

* وربما يؤخذ منها فائدة أيضًا: وهي أن شرع من قَبْلَنا شرع لنا؛ لأن الله جعل هذا سنة الأولين، وقد يُنازَع في ذلك فيقال: إن الله بَيَّن أنَّ ما شرعه لنبيه أو ما نفاه عنه من حرج فيما فرض له هو سنة مَنْ قَبْلَه ولا يعني ذلك أن يوافقه.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن أمر الله قد كُتِبَ وقُدِّرَ؛ لقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾، وهل المراد بالأمر هنا الكوني أو الشرعي؟ الكوني.

ثم قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾. بناء على إعراب المؤلف أن ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من قوله: ﴿الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلُ﴾ * يكون من فوائد هذه الآية الكريمة: الثناء على الرسل السابقين؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ﴾.

* ومن فوائدها أيضًا: الثناء على مَنْ بَلَّغ شيئًا من شريعة الله من غير الرسل؛ وجه ذلك أنه إنما أُثْنِيَ على الرسل لكونهم بَلَّغوا الرسالة ولم يخشوا أحدًا فمن كان مثلهم في ذلك فهو محل الثناء.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أنَّ من صفات الرسل عليهم الصلاة والسلام ألا يَخْشَوا أحدًا في تبليغ الرسالة، وإنما يخشون الله في عدم تبليغها، لا يخشون الناس في تبليغها ويخشون الله في عدم تبليغها.

* ومن فوائدها: أن إبلاغ الرسالة من خشية الله؛ فإنه لولا خشية الله ما بَلَّغوا رسالته.

* ومن فوائدها: إثبات الرسالات في من سبق؛ لقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ﴾. واعلم أنه ما من أمة من الأمم إلا أَرْسَل الله إليها رسولًا لأجل أن تَنْتفيَ الحجة عن الله وتزول المعذرة.

* ومن فوائد الآية الكريمة: أن حِفْظَ الله عز وجل في غاية ما يكون من الحفظ؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ هذا إذا جعلنا الحسيب بمعنى الحفيظ الكافي لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق ٣]، أما إذا جعلنا الحسيب بمعنى المحاسب فإنه يؤخذ منها فائدة؛ وهي كمال محاسبة الله عز وجل عباده وأنه لا يفوته شيء.

* ويستفاد من الآية الكريمة: إثبات علم الله؛ لقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا﴾ سواء جانا الحسيب بمعنى المحاسب أو بمعنى الحفيظ فإنه لا محاسبة إلا عن عِلْم ولا حفظ إلا بعلم.

* * *

* طالب: (...) ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ﴾ الفعل المضارع (يبلغون) للاستمرار.

* الشيخ: لا، وقد يكون لوصف الحال؛ حكاية الحال، ما عرفت أنه يأتي الفعل المضارع في شيء مضى من باب الحكاية؟

* الطالب: (...).

* الشيخ: الذي أشار إليه المؤلف.

* الطالب: عموم الآية فيما فرض الله له حلال يعني، هذا واحد لا يكون له (...) مطلقًا.

* الشيخ: ويش لون؟

* الطالب: الإنسان في الأشياء..

* الشيخ: المباحة.

* الطالب: لا يكون له الحرية المطلقة.

* الشيخ: هذا هو الأصل، لكنا ذكرنا في أثناء التفسير أنه ينبغي للإنسان أن يراعي شعور الناس في بعض الأمور.

قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب ٤٠] ﴿مَا﴾ نافية، وهل هي حجازية أو غير عاملة؟

الجواب: غير عاملة؛ لأن العمل لـ (كان) وليس لها.

﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ يعني رسول الله ﷺ ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾، لم يقل: ما كان رسول الله، بل قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ﴾ فتَحَدَّث عنه باعتباره شخصًا من الناس، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ﴾ فأثبت له الرسالة.

وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ﴿أَبَا﴾ بالألف؛ لأنها خبر كان، ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فليس أبا زيد أي: والده فلا يحرم عليه التزوج بزوجته زينب.

قوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا أو تبنيًا وولادة؟ تبنيًا وولادة أيضًا؛ لأن أبناء الرسول ﷺ الثلاثة تُوفوا قبل أن يبلغوا الرجولة، كلهم توفوا وهم صغار.

وقال بعض أهل العلم: إن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأنه قال: ﴿مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ فأضاف الرجال إليهم، ولم يقل: أبا أحد من الرجال؛ وعلى هذا فلا يكون في الآية دليل على أنه ليس أبًا لأحد من الرجال نسبًا وتبنيًا، وهذا هو الأقرب أن المراد ﴿أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ تبنيًا؛ لأجل أن ينفي ما كان معروفًا عندهم من أن زيد بن حارثة ابن لرسول ﷺ.

وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ مر علينا فيما سبق ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أن بعض السلف قرأ: (وهو أبٌ لهم) فكيف يُجْمَع بينه وبين هذه الآية؟

الجمع بينهما أن يقال هنا: ليس أبا أحدًا من الرجال بالتبني ولكنه أبٌ للمؤمنين باعتبار التعليم والتوجيه والإرشاد.

﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (﴿﴿وَلَكِنْ﴾ ﴾ كان ﴿﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ ﴾) أفادنا المؤلف أن ﴿رَسُولَ اللَّهِ﴾ منصوبة بفعل محذوف تقديره (كان) رسول الله.

﴿رسول﴾ بمعنى: مُرْسَل أي: مرسل الله عز وجل لعباده.

﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني: وكان خاتم النبيين (فلا يكون له ابن رجل بعده يكون نبيًّا)، وهذا التفسير الذي ذهب إليه المؤلف فيه نظر؛ لأنه يقول: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ إذن ليس له ولد بعده يكون رجلًا فيكون نبيًّا، وهذا بناءً على أنه يلزم أن يكون ابن النبي بعده نبيًّا، وهذا ليس بلازم فإن بعض الأنبياء ليس كلهم أولادهم أنبياء، صحيح أن كثيرًا من الأنبياء صار أولادهم أنبياء كإبراهيم مثلًا، ولكن لا يعني ذلك أن جميع الأنبياء يلزم من كونهم أنبياء إذا خلَّفوا أولادًا أن يكونوا أنبياء.

ولكن معنى قوله: ﴿خَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ أنه لا نبي بعده، هذا معنى الآية التي لا يحتمل غيرها.

﴿وَخَاتَمَ﴾ فيها قراءتان إحداهما بالكسر والثانية بالفتح، وهي عندي بالكسرة ﴿﴿وَخَاتِمَ النَّبِيِّينَ﴾ ﴾ على أن ﴿﴿خَاتِمَ﴾ ﴾ اسم فاعل؛ يعني الذي يختمهم، وفي قراءة بفتح التاء كآلة الختْم أي به خُتِم فتح التاء ﴿خَاتَمَ﴾، والخاتم ما يُخْتَم به الشيء مثل الخاتم الذي يكون في الإصبع وكُتِبَ عليه اسم صاحبه فإذا أراد أن يختم الكتاب ختمه بهذا الخاتم.

والنبي عليه الصلاة والسلام خاتِم وخاتَم؛ خاتِم لأنه آخرهم، وخاتَم كأنه طُبِعَ على الرسالات بعد ذلك فلا يمكن أن يأتي بعده رسالة، وهذا هو فائدة القراءتين.

وقوله: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ هذا كما ترون في القرآن، وفي السنة أيضًا أدلة كثيرة تدل على أنه خاتم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وعلى هذا فلا نبي بعده.

فإن قلت: ألم يثبت أن عيسى عليه الصلاة والسلام ينزل في آخر الزمان وهو نبي؟

فالجواب: بلى، ينزل وهو نبي لكن نبوة عيسى لم تتجدد بعد، بل كان نبيًّا من قبل أن يُرْفَع ولم يتجدد له نبوة بعد نبوة النبي ﷺ، فكان النبي عليه الصلاة والسلام خاتم الأنبياء.

وهل يأتي عيسى بشريعة جديدة؟ لا، فإن قلت: أليس يضع الجزية ويكسر الصليب ويقتل الخنزير ولا يقبل إلا الإسلام؟

فالجواب: بلى، وهذه الأحكام مخالفة لحكم الشريعة الآن، فهل معنى ذلك بأنه يأتي بأحكام متجددة؟ الجواب: لا؛ لأن إخبار النبي ﷺ بذلك يكون إقرارًا له فيكون هذا من سنة الرسول ﷺ؛ يعني هو من المعلوم أن سنة الرسول عليه الصلاة والسلام هي قوله وفعله وإقراره، فإذا قال ذلك عن عيسى مقررًا له صار ذلك من سنته، وحينئذ فلم يأت عيسى بنبوة جديدة ولم يأت بتشريع جديد، ولا إشكال في ذلك.

﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴿كَانَ﴾ فيما مضى، وأما الآن؟ لا، إذن ﴿كَانَ﴾ هنا مسلوبة الزمان، وإنما يؤتى بها لتحقق الصفة وهي العلم.

(﴿﴿وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ﴾ منه بأن لا نبي بعده) يعني: من العلم الذي علمه الله تعالى أنه لا نبي بعده؛ ولهذا قال: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب ٤٠].

وقوله: ﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ يشمل حتى أعمال بني آدم؟ نعم ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ [ق ١٦] قبل أن يعمله.

قال: (وإذا نزل السيد عيسى يحكم بشريعته) (إذا نزل السيد) هل وصفه الله بالسيد؟

* طالب: نعم، ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران ٣٩].

* الشيخ: من هو هذا؟ ما هو يحيى؟ ما وصفه الله بالسيد في سورة آل عمران؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا﴾ [آل عمران ٤٥، ٤٦].

* طالب: ﴿وَجِيهًا﴾.

* الشيخ: ﴿وَجِيهًا﴾. لكن ما قال: (سيد). على كل حال أنا أخشى أن هذه الكلمة دخلت على المؤلف من عبارات النصارى؛ لأنهم دائمًا يقولون: السيد المسيح، السيد المسيح. ولا شك أنه سيد عليه الصلاة والسلام؛ لأنه نبي من الأنبياء.

يقول: (يحكم بشريعته) وحينئذ لا يأتي بشريعة جديدة فلا ينافي الآية: ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾.

وقد علمتم أنه يَرِدُ على قضية نزول عيسى إيرادان:

أولًا: أنه نبي، فكيف يكون نبيًّا والرسول هو خاتم الأنبياء.

وثانيًا: أنه يحصل به تغيير لبعض أحكام الشريعة، وأجبنا عن ذلك.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском